هل الفتوى توقيع عن الله عز وجل؟ (2 ـ 2)

هل الفتوى توقيع عن الله عز وجل؟ (2 ـ 2)

أود أن أوضح حقيقة هامة قبل أن أتوقف عند عنوان كتاب الإمام ابن القيم – رحمه الله -: «إعلام المُوقعين عن ربِّ العالمين» أنّ علماءنا الأوائل قد اجتهدوا بقدر ما حملوه من علمٍ وفكر، ولكن لا يعني أنّ كل ما قالوه صواب غير قابل للنقد والمراجعة، وبيان ما فيه من أخطاء إن كانت هناك أخطاء فيما ذهبوا إليه، فهم ليسوا بأنبياء معصومين من الخطأ، وهذا لا يُقلِّل من قيمتهم ومكانتهم العلمية، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل الفتوى توقيع عن الله، كما قال الإمام ابن القيِّم؟.
وجوابًا عن هذا السؤال، أقول:
أولًا: إنّ الإمام الجليل ابن القيم قد خانه التوفيق في هذا المسمى، لأنّه لا يجرؤ مخلوق التوقيع عن الخالق جل شأنه، وإن كان الله جل شأنه لم يُفوّض أنبياءه ورسله، المعصومين من الخطأ للتوقيع عنه، فكيف يُفوِّض الإمام ابن القيم البشر بذلك؟، فالله جل شأنه هو العالم بقصور فهمهم وبتحكم الأهواء في بعضهم، وعدم تحررهم من موروثات مجتمعاتهم الفكرية والثقافية في الجاهلية، والتي لم يتحرر منها الإمام ابن القيّم ذاته؛ إذ نجده قال في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، إنّ السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته، حاكم عليها، وهى تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير». (ابن القيم: إعلام الموقعين، ج2 ص 106. طبعة بيروت سنة 1973).
فهل هذا هو حكم الخالق، حتى يُعطى لقائله حقّ التوقيع عنه جلّ شأنه؟.
ثانيًا: قد حدّد الله مهام أنبيائه ورسله التي لا تتعدى عن البلاغ والإنذار، ولنقرأ معًا هذه الآيات:
﴿يا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.. (المائدة:67).
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.. (الأحزاب:38-39).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[النحل:125]
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.. (آل عمران:159).
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.. (الإسراء:105)
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.. (سبأ: 28)
﴿تبارك الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.. (الفرقان:1).
﴿فإن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).. (النحل:82).
﴿ومَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.. (النور:54).
فلا توجد آية في القرآن الكريم فيها تفويض من الله لأنبيائه بالتوقيع عنه، بل نجده جلّ شأنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.. (القصص:56)
ويقول جل شأنه: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.. (يونس: 99-100).
ثالثًا: لو اعتبرنا الفتوى توقيعاً عن الله فهي تكون ملزمة وليست مُعلمة، مع أنّها مُعلمة.
رابعًا: إنّ الإنسان لا يحق له التوقيع عن أخيه الإنسان إلّا بتوكيل منه على ذلك، فهل الله وكّل المُفتين بالتوقيع عنه؟.
خامسًا: إن كانت الفتوى توقيعاً عن رب العالمين، فهذا يعني أن تُنسب للخالق جل شأنه كل الفتاوى الخاطئة والتي تقلل من شأن المرأة وتسلبها كثيراً من حقوقها، وتنتقص أهليتها، إلّا عند تطبيق الحدود والقصاص والتعزيرات عليها، وفيما عدا ذلك تجعلها تحت الوصاية الذكورية من الميلاد إلى الممات.. وكذلك الفتاوى التكفيرية التي تستبيح دماء من يُكفَّرُون


إن ھذا یعني أن الفتاوى التكفیریة تُنسب إلى الله جل شأنه، والتي تدعو إلى قتال غیر المسلمین إلى أن تقوم الساعة، للفھم الخاطئ للجھاد، الذي فسروه بمقاتلة المناوئ للدعوة، الذي لا یرید أن یدفع الجزیة، والذي لا یُریدك أن تنشر الإسلام، ھذا ھو فھمھم لقول النبي صلى الله علیھ وسلم: أمرت أن قاتل الناس حتى یشھدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ویقیموا الصلاة، ویؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءھم وأموالھم، إلا بحق الإسلام، وحسابھم على الله تعالى).. (رواه البخاري ومسلم).
فھذا الحدیث تنفي صحته كل آیة من الآیات التالیة:  
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (يونس 99 ـ 100).  ) ) 
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف 29)، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون 6)، لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ (الرعد 31)، 
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ(القصص 56)،  إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ (الشورى 48)، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية 22).
فأخذوا بھذه الروایة لاعتقادھم بصحة جمیع أحادیث الصحیحین، ولقولھم بأن ھذه الآیات بقیت تلاوتھا ونُسخ حكمھا، فھل ھؤلاء الذین جعلوا علاقة المسلمین بغیرھم من الأمم على اختلاف أدیانھم ومعتقداتھم في قتال معھم إلى أن تقوم الساعة یملكون حق التوقیع عن الله، وما یفتون به یخالف حكم الله، وقوله : 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات 13).
إضافةً إلى مخالفة الحدیث للواقع التاریخي، فھو لا یتفق مع «صحیفة المدینة» التي كانت بینه – علیه الصلاة والسلام – وبین سكان المدینة، وقد تضمنت بنودھا احترام حریة التدین لسكان المدینة على اختلاف دیاناتھم.
كما لا یتفق مع واقع الحروب التي خاضھا النبي – صلى الله علیھ وسلم – مع مشركي مكة والیھود، فقد كانت حروبًا دفاعیة، ولیست ھجومیة. وقد ارتكب كتَّاب السیرة والمؤرخون القدامى والمحدثون خطًأ فادحا بإطلاقھم على حروب كفار قریش ویھود المدینة وخیبر للرسول – صلى الله علیھ وسلّم – بغزوات الرسول، فھو لم یغزُ، وإنّما صد ھجوم الغزاة.
وھم بقولھم ھذا، یُعززون فریة نشر الإسلام بحد السیف، لأنّھم حصروا مفھوم الجھاد في سبیل الله بالقتال في سبیل نشر عقیدة التوحید، ومجاھدة الكفار بدعوتھم وقتالھم. فالإسلام لم ینتشر بالقتال، وإنّما بحسن المعاملة، بدلیل دخول كثیر من البلاد الآسیویة والإفریقیة في الإسلام عن طریق التجار المسلمین، فلم تكن غایة الفتوحات الإسلامیة فرض الإسلام، وإنّما كانت غایتھا حمایة دولة الإسلام في الجزیرة العربیة من الأخطار التي تُھددھا من الإمبراطوریتین الفارسیة والرومانیة. فقد أمن الفاتحون المسلمون سكان البلاد المفتوحة على أدیانھم وكنائسھم ومعابدھم وأموالھم، حتى اللغة العربیة لم تُفرض علیھم، بدلیل أنه لم یتم تعریب الدواوین إلا في سنة مئة ھجریة، أي بعدما تعلَّم سكان البلاد المفتوحة اللغة العربیة نتیجة اختلاطھم بالقبائل العربیة التي رافقت الجیوش الفاتحة، واستقرت في تلك البلاد واختلطت بسكانھا، وتصاھرت معھم.
فھل الذین یتصدون للفتوى یُعتبرون موقِّعين عن رب العالمین لمجرد أن الإمام «ابن القیِّم» قرر ذلك، وبعضھم یترك آیات قرآنیة بدعوى نسخھا لعدم فھمه آیة : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 106)، ویستند على أحادیث ضعیفة وموضوعة لمخالفتھا للقرآن الكریم؟.. بل نجد بعضھم قد أفتى بفتاوى تُخالف القرآن الكریم مخالفة صریحة، والأمثلة كثیرة، سأوضح بعضا منھا في الحلقة القادمة -إن شاء الله- فللحدیث صلة. 
سهيلة زين العابدين حماد، كاتبة عربية من المملكة العربية السعودية 
suhaila_hammad@hotmail.com

نشر المقال على حلقتين في :
صحيفة المدينة، يومي السبت 29 أيلول/سبتمبر 2018 ـ السبت 6 تشرين الأول / أوكتوبر 2018.
رابط الحلقة الأولى :
https://www.al-madina.com/article/591042
رابط الحلقة الثانية :
https://www.al-madina.com/article/591948

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » الدين الحنيف » المجتمع المدني » حوار