حرب إقليمية هجينة بين واشنطن وطهران

حرب إقليمية هجينة بين واشنطن وطهران

يُقدِّم تقرير أرسله البنتاغون للكونغرس الأميركي في شهر تموز/ يوليو الماضي إيضاحات إضافية لطبيعة الاستراتيجية الأميركية المعتمدة ضد إيران. إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي رفعت العداء لطهران إلى مصافّ الأيديولوجيا، وباتت سياستها ترجمة عملية لذلك، فانسحبت من الاتفاق النووي، ومضت في تشديد العقوبات على إيران وفي ابتداع عقوبات جديدة على الدول والجهات المستعدة لشراء منتجاتها النفطية، في خطوة لا سابق لها في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، قرّرت رفع مستوى المواجهة إلى درجة أعلى.
التعديلات والتغييرات التي يفترضها تقرير البنتاغون، عن ضرورة تكييف المؤسسة العسكرية الأميركية تدريباتها و«ألعابها العسكرية» (war games) وتكتيكاتها القتالية مع «الأبعاد المتعددة للحرب في المناطق الرمادية»، تظهر أننا أمام ما اصطُلح في الآونة الأخيرة على تسميته «الحرب الهجينة»، أي تلك التي تتجنّب المواجهة العسكرية الشاملة والمباشرة، وتعتمد عوضاً عنها على سلسلة عمليات عسكرية وغير عسكرية تقوم بها قوات خاصة نظامية و/ أو مجموعات رديفة محلية أو دولية بهدف زعزعة استقرار الخصم، وإضعافه وتحجيم نفوذه، أو حتى تسريع انهياره داخلياً إن كان الأمر ممكناً. هي استراتيجية تستلهم تجارب سابقة في التدخل الخارجي للولايات المتحدة، من استراتيجية الاحتواء التي اعتُمدت ضد الاتحاد السوفياتي منذ أواخر أربعينيات القرن المنصرم، إلى الحروب المنخفضة التوتر في نيكارغوا وأفغانستان في ثمانينياته وفي العراق في تسعينياته، مع إضافات نوعية يتيحها التطور التكنولوجي. لكن العالم والإقليم تغيّرا كثيراً في العقدين الأخيرين. والمعلومات التي أوردتها وكالة «رويترز» عن تزويد طهران لحلفائها في العراق بصواريخ بالستية قصيرة المدى، ومساعدتهم على تصنيعها محلياً، والتي تضاف إلى الاتهامات المتكررة، الأميركية والإسرائيلية، لها بالقيام بالأمر نفسه في سوريا ولبنان واليمن، مؤشر حاسم على هذا التغيير، وعلى أن الولايات المتحدة لن تكون وحدها القادرة على شنّ الحرب الهجينة.
في مقالة نُشرت في عدد هذا الشهر من دورية «الشؤون الخارجية» (Foreign Affairs) الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية، كتب أستاذ العلوم السياسية والشؤون الخارجية في جامعة «جورج واشنطن»، مارك لينش، أن «السياسة الفوضوية لترامب ينبغي ألّا تحجب الحقائق البنيوية العميقة في منطقة الشرق الأوسط، التي كان سيصعب على أي رئيس أميركي آخر التعامل معها. لم يعد للولايات المتحدة القدرة والموقع الضروريان لفرض نظام إقليمي يناسبها. ومن المرجح ألّا تنجح واشنطن في استعادة هيمنتها، لأن الشرق الأوسط تغيّر جوهرياً».

مراكز صنع القرار في واشنطن، بما فيها أجنحة الدولة العميقة المتصارعة مع ترامب، لم تتوصّل بعد إلى هذه القناعة، ولا تزال مصرّة على إعادة بسط سيطرتها على منطقتنا وبقاع أخرى من العالم. وكانت استراتيجيتا الأمن القومي والدفاع الوطني، اللتان أُعلِنتا في بداية هذا العام، قد أوضحتا هذا الواقع بجلاء. تشير مقدمة التقرير المُرسَل من البنتاغون للكونغرس إلى أن هذا الأخير يأتي في سياق التزام القيادة المركزية الأميركية (Centcom)، المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، توجيهات استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة.

وقد دعا التقرير، المُوقَّع من رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماك كينزي، إلى وضع جدول مناورات عسكرية مشتركة ومندمجة لـ74 عملية تدريب تقوم بها القوات الأميركية في الشرق الأوسط مع حلفائها. وهو يتضمّن تغييرات مهمة لمروحة واسعة من التكتيكات العسكرية من الحرب غير التقليدية والحرب السيبرانية إلى العمليات الخاصة ضد الأعداء. وتشرف قيادة العمليات الخاصة في البنتاغون في هذا الإطار على تدريبات على الحرب غير النظامية في غابات كارولينا الشمالية، يتخللها تدريب عناصر القبعات الخضر الأميركيين لمجموعات حرب عصابات محلية تقاتل قوات حكومتها.

إيران أول المستهدفين بهذه التدريبات. وكان وزير الدفاع الأميركي، جايمس ماتيس، قد قال الأسبوع الماضي إن طهران «أُبلغت بأن عملياتها التخريبية في المنطقة، والجرائم التي سبّبتها، أمور لن نسمح بها، وستُحاسب عليها». نقطة أخيرة تكتسب أهمية رمزية نظراً إلى الطبيعة الشديدة الرجعية للقوى المتحالفة داخل إدارة ترامب، وافتخارها بما اعتبرته إدارات أميركية أخرى معيباً، هو اختيارها لتاريخ السادس عشر من آب/ أغسطس، الذي يصادف هذه السنة الذكرى الـ65 لقيام المخابرات المركزية بإطاحة رئيس الوزراء محمد مصدق، لتشكيل مجموعة العمل حول إيران المُكلَّفة إدارة الأنشطة المعادية لها.

ورقة الأقليات
تزايد العمليات التي تشنّها مجموعات عسكرية من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» وحزب «كومله» وحزب «بيجاك»، يكتسب معنىً مختلفاً في ضوء المعطيات الواردة آنفاً. ففي الشهرين الماضيين، قامت مجموعات من «الديمقراطي الكردستاني» بهجمات في مدينة بان وفي مدينة أوشنافييه قرب الحدود مع العراق، ما أدّى إلى مقتل عدد من عناصر الحرس الثوري حسب زعمها. الحرس الثوري، من جهته، قال إن قواته نجحت في صدّ هجوم أوشنافييه، وقتل 11 متمرداً، ومصادرة كمّيات كبيرة من الأسلحة والذخائر وأجهزة الاتصال. حزب «بيجاك»، الذي عاود نشاطه العسكري، أعلن مسؤوليته عن عملية في مدينة ماريوان. 

بالتوازي مع هذه التطورات، زار رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» مصطفى هجري، والأمين العام لحزب «كومله» عبد الله مهتدي، الولايات المتحدة، خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي، والتقيا مدير مكتب الشؤون الإيرانية في الخارجية الأميركية ستيفن فاجين، الذي عُيِّن أخيراً قنصلاً عاماً في أربيل، حيث شيّدت الولايات المتحدة قنصلية ضخمة ذات «وظائف متعددة». دعا مهتدي عند اللقاء، الولايات المتحدة، إلى «مساندة المعارضة الديمقراطية في إيران، خاصة الشعب الكردي، للدفع إلى تغيير ديمقراطي حقيقي». وهو قدّم أيضاً مداخلة أمام مجلس العلاقات الخارجية مُحرِّضاً على تغيير النظام في إيران. 

يبدو حتى الآن أن المسعى الأميركي لاستغلال ورقة الأقليات القومية لم ينجح إلا في الحالة الكردية. وقد فشلت محاولات الولايات المتحدة في إقناع باكستان بالسماح باستخدام أراضيها كقاعدة خلفية لدعم المجموعات البلوشية الانفصالية، وبينها «جيش العدل» وريث حركة «جند الله». الأمر نفسه ينطبق على منطقة الأهواز ذات الغالبية العربية التي شهدت احتجاجات مطلبية اقتصادية واجتماعية على غرار تلك التي شهدتها مدن إيرانية، ولم تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها في تحويلها إلى حركة انفصالية.

بات من الواضح أن إيران تواجه الحرب الهجينة الأميركية، أولاً من خلال تعزيز قدرات حلفائها على مستوى الإقليم، عبر تزويدهم بقدرات نوعية عسكرية وتكنولوجية تتيح لهم إمكانية المشاركة بالردّ على أي اعتداءات أميركية أو إسرائيلية تستهدفها أو تستهدفهم. وثانياً من خلال تعزيز علاقاتها بدول الجوار المحورية كتركيا وباكستان المعنية، كما إيران، بالحفاظ على الاستقرار، وبمواجهة النزعات الانفصالية التي ترعاها الإمبراطورية الأميركية في إطار سياسة إشعال الحرائق التي تعتمدها في طور انحدارها الحالي.

وليد شرارة، كاتب ومفكر عربي من لبنان
4 أيلول/ سبتمبر، 2018

الشؤون الدولية » Homepage Slides » أهم المقالات » تحليل