حول مستقبل “المشكلة الكردية” في سوريا؟

حول مستقبل “المشكلة الكردية” في سوريا؟

فجرت الحرب في سورية وعليها، العديد من المشكلات والأزمات، بعضها رئيسي وأساسي، وأغلبها مشكلات فرعية وثانوية يمكن التغلب عليها، وعلى العموم يمكن القول إن حقيقة جديدة من تاريخ سورية الحديث بدأت بالتشكل، وسيكون اليوم التالي لوقف إطلاق النار إيذاناً بانطلاق تلك الحقبة.

لعل من أهم المشكلات التي أظهرتها تداعيات الحرب، هي "المشكلة الكردية" السورية، وليس هذا يعني أن هذه المشكلة قد تم "تصنيعها" خلال الحرب، بل إنها موجودة قبل ذلك، وإنما يعني هذا أهمية التوقف عندها بعد أن برزت مجدداً من خلال "المشروع الأمريكي ـ الصهيوني التقسيمي لسورية".

وحتى هذا المشروع الأمريكي ـ الصهيوني" ليس جديداً، بل أن ما هو جديد فيه، هو الصفة الأمريكية التي أُعطيت له، فقد كان قبل ذلك "أي بعد الانتداب الفرنسي على سورية، وخاصة في ثلاثينات القرن الماضي" كان هذا المشروع فرنسياً يهدف إلى إقامة "كيان كردي ـ كلدو آشوري ـ مع بعض القبائل العربية" تحت الحماية الفرنسية ويدار من قبل حاكم فرنسي.

ومنذ بداية الانتداب، كانت فرنسا تريد خلق "كيان" في الجزيرة يميزها عن باقي المناطق السورية، وكان ذلك واضحاً في برقية الرئيس الفرنسي إلى "الجنرال غورو". أما اليوم فإن المشروع يقدم بلبوس أمريكية ـ صهيونية وبمباركة أوروبية، ويختلف عما سبقه بأنه يتوسع إلى كامل منطقة شرق الفرات وشمال سورية، ويأتي في إطار المشروع الأكبر "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، ويترافق مع إقامة قواعد أمريكية ثابتة في ارجاء المنطقة، تحت شعار "مكافحة الإرهاب" وهو يعني مكافحة الوجود العربي السوري، وكراهية القومية العربية.

نشأت (المشكلة الكردية) في تركيا، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، فقد أسرعت الدول المنتصرة بالحرب العالمية الأولى، إلى اقتسام تركة "الرجل المريض" وترتيب المنطقة وفقاً لمصالحها، فكانت "معاهدة سيفر" (1920) التي أجبرت فيها الحكومة العثمانية على القبول بإقامة دولة كردية وأخرى أرمنية على الأراضي التي كانت تحت السلطة العثمانية.

إلا أن تلاحق الأحداث بعد ذلك، ومقاومة "كمال اتاتورك" لقيام أية دولة غير الدولة التركية، ومع تقدمه على الأرض في مختلف الجبهات يكون قد أسقط مشروعي الدولة الكردية والدولة الأرمنية، ومن خلال التسويات والتفاهمات مع الدول الكبرى عقد مؤتمر لوزان (1923) الذي نجم عنه توقيع "معاهدة لوزان" التي كرست انحلال الإمبراطورية العثمانية، وأنشأت على أنقاضها نظام "الدولة القومية المستقلة الخاضعة لفترة انتقالية من الانتداب الأوروبي" وأجهضت مشروعي الدولتين الكردية والأرمنية. وأرست هذه المعاهدة قواعد التطور الجيو سياسي لنظام الدول بعد الحقبة العثمانية. وكانت تركيا الحديثة، الرابح الوحيد من "معاهدة لوزان" إذ تمكنت من إلغاء مفاعيل معاهدة سيفر. وكرست تقسيم سورية الطبيعية ـ التاريخية. وحددت مصير الشعوب التي كانت تحت الحكم العثماني. كما سمحت هذه المعاهدة لتركيا، بعقد الاتفاقات والتفاهمات مع الدول الأوروبية، وفقاً لمصالحها.

وفي حين اعتبر الاتحاد السوفياتي، حكومة اتاتورك الجديدة في تركيا، حركة تحرر وطني، وسلم معظم الأراضي الأرمنية لحكومة اتاتورك، منهياً بذلك أمل الأرمن في تنفيذ معاهدة سيفر، فقد تمت التفاهمات بين تركيا الأتاتوركية وفرنسا على ترسيم جديد للحدود السورية ـ التركية، تنازلت فيها فرنسا عن نحو 18 ألف كم² من الأراضي السورية لتركيا، مع الاتفاق على نظام استقلالي ثقافي وإداري خاص للواء اسكندرون مهد لسلخه عن سورية عام 1939.

يعود ظهور مصطلح "كردستان" كمصطلح جغرافي إلى القرن الثاني عشر، "في عهد السلاجقة"، واستخدم بعد ذلك للدلالة إلى الامارات الكردية في إيران وتركيا. ومع أن الحدود الجغرافية لكردستان لم تتفق دائماً مع النواحي الاثنية، إلا أنه جرى تحديد لخريطة كردستان الجغرافية، أيدته لجنة عصبة الأمم المتحدة عام 1920، وهي تقع ما بين خطي العرض 34 و40 شمالاً وخطي الطول 38 و48 شرقاً. بمساحة بلغت 410 ألف كلم²، توزعت ما بين كردستان التركية "165.1 ألف كم²" وهي أكبر الأحجام من حيث المساحة، وكردستان الجنوبية "العراقية 130.3 ألف كم²" وكردستان الشرقية "الإيرانية 114.6 ألف كم²". وقد كان تركز الأكراد الأهم في كردستان التركية.

وإذ نسفت "معاهدة لوزان" مشروع الكيان السياسي الكردي في تركيا، فقد منحت "الأقلية الكردية" بعض الحقوق القومية واللغوية، بضمانة دولية، إلا أن الكماليون ساروا على عكس ذلك، واتبعوا سياسة التتريك، وتبين أن كلامهم عن شراكة بين الأتراك والأكراد. إنما هو كلام للاستهلاك، وساروا قدماً على طريق "قومنه" الأتراك والأكراد وسائر العناصر الأخرى، وتتريكهم وفاقاً للمبادئ القومية العلمانية للجمهورية التركية الجديدة، التي رسم أهدافها ووضع أسس الهوية القومية التركية المنظر القومي التركي "غولك آلب" في كتابة مبادئ التركية (1920) على شكل خطة للكماليين لإخضاع الأقليات للهوية التركية، وفي مواجهة خطة التتريك والهوية التركية.

قامت ثورات عديدة للأكراد، وشكلوا عدد من الجمعيات ضمت نواباً ووجهاء وشخصيات كردية معروفة من أجل العمل على أسس جديدة، بانتهاج أساليب العصيان والثورة المسلحة، وتبلورت هذه الأساليب عام 1925 بثورة "النورسي" زعيم الطريقة النقشبندية، الذي انضم إلى الثورة تحت رايته الخضراء والمصحف لا تحت راية القومية الكردية. وقد استطاعت السلطات الكمالية القضاء على الثورة، واعدام قادتها والقبض على آخرين وإبعادهم عن مناطق نفوذهم. واستخدمت السلطات الكمالية بعد ذلك أساليب التهجير المنهجي، وعملت على تدمير القوى وقتل الأبرياء بوحشية. وكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الثورات (1925-1938)، التي نجم عنها هجرات واسعة إلى الجزيرة السورية، مما أدى إلى تعاظم التواجد الكردي فيها.

وإذا كانت سورية قد تلقت العديد من الهجرات "الأرمنية ـ السريانية ـ الكردية" إلا إن أعظم هذه الهجرات، كانت الهجرات الثالثة (1925-1940) أي التي حصلت خلال الانتداب الفرنسي على خلفية التوافق بين السياسة الأثنية الفرنسية وسياسة القمع والتتريك الكمالية. وتكونت هذه الموجات الأخيرة من قبائل كردية على نحو رئيسي ومن السريان العرب والآشوريين، واستقر معظم أفرادها في الجزيرة السورية. وكان أهم ما يميزها هو الهوية الأثنية المركبة.

فقد جاء هؤلاء من أراضٍ سورية وقعت تحت الاحتلال التركي "بتوافق أوروبي ـ تركي" بموجب معاهدة لوزان، وكان ما يجمع بين المجموعات البشرية من العرب (مسلمين ومسيحيين) والأكراد والأرمن، واقعاً من التداخل والتمازج أفرز نموذجاً أثنياً مركباً، ومن نتاج الواقع الجيو سياسي للمنطقة، ومن تفاعلات تاريخية تعود إلى القرن السادس عشر، عندما أصبح إقليم الجزيرة "العليا والمتوسطة والدنيا" أحد أبرز مسارح التاريخ التي اختلطت فيها الصراعات واختلطت الاثينات على ذلك النمو المركب. وقد جاءت الهجرة الكبرى الثالثة من تلك المنطقة، "وهي الآن جنوب شرق تركيا" وذلك من مصدرين: الأول مديني يقوم اقتصاده على التجارة والخدمات، "وهم الماردنل أو الماردلية" نسبة إلى ماردين وما حولها. أما المصدر الثاني فهو "ريفي ـ جبلي". وكان يدعى "طوخلاركي" أو "طوراني" نسبة إلى طور عابدين،

وكانت هذه الهجرة مؤلفة من عشائر كردية ـ سريانية "يعقوبية" ارمنية مختلطة. والمصدر المديني الأول يغلب عليه الطابع السرياني العربي، بينما كان أغلب المهاجرين القادمين من جبل الطور وأزخ من العشائر الكردية وهم فقراء وغير متعلمين. وتشكل العشائر "الملية" أقوى وأهم اتحاد عشائر وهي مؤلفة من عشائر كردية وعربية وتركمانية نصف حضرية، تسكن ما بين مثلث ديار بكر وماردين واورفة. ويعكس تشكلها طبيعة التكوين الاثني للعشائر "الملية"، كما يعكس حالة التمازج الثقافي واللغوي والاثني التي تكونت عبر التاريخ.

من جهة أخرى، يبدو التمازج بين الأكراد والمسيحيين في المنطقة، وتمثل العشائر "الهوبركية" الكردية هذا التمازج، ويعتقد العديد من العشائر الكردية بالأصل العربي للأكراد، وإن كان هذا الاعتقاد لا يستند إلى أساس علمي إلا أنه يوحي بواقع الانسجام والتداخل بين جميع سكان تلك المناطق. وقد انتقل هذا التداخل والتمازج بين العرب (مسلمين ومسيحيين) والأكراد. والأكراد والآشوريين والأرمن، انتقل هذا التمازج إلى الجزيرة السورية التي انتقل إليها هؤلاء. وتلقفته السلطات الفرنسية بمشروعها "الكرد ـ آشوري ـ مع بعض القبائل العربية" ضمن مشروعها التقسيمي لسورية الذي التقى مع سياسة التهجير والتتريك التركية الكمالية.

نشأ نتيجة هذا التوافق بين المشروع الاثني ـ الفرنسي، وسياسة الكماليين في التهجير والتتريك، في الجزيرة السورية، مجتمعاً محلياً مركباً، ومندمجاً بالسكان الأصليين الذين كان من بينهم العشائر العربية البدوية والمتحضرة، وبينما كانت التركيبة الاجتماعية للمهاجرين تتيح إمكانية التكامل الاجتماعي بحكم التاريخ والجغرافيا. فإن سياسات الهوية الفرنسية، عملت على تعميق الفوارق عبر "قومنة" الهويات وتسيسها، لاستخدام المجموعات المهاجرة المندفعة ضد الحركة الوطنية في الداخل السوري. ولخدمة المشروع الفرنسي التقسيمي. وهنا لا بد من التنويه إلى أن الوطنيين السوريين، اتهموا السلطات الفرنسية، بأنها شجعت على الهجرة إلى الجزيرة السورية، وعملت على "الاكثار من الغرباء" بهدف إضعاف المجتمع السوري.

ومع ازدياد الضغط الشعبي بهذا الاتجاه، أوفدت الحكومة وزير المعارف في ذلك الوقت "محمد كرد علي" وهو من مؤرخي الشام ومن الأكراد المندمجين والمتعربين، إلى الجزيرة لدراسة الواقع كما هو، وقد زار كرد علي بالفعل الجزيرة وأعد تقريراً بمشاهدته وملاحظاته في أواخر عام 1931، حذر فيه من مخاطر الهجرة من تركيا على أمن سورية، واقترح "إسكان المهاجرين… في أماكن بعيدة عن حدود كردستان لئلا تحدث من وجودهم… مشاكل سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة من جسم الدولة السورية…". كما "طرح إعادة توزيع الأرض بشكل عادل … وانتهاج سياسة اندماجية قومية مبكرة" وإن "يمتزج الكرد والأرمن بالعرب في القرى الواقعة في أواسط البلاد، لا على حدودها…". وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العديد من الأكراد سكن واندمج مع العرب السوريين على مدار التاريخ، وكانت لهم في بعض المدن، مثل دمشق وحلب، احياء يشكلون فيها غالبية الحي، كما هو الحال في حي الأكراد بدمشق، وقد كان لهم دور هام في الحركة الوطنية السورية تحت الانتداب وفي المرحلة الوطنية وفي الحركة الناصرية الوحدوية.

في إطار السياسة الفرنسية الاثنية، رعت المفوضية الفرنسية جمعية "خويبون ـ الاستقلال الكردية" وهي منظمة قومية كردية تركية تعمل من أجل تحرير كردستان التركية. وقد نزح زعمائها وبعض مريديهم إلى الجزيرة السورية بعد قمع حركتهم في تركيا، وكانت رعاية فرنسا لها تستخدم كوسيلة ضغط على تركيا من أجل التوصل إلى اتفاق الحدود السورية ـ التركية. ولكن بعد أن تم التوصل إلى هذا الاتفاق، قامت السلطات الفرنسية باعتقال بعضهم وإبعاد البعض الآخر إلى الساحل السوري ودمشق. وبعد أن استتب الأمر للفرنسيين أفرجت عن "قادة خويبون"، وقامت بتشجيع التطور القومي للأكراد في مواجهة التيار القومي العربي.

وقد انقسم أعضاء "خويبون" في الجزيرة إلى مجموعتين: الأولى تعمل على تحرير كردستان التركية "يمثلها آل جميل باشا" والثانية اتجهت إلى إقامة كيان كردي في الجزيرة السورية "آل بدر خان". وفي عام 1932، نظم أفراد من أكراد المجموعة الثانية إضافة إلى بعض الشخصيات الكردية والمسيحية "من أعيان الجزيرة" بتشجيع ودفع من الفرنسيين عريضة رفعوها إلى المفوضية الفرنسية، يطالبون فيها بإقامة حكم ذاتي "كردي ـ مسيحي" في الجزيرة تحت الانتداب الفرنسي على غرار "الحكم الذاتي في لواء اسكندرون وجبلي الدروز والعلويين".

وفي عام 1933 تشكلت حركة من تحالف ثلاثة جهات، بدعم وتوجيه الاستخبارات الفرنسية وهي "عشائر الملية وعشائر الهوبركية وميشيل دوم ـ سريان كاثوليك". واستخدمت فرنسا هذا التحالف للضغط في المفاوضات الجارية بين الكتلة الوطنية ووزارة الخارجية الفرنسية، وبتوجيه من الاستخبارات الفرنسية عقد حلفاء فرنسا "أنصار الانفصال" مؤتمراً، أعلن التمسك بالعرائض المقدمة للمفوضية، معلناً الاضراب العام وعدم استقبال أي موظف سوري.

وقد حدث انقسام واستقطاب نتيجة ذلك، إذ عقد بعض القادة الوحدويين العرب والأكراد والمخاتير مؤتمراً أكدوا فيه وحدة البلاد السورية ووحدة شعبها. وأظهرت انتخابات عام 1936 الانقسام والاستقطاب داخل العشائر العربية والكردية، وعملت فرنسا على إسقاط مرشحي الكتلة الوطنية لتبرير خطتها في إنشاء "الكيان الكردي ـ الكلدو آشوري ـ البدوي" في الجزيرة السورية.

إلا أن موقف الكتلة الوطنية وتطورات الأوضاع الداخلية والإقليمية، أسقطت المشروع التقسيمي الفرنسي، فكانت نهاية حركات الانفصال مع بدء حالة من الاستقرار في الجزيرة السورية، ترافقت مع الاستقلال وبدء الثورة الزراعية فيها. مما أتاح الفرصة، وضمن عودة الحياة السياسية في سورية بأكملها إلى انخراط الشعب"بكافة فئاته" في الجزيرة في النشاط الاقتصادي والخدمي الذي كانت ثمرته الأولى "الثورة الزراعية الحديثة"، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الأراضي المزروعة والمستصلحة وإدخال الآليات والتقنيات في الزراعة، وانخراط الجميع في العمل سعياً وراء الثروة والمكانة الاجتماعية. وفي هذا المناخ المنفتح على العمل والإنتاج بدأت تتبلور بعض النشاطات المريبة، ومنها التوجه الأوروبي للاهتمام بالجزيرة وامكاناتها الاقتصادية ومواردها الطبيعية، كما ازداد تدفق المهاجرين من تركيا "افرادياً"، ونشأ عن ذلك مشكلات فرعية "مثل الهويات المزورة".

رافق التطور الاقتصادي، حراكاً سياسياً مختلف التوجهات، "كانعكاس للحركات السياسة في الداخل السوري". وظهر الشيوعيون كجبهة استقطاب واسعة للأكراد السوريين، الذين توزعوا ما بين الحركة الشيوعية والتنظيم الكردي المدعو بـ"البارتي". الذي عمل على استقطاب الأكراد بعد حل جمعية الخويبون. وكان هناك استقطاب آخر داخل الحركة الكردية يدور حول عدد من الأسئلة، حول مسألة حق تقرير المصير، والحقوق الثقافية. وهل الأكراد شعب أم أقلية في سورية، وهل يعملون كحركة سياسية ثورية أم كجمعية ثقافية، وماهي صلة الحركة الكردية بالحركة الديمقراطية في سورية؟ وما هو الموقف من القضايا السياسية والاجتماعية في سورية؟ وهل يفترض بالأكراد الوقوف إلى جانب السلطة في الدولة أم إلى جانب المعارضة؟

وكانت مسألة التعريف الوطني السوري "للشعب الكردي في الجزيرة" والموقف من الحركة الكردية في العراق، هما المسألتان الأكثر أهمية في الخلاف داخل الحركة الكردية السورية. وتبلور الانقسام في الإجابة على تلك الأسئلة، بين ما بات يعرف بـ"اليسار الكردي" الذي قاده عثمان صبري بدعم من البارزاني، والحزب الديمقراطي الكردي "اليميني" برئاسة عبد الحميد درويش بدعم من الطالباني (1967) واستمرت الانقسامات داخل الحركة لتولد المزيد من الأحزاب والتنظيمات السياسية.

وكان من أبرز الخلافات الإيديولوجية بين الأكراد السوريين، والتي أثارت الكثير من الجدل والانقسام، هي مسألة طبيعة الحركة الكردية وموقفها من فكرة "كردستانية المناطق الكردية" في سورية، والموقف من الكيان الكردي وانفصاله عن الجسم السوري. والجدير ذكره إن "جمعية خويبون" لا تضع أكراد سورية في اجمالي عدد سكان كردستان، أما "الخرائط الكردية" فتتسع وتضيق حسب مصدرها والمواقف السياسية. وتراوحت الاتجاهات الفكرية والسياسية داخل الحركة الكردية بجميع أطيافها، بين الدعوة إلى حقوق "الشعب الكردي" السوري بوصفه جزءاً من حقوق الشعب السوري، وبين المطالبة بالاعتراف الدستوري بالأكراد كقومية ثانية، وتراوحت الأفكار المطروحة بين اللامركزية الواسعة و"الفدرالية" وصولاً إلى حق تقرير المصير.

وقد تصاعدت حدة المطالبة الكردية مع "الأزمة /الحرب" السورية. ومع التدخلات الخارجية، وانخراط بعض الأكراد بالعمل المسلح بغطاء أمريكي غربي ـ صهيوني، ضمن مقولات محاربة الإرهاب، حيث تم تزويدهم بالسلاح والمال، فأعلنوا الحكم الذاتي والإدارة الذاتية فيما دعوه "المناطق المحررة" وطرحوا مشروعهم الفدرالي من خلال حملة إعلانية إعلامية واسعة بمساعدة ورعاية وحماية الاعلام الأمريكي الغربي ـ الصهيوني ـ الخليجي. وبحماية الطيران الأمريكي ودعم العسكريين الأمريكان والأوربيين والقواعد العسكرية التي أقامها الأمريكيون في تلك المناطق "شرق الفرات وشمال سورية".

كانت الحكومة السورية في ثمانينات القرن الماضي، وفي ظل الخلافات السورية ـ التركية، بشأن مياه الفرات ولواء اسكندرون وبعض قضايا الحدود، تدعم حزب العمال الكردستاني (PKK) بزعامة عبد الله اوجلان. كحركة وطنية تحررية وبهدف الضغط على تركيا، وقد استطاعت السلطات التركية تطويق أعمال الحزب داخل تركيا واعتقال قادته، مما أدى إلى لجوء اوجلان إلى سورية، التي استضافته وقدمت له التسهيلات اللازمة لانطلاق نشاطه من سورية معلناً تحالفه "مع النظام التقدمي /الوطني في سورية". مما أتاح له شن حرب عصابات منظمة داخل الأراضي التركية. وعمدت السلطات التركية إلى قمع حركة الحزب من جهة والضغط على سورية من جهة ثانية مع تهديدها عسكرياً.

ومع تأزم الأوضاع السورية التركية، تصاعد نشاط الحزب داخل سورية وتصاعدت أيضاً التهديدات التركية وإن عبرت عن استعدادها لمناقشة مسألة المياه، لقاء اعتراف سورية بضم لواء اسكندرون والحد من دعم حركة اوجلان، واخراجه من سورية، وإغلاق قواعده العسكرية. وقد قطعت تركيا مياه الفرات لمدة شهر عام 1990 الأمر الذي أدى إلى انخفاض منسوب مياه بحيرة الأسد وتخفيض انتاج الكهرباء، وبعد مفاوضات معقدة عام 1992 تم التوصل إلى اتفاق تضمن اتخاذ التدابير تجاه منع العبور غير الشرعي للحدود، واستئناف عمل اللجان الفنية حول مياه الفرات.

وقد ماطلت تركيا في تنفيذ الاتفاق، فتصاعدت عمليات حزب العمال وازداد الضغط على سورية، وفي ضوء واقع موازين القوى الإقليمية والدولية، قامت مصر بمسعى وساطة قاد إلى اخراج اوجلان من سورية بالتفاهم معه، وتمخض عن "اتفاق أضنة" عام 1998 بين سورية وتركيا، وفي حين اعتبرت تركيا إن هذا الاتفاق انتصاراً لها، اعتبرته سورية اتفاقاً أمنياً عادياً.

وكان من أهم نتائج التحالف مع اوجلان في سورية، إحداث نهضة في "الوعي القومي الكردي" واسعة النطاق في الأوساط الكردية، أدت إلى صعود التيارات اليسارية، وإضعاف الأحزاب التقليدية. وإذ طرح "الابوجيون" مسألة "تركية" أكراد سورية، وإعادتهم إلى تركيا، فقد استمر الحزب بالعمل في سورية تحت اسم "الاتحاد الديمقراطي" كحزب كردي سوري، مستنداً إلى القاعدة الشعبية الواسعة التي بناها اوجلان.

ثم انخرط الأكراد بالعملية الاحتجاجية التي اندلعت عام 2011، وفي حين التحق بعض القادة الاكراد بالمجلس الوطني الكردي مع ما يدعى المعارضة السورية، تحول الحزب "الاتحاد الديمقراطي" للعمل العسكري، والانخراط بالعمل السياسي من خلال "الإدارة الذاتية" في الجزيرة السورية، تحت رعاية الولايات المتحدة وبدعم من الغرب والصهيونية وبعض بلدان الخليج، بعد أن تم له الاستيلاء على المؤسسات والمقرات الرسمية.

وقد حقق المجهود الأمريكي للولايات المتحدة قوة محلية تغني عن الاستخدام الكثيف للعسكريين الأمريكيين، كما أوجد لها النواة الأساسية لمشروعها التقسيمي في سورية. وأدى ذلك إلى "خلافات مع تركيا الأطلسية" التي تناهض أي مشروع كردي الطابع في المنطقة المحاذية لحدودها الجنوبية مع سورية. وسورية العربية، ليست ضد القضية الكردية في أراضيها التاريخية "كردستان". وهي مع الأكراد السوريين كمواطنين سوريين لهم ما لباقي فئات الشعب وعليهم ما عليهم. والعروبة التي تؤمن بها سورية، ليست عنصرية ولا فاشية، وهي منفتحة لتتسع لجميع أطياف الشعب، إنها جامعة وليست انعزالية أو منكفئة على ذاتها، وهي حامية للوطنية السورية، وليست عبئاً عليها.

والعروبة في سورية، إذ تؤيد المطالب الاجتماعية والثقافية لمواطنيها من الأكراد، فإنها تؤمن بأن جميع المشاكل المحلية قابلة للنقاش والحوار، فإذا ما اقتنع مواطنوها الأكراد بالتخلي عن المشروع الأمريكي "قبل أن تتخلى عنه أمريكا"، كما فعلت فرنسا مع مشروعها التقسيمي الاثني، فإن أبواب الحوار مفتوحة أمامهم، كباقي فئات الشعب، وتحت سقف الوطن، وانطلاقاً من قاعدة المواطنة الرحبة، والديمقراطية الحقة.
أخيراً… أختم هذا التلخيص بمقولة كارل ماركس:
"التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة".
وأضيف من عندي: أما المرة الثالثة (فكارثة) ولا نريد لمواطنينا من الأكراد وغيرهم أن يعيش كارثة أخرى!!

منير الحمش، كاتب ومفكر عربي من سوريا. رئيس "الجمعية العربية للبحوث الإقتصادية". 
دمشق حزيران 2018
مركز الحقول للدراسات والنشر، ينشر هذا النص بإذن من الكاتب.
28 أيلول / سبتمبر، 2018 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة : هذا النص هو "خلاصة تنفيذية"، للكتاب الجديد الذي ألفه منير الحمش، حول المشكلة الكردية في سوريا. وعنوانه " المشكلة الكردية من سياسات التهجير التركية إلى السياسات الأثنية الفرنسية وصولاً إلى المشروع الأمريكي ـ الصهيوني التقسيمي".
الصورة المرفقة هي للسناتور الأميركية، جين شاهين، من ولاية نيوهامبشر، وهي تتجول برفقة بعض أفراد الميليشيات الإنفصالية الكردية، في مدينة منبج السورية، في شهر تموز / يوليو الماضي (2018).

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » دراسة