إفتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الأربعاء 17 نيسان، 2019

إفتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الأربعاء 17 نيسان، 2019

تجاهل "المجتمع المدني" احتجاجات العسكريين المتقاعدين يوم أمس. غاب مقاولوه عنها كلياً. "ما خصّهم". ينأى "أبطال الحراك المدني" عن المواجهات الإجتماعية الجدية. "هيئات المجتمع المدني" التي تثرثر دائماً بـ"قضايا الشأن العام" تدير ظهرها لـ حركة الإعتراض الإجتماعي على جور مشروع الموازنة الجديد. مئات الجمعيات والمنظمات "المدنية" التي تتنافس على شاشات وصفحات الإعلام، خرساء الآن. تخاف من "حزب سيدر" وغضبه. كأن المشاركة في دعم موظفي القطاع العام وحماية حقوقهم خارج جدول أعمالها. كأن مساندة حركات التحرر من العوز ليست من "قضايا الشأن العام". قولوا لنا يا مقاولي "الشأن العام" ما جدواكم، فعلاً. (ينفذ أساتذة التعليم الثانوي والاساسي الرسمي والمتقاعدون والموظفون وأساتذة الجامعة اللبنانية اضرابا مترافقا مع اعتصام في ساحة رياض الصلح، تحت شعار رفض المس بسلسلة الرتب والرواتب والتقديمات الاجتماعية.)


اللواء
رزنامة معالجة العجز: التهرُّب الضريبي ومزاريب الهدر أم الرواتب؟
العسكريون في الشارع والأساتذة اليوم: لقمة العيش خط أحمر

المشهد في ساحة النجمة اليوم، قبل 48 ساعة من يوم الجمعة العظيمة: جلسة تشريعية، بجدول أعمال يُحاكي «سيدر» تشريعياً، النواب الممثلون للكتل جميعهم على المسرح في الداخل، وفي الخارج، فاعلون من نوع آخر، حركتهم أحاديث الحلول للعجز في الموازنة على حساب رواتبهم، وتعبهم، ولقمة عيش عائلاتهم واطفالهم.. التي هي خط أحمر.. هم روابط الموظفين في القطاع العام، اداريون، ومعلمون ومدرسون وأساتذة ثانويون، وأساتذة الجامعة اللبنانية، الذين استفرد بهم التشريع، وأعادهم إلى آخر درجات السلم الوظيفي، بعد سلسلة الرتب والرواتب، وضرب قاعدة المساواة مع القضاة.. على مستوى التدرج والراتب.. وذلك بعد يوم حافل، بتحرك غير مسبوق لقدامى ضباط الجيش، والعسكريين المتقاعدين، الذين سجلوا أوّل تحرك من نوعه، فكانوا السباقين إلى الشارع، يقطعون الطرقات لبعض الوقت، ويحرقون الاطارات، رافعين الصوت تحذيراً من مغبة الاقدام على اجراءات ترفع من حدة التصعيد، إلى ما لا تحمد عقباه.. هذه الحركة التي تزامنت مع زيارة لقائد الجيش العماد جوزاف عون الى عين التينة، حيث جرى البحث مع الرئيس نبيه برّي في المخارج، ومن بينها التنسيق بين وزارة المال وقيادة الجيش اللبناني..
توقعات بتصاعد الاحتجاجات
وفيما شلت الوقفات الاحتجاجية التي نفذها العسكريون المتقاعدون، ولو لمدة قصيرة، معظم الطرقات الدولية، وتلك المؤدية إلى العاصمة بيروت، وتستعد هيئة التنسيق النقابية ومعها أساتذة الجامعة اللبنانية، لاضراب عام اليوم واعتصام حاشد في ساحة رياض الصلح، رفضاً للمس بحقوق الموظفين وسلسلة الرتب والرواتب، بالتزامن مع الجلسة النيابية المطروح امامها بت مصير خطة الكهرباء، بقي الغموض يلف الإجراءات التي ستتبعها الحكومة لخفض العجز في موازنة العام 2019، مع انها أصبحت لدى الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء منذ مُـدّة، بسبب قرار الرئيس سعد الحريري عدم طرحها على مجلس الوزراء قبل تأمين غطاء سياسي كامل للتخفيضات القاسية والموجعة والقرارات الصعبة التي تحدث عنها، وزاد من الغموض تكتم الأطراف السياسية المعنية بالتوافق المالي على الاقتراحات التي تطرحها والإجراءات التي يُمكن ان تتخذ، أو ان يكون قد حصل توافق عليها، علماً ان كل الدلائل تُشير إلى توقعات بتصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية في الشارع، في حال تأكد ان تقشف الموازنة قد يطال رواتب الموظفين، بحسب ما كان أشار وزير الخارجية جبران باسيل، قبل سفره إلى موسكو.
لا مجلس وزراء غداً
وذكرت مصادر رسمية ان مجلس الوزراء لازال ينتظر التوافق على إجراءات التخفيضات قبل عرض الموازنة عليه، علما ان لا جلسة للمجلس غداً الخميس، لا في قصر بعبدا ولا في السراي الحكومي، وتردد ان السبب ربما يعود لمصادفة الخميس بيوم خميس الأسرار قبل الجمعة العظيمة لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي، أو بسبب سفر الرئيس الحريري إلى الخارج للقاء عائلته والاحتفال معها بعيد ميلاده.
وأفادت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان الوزراء لم يتبلغوا أي موعد محتمل لجلسة لمجلس الوزراء تكون مخصصة للشروع بدراسة مشروع الموازنة، مشيرة إلى ان جدول أعمال لجلسة تعقد غداً الخميس في السراي وزّع أمس على الوزراء، ثم تمّ سحبه لجدول يتضمن بنداً وحيداً وهو دراسة خطة شركة ماكينزي، ومن ثم أعلن ان لا جلسة للحكومة هذا الأسبوع.
التدبير رقم 3
الى ذلك اوضح وزير الاقتصاد والتجارة متصور بطيش لـ«اللواء» ان المهم اقرار خطة اصلاحية متكاملة في الموازنة قوامها وقف الهدر واعتماد الشفافية من خلال سلسلة اجراءات تتصل بمعالجة التهرب الضريبي والقروض المدعومة والضريبة على القيمة المضافة وتهرب الشركات منها، فضلا عن معالجة التهرب في رسوم الجمارك والمرفأ والهدر في التعويضات المرتفعة لموظفي القطاع العام.
وقال الوزير بطيش انه تم فهم كلام الوزير باسيل عن التخفيضات بشكل غير صحيح مؤكدا انه قصد بذلك شريحة قليلة. 
واضاف: لا نريد المس برواتب ذوي الدخل المحدود. وأشار الى ان المهم هو السير بهذا الاصلاح.
 وردا على سؤال اوضح ان موضوع التدبير الرقم 3 في ماخص تعويضات العسكريين من ضمن الافكار المطروحة للنقاش ولم يتم البت به بعد.
وسجلت في هذا السياق، زيارة لافتة قام بها قائد الجيش العماد جوزاف عون للرئيس نبيه برّي في عين التينة يرافقه أعضاء المجلس العسكري الجديد، حيث تردّد ان الحديث تناول هذا التدبير إلى جانب شؤون المؤسسة العسكرية، لكن العماد عون نفى أي علاقة لزيارته عين التينة بمقترحات تخفيضية على التقديمات للعسكريين أو للتدبير رقم 3، مؤكداً ان الزيارة هي فقط للشكر على تعيين أعضاء المجلس العسكري.
غير ان مصادر مطلعة، كشفت ان موضوع تعويضات العسكريين كان في صلب المحادثات، حيث اتفق على ان تجتمع لجنة عسكرية من كبار الضباط مع وزير المال علي حسن خليل للتفاهم معه على الخطوات التي يمكن اللجوء إليها لكي تكون مساهمات في تخفيف الأعباء عن الخزينة اللبنانية، ومن هذه الخطوات التي تمّ التطرق إليها، إعادة هيكلة كادر الضباط والاكتفاء بالحاجة لدى قيادة الجيش، وعدم تخفيض الرواتب بالجملة وعدم المس برتب معينة تشكّل نوعاً من طبقة وسطى، ودفع الرواتب التصاعدية والتعويضات من دون تجزئتها من خلال سندات خزينة.
وذكرت مصادر كتلة «التنمية والتحرير» النيابية ان الرئيس بري يستعجل عرض الموازنة للنقاش على مجلس الوزراء ومن ثم المجلس النيابي، ولو كانت ارقامها الاولية مرتفعة فلا مبرر لتأخيرها اكثر، اذ يمكن الاتفاق على نسبة التخفيض ولو بحدود عشرة الى 15 في المائة، مشيرة الى ابواب كثيرة يمكن من خلالها التخفيض من دون المس بحقوق ومكتسبات الموظفين وهو امر لن يمر.
وقالت المصادر: ان ابواب التخفيض معروفة وجرى تداولها لوقف الهدر، وثمة امور لم يتطرق اليها احد مثل مبالغ حصر الارث وانتقال الملكيات المجمدة وقيمتها بالمليارات بسبب ارتفاع الرسوم فلو جرى خفض الرسوم سيتحرك هذا الامر.
واشارت المصادر الى ان المس بحقوق الموظفين سيجر تداعيات سلبية وقالت: ان قطاعا واحدا هو قطاع العسكريين المتقاعدين شل البلد امس ولو لمدة بسيطة فكيف اذا تحركت كل القطاعات واعلنت التحرك المفتوح ماذا يحصل؟
توضيحات وزير المال
وكات لجنة الإدارة والعدل النيابية قد استمعت أمس إلى شرح للواقع المالي من وزير المال علي حسن خليل، باعتبار انه المسؤول عن كل ايرادات الدولة، وللاطلاع منه على حقيقة الوضع المالي والتدابير الممكن اتخاذها.
وسئل الوزير خليل في اللجنة عن لائحته لتخفيض الانفاق، ونقل عنه رئيس اللجنة جورج عدوان ان ما يطرح عن تخفيض 15 في المائة من رواتب القطاع العام وكل الأرقام والمقاربات التي يتم الحديث عنها غير صحيحة وغير دقيقة، مشيراً إلى ان هناك احتمالات عدّة لكثير من الخطوات ولكن ليس بالطريقة التي تطرح فيها الأمور.
وفي تقدير عدوان انه لا يمكن الكلام عن تخفيض بالرواتب قبل معالجة مشكلة التهرب الضريبي والشركات الكبيرة التي لا تدفع، وان نوقف التهريب في الجمارك وغيره من أماكن الهدر في أي وزارة أو جمعية.
وكشفت معلومات لـ«اللواء» ان الوزير خليل يتابع اجتماعات دورية متواصلة ومطولة مع أركان الوزارة لمراجعة أرقام الموازنة في ضوء المشاورات التي يجريها الرئيس الحريري مع ممثلي الكتل النيابية والأحزاب السياسية.
حزب الله
وبحسب المعلومات، فإن الاجتماع المالي الموسع الذي انعقد في «بيت الوسط» ليل الأحد الماضي، لم ينته إلى اتفاق حاسم على الإجراءات التي يفترض اتخذاها في أرقام الموازنة، وان المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل، طلب مراجعة قيادته، وعليه لم يُحدّد موعد جديد للاجتماع الذي يرجح ان يرحل إلى الأسبوع المقبل.
لكن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أعلن خلال رعايته الحفل السنوي للتعبئة التربوية في الحزب «أننا سنعمل على تصويب الانفاق في الموازنة من خلال تخفيض المساهمات للمؤسسات والانفاق على الإعلانات والإعلام ودعم الحتفالات، فضلاً عن المساعدات لبعض الجمعيات، لافتاً إلى انه سيكون للحزب موقف من الإصلاحات المالية والإدارية، على قاعدة ان المسؤولية الأكبر تقع على عاتق من استفاد أكثر، وعلى عاتق أصحاب الرواتب المرتفعة والمصارف، فهؤلاء يجب ان يتحملوا المسؤولية من أجل ان يكون هناك عدالة وتوازن».
اما الوزير خليل، فقد لوحظ انه يرفض الكشف عن مقترحاته التخفيضية للموازنة، جازماً بأن كل ما يتم تسريبه عنها غير صحيح على الإطلاق.
ويقول مستغرباً : حقيقة لا اعرف لماذ الاضرابات والاعتصامات طالما لم نعلن ما هي المقترحات التخفيضية ؟ كما يستغرب التداول بالحسم من رواتب ومخصصات الرؤساء والوزراء والنواب، وكأنها تعالج العجز، فيما هي في الواقع لا تسدّ الا مبلغاً ضئيلاً لا يقاس مع عجز يفوق الـ 11 ألف مليار ليرة.
وعلم أن وزير المال وضع سيناريوهات عدّة تحتاج اتفاقاً بين الكتل على احداها، لخفّض العجز من نحو 11 الى نحو 9 في المئة، ومقترحاته لا تمسّ بالرواتب المتوسطة والصغيرة، وتشمل وقف الاعفاءات الجمركية باستثناء ما تنص عليه المعاهدات الدولية والمقر بقوانين، وتخفيض نفقات بنسب معينة لجمعيات واندية، ووقف التوظيف لفترة محددة حتى ولو بقرارات لمجلس الوزراء، اضافة الى وضع رسم على لوحات السيارات المميزة.
وأكدت مصادر رسمية، أن لا مسّ بسلسلة الرتب والرواتب، والتخفيض لن يطال اي قانون، بل قد يقتصر على مراسيم وقرارات حكومية، وتشمل تقديمات وبدلات ساعات عمل اضافية واعمال لجان، وجمعيات، وبدلات سفر، وما شابه.
جعجع يعارض التحركات
وفي لقاء مع عدد من الإعلاميين في معراب، وصف رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع الوضع الاقتصادي بالصعب جداً، مشيراً إلى ان هذا الواقع لا يمكن اخفاؤه على أحد، معتبراً ان معالجته تحتاج إلى تكاتف جدي والتصرف بمسؤولية.
ولفت جعجع إلى ان خلاص البلد أو عدم خلاصه مرتبطان بمشروع الموازنة، مشدداً على ان محاربة الفساد هو تحصيل حاصل، معلناً معارضته للتحركات الشعبية في الشارع في الوقت الذي لم يتم بعد اتخاذ أي قرار، مشيراً إلى ان كل ما في الأمر ان هناك أفكاراً وطروحات لا تزال قيد النقاش، موضحاً انه يتفهم وضع النّاس، لكنه يعتبر ان التحركات في الشارع تزيد الأمور تأزماً.
وأكد ان البلد قد يتجه إلى الخراب، ولذلك فإن الوضع يحتاج إلى معالجة ضرورية وفورية خلال أيام أو أسابيع قليلة حتى لا نقع في أزمة أكبر، خصوصاً واننا في بداية الهاوية.
وقال انه ما بين خيار تخفيض رواتب الموظفين وبين اتخاذ إجراءات تطال المصارف تتعلق بالفوائد، فإنه مع الخيار الثاني، الا انه أوضح انه حتى الآن ليس هناك من أي قرار اتخذ على هذا الصعيد، مشيراً إلى ان لبنان لا يمكنه الاستفادة من أموال «سيدر» إذا لم تطبق الحكومة الإصلاحات بشكل جيد، معتبرا خطوة إقرار خطوة الكهرباء جيدة، لكنها ليست كافية لوحدة، معتبرا بأن الموازنة هي الأساس.
ولفت إلى ان المجتمع الدولي يثق بلبنان، لكنه لا يثق دائماً بطبقته السياسية، معتبرا ان كل الإصلاحات واتخاذ القرارات تحتاج إلى توافق سياسي» (راجع التفصيل ص 3).
قطع طرقات واضراب
وكان العسكريون المتقاعدون من الأجهزة الأمنية نفذوا أمس وقفات احتجاجية في عدد من المناطق، رفضا للمس برواتب واقتطاع بعض المبالغ منها، وقطع هؤلاء عددا من الطرقات الرئيسية عند اوتوستراد الناعمة، وعاليه، وضهر البيدر وعند مفرق قب الياس وفي بلدة الغازية على اتوستراد صيدا- صور، وعند مستديرة عبدالحميد كرامي في طرابلس، من خلال إحراق الاطارات ما تسبب بزحمة سير خانقة في كل هذه الطرقات، الا انهم اعادوا فتح السير بعد مُـدّة قصيرة، محذرين من المس بالمعاشات التقاعدية أو بالتعويضات المتممة لها في الخدمة الفعلية وفي التقاعد، ووقف تجزئة المعاشات وصرف كل البضائع المقتطعة منها منذ تاريخ 21 آب 2017، واحتساب التعويضات للذين تقاعدوا بعد تاريخ 1 شباط 2012 باضافة إلى سلفة غلاء المعيشة المعطاة بموجب القانون 63/2012.
وينفذ اليوم أساتذة التعليم الثانوي والاساسي الرسمي والمتقاعدون والموظفون وأساتذة الجامعة اللبنانية اضرابا مترافقا مع اعتصام في ساحة رياض الصلح، تحت شعار رفض المس بسلسلة الرتب والرواتب والتقديمات الاجتماعية.
عون في قصر العدل
وسط هذه الأجواء، أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «أن القضاء هو الحجر الأساس لقيام دولة الحق والقانون»، وقال: «لا دولة بدون سلطة قضائية مستقلة نظيفة تنشد العدالة والحقيقة».
وشدد خلال رعايته الاحتفال بمئوية نقابة المحامين الذي أقيم أمس، في قاعة «الخطى الضائعة» في قصر العدل، في حضور الرئيسين برّي والحريري «أن تطهير الجسم القضائي كان أولى أولويات حربنا على الفساد الذي نخر كل مؤسساتنا»، مشدداً على ان «القضاء لن يكون في عهدنا منظومات مرتهنة لأحد بل سلطة تمارس رسالتها بوحي من ضمير القاضي الحر والنزيه والمحايد فتتوافر معه ضمانات المتقاضين كاملة وغير منقوصة».


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البناء
الأسد وظريف يقيّمان الوضع الإقليمي ومسارات الحرب على سورية… والقرارات الأميركية 
باسيل: «إسرائيل» العدو… وفلسطين البوصلة وعاصمتها القدس… والجولان سوري 
الشارع يتأهّب للتحرك أمام إرتباك السياسة… وخليل: ذوو الدخل المحدود خط أحمر 

في دمشق كان الاجتماع الذي ضمّ الرئيس السوري بشار الأسد ووزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف محطة تقييم لتطورات الحرب على سورية وحولها، والتطورات الإقليمية ومسارات استانة، والمبادرات الأممية مع المبعوث الأممي الجديد غير بيدرسون لتشكيل اللجنة الدستورية، ومستقبل المواجهة مع الإرهاب وخصوصاً الوضع في إدلب، ووفقاً لمصادر متابعة فإن اللقاء كان مناسبة لبلورة أجوبة منسّقة على التحديات بعدما بلغ الكثير منها مراحل مفصلية، وقد استنفدت معه مهل الانتظار كما هو الحال في إدلب، أو بلغ درجة النضج للسير في خطوات سياسية نوعية كما هو حال اللجنة الدستورية بالتنسيق مع المبعوث الأممي، ووفقاً للمصادر نفسها لم تغب عن الاجتماع تداعيات القرارات الأميركية بتصنيف الحرس الثوري الإيراني على لوائح الإرهاب، وتشديد الحصار الاقتصادي والمالي على دول وقوى المقاومة، وكيفية مواجهتها بإجراءات مشتركة تحدّ من آثارها الهادفة إلى زعزعة علاقة البيئة الحاضنة للمقاومة وخيارها بقياداتها.
لبنانياً، كان الموقف الذي أطلقه وزير الخارجية جبران باسيل من موسكو في اجتماع وزراء الخارجية العرب مع وزير الخارجية الروسية في إطار اللقاء العربي الروسي، عنواناً لتمسك لبنان بثوابت عربية تخلت عنها دول عربية كبرى، مسايرة لواشنطن أو تفادياً لإغضابها، فذكر باسيل بأهمية حضور سورية وعودتها إلى مكانها ومكانتها بين العرب، وأعاد تأكيد أن «إسرائيل» هي العدو وفلسطين هي البوصلة، وان فلسطين عربية وعاصمتها القدس وأن الجولان سوري ومزارع شبعا لبنانية، وقال باسيل «لم يعد مقبولاً اليوم هذا التمادي في إهدارالحقوق العربية تمهيداً للإعلان عن صفقة العصر، التي انتظرناها حلاً وتمنيناها أفقاً جديداً للأجيال الجديدة لتعيش بأمن وسلام، فوجدناها سلسلة تلف حول عنق القضية لخنقها، فتضيع معها القدس والجولان وشبعا وتنتهي القضية، شعباً مشرداً وأرضاً مسلوبة ونظاماً دولياً منهاراً بضياع الحقوق وتكريس مفهوم الاغتصاب بدل العدالة، وكأن بنا نعود قرونا لنعيش نظام العبودية بدل أنظمة حقوق الإنسان».
في الشأن الداخلي سبقت التحركات الشعبية إعلان الموازنة العامة في ظل التسريبات التي كشفت نيات المساس برواتب القطاع العام، حيث بدأ العسكريون المتقاعدون تحركهم أمس ويليهم اليوم الموظفون بإضراب تحذيري، في ظل ارتباك سياسي يُخفي خلاله المسؤولون حقيقة النيات ويتحدث كل منهم بلغة مختلفة عن الآخر، بصورة ترفع منسوب الارتياب من وجود نيات خفية للنيل من مكتسبات حققتها سلسلة الرتب والرواتب، وتباين الاجتهادات التي تحملها مواقف المسؤولين في الدولة حول معالجة العجز، بصورة حولت الموازنة إلى مجرد اجتهادات متعددة لم تستقر بعد على رؤية موحدة يمكن مناقشتها، ما دفع بالقيادات النقابية إلى الاعتقاد أن عملية جس نبض تجري لطبيعة ردود الأفعال ليتم حسم القرار بصدد مد اليد على الرواتب ما يستدعي وفقاً لهذه القيادات تحركاً استباقياً يرفع الصوت التحذيري عالياً منعاً لأي التباس ناجم عن التريث، بينما يؤكد وزير المال علي حسن خليل بصفته مسؤولاً عن إعداد الموازنة وبصفته من قيادة حركة امل أن لا وجود لسبب للقلق لا من مضمون ما تم إعداده في الموازنة ولا من فرضية تمرير إجراءات مالية تصيب ذوي الدخل المحدود، لأن حركة أمل بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري تعتبر هذه الإجراءات خطاً أحمر ممنوع تخطيه.
في لبنان لا صوت يعلو صوت الموازنة وما سيرافقها من إجراءات صارمة ستطال الموظفين من إداريين وعسكريين بدأت القوى السياسية التلميح لها بهدف جس نبض الشارع الذي تحرك أمس، رفضاً للمس بالرواتب سواء للمتقاعدين أو الذين ما زالوا في الخدمة الفعلية. فقطع العسكريون المتقاعدون عدداً من الطرق رفضاً للمسّ بمخصصاتهم، على ان تنفذ اليوم هيئة التنسيق النقابية ومعلمو المدارس الخاصة واساتذة الجامعة اللبنانية وموظفو الادارات العامة والبلديات اعتصاماً احتجاجياً في ساحة النجمة. في حين سجّلت زيارة لافتة قام بها قائد الجيش العماد جوزف عون الى عين التينة، تناولت ما يطرح من أفكار تصب في خانة تخفيض التقديمات للعسكريين.
واكدت مصادر مطلعة في تكتل لبنان القوي لـ»البناء» أن التكتل لديه مجموعة مقترحات سلمها الى وزير المال علي حسن خليل وتنص على خفض التهرب الضريبي وتخفيض العجز، لافتة الى ان سد العجز يمكن تحقيقه من خلال معالجة أزمة الكهرباء، تخفيض الرواتب العالية التي تشكل نسبة 10 من الموظفين، مشددة على ان التيار الوطني الحر عندما يتحدث عن تخفيض الرواتب للقطاع العام يتحدث عن فئة محددة وليس عن الفئات الدنيا، ولافتة الى ان كل الطروحات في ما خص رواتب الموظفين لا تمس الراتب الأساسي انما تتصل الامتيازات التي اعطيت من تقديمات تتصل بالمنح المدرسية وسواها، وخلصت الى ان العجز يفترض ان ينخفض الى 6 في المئة.
في مقابل ذلك، فإن للنائب شامل روكز رأياً ينسجم مع موقفه الوطني، وشدد في حديث لـ «البناء» على ضرورة البحث عن مصادر تسد العجز في الدولة وما أكثرها بعيداً عن المس برواتب العسكريين الحاليين والمتقاعدين. وقال لا يجوز الاقتطاع من راتب العسكري بعد تقاعده، قائلاً كيف يجوز الاقتطاع من رواتب عسكريين شهداء تستفيد عوائلهم من رواتبهم بعدما قدموا حياتهم دفاعاً عن لبنان. وشدّد روكز على أن الأمور لن تنتهي عند هذا الحد وما حصل في الشارع هو تحرك استباقي لما قد تقدم عليه الحكومة، مشدداً على انه سيكون الى جانب تحركات العسكريين وموظفي القطاع العام واعتصامهم في الشارع ضد اي قرارات ستتخذ بحقهم، لا سيما ان «العسكريين وموظفي القطاع العام لم يتسببوا بالعجز، فهناك مزاريب للهدر والفساد الجميع، يعلم المعنيون مكامنها ولا يقتربون منها.
في الموازاة، أشار رئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان إلى أن جلسة اللجنة تمّ تخصيصها للاستماع لوزير المال علي حسن خليل، باعتبار أنه المسؤول عن كل إيرادات الدولة وللاطلاع على حقيقة الوضع المالي، والتدابير التي من الممكن اتخاذها، وعلى التفاصيل التي يجب أن تتواكب تشريعياً لكي نتجاوز الأزمة الاقتصادية الحادة.
وفي ما يتعلق بتخفيض 15 من رواتب القطاع العام، كشف النائب عدوان عن تأكيد وزير المال أن الأرقام المطروحة والمقاربات التي يتم الحديث عنها غير صحيحة وغير دقيقة، وهناك احتمالات عدة لكثير من الخطوات ولكن ليس بالطريقة التي تطرح فيها الأمور، كاشفاً أن لجنة الادارة والعدل مع وزارة المال على تعاون وطيد في هذا الملف، خصوصاً أن الأزمة الحالية تتطلب أن نتعاون جميعاً ومعالجة جدية لا تتطرق إلى الطبقات غير الميسورة، مشدداً على أنه لا يمكن أن نتكلم عن تخفيض بالرواتب قبل أن نعالج مشكلة التهرب الضريبي والشركات الكبيرة التي لا تدفع، وأن نوقف التهريب في الجمارك وغيره من أماكن الهدر في أي وزارة أو جمعية كان، فهناك اولويات لا بد أن نبدأ بها قبل أن نصل للكلام عن خفض الرواتب، على حد تعبيره.
وليس بعيداً تشدد مصادر مطلعة لـ»البناء» على ان الحكومة عليها أن تبدأ بالمصارف قبل ان تمس معاشات الموظفين، مشيرة الى ضرورة ان تقوم المصارف بتمويل سندات الخزينة من دون فائدة والالتزام بإصلاح النظام الضريبي، في المقابل سارع تيار المستقبل عبر وزيره جمال الجراح الى الدفاع عن القطاع المصرفي، لافتاً الى ان «هذا القطاع بات محل استهداف وكأنه هو المسؤول عن كل هذا العجز وكل هذا الدين وكل التردي في الوضع الاقتصادي، في وقت حمل هذا القطاع الدولة ومسؤولية تمويلها على مدى سنوات، ولا يزال قادراً على حمل هذه المسؤولية لسنوات طويلة»، محذراً من «اللعب ومن عدم المسؤولية في مقاربة هذا الملف لأنه من أخطر ما قد يكون على اقتصادنا وعلى ماليتنا العامة وعلى استمرار اقتصادنا الحر الذي يحمل بذور التطور والإصلاح والنجاح».
الى ذلك تعقد اليوم عند الحادية عشرة جلسة عامة بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، لدرس وإقرار 18 اقتراح ومشروع قانون مدرجة على جدول الأعمال. ولعل البند الثالث على جدول الأعمال هو الأهم لكونه يتصل بتنظيم قطاع الكهرباء ووضع آلية خاصة بتلزيم مشاريع بناء معامل تعتمد طريقة التصميم والتمويل والإنتاج والتشغيل والتسليم الى الدولة بعد فترة زمنية، فضلاً عن اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي الى تعديل قانون سرية المصارف واقتراح القانون المعجل المكرر الرامي الى تعديل المادة 16 من قانون تبييض الأموال، واقتراح قانون قدمه النائب حسن فضل الله يدعو إلى إلغاء بعض فقرات المادة 61 من قانون الموظفين.
وفيما تنص المادة الثالثة من مشروع القانون الذي ستحيله الحكومة إلى المجلس بتمديد العمل بالقانون 288/2014 على أنه يستثنى في مراحل إتمام المناقصات تطبيق أحكام قانون المحاسبة العمومية وسائر النصوص ذات الصلة بأصول التلزيم التي لا تتفق مع طبيعة التلزيم والعقود موضوعها، تخوفت مصادر نيابية أن تكون هذه المادة مقدمة للقفز على إدارة المناقصات وتجاوز ملاحظاتها على دفتر الشروط.
من ناحية أخرى شدد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على أن القضاء يجب أن يبقى فوق الشبهات، وسلطة دستورية مستقلة، تنقّي ذاتها بذاتها وفق الآليات المعتمدة قانوناً، من دون تشهير او ابتزاز او استغلال من أي كان. وأضاف: «القضاء لن يكون في عهدنا منظومات مرتهنة لأحد بل سلطة تمارس رسالتها بوحي من ضمير القاضي الحر والنزيه والمحايد». ولفت إلى دعوته لمؤتمر يبحث شؤون القضاء في لبنان سيعقد قريباً في القصر الجمهوري تحت عنوان «من أجل عدالة أفضل»، هدفه إطلاق حوار وطني صريح بين جميع المكوّنات المعنيّة بالعدل والعدالة، للإضاءة على مكامن الخلل في الوضع القضائي الحالي وأسبابه وكيفية استنهاض السلطة القضائية المستقلة.
الى ذلك، أعلن وزير الخارجية جبران باسيل تأييده المبادرة الروسية القاضية بعودة النازحين الى بلدهم، مؤكداً أن لبنان بحاجة الى حلّ مستدام وليس الى مساعدات دائمة. واعتبر باسيل، خلال اللقاء العربي -الروسي للتعاون في دورته الخامسة، في موسكو، ان لبنان اليوم مسؤولية عربية ودولية، وليست مسؤولية روسيا وحدها مساعدته على تحقيق العودة، قائلاً «لا حلّ بمعزل عن الحضن العربي، أعيدوا سورية الى الجامعة، ولنعمل معاً لإعادة النازحين الى سورية، ولتكن الجامعة العربية أم الصبي والمبادر الأول لمعالجة المشاكل العربية ونطلب عندها مساعدة روسيا، ومَن يريد مساعدتنا، على إيجاد الحلول وليس على خلق المشاكل».
وفي السياق، وضع مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في صورة العمل المستمر من أجل عودة النازحين السوريين الى بلادهم إضافة الى عمل جهاز الأمن العام. وكان إبراهيم التقى سفير سورية في بيروت علي عبد الكريم علي، وبحث معه الأوضاع العامة، وشؤون النازحين السوريين في لبنان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخبار
زيادة ضريبة الفوائد مقابل خفض الأجور
وزير المال ينضم إلى المطالبين بتقليص رواتب القطاع العام 15%
عمليات بيع بين مصرف لبنان ونائب الحاكم: شبهات «المنفعة الخاصة»!

اقترح وزير المال علي حسن خليل، خفض أجور العاملين في القطاع العام (والمتقاعدين) بنسبة تصل إلى 15 في المئة، من ضمن سلّة تتضمن رفع بعض الإيرادات. تلقّف رئيس الحكومة سعد الحريري الاقتراح، وعرض على شركائه في الحكومة مقايضة زيادة الضريبة على أرباح الفوائد بخفض الأجور! اقتراح اعترض عليه ممثلو حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي
تتعامل غالبية القوى السياسية الممثلة في الحكومة على قاعدة أن الكلفة الأكبر لخفض عجز الموازنة يجب أن تكون على حساب موظفي القطاع العام. حتى اللحظة، لم يُطرح في النقاشات الدائرة بين ممثلي هذه القوى أي اقتراح جدي للبحث عن واردات إضافية، كإدخال تغيير جذري على النظام الضريبي. غالبية المقترحات تدور حول خفض الإنفاق. جميع نفقات الموازنة يمكن حصرها في أربعة «أبواب» رئيسية: خدمة الدين العام (نحو 32 في المئة)، وأجور الموظفين والمتقاعدين (نحو 36 في المئة) ودعم الكهرباء (نحو 11 في المئة)، والنفقات الاستثمارية والتشغيلية (نحو 19 في المئة). وأي خفض جدي في الإنفاق، بحسب الباحثين في كيفية إعداد الموازنة، ينبغي أن يكون على حساب خدمة الدين العام والأجور. وبما أن خدمة الدين العام تعني مباشرة أصحاب المصارف وكبار المودعين، تستسهل بعض القوى السياسية التركيز على الأجور والتقديمات الخاصة بموظفي القطاع العام، وخاصة العسكريين. وكان معروفاً أن أكثر المتحمسين لإجراءات «قاسية» كهذه هم الرئيس سعد الحريري وفريقه، ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل وفريقه. لكن الجديد الذي كشفته مصادر وزارية لـ«الأخبار»، انضمام وزير المال علي حسن خليل إلى مقترحي خفض الأجور والتقديمات للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين، وبنسبة تصل إلى نحو 15 في المئة. وقالت مصادر وزارية لـ«الأخبار» إن اقتراح خفض أجور العاملين في القطاع العام وضعه وزير المال ضمن سلّة المقترحات التي أعدها، ونوقِشَت في الاجتماع الذي ضمّ رئيس مجلس النواب والحريري وخليل بعد الجلسة النيابية الأسبوع الفائت. ولفتت إلى أن من ضمن المقترحات أيضاً إجراء مصرف لبنان «هندسة مالية»، تتيح استبدال سندات دين بالليرة قيمتها نحو 10 آلاف مليار ليرة بأخرى فائدتها لا تتجاوز 1 في المئة.
ويبدو أن الحريري وجد ضالته في هذا الاقتراح، فطرح مقايضة تتضمنها «سلّة» وزير المال، تنص على الآتي:
– زيادة الضريبة على ربح الفوائد من 7% إلى 10%، وفرض هذه الضريبة على أرباح مصرف لبنان من الفوائد، ما يحقق زيادة في الإيرادات بقيمة تراوح بين 500 مليون دولار و750 مليون دولار سنوياً.
– في المقابل، تخفيض أجور العاملين في القطاع العام بنسبة 15%، وتجميدها لمدّة 3 سنوات، وكذلك تخفيض معاشات التقاعد وحصرها بالمتقاعدين أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم القصّر فقط، وحرمان كل المستفيدين الآخرين (البنات العازبات والوالدين وسواهما). وأيضاً تمديد سنّ التقاعد في الجيش والأجهزة الأمنية، وحصر علاوات التدبير رقم 3 بالذين يخدمون على الحدود والجبهات. بالإضافة إلى إلغاء المنح التعليمية وبعض التقديمات الأخرى، ولا سيما التي يستفيد منها موظفون في المؤسسات العامّة وصندوق الضمان الاجتماعي ومصرف لبنان. وقُدِّر أثر هذه الإجراءات بقيمة تراوح بين 900 مليون ومليار دولار.
هذه المقايضة طُرحت في الاجتماع الذي دعا إليه الحريري يوم الأحد الماضي، وحضره ممثلون عن جميع القوى السياسية المشاركة في الحكومة. وتفيد المعلومات بأن شق الضريبة على أرباح الفوائد حظي بقبول الجميع، أو على الأقل لم يعترض عليه أحد، إلا أن ممثلي حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي كانوا مترددين في مناقشة الشق الثاني (خفض الرواتب والأجور). وبناءً على ذلك، اقتُرح إعفاء أول مليون ليرة من الراتب من اقتطاع الـ15%، بحجّة حماية أصحاب الأجور المتدنية وتخفيف حدّة الاقتطاع على الأجور المتوسطة، ولكن هذا الطرح لم يخفف من تردد المترددين الذين طلبوا المزيد من الوقت لدراسة الأمر.
وكان وزير المال قد عرض في بداية الاجتماع المذكور مشروع الموازنة لعام 2019، وفيه عجز يفوق 6 مليارات دولار، وأبلغ الحاضرين أن هذا العجز بقي مرتفعاً على الرغم من كل التخفيضات التي طاولت بنود الإنفاق المختلفة، بما في ذلك النفقات التشغيلية والاستثمارية والتحويلات إلى الجمعيات.
بعد هذا العرض، جرى التوافق على إجراء تخفيض إضافي للعجز ليصبح أقل من 4.5 مليارات دولار، أي تخفيض الإنفاق وزيادة الإيرادات بقيمة لا تقلّ عن 1.5 مليار دولار في هذا العام. علماً أن مشروع وزارة المال تضمّن إنفاقاً بقيمة 15.8 مليار دولار (من دون الموازنات الملحقة)، بالإضافة إلى سلفة خزينة طويلة الأجل لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 1.6 مليار دولار، أي ما مجموعه 17.4 مليار دولار، في حين أن الإيرادات قدّرت بأقل من 12 مليار دولار. وكانت وزارة المال قد توصلت إلى هذا المشروع بعدما حذفت نحو 2.5 مليار دولار من النفقات التي طالبت بها الوزارات.
ينطوي مشروع وزير المال على تقشّف كبير ومؤذٍ، ولكن من دون أي تعديل في بنية الإنفاق العام ووجهاته، في حين أن المقايضة التي طرحها ورئيس الحكومة تهدف إلى إجراء تعديل كبير على حساب حصة العاملين في القطاع العام، إذ ترمي إلى تخفيض حصّة الأجور ومعاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية من 36% إلى 30% من مجمل الإنفاق العام. وهذه النسبة من التخفيض تعدّ كبيرة جداً، ولا بد أن تترك تداعيات سلبية على مستوى معيشة نحو 300 ألف أسرة تعتاش من دخل أفرادها العاملين في القطاع العام والمتقاعدين. في المقابل، تطرح المقايضة تحميل المودعين قسطاً من كلفة تخفيض العجز، عبر رفع الضريبة على ربح الفوائد، إلا أن حصة مدفوعات الفائدة على الدين العام سترتفع من 32% إلى 34% من مجمل الإنفاق العام، وبالتالي سيعود توزّع الحصص إلى ما كان عليه على مدى ربع القرن الماضي، وتحديداً منذ نشوء أزمة الدَّين العام اعتباراً من عام 1997 حتى اليوم.
لا شك في أن رفع الضريبة على ربح الفوائد يشكّل خطوة متقدّمة ومفاجئة، ولكنها غير كافية لطمس التوزيع غير العادل وغير الكفوء للإنفاق العام ولكلفة تخفيض العجز، لمصلحة الدائنين على حساب الموظفين والمتقاعدين، وهذا يمثل سبباً كافياً للاعتراض على هذه المقايضة، ولا سيما أنه لا يزال في جعبة الحكومة خيارات ضريبية كثيرة يمكن أن ترفع الإيرادات أكثر بكثير مما هي عليه اليوم، ويمكن أن تقلّص كثيراً الكلفة الملقاة على عاتق الموظفين والعمال. وفي جعبتها أيضاً خيار خفض الفائدة على الدين العام القائم واسترداد الأموال التي جرى ضخها إلى أرباح المصارف عبر الهندسات المالية.
عمليات بيع بين مصرف لبنان ونائب الحاكم: شبهات «المنفعة الخاصة»!
يُصوَّر نوّاب حاكم مصرف لبنان الأربعة بأنهم «غير مشاكسين»، وبأنهم على عكس نوّاب سابقين لحاكم المصرف المركزي، لا «يرفعون أي اعتراض في وجه رياض سلامة، ويردّدون كل جملة يقولها» («الأخبار» في 16/3/2019، و28/3/2019)، ما سمح لسلامة باتخاذ الكثير من القرارات بعيداً من أي رقابة ومساءلة، وهو ما يدفعه إلى فرض التجديد لهم كلّما انتهت ولايتهم… إلّا أن هذا السلوك المُهادن ليس «ببلاش»، أقلّه، هذا ما تبينه مستندات حصلت عليها «الأخبار»، تكشف عن عمليات بيع عقارات يملكها مصرف لبنان، جرت بين الحاكم رياض سلامة ونائبه الرابع هاروتيون ساموئليان، وأدت إلى تحقيق «منفعة شخصية» لا يجيزها القانون، بل يجرّمها.
تبيّن هذه المستندات أن ساموئليان اشترى، تباعاً خلال 3 سنوات، 4 عقارات في منطقة الزلقا العقارية (المتن الشمالي)، مملوكة من مصرف لبنان: جرت عملية البيع الأولى عام 2010، وشملت العقارين 232/38/A و232/39/A، الذي يملك ساموئليان حق استثمارهما، وتملك زوجته هسميك أغوب باقرادونيان حق الرقبة. أمّا العملية الثانية، فقد جرت عام 2011، إذ اشترى ساموئليان العقار رقم 232/40/A بقيمة 117 ألف دولار، ووفقاً لعقد البيع، فقد «أقرّ البائع، أي مصرف لبنان ممثلاً بشخص سعادة الحاكم الأستاذ رياض سلامة، بقبضه من الشاري بموجب شيك رقم 145443 تاريخ 11/11/2011، مسحوب من قِبَل بنك بيبلوس على حسابه لدى مصرف لبنان». وقد أبرم العقد بالاستناد إلى موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان رقم 1/37/10 تاريخ 8/12/2010. فيما جرت العملية الثالثة عام 2013، لشراء العقار 232/41/A بقيمة 200 ألف دولار، دفعها ساموئليان لمصرف لبنان بموجب شيك رقم 424476 تاريخ 4/2/2013، مسحوب من قِبَل بنك لبنان والمهجر على حسابه لدى مصرف لبنان. وقد أبرم عقد البيع بالاستناد إلى موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان رقم 30/4/13، تاريخ 23/1/2013.
وفقاً لمصدر قضائي (رفض ذكر اسمه)، تنطوي هذه العمليات الأربع على «تضارب مصالح واضح واستغلال للوظيفة، إذ لا يحقّ لأي موظّف أن تكون له مصلحة في الإدارة التي يتبع لها. ومن الواضح أن هذه العمليات حصلت بموافقة الحاكم لمصلحة نائبه، ما يرتّب عليهما شبهة دفع وتلقي رشوة». يوضح المصدر القضائي أن «هذه الممارسات تشكّل خرقاً للمواد المتعلّقة بالجرائم المُخلّة بالوظيفة من قانون العقوبات اللبناني (المواد 351 و353 و364)، إذ لا يحقّ لأي موظّف أو شخص ندب إلى خدمة عامّة سواء بالانتخاب أو بالتعيين أو كلّف بمهمّة رسمية أن يقبل لنفسه أو لغيره بأي منفعة خاصّة من الإدارة التي يعمل فيها، ويعاقب عليها الطرفان بالعقوبة نفسها التي يحدّدها القانون بالسجن والغرامة. فضلاً عن أن مخالفة هذه المواد من قانون العقوبات قد تمّ لحظها في المادة 19 من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على إقالة الحاكم من وظيفته في حال الإخلال بها».
لا تشكّل هذه الحالة إلا أحد الأمثلة عن المنافع التي يوزّعها حاكم مصرف لبنان من المال العام، وهي لا تقتصر على تملك العقارات بأسعار مخفّضة وتحقيق أرباح عليها، بل تشمل أشكالاً أخرى ومتنوّعة. لا يتميّز ساموئليان عن زملائه، سوى أنه الأقدم بينهم، إذ تولّى منصب نائب الحاكم الرابع بين عامي 1993 و2003، ومن ثمّ أعيد تعيينه مع النوّاب الثلاثة الآخرين عام 2009، وجُدِّد لهم عام 2014 لولاية ثانية انتهت في 31 آذار/ مارس الماضي. والآن، تحصل ضغوط كبيرة لإعادة تعيينه مع النواب الآخرين.

أخبار لبنان