إفتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 8 تشرين الأول، 2019

إفتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 8 تشرين الأول، 2019

تفاوت موقف الصحف من إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري أن لبنان سيكون "حجر الأساس لكل الشركات الاماراتية التي ستستثمر فيه، لكي تشارك في ما بعد بإعادة اعمار سوريا أو العراق". فـ"اللواء" قابلته ببرود، و"نداء الوطن" أغفلته. بينما سألت "البناء" و"الأخبار" عن كيفية تحقيق المشاركة اللبنانية في إعادة الإعمار، طالما أن رئيس الحكومة نفسه، يرفض، حتى الآن، فتح قنوات الحوار وتطبيع العلاقة بينه وبين الحكومة السورية. صحيح، أن الحريري في الفترة الأخيرة، قلل شخصياً، من التعرض لسوريا وقيادتها، كما كان يفعل سابقاً، إلا أن أركان "تياره" و"حلفائه" لا زالوا يظهرون العداء والكراهية ضد سوريا. وهو لم يتحرك لإسكاتهم. بل إن رئيس الحكومة لم يساند رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، عندما تحدث عن خططه لزيارة دمشق ولقاء الرئيس بشار الأسد. على أي حال، إذا كان الرئيس الحريري جادٌّ، وهو كذلك، لأن له مصلحة سياسية وشخصية، في مشاركة لبنان بإعادة إعمار سوريا، فما عليه غير طلب مساعدة السفيرة اللبنانية في دمشق لأخذ مواعيد لقاءاته بالمسؤولين هناك.            
 

Résultat de recherche d'images pour "‫الرئيس الحريري مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمّد بن زايد في قصر البحر أمس (تصوير: دالاتي ونهرا)‬‎"
 


اللواء 
مؤتمر أبوظبي يُنعِش البورصة والإمارات ترفع حظر السفر
الحريري «متفائل جداً».. وسلامة يؤكِّد على الملاءة المصرفية بالدولار لضمان الإستثمار

على إيقاع تجدد الحرب المدمرة في الشمال السوري، ودخول تركيا طرفاً بعد الانسحاب الأميركي المزمع من «الحروب السخيفة» التي لا نهاية لها (في إشارة إلى سحب الولايات المتحدة قواتها من شمال شرق سوريا)، وتداعيات المواجهة في العراق بين الحكومة العراقية ومحتجين بالآلاف على الفساد وعدم توفير فرص العمل، يندفع لبنان الرسمي بقوة إلى التغلب على الوضع الاقتصادي الصعب، والوضع المالي الدقيق.. مستفيداً من سلسلة إجراءات محلية عطّلت إضراب محطات البنزين، وساهمت باحتواء «هيجان الدولار» في سوق القطع، وسط تفاؤل مشوب بحذر من إمكانية تجاوز أزمة الاكتتاب في السندات الدولارية، لتمويل الدين العام وتسديد مستحقاته قبل نهاية العام إفساحاً في المجال امام تدفق مليارات «مؤتمر سيدر» حول البنية التحتية وانعاش الاقتصاد اللبناني.
ولعلّ المؤتمر الاستثماري اللبناني – الاماراتي الذي عقد في أبو ظبي أمس، عزّز التوقعات، بأن جهوداً وخطوات ستبدأ للمساهمة في إطفاء القلق الاقتصادي والنقدي في لبنان..
وأول الغيث تأكيد ولي عهد أبو ظبي الأمير محمّد بن زايد أكثر خلال الاجتماع مع الرئيس سعد الحريري على ان الإمارات «حريصة على دعم علاقاتها مع لبنان الشقيق على المستويات المختلفة وتقف إلى جانبه في كل ما يحفظ امنه واستقراره ويحقق طموحات شعبه الشقيق إلى التنمية والتطور».
اما الرئيس الحريري فقد عبر عبر «تويتر» «الإعلام اللبناني ينتظر مني ان أعلن عن مبادرة لكنني سأترك هذا الأمر لدولة الإمارات.. رح تطلع إشاعات كثيرة بس الحمد لله الأجواء جيدة جدا».
وكشف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مداخلة له امام المؤتمر الاستثماري ان المصرف المركزي يؤمن باستمرار الدولارات للأسواق اللبنانية بالأسعار الثابتة حالياً، نافياً ان يكون هناك سوقاً موازية للدولار في لبنان.. كاشفاً ان الفوائد ارتفعت بمعدل 3٪ على الودائع أو على التسليفات، وقال: موجودات لبنان بالعملات الأجنبية، باستثناء الذهب هي بحدود 38.5 مليار دولار..
وكشف عن ان بورصة بيروت انتعشت بنسبة 0.5٪ بعد المؤتمر الاستثماري اللبناني – الاماراتي، مع الإشارة إلى تحسن الإقبال على السندات الدولارية، الأمر الذي انعش الآمال أيضاً بإمكان تخطي الأزمة الراهنة.
رفع الحظر
وكان أولى الثمار التي يفترض ان تكون مؤشراً لنجاح مؤتمر الاستثمار الاماراتي – اللبناني الذي أنهى اعماله أمس في أبو ظبي، إعلان وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان «عن السماح لمواطني دولة الإمارات بالسفر إلى الجمهورية اللبنانية الشقيقة اعتباراًمن الغد (اليوم)».
واشار وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي خالد بالهول، بحسب ما اوردت وكالة انباء الامارات الرسمية، إلى أن «هذا القرار يأتي بعد متابعة الوزارة المتعلقة بأمن المنافذ وضمانات الحكومة اللبنانية بهذا الخصوص، وتعزيزا للعلاقات الأخوية التي تجمع دولة الإمارات بالجمهورية اللبنانية الشقيقة».
ولم يعرف ما إذا كان هذا الإعلان برفع الحظر عن سفر الاماراتيين إلى لبنان، هو الذي قصده الرئيس الحريري، بعد لقائه ولي عهد أبو ظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في دولة الإمارات الشيخ محمّد بن زايد، عندما اعرب عن أمله بأن يكون هناك «خبر جيد»، معرباً عن شكره للامارات وقيادتها على «دعمهم المستمر للبنان والوقوف إلى جانبه في مواجهة التحديات التي يتعرّض لها»، مشيراً إلى ان جو اللقاء الذي عقد على مدى 45 دقيقة في «قصر البحر» كان «ايجابياً جداً»، ذلك انه كانت ثمة أحاديث ترددت في كواليس المؤتمر عن اتجاه لأن تشارك دولة الإمارات في تقديم مساعدة مالية من خلال الاكتتاب في إصدار سندات الخزينة بالدولار أو من خلال وديعة مصرفية.
وقد أوحى الحريري بنفسه هذا التوجه حين اعرب في حديثه لوكالة «رويترز» عن أمل لبنان في تدبير يضخ سيولة من الإمارات ويرغب في جذب استثمارات اماراتية من خلال شركات أجنبية، الأمر الذي ساهم في ارتفاع سندات لبنان السيادية المقومة بالدولار.
وبحسب بيانات «تريد ويب» كانت الاصدارات الاطول اجلاً هي الأكثر زيادة، إذ صعد إصدار استحقاق 2037 بمقدار 0.6 سنت إلى 65.96 سنتاً للدولار، بينما ارتفع إصدار استحقاق 2032 بمقدار 0.5 سنت إلى 65.57 سنتاً للدولار.
وأكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يُشارك في أعمال مؤتمر أبو ظبي بدوره هذه المعلومات، مشيراً إلى ان هناك احتمالات عديدة ومناقشات، إنما الأمر متروك لرؤساء الدول، فهم يقررون ذلك».
وأمل سلامة في ان تكون للمؤتمر مفاعيل منها نتائج إيجابية على الوضعين الاقتصادي والمالي، مشيراً إلى «وجود نية لخلق علاقات مالية وثيقة مع البنك المركزي».
عشاء الجالية
وكان لافتاً «للانتباه، ان الحريري استهل الكلمة التي ألقاها خلال العشاء التكريمي الذي أقامه السفير اللبناني في الإمارات فؤاد دندن، بالاشارة إلى ان الإعلام اللبناني ينتظر منه إعلان أمر ما»، لكنه قال انه «سيترك لدولة الإمارات ان تعلنه بنفسها»، لافتاً إلى انه «ستخرج الآن مائة شائعة، لكن كل شيء سيكون ايجابياً بإذن الله».
وقال ان «الإمارات كانت دائماً إلى جانب لبنان تساعده، ونحن بالنسبة لنا أي شيء يمس الإمارات يمسنا شخصياً، لأننا نعتبر اننا شعب واحد».
وكشف انه منذ شهرين يتحاور مع ولي عهد أبو ظبي من أجل مؤتمر الاستثمار، مشيراً إلى ان اللجنة العليا ستنعقد قريباً في لبنان وسنحدِّد تاريخها قريباً مع الاتفاقيات التي ستوقع بين البلدين.
وقال: لا أحد ينفي ان لدينا أزمة اقتصادية، ونحن نعمل على موازنة حقيقية مع مستوى دين منخفض أكثر مع إصلاحات بنيوية أساسية وقرارات صعبة، ومن هذه القرارات انه على الجميع التعامل لتخفيض الانفاق والتكاليف، وهذه الإصلاحات في الضمان وهيكلية الدولة وإلغاء أو دمج مؤسسات.
وعزا الحريري أزمة الدولار في لبنان إلى المشكلات الاقتصادية في كل المنطقة، لافتاً إلى ان ما تقوم به الحكومة هو اننا نحافظ على الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وفي الوقت نفسه نعمل على الموازنة والاصلاحات.
وقال: «نحن امام فترة 3 أشهر، اما ان نكون امام إصلاح حقيقي وقوانين متطورة تساعد بالاستثمار، كاشفا عن قانون مناقصات جديد سيصبح اسمه قانون مشتريات، وبعده لن يفتح كل واحد على حسابه».
خطان للدعم
ويبدو ان الوفد اللبناني إلى المؤتمر كان يعمل على خطين، خط الدعم المالي وخط رفع الحظر عن مجيء المواطنين الاماراتيين إلى لبنان، وهذا الأمر كان من ضمن الأهداف الرئيسية  التي عمل عليها الرئيس الحريري، أثناء التحضير للمؤتمر، بدليل انه طلب من وزيرة الداخلية والبلديات ريّا الحسن ان تكون في عداد الوفد الوزاري، وهي اغتنمت فرصة مشاركتها في مؤتمر أبو ظبي، وعقدت لقاءً كان مقرراً مسبقاً مع نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الشيخ سيف بن زايد، وصفته الحسن بأنه «برد مخاوف الاماراتيين في ما يتعلق بما اعتبروه ثغرات أمنية في مطار بيروت».
وقالت ان هذا الأمر «سيؤثر حتماً إيجاباً في تطبيق رفع الحظر على سفر الرعايا الاماراتيين إلى لبنان».
وفي سياق متصل، ساهم بدوره في تبديد البرودة التي كانت تعتور العلاقات بين البلدين، أكّد الرئيس الحريري في حوار مع وكالة انباء الإمارات (وام) ان حكومة لبنان تقف ضد أي أنشطة عدائية تستهدف دول الخليج العربي.
وقال: «أؤكد بصفتي رئيسا للحكومة، أنني أرفض أي تورط لبناني في النزاعات الدائرة حولنا، كما أشدد على أن الحكومة اللبنانية ترفض التدخل أو المشاركة في أي أنشطة عدائية لأي منظمة تستهدف دول الخليج العربي».
أضاف: «لقد اتخذت الحكومة اللبنانية قرارا بعدم التدخل في النزاعات الخارجية أو في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولكن مع الأسف يتم انتهاك هذا القرار، ليس من قبل الحكومة ولكن من قبل أحد الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة». وشدد الحريري على أنه ينبغي توجيه الاتهام إلى حزب الله بوصفه «جزءا من النظام الإقليمي وليس بصفته أحد أطراف الحكومة اللبنانية».
وأمل الحريري، في المقابلة نفسها ان يساهم مؤتمر الاستثمار الاماراتي – اللبناني في جذب الإستثمارات الإماراتية إلى لبنان ولا سيما في قطاعات الغذاء، والبنية التحتية، والنفط والغاز، والطاقة المتجددة»، 
موضحاً «أن لبنان قدم برنامجا لاستثمار رأس المال في بلاده خلال مؤتمر «سيدر» الاقتصادي الذي انعقد بمشاركة 50 دولة بهدف دعم اقتصاد لبنان، في باريس العام الماضي»، مشيرا إلى «أن استثمارات بقيمة 17 مليار دولار ستتدفق لدعم قطاع البنية التحتية خلال 8 إلى 10 سنوات من الآن».
مؤتمر الاستثمار
وفي كلمته امام المؤتمر، قال الحريري انه موجود في أبو ظبي «لتعزيز التعاون في ما بيننا من خلال خلق شراكات أساسية بين القطاع الخاص اللبناني والقطاع الخاص الاماراتي، مشيراً إلى ان الحكومة اللبنانية قدمت في مؤتمر «سيدر» رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق الاستقرار والنمو وخلق فرص العمل عبر تأهيل البنى التحتية وتحديث الإجراءات والتشريعات والنهوض بالقطاعات الانتاجية.
وإذ اعتبر ان فرص الاستثمار الموجودة في لبنان ليست متواجدة في العالم، مستشهداً بأن القطاع الخاص سيقوم بكل مشاريع الكهرباء والنقل وسكك الحديد والمرافئ، قال «نحن نريد ان نعمل معاً ونصبح كدولة الإمارات، وان لبنان يمكن ان يكون حجر الأساس لكل الشركات الاماراتية التي ستستثمر فيه بالكهرباء أو الغاز أو الطرقات أو المرافئ أو المطار، وبالتعاون مع القطاع الخاص اللبناني، لكي تشارك في ما بعد بإعادة اعمار سوريا أو العراق.
مجلس الوزراء
إلى ذلك، نفت مصادر مقربة من قصر بعبدا عبر «اللواء» ما نقلته إحدى المواقع الالكترونية من ان الرئيس ميشال عون طلب الاستقالة من حاكم مصرف لبنان، إذا لم يكن قادراً على حل الأزمة المالية.
ونقل زوّار الرئيس عون عنه أمس، ارتياحه بعد حلحلة موضوعي صرف الدولار والمحروقات، مشيرين إلى انه يتابع بشكل مُكثّف كل المواضيع المرتبطة بهما.
ولفت هؤلاء إلى ان القانون سيطبق كما يجب.
ومن ناحية ثانية، تأكد ان جلسة مجلس الوزراء ستنعقد هذا الخميس في قصر بعبدا، وترددت توقعات بأن تتضمن تعيينات، علماً ان هناك مواقع تحتاج إلى تعيين منها مجلس إدارة تلفزيون لبنان ونواب حاكم مصرف لبنان ومجلس الإنماء والاعمار، وكل ذلك سيتبين لدى توزيع جدول الأعمال الذي ينتظر عودة الرئيس الحريري الذي مدد اقامته في أبو ظبي إلى اليوم.
اما بالنسبة إلى موضوع الموازنة، فلم يعرف بعد موعد انعقاد اجتماع لجنة الإصلاحات الاقتصادية، فيما كشفت مصادر وزارية لـ«اللواء» انه لا توجد بعد لدى اللجنة مشاريع قوانين جاهزة، مثل مشروع قانون المناقصات (المشتريات، وقانون الجمارك وقانون الإصلاحات الضريبية)، موضحة انه جرى التداول في أفكار في هذه المشاريع، لكن ليست هناك نصوص جاهزة.
وقالت المصادر ان وزيرة الطاقة ندى البستاني كان يفترض ان تقدّم تقريراً حول مراحل تنفيذ خطة الكهرباء، إلا انها لم تعرضه بعد.
وكشفت معلومات ان مشروع قانون الجمارك الذي رفعته رئاسة الحكومة إلى لجنة الإصلاحات، كان نسخة عن قانون قديم قدم عن طريق الخطأ، وليس هو القانون الذي يدور النقاش حوله في اللجنة.
وعلم من مصادر وزارية ان قسما من موضوع الأصلاحات سيلحق بالموازنة وقسما اخر سيتم تحويله عبر مشاريع قوانين خصوصا ما يتعلق بحل او دمج بعض مجالس الأدارات فضلا عن كيفية معالجة سلسلة الرتب والرواتب للأدارات وهي كلها تحتاج الى وقت.
اما بالنسبه الى تفسير  المادة 95 من الدستور فثمة 3 خيارات بشأنها وفق المصادر المطلعة اما سحبها بالتفاهم بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس او اجراء قراءة لها دون مناقشتها او بحثها مشيرة الى انها لا تزال خيارات وما من شيء جدي بعد.
جنبلاط يصطدم بالعهد
من ناحية ثانية، كشفت تغريدة جديدة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عبر حسابه على «تويتر» تردي العلاقة المستجدة مع عهد الرئيس عون، على خلفية توقيف عدد من ناشطي الحزب بتهم تتصل بحرية الرأي، إذ غرد مساء أمس قائلاً: «فليطمئن العهد وازلامه، فكلما اعتقلتم فرداً منا كلما زاد الكره تجاهكم وتجاه أمن الدولة وعصابته».
اضاف: «لا يا سادة لا تحكم البلاد بالقهر والاستبداد والسرقة والجوع، من حق أي مواطن أياً كان بالتعبير الحر، ولغتكم أو تصريحاتكم ليست أرقى من الذين طفح بهم الكيل». وختم: «علموا جماعتكم الأدب أولا».


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

البناء
الأميركيون يئسوا من مقايضة احتلالهم بالوجود الإيراني فانسحبوا… وتركيا بدأت عمليتها العسكرية
الحريري يحمل إلى الإمارات والسعودية وألمانيا وفرنسا صورة سياسية سوداء ما لم يبادروا
جلسة المادة 95 على خط بعبدا عين التينة… وإعمار سورية ليس مفتوحاً للبنان بلا سياسة

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره المؤجل بالإنسحاب من سورية على الطاولة، دون أن يوضح ما إذا كانت الخطوة الأولى منه جزئية او تدريجية او شاملة، وواكبت وزارة الدفاع الأميركية القرار باتصال بوزارة الدفاع الروسية، بينما كان العنوان هو الاتصال الذي أعلن بعده الرئيسان الأميركي والتركي قرار الانسحاب الأميركي وبدء تركيا تنفيذ مشروعها للمنطقة الآمنة، وأتبع ترامب قراره بالتنصل من التزاماته نحو الجماعات الكردية، التي راهنت على حمايته، قائلاً لقد قدمنا لهم المال والسلاح. كما دعا ترامب أوروبا لحل مشكلة معتقلي داعش مع الأكراد، الذين وصفوا الخطوة الأميركية بالطعنة في الظهر، قبل أن ينذر ترامب تركيا بتدمير اقتصادها إذا تخطت الحدود المقبولة في عمليتها، معززاً اقتراحه بتعاون أوروبا وروسيا وسورية والعراق وإيران وتركيا والأكراد لإيجاد تسويات، لكن كل ذلك لم يمنع حقيقة أن الارتباك يسود الحسابات والمواقف الأميركية والأوروبية والتركية والكردية، بينما الهدوء يسود على جبهة سورية وإيران وروسيا. فالجبهة التي كانت واحدة بوجه سورية وحلفائها تتصدع وتتهاوى، وتدمر بعضها بعضاً. بينما تقف الجبهة المقابلة بلغة المنتصر تراقب وتنتظر التوقيت المناسب للتدخل لفرض مشروعها، سواء في جبهة إدلب أو في شمال شرق سورية. فالأتراك إن نجحوا بتدمير الجماعات الكردية سيفقدون مبرر البقاء، وإن فشلوا ودخلوا حرب استنزاف، وهذا هو المرجح سيضطرون للبحث عن مخرج، مثل القيادات الكردية. والمخرج الوحيد هو التسليم للدولة السورية التي تستعد لمبادرات سياسية وعسكرية بحجم التطورات المقبلة التي تندرج تحت عنوان هزيمة مشروع الحرب وانتصار الدولة السورية ومشروعها، مهما كانت التعرجات، خصوصا ان خلفية قرار الانسحاب الأميركي واضحة، وهي استشعار قرب نهاية فرص البقاء بعد معركة إدلب وانتصارات الجيش السوري فيها، وسقوط الرهان على مقايضة الاحتلال الأميركي بالوجود الإيراني.
قرابة منتصف ليل أمس، بدا الأتراك عمليتهم العسكرية في شمال سورية، كما قالت وكالة سبوتنيك الروسية وأكد الإعلام السوري، وتوقعت مصادر معنية عسكرياً، ان المرحلة الأولى التي تتمثل بالقصف البري لن تكون هي المحطة الفاصلة التي ستبدأ مع تقدم القوات التركية، وما سيفعله المسلحون الأكراد في مواجهتهم، وما إذا كانت قيادتهم ستبادر للتوجه نحو دمشق لتسليم مناطق سيطرتها، أم ستراهن على حرب استنزاف للهجوم التركي.
لبنانياً، ثلاثة ملفات تحركت أمس، الأول ملف جولات رئيس الحكومة سعد الحريري، التي بدأت من ابوظبي لشرح تداعيات ترك الوضع المالي اللبناني يواجه استحقاقات خطيرة وحده، ومطالبته بتحمل مسؤوليات كبيرة لا يملك قدرة مواجهتها، خصوصاً في ملف النازحين السوريين، وملف مكافحة الإرهاب، حيث سينجم عن المزيد من الضغوط المالية على لبنان درجة عالية من الفوضى والضعف في مقدرات الدولة. وبالتالي ستكون أولى التداعيات مغادرة موجات من النازحين السوريين نحو اوروبا، وتراجع قبضة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي ستنشغل بمواجهة فوضى الشارع الغاضب، وبالتالي تفلت التنظيمات الإرهابية نحو ساحات أخرى. وقالت مصادر متابعة إن هذه الصورة سينقلها الرئيس الحريري للعواصم الخليجية والأوروبية طالبا مساهمات عاجلة مالياً تحول دون التدهور وخروج الأمور عن السيطرة، شارحاً كما تقول المصادر إنه فعل في دولة الإمارات، أن الضغوط على الواقع المالي اللبناني بفرضية إضعاف حزب الله لا تأخذ بالحساب أن حزب الله الذي يتأثر بالضغوط هو آخر من سيمسع صراخه من اللبنانيين الذين ستسقط دولتهم، وتسقط زعاماتهم من حلفاء العرب والغرب، قبل أن يصاب حزب الله إصابات مباشرة.
الملف الثاني هو مناقشة المادة 95 من الدستور في المجلس النيابي في جلسة حددها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بعد تبلغه رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون. وقالت مصادر برلمانية إن نقاشا يجري حول كيفية تفادي تحول المناقشة إلى تجاذبات واستقطابات طائفية في توقيت دقيق يمر به البلد وسط أزمة اقتصادية خانقة، تطرح تحركات في الشارع يخشى تطييفها. وقالت المصادر إن رئيس الجمهورية ليس في مناخ التفكير باسترداد الرسالة، وإن رئيس المجلس ليس في مناخ تأجيل الجلسة بمبادرة منه ما لم يتلق من بعبدا رغبة بذلك، ولذلك قالت المصادر إن البحث يدور بين هذين السقفين عن مخرج لا يؤذي الصورة الدستورية لتصرف كل من الرئاستين في قضية لها أصول محددة وتحكمها نصوص واضحة.
الملف الثالث هو دور لبنان في إعمار سورية، الذي يسمعه المسؤولون اللبنانيون في زياراتهم العربية والدولية، ويكرره المسؤولون اللبنانيون في تصريحاتهم عن المستقبل الذي ينتظر لبنان مع الفرص التي يحملها إعمار سورية. وعلقت مصادر متابعة للعلاقة اللبنانية السورية والنظرة السورية نحو الموقف اللبناني على ذلك بالقول، إن الذين يشجعون المسؤولين اللبنانيين على حجز مقعد في إعمار سورية يمنعون لبنان من الانفتاح السياسي الرسمي بصورة واضحة على سورية، ومن دون تعاون سياسي لن تتيح سورية لأي دولة دوراً في مرحلة إعادة الإعمار. ومن يظن أن التمويل الخارجي سيحمل شروطه معه يجب أن ينتبه أن الدولة السورية لن تقبل بأي تمويل مشروط، ولديها بدائل التمويل بمجرد استقرار الأمن وتقدم المسار السياسي.
يتحضر رئيس الحكومة سعد الحريري بعد مشاركته في مؤتمر الاستثمار الإماراتي اللبناني، لزيارة المملكة العربية السعودية في إطار العمل على تعزيز عمل اللجنة المشتركة اللبنانية السعودية، على ان يقوم بجولة أوروبية في وقت لاحق مترئساً وفد لبنان في مؤتمر لدعم لبنان تنظمه المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، تمهيداً لاجتماع لجنة المتابعة الاستراتيجية لمؤتمر سيدر في 15 تشرين الثاني المقبل. وكان لافتاً امس ما اعلنه الحريري من الإمارات، وبمعزل عن تفاؤله بدعم الإمارات للبنان، وهذا ما أكده بعد لقائه ولي عهد ابو ظبي محمد بن زايد آل النهيان، أملاً في تدبير يضخ سيولة من الإمارات ويرغب في جذب استثمارات إماراتية من خلال شراكات أجنبية. رأى الحريري أن لبنان في موقع صعب، لكن الفرصة متاحة اليوم من خلال المشاركة في إعادة إعمار سورية والعراق، ولبنان عليه أن يستفيد من هذا الأمر. اما في السياسة فتعمد الحريري رسم خط فاصل بين حزب الله والحكومة، فقال في حوار مع وكالة أنباء الإمارات «أنني بصفتي رئيساً للحكومة، أرفض أي تورط لبناني في النزاعات الدائرة حولنا، كما أشدّد على أن الحكومة اللبنانية ترفض التدخل أو المشاركة في أي أنشطة عدائية لأي منظمة تستهدف دول الخليج العربي»، مضيفاً «اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بعدم التدخل في النزاعات الخارجية أو في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولكن مع الأسف يتم انتهاك هذا القرار، ليس من قبل الحكومة، ولكن من قبل أحد الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة»، وشدّد الحريري على أنه ينبغي توجيه الاتهام إلى حزب الله بوصفه «جزءاً من النظام الإقليمي وليس بصفته أحد أطراف الحكومة اللبنانية».
وأشارت مصادر مطلعة لـ «البناء» إلى أن مواقف الرئيس الحريري في الإمارات كانت واقعية وموضوعية على المستويين السياسي والاقتصادي فهو لم يتخذ أية مواقف تزعج أي طرف داخلي او خارجي. ولفتت المصادر إلى أن المؤتمر أعطى جرعة أمل على المستوى الاقتصادي، وبالتالي فإن ايجابياته تكمن في مردوده المعنوي سيكون سريعاً بوقف الانهيار في حين أن مردوده المادي يتوقف على تنفيذ الوعود.
وليس بعيداً، اكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان لبنان سيخرج من الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها وأن الإجراءات التي تتخذ على الصعيدين الاقتصادي والمالي من شأنها ان تعيد العافية الى الاقتصاد الوطني وقطاعات الإنتاج. واشار الى ان الاتصالات التي قام بها خلال الثماني والاربعين ساعة الماضية حققت نتائج إيجابية على صعيد تحرّكات أصحاب محطات المحروقات والتحركات المطلبية للصيارفة الذين سيجتمع اليهم اليوم في قصر بعبدا.
وفي موازة الجهود المبذولة لإيجاد حلّ للواقع الاقتصادي والنقدي، خرجت الى الواجهة امس، رسالة الرئيس ميشال عون الى رئيس مجلس النواب نبيه بري حول تفسير المادة 95 من الدستور مع اقتراب موعد الجلسة التي حدّدها الرئيس بري في 17 الحالي، أكدت مصادر نيابية في التحرير والتنمية لـ»البناء» أن حركة امل من اشد الداعين الى تطبيق المادة 95 لجهة إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، بيد ان المقاربة العونية لا تصبّ في هذا الاتجاه، وهنا تكمن المشكلة، متحدثة عن اتصالات تجري مع رئيس الجمهورية من أجل الطلب من الرئيس بري ارجاء النقاش في المادة، لا سيما أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة المترافقة مع حراك الشارع تستدعي الابتعاد عن أي نقاش قد يؤدي الى انقسام سياسي طائفي الجميع بغنى عنه في الوقت الراهن.
في المقابل، تشدّد مصادر قصر بعبدا لـ»البناء» على ان الجلسة لا تزال في موعدها، نافية أي كلام تأجيل الجلسة، على قاعدة ان الرئيس بري هو من حدد تاريخ 17 تشرين الأول، مستغربة ما يحكى ان الجلسة قد تحدث انقساماً طائفياً، لا سيما أن الرئيس عون يواصل التأكيد على تمسكه باتفاق الطائف، لكنه يطالب في الوقت عينه بتطبيق الدستور وتحقيق المناصفة بين المسيحيين والمسلمين وفق مقتضيات الوفاق الوطني.
وليس بعيداً، يعقد مجلس الوزراء جلسته العادية هذا الأسبوع يوم الخميس المقبل في قصر بعبدا وسيكون على جدول اعماله عدد من التعيينات الملحة، مع ترجيح مصادر وزارية إمكانية النقاش والبت في تعيينات مجلس إدارة تلفزيون لبنان ونواب حاكم مصرف لبنان ومجلس الإنماء والإعمار.
وعلى الخط المطلبي، يعتصم العسكريون المتقاعدون أمام مبنى TVA، عند السادسة صباح غد رفضاً لسياسة الحكومة الجائرة التي تسببت بأزمة معيشية خانقة، وتحذيراً من تأخر وزير المال في توقيع ودفع مستحقات نهاية الخدمة للمسرحين الجدد والمساعدات المدرسية، وعدم دفع المساعدات المرضية وعدم تحسين الطبابة العسكرية رغم حسم 501 في المئة من رواتب العسكريين بهذه الذرائع، وبحسب بيانهم فإن الاعتصام بمثابة خطوة أولى لتحركات اعتراضية أوسع على المستوى الوطني، بالتوازي مع تشكيل لجنة متابعة لتوحيد الجهود مع القوى المدنية الفاعلة والمعترضة، والتنسيق معها لمواجهة تعنّت أحزاب سلطة القهر والاستبداد، وعدم تراجعها عن تقاسم خيرات البلاد ومغانم الفساد.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأخبار
الحريري يرفع الفيتو الطائفي: المحاسبة في قطاع الاتصالات ممنوعة
هكذا وصل ملف الاتصالات إلى النيابة العامة المالية…

انتقل تيار المستقبل من الدفاع إلى الهجوم. لا يملك في جعبته من وسائل سوى «غيرة الدين». هذه المرة كان دور قطاع الاتصالات. وقد وجد أن أفضل طريقة لمواجهة ما تكشفه لجنة الاتصالات من وقائع ومعلومات هو في التركيز على أن الوزارة مستهدفة في طوائف وزرائها!
استراتيجية تيار «المُستقبل» في منع مُحاسبة الفاسدين والعابثين بالمال العام لا تتغيّر. في كل مرّة تُفتح فيها «الدفاتر المالية» ويكون أحد رموزه من بين «المُشتبه» فيهم، يذهب الى أمر من اثنين: إما القول بأن العملية هي تصفية حساب مع السياسة الاقتصادية للرئيس الراحل رفيق الحريري، أو حرف الأنظار كلياً عن المسار الحقيقي وتحويلها الى قضية مذهبية، المُستهدف فيها «الطائفة السنية ورجالاتها». أوراق الابتزاز هذه يشهرها هذا التيار، مستفيداً من ظرفين: الأول إدراكه أن جميع القوى السياسية تتمسك بسعد الحريري رئيساً للحكومة، والثاني والأهم حذر الطرف المقابِل من الانزلاق في الاتجاه الطائفي، ما يجعل الأمور تسير عكسَ ما يشتهيها من رفعوا لواء محاربة الفساد، وتجعلهم كمن يسير في حقل ألغام.
لم تمُر فترة طويلة على تجربة حسابات الدولة التي أنهت وزارة المال التدقيق فيها وإعادة تكوينها، فاستقرت مخالفاتها في أدراج القضاء. وها هي تعاد اليوم مع ملف الاتصالات الذي يريد «المُستقبل» ضبضبته، في ظل الاشتباه في «تورّط» اثنين من وزرائه بالفظائع المرتكبة فيه. ففيما رفض كل من الوزيرين محمد شقير وجمال الجراح علناً تلبية دعوة المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم للاستماع إليهما بشأن بعض المعلومات التي أثارتها لجنة «الإعلام والاتصالات»، كان الحريري يفعّل اتصالاته سرّاً في اتجاه حزب الله للتساؤل عمّا إذا كان استدعاء الوزيرين شقير والجراح حصراً، وتحييد وزراء آخرين من غير تيارات (المقصود هنا الوزير السابق نقولا الصحناوي)، هو استهداف سياسي لـ«المستقبل»، علماً بأن النائب حسين الحاج حسن (رئيس لجنة الإعلام والاتصالات) سبقَ أن أكد في أكثر من تصريح أن ما تقوم به اللجنة «ليسَ استهدافاً سياسياً لأحد، بل إن ما يحصل له خلفية إصلاحية». هذه اللغة استخدمها شقير نفسه مع الحاج حسن، إذ اتصل بعضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، وذهب في محاولاته بعيداً لفرملة عمل اللجنة، من خلال الادعاء أن استدعاءه وسلفه الجراح من قبل المدعي العام المالي علي إبراهيم يُظهر كأن الاشتباك في ملف الاتصالات هو سنّي – شيعي، خصوصاً أن إبراهيم شيعي، والملف سينتقل أيضاً إلى ديوان المحاسبة الذي يرأسه قاضٍ شيعي، وتبحث فيه لجنة الإعلام والاتصالات النيابية التي يرأسها نائب في حزب الله. كذلك علمت «الأخبار» أن شقير الذي كان تياره يشتكي من «هيمنة نائب البقاع جميل السيد على اللجنة ويبدو كأنه يديرها طوال الوقت»، طلب من الحاج حسن تأجيل الجلسة التي كانَ مقرراً عقدها يومَ أمس بسبب سفره مع الحريري الى الإمارات لحضور مؤتمر استثماري، واعداً بأنه سيحضر الجلسة اللاحقة. يأتي ذلك في ظل عودة رئيس لجنة الاتصالات عن قرار المشاركة في مناظرة مفتوحة على الهواء مباشرة مع شقير في برنامج «صار الوقت» على قناة «أم تي في». فما الذي يجري؟ وهل هناك توجه لركن هذا الملف على الرف؟
تساؤلات كثيرة طرحها أعضاء في اللجنة حول ما إذا كان وزير الاتصالات يسعى الى كسب الوقت، خصوصاً أنه في اليومين الماضيين لم يتوقف عن «تطمين» محيطه بأن «القصة بالسياسة وتحل بالسياسة». ويعتبر هؤلاء أن «قرار الحزب عدم المشاركة في هذه المناظرة هو نتيجة تخوف مشروع وتجنّب لمواجهة مذهبية يريدها المستقبل، لكون شقير لا يؤتمن جانبه، وربما يذهب فعلاً الى تغليب اللغة الطائفية والمذهبية خلال الحلقة على حساب الجانب التقني والمالي لتضييع الحقيقة». لكن لا بد من الأخذ في الاعتبار أن «تمرّد وزير الاتصالات ومن يقف في ظهره لا يُمكن النظر اليه أو التعاطي معه على أنه سلوك مؤقت، بل تمرد متكرر ستستمر اللجنة في مواجهته من خلال استكمال دورها الرقابي كما ينص النظام الداخلي لمجلس النواب، من أجل محاسبة المسؤولين عن هدر المال العام والتأكيد أن محاربة الفساد ليسَت مجرد شعار».
هكذا وصل ملف الاتصالات إلى النيابة العامة المالية…
أخذ ملف الاتصالات منحىً مختلفاً منذ أن كُشف عن استدعاء المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم لوزير الاتصالات محمد شقير وسلفيه جمال الجراح وبطرس حرب. فسلوك تيار «المستقبل»، إثر الاستدعاء، يوحي بأنه وجد ضالته للتحرر من الضغط الذي يواجهه نتيجة الوقائع المعروضة في لجنة الاتصالات.
أعلن الوزير محمد شقير أنه والجراح لن يذهبا «إلى المدعي العام المالي لا لشرب القهوة ولا لشرب الشاي»، داعياً إلى الاستماع إلى كل وزراء الاتصالات منذ العام 1992.
على المنوال نفسه غزل الجراح، معتبراً أن إبراهيم تجاوز المدعي العام التمييزي، بينما كان يجب أن يطلعه على الملف. لكن في المقابل، تكشف مصادر مطلعة أن ذلك يتناقض مع سياق القضية الذي يؤكد أن المدعي العام التمييزي السابق كان أحد أضلعه.
بدأت القصة في جلسة مناقشة الموازنة التي عقدت في حزيران الماضي. حينها، وبعد أن أثار النائب جهاد الصمد مجموعة من القضايا المرتبطة بالقطاع، توجه الرئيس نبيه بري إلى وزير العدل ألبرت سرحان بالقول: خذ كل المعلومات من الصمد… و«بدي نتيجة».
وعليه، زار الصمد سرحال، عارضاً عليه كل المعطيات التي يملكها، فما كان من الأخير إلا أن خاطب بدوره النائب العام التمييزي (السابق)، داعياً إياه إلى التوقف عند بعض المخالفات التي أثيرت، معدداً بعضاً منها. وبحسب المعلومات، فقد حول المدعي العام التمييزي، بدوره، الملف إلى المدعي العام المالي علي إبراهيم، الذي استمع إلى الصمد في 27 آب الماضي. ولما كانت إفادة الصمد في الملف، الذي أخذ فيه صفة الإدعاء الشخصي، قد ركّزت على موضوع «أوجيرو» تحديداً، فقد ارتأى إبراهيم أن يتوسع في الملف، ربطاً بما يتم كشفه في لجنة الاتصالات وفي الاعلام.
في سياق المواجهة المستقبلية، كان شقير قد أعلن الخميس أنه منع إدارة «تاتش» من حضور جلسة للجنة الاتصالات يوم الإثنين (كانت جلسة أمس مخصصة لمناقشة ملف الشركة)، مشيراً إلى أنه «إذا أرادوا أن ينزل أحد فأنا سأفعل ذلك بالتأكيد». قال ذلك، كما لو أنه لا يفوّت أي جلسة، هو الذي سبق أن تغيّب ثلاث جلسات متتالية، من دون أي عذر شرعي سوى أنه ينزعج من وجود النائب جميل السيد الذي «يتهجّم عليّ بطريقة شخصية». أما الكارثة، فكانت ضرب شقير للحق الرقابي الذي يمارسه مجلس النواب، من خلال تسخيفه لعمل اللجنة واعتباره أن الملفات التي تناقشها «ساهمت في هدر 75 في المئة من وقت المدراء العامين»، مشيراً إلى أنه «ليس لدي المزيد من الوقت لإضاعته».
في غياب مسؤولي الشركة، كان بديهياً أن تؤجّل الجلسة، خاصة أن شقير لا يحضر، لكن، بشكل مفاجئ، اتصل وزير الاتصالات برئيس اللجنة حسين الحاج حسن، معتذراً عن عدم حضوره لجلسة أمس.
خطوة وزير الاتصالات جاءت متأخرة، بحسب مصادر في اللجنة، إذ تشير إلى أن الجلسات الأخيرة، التي لم يشارك فيها ولم يعتذر عن عدم حضورها، شهدت مجموعة من المعطيات التي تؤكد تورّط أكثر من وزير بالضغط على إدارتي شركتي الخلوي لتنفيذ عقود خلافاً لإرادتيهما، إن كان في ملف مبنى «تاتش» أو في ملف محطات الإرسال، أو في ملف الألياف الضوئية أو عقود الصيانة، إضافة إلى الكثير من الملفات التي كلفت الخزينة مئات ملايين الدولارات.
بعدم الاستماع إلى الوزراء المعنيين، إضافة إلى اعتراض المستقبل على عدم دعوة الوزراء السابقين، ولا سيما الوزير نقولا صحناوي (وهو اعتراض محق، بحسب أكثر من مصدر معني بالقطاع)، تكون القضية قد وصلت إلى طريق مسدود في النيابة العامة المالية، ولا يبقى بالتالي سوى لجنة التحقيق النيابية التي وقّع عدد من النواب على طلب تشكيلها.
ولأن التجاوزات والارتكابات وصلت إلى مستوى يصعب إخفاؤه، فإنه يتوقع أن تستمر هذه الحملة «المستقبلية» لتطال لجنة التحقيق المنتظرة، والتي يفترض أن لا يتأخر الرئيس نبيه بري قبل أن يعرض طلب تشكيلها على الهيئة العامة. لكن مع ذلك، بدأ القلق ينتاب المتحمسين لوصول الملف إلى الكشف عن مكامن الفساد، انطلاقاً من أن النبرة الطائفية التي تواجه الملف كفيلة عملياً بإسقاطه.

أخبار لبنان