جمال خاشقجي “ميتاً” : نظريتان في الأسباب والنتائج واحدة؟

جمال خاشقجي “ميتاً” : نظريتان في الأسباب والنتائج واحدة؟

تحوم غيوم "التدويل" فوق السعودية. ردت الرياض طويلاً، محاولات تدخل في شؤونها. قطعت العلاقات مع كندا في آب الماضي. واجهت أزمات مكتومة مع فرنسا، وألمانيا التي أطلق "مجهولون" النار على ديبلوماسييها لوقف اتصالهم مع سكان "المنطقة الشرقية". في فضيحة "صفقة اليمامة" أرغمت القضاء البريطاني أن يدوس على كرامته. لكنها في "أزمة خاشقجي" تفشل بالحؤول دون استقطاب قوى التدخل الخارجي ضدها. 
كَسَبت السعودية تلك المواجهات، استناداً على الضمان الأميركي لأمن السلطة الحاكمة فيها. حتى في مواجهة الولايات المتحدة، بعد تفجيرات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كَنَّسَ السعوديون خطاياهم بالأموال. كبَّدوا الخزينة الملكية مئات مليارات الدولارات، لامتصاص غضب إدارة الرئيس "بوش الغبي" وحماية جَنَّة الحكم القبلي. سخوا بالمال حتى دفعوا بـ"المحافظين الجدد" نحو أفغانستان والعراق.
في "أزمة خاشقجي تُقْبِلُ السعودية على واقع داخلي / دولي جديد. يتميَّز بفقدان الإجماع القبلي السعودي حول مركز السلطة والحكم في المملكة، بعد استيلاء بن سلمان على الحكم بدعم من الرئيس دونالد ترامب. ويتميَّز بزوال الإجماع السياسي في جناحي النخبة الأميركية على دعم السلطة والحكم في المملكة، لأسباب أميركية أساساً، منها، تشتت الحكم السعودي بين كليهما.
رَكَنَ العقل القبلي الوهابي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى عادة سياسية سيئة. فقد آمن الحكام السعوديون بأن قبضة الحكم في الداخل، وعصا النفوذ في الخارج، إنما تَنَزَّلُ من سماء "الصداقة السعودية ـ الأميركية"، بتعبير الصحافة السعودية، نتيجة لقاء الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على متن الزورق "كوينسي" في مصر عام 1945.
صارت هذه العادة عاهة في العقل السياسي السعودي وفي النظام أيضا. لقد اعتدت أميركا ـ "إسرائيل" على العرب، مراراً، لفرض مشاريع نظام الضمان الأميركي للأمن الإقليمي، ذي البنية "الشرق أوسطية"، وأخفقت. السعودية كانت "شريكة" في العدوان وفي الإخفاق. فهل تعلمت؟. إن "أزمة خاشقجي" التي تهدد بـ"تدويل" أزمة النظام السعودي، اليوم، إنما هي أزمة ضمور القوة الأميركية المتدهورة، المتراجعة. 
في الواقع، لم يكن "ميثاق كوينسي" عقد صداقة، بل إعلان بيعة السعودي للأميركي. ولاءٌ بضمان. ملخص الاتفاق : السلطة للقبيلة والنفط للإمبريالية. لكن النظام الدولي زمن "ميثاق كوينسي" كان ثنائي القطب، تقاسمته أميركا مع الإتحاد السوفياتي حتى انهياره عام 1991. وقد لاحت، آنذاك، بوادر تجديد هذا "الميثاق"، مع بروز النظام الدولي أحادي القطب، الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة.
إثر فشل عدوان إسرائيل" على لبنان في تموز 2006، تسارع ضمور القوة الأميركية، وبدأ النظام الدولي يكتسي ملامح التعددية القطبية. مشكلة "القيادة الحكيمة" السعودية أنها ما زالت تعيش في زمن "ميثاق كوينسي" المتلاشي. وأنها لا تقيِّم بشكل صحيح، ودقيق، نتائج انتصار سوريا ومحور المقاومة والإستقلال على قوى الحرب الإمبريالية الهجينة الإستنزافية، خصوصاً، ترسيخ بنية النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب.
لقد عالجت "القيادة الشابة" السعودية الداء بالداء. بقيت على اعتقادها بـ"ميثاق كوينسي" والجبروت الأميركي. أخذت ترفع طبقات "اقتصاد الكازينو" لتشديد قبضة الحكم في الداخل. كما اندفعت صوب "التقدير العلني للمصالح المشتركة مع إسرائيل" ـ حسب تعبير الصهيوني الأميركي ديفيد بولوك ـ لترميم عصا النفوذ في الخارج. لكن المعالحة قد تنتهي بموت المريض. فـ"القيادة"، نفسها، ضبطت بجرم  إشعال فتيل "أزمة خاشقجي".
إنكار "القيادة الإصلاحية" تبدل ظروف العلاقات السعودية ـ الأميركية، رغم صعود ترامب، أغرى قوى التدخل الخارجي بالتحرك ضدها. فقد تقبل الحكم السعودي إهانات الرئيس ترامب المتتالية. وتسابق مع قطر وتركيا على الإنبطاح الذليل أمام واشنطن. بحيث شعرت كل القوى الإقليمية والدولية بضعف الرياض، وتشبثها بنظام حماية خارجي متهالك. كما ظهرت هذه "القيادة" بمظهر العاجز عن التعلم، حتى بالعدوى من صديقتها "إسرائيل"، كيف تُوَسِّع هوامش الأمن الخارجي للمملكة.   
يفاخر الإعلام السعودي بالإحصاءات الملكية، التي كشفت عن تضاعف إنفاق السعودية  76 ألف مرة من "تأسيسها" قبل نيف وثمانية عقود. فهذا الإنفاق الإستهلاكي الخيالي، غير الإنتاجي، هو ما يحمل الرئيس ترامب على القول، يوم 17 تشرين الأول/ أوكتوبر الجاري، أن بلاده "بحاجة إلى السعودية". نعم. فالقبيلة ارتضت أن تجعل الدولة السعودية "حاجة أميركية". مجرد نظامٍ محلي يوالي حامٍ عالمي.
إن الولاء والحماية هما جوهر "الصداقة السعودية ـ الأميركية". الولاء، بأن يلبي النظام السعودي مطالب أميركا، مقابل حمايتها لهذا النظام من التهديد الداخلي ومن التهديد الخارجي. مشكلة الحكم السعودي أنه لا يرى أن هذا "الجوهر" قد اهترأ. لا يفهم أن الولايات المتحدة منقسمة، حول جدوى "قيادتها" للنظام الرأسمالي الدولي الذي أنشئ عام 1945. والترامبية تعمل لتفكيك هذا النظام (وميثاق كوينسي أحد مكوناته الثانوية) لأنه يخالف شعارها : "أميركا أولاً".
في مثل هذه الظروف السعودية والأميركية والدولية المتبدلة، يجوز السؤال عمن وضع فتيل "أزمة خاشقجي" بيد "القيادة الشابة"؟. التوحش الوهابي "التقليدي" ضد المعارضين ليس جواباً شافياً. فالأمير بن سلمان وَسَّعَ "جبهة الأعداء"، وقلص "جبهة الأصدقاء" إلى حد يتوجب عنده السؤال : هل ذهب جمال خاشقجي ضحية مشروع انقلاب فاشل أم كان طُعماً في كمين محكم؟.
لم يكن جمال خاشقجي مواطناً عربياً صالحاً. كان سعودياً نمطياً. فقد "جاهد" مع الإرهابي التكفيري أسامة بن لادن في افغانستان. وعمل مستشاراً لمدير الإستخبارات السعودية السابق تركي الفيصل صانع منظمات الإرهاب. ثم اقترب من "الإخوان" وارتبط بعلاقة خاصة مع الرئيس التركي اردوغان، وهو زعيمهم الأكبر حالياً. كما أن روابطه بأوساط الإستخبارات الأميركية ليست بخافية على المتابعين. 
تطرح نظريتان حول "موت" جمال خاشقجي، رغم تعدد جهات ولجان التحقيق، واختلاف "الرواية التركية" عن "الرواية السعودية"، بشأن ما جرى معه يوم 2 تشرين الأول / أوكتوبر الجاري  : 
ـ النظرية الأولى، تتحدث عن مشروع انقلاب ضد حكم الأمير بن سلمان. وهذا المشروع من تدبير "الإخوان" الذين يقوم ولي العهد بتصفية وجودهم التنظيمي والثقافي في الإدارة والمجتمع في السعودية. وأن الأمراء السعوديين، الذين أبعدهم بن سلمان عن الحكم، ونهب ثرواتهم وألزمهم بيوتهم، ومنعهم من الإتصال بالخارج، قد جمعتهم المصيبة مع "الإخوان". وأن الرئيس التركي أردوغان وحكام قطر "الإخوانيين" يقفون خلف هذا المشروع بكل قوة. وأن "اللوبي القطري ـ الإخواني" في واشنطن، ساعد جمال خاشقجي أو أعده، ليقوم بدور محور اتصال بين قوى الإنقلاب في السعودية والعالم الخارجي. كما أن أعداء ترامب في الإدارة وهيئات التشريع والأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة، يحبذون هذا الإنقلاب.    
ـ النظرية الثانية، تقول بأن خاشقجي كان طُعماً في كمين جيواستراتيجي، صنعته أجهزة أميركية ـ "إسرائيلية" معادية للترامبية. وقد استغلت إمكانيات تركيا وقطر و"الإخوان"، لكي يوضع فتيل إشعال "أزمة خاشقجي" بيد بن سلمان شخصياً. ما سيؤدي إلى إضعاف "صديقه" ترامب قبل انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، وجعله "بطة عرجاء" يسهل التخلص منه عند نهاية ولايته. وفي نفس الوقت، يتهيأ الجو الداخلي والخارجي في السعودية، لإعادة تشكيل هيكل السلطة، من دون بن سلمان، وإعادة تأسيس العلاقات السعودية ـ الأميركية. بينما تبقى "أزمة خاشقجي" فاتحة اضطراب طويل المدى في السعودية، وعنصر توتر في علاقاتها مع تركيا. وهذا الوضع الإقليمي سيريح "إسرائيل" ويدعم المصالح الأميركية، خصوصاً إذا ما واصلت السعودية سياستها العدائية ضد إيران.    
بعيداً عن هذه النظريات المتقاطعة، والمسنودة بمعلومات ضئيلة نسبياً، فإن "أزمة خاشقجي" تزيد دون شك، رُقع الإهتراء في أسس "الصداقة" بين الرياض وواشنطن. وكل الولاء، وكل خضوع القرار الإستراتيجي السعودي للإرادة الإمبريالية الأميركية، أكان "سيِّد البيت الأبيض" صهيونياً "جمهورياً" أم صهيونياً "ديموقراطياً"، قد لا يكفي لحماية خيمة الحكم السعودي من عين عاصفة "التدويل" ووقف ترنحها. إن "تدويل" قوى التدخل الخارجي لـ"أزمة خاشقجي" يعني سقوط خيار الحماية الأميركية. طبعاً، يوجد لدى السعودية خيارات أخرى، تستوجب حديثاً آخر. 
لقد خبرت السعودية جيداً "تدويل" الأزمات السياسية. استثمرت المملكة المال والدين والديبلوماسية والإعلام من أجل مصالح نظام الهيمنة الإمبريالي الأورو ـ أميركي. لقد شرَّع الحكم السعودي وموَّل وشارك في تفجير تناقضات الدول العربية، لـ"تدويل" أزماتها، وتسهيل التدخل الأطلسي ـ "الإسرائيلي" في شؤونها. من دون اعتبار لحرمات الأخوَّة ودون تقدير لمودة الأشقاء.     
والآن، بعد اعتراف نظام الرياض بـ"موت" جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية بمدينة اسطنبول التركية، يبدو أن دور المملكة قد حان لتشرب من كأس سم "التدويل" المدمر ذاته، الذي سقته طوال عقود، للفلسطينيين والمصريين واليمنيين، والعراقيين والصوماليين، والسودانيين، والليبيين، واللبنانيين، والسوريين. الآن، تَجْرَعُ العائلة السعودية من "مِزاجِ" تلك الكأس. 

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الأحد‏، 11‏ صفر‏، 1440، الموافق‏21‏ تشرين الأول‏، 2018
آخر تحديث الساعة 01:20
آخر تحديث الساعة 12:57
آخر تحديث يوم الخميس 26/10/2018، الساعة 00:06

كلمة الحقول