ما بعد “الفجيرة” و”الشرقية”: الإمارات والسعودية على عتبة “الجبهة الأنكلوساكسونية” المتداعية!؟

ما بعد “الفجيرة” و”الشرقية”: الإمارات والسعودية على عتبة “الجبهة الأنكلوساكسونية” المتداعية!؟

اهتز أمن دول الخليج العربي في اليومين الأخيرين. الإمارات العربية المتحدة والسعودية، تحديداً، اعترفتا باختراق الأمن العميق لكلتيهما. في ابو ظبي، أعلنت وزارة الخارجية عن وقوع "عمليات تخريبية" ضد اربع ناقلات نفط، في ساحل مدينة الفجيرة على بحر عمان. وفي الرياض، أعلن وزير الطاقة السعودي عن وقوع غارة جوية بطائرات من دون طيار، على محطتي ضخ لخط أنابيب نقل النفط من حقول الإنتاج في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية إلى ميناء ينبع في غرب المملكة على البحر الأحمر.   

تشرح خريطة أنابيب نقل النفط عمق الإختراق ومدى خطورته على مصالح كلتا الدولتين العربيتين. فقد نفذت الرياض وأبو ظبي في العقدين الأخيرين، خطة طوارئ تسمح لهما بتصدير النفط من داخل منطقة الخليج العربي إلى الأسواق الخارجية، من دون العبور في مضيق هرمز. وهذه الأنابيب هي العنصر الأهم في الخطة. فالنفط الإماراتي يسيل عبرها من حقول استخراجه في بحر أبو ظبي، في الخليج، إلى ميناء الفجيرة. كذلك، ينقل النفط السعودي من خلالها، من المنطقة الشرقية على ضفة الخليج، إلى ساحل البحر الأحمر.

جاءت "العمليات التخريبية" في الإمارات والغارة الجوية اليمنية في السعودية لتطيح بهذه الخطة. إذ برهنت أن أمن الصادرات النفطية الإماراتية أو السعودية، لا بد خاضعٌ للمعادلات الأمنية ـ الإستراتيجية الناشئة في الخليج العربي وفي شبه الجزيرة العربية. بحيث لا يمكن ضمان هذا الأمن، وفي الوقت نفسه، حض الولايات المتحدة ـ "إسرائيل"، على شن الحرب ضد إيران. فأمن الصادرات النفطية العربية والإيرانية، يبقى أمناً متبادلاً، سواءٌ نقل النفط عبر مضيق هرمز، أم بالإلتفاف البري عليه. هذا هو مغزى الإختراق العميق للأمن النفطي.

اصيب هيكل الأمن السيادي للإمارات والسعودية، بقوة. فالحادثتين، رغم طابعهما التكتيكي المحدود، حملتا رسائل استراتيجية بددت متانة الإستقرار الأمني ـ العسكري في كلتا الدولتين. فلا الإمارات تمكنت من إحباط الجهات "الغامضة" التي نفذت "العمليات التخريبية" في مياه الفجيرة السيادية، ناهيك عن التصدي لها. ولا الرياض نجحت في إسقاط طائرات من دون طيار، اقتحمت أجواءها السيادية، لمسافة تزيد عن 1000 كلم، وتخطت شبكات الدفاع الصاروخي الأميركية، قبل أن تدمر منشآت سعودية حيوية.  

ظهرت الإمارات والسعودية كمن فوجئ بهاتين الحادثتين المحدودتين، فعلاً. هذا ما يمكن "قراءته"، على الأقل، من التصريحات الرسمية التي أصدرتها كل من ابو ظبي والرياض في أعقابهما. نعرف من الأرشيف حجم التسلح العسكري والتجهيز الأمني للقوات المسلحة الإماراتية والسعودية. ونعرف من وقائع عدوان التحالف السعودي ـ الأميركي على اليمن، أن هذه القوات مستنفرة، و"تصول وتجول" في معظم الأنحاء السيادية البرية والبحرية والجوية لـ"الجمهورية اليمنية"، منذ عام 2015، فلِمَ فوجئت العاصمتان العربيتان؟.

تثير الحادثتان، مجدداً، مسألة السيادة الناقصة لدول الخليج العربي. ولكن قبل وقوعهما، بأيام قليلة، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أثار مسالة السيادة الناقصة لهذه الدول. فقد خطب في محضر لفيفٍ من ناخبيه الشبان، الذين بدوا كالحمقى، قائلاً لهم : إن السعودية هي تحت الحماية الأميركية. ومن المفترض أن ترامب قصد بـ"الدول ـ المحمية" بقية دول "التعاون الخليجي" أيضاً. ثم جاءت بيانات الإمارات والسعودية بعد الحادثتين لتؤكد ذلك. فأدخلت "المجتمع الدولي"، وهو الإسم المستتر للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، طرفاً في المسؤولية عن "التحقيق" بشأنهما و"الرد" عليهما.

إن وقف مصير الأمن الوطني للإمارات والسعودية على الأميركيين وحلفائهم، بعد حادثتين أمنيتين محدودتين، سيفتح باب الطمع الأميركي، لابتزاز أبو ظبي والرياض بأموالهما السيادية حتى آخر درهم وريـال. يعلم كل المهتمين بقضايا التبعية في النظام الرأسمالي الدولي، أن اقتصادات دول "التعاون الخليجي"، وخصوصاً أكبرها في الإمارات والسعودية، وقطر، هي إحدى ديناميات الإقتصاد الرأسمالي الغربي وفُرْجَةُ أزماته. ولكن اليوم، تبرز مخاطر التبعية "الخليجية" الأمنية ـ العسكرية للرأسمالية الأميركية والغربية.

فاستدعاء "المجتمع الدولي"، عقب هاتين الحادثتين، إلى سواحل الفجيرة الإماراتية لـ"يحقق" وإلى المنطقة الشرقية السعودية لـ"يحمي"، يشبه "رمي الخراف بين فكي الذئاب". بحيث تنقلب مسألة نقص السيادة المألوفة في دول "التعاون الخليجي"، إلى معضلة استراتيجية للحكم في أبو ظبي والرياض. لقد دخلت العاصمتان حلبة المواجهة الإقليمية ـ الدولية بين أصدقاء وأعداء جمهورية إيران الإسلامية، وهما عاجزتان عن تعديل "زاوية الدفة" الجيوسياسية. من ناحية، للسير باتجاه مصر وسوريا (غصباً عن بومبيو وسيده الطمَّاع)، وروسيا والصين، لكي تُفْتَحْ خطوط التصالح مع إيران. ومن ناحية أخرى، للسير باتجاه اليمن، لإطلاق تسوية سياسية توقف العدوان السعودي ـ الأميركي عليه وتزيل آثاره الرهيبة.

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان ممكنان، حتى الآن، يعوضان نقص السيادة لدى أبو ظبي والرياض. لأن ترجيحات الحرب والسلم في الخليج العربي متفاوتة. فلا أحد، بتاتاً، يملك الجواب القاطع، بشأن مسار العدوان الذي تسلكه إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران : الضغط للشروع بالتفاوض أم للشروع بالحرب. ويجب أن تأخذ كلا العاصمتين بهذين الخيارين، وأن تحذرا من التعامل مع هذا العدوان الأميركي، بذهنية الكاتب الصحفي السعودي الذي تحدث، أمس، عن "سحل إيران"!؟.

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان ضروريان، لتخفيف تبعية الأمن الوطني للإمارات والسعودية لمصالح الأمن القومي الأميركي. فإلغاء الإتفاق النووي مع إيران، و"صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، ودعم الإرهاب في سوريا والعراق ومصر، والإنسحاب من معاهدة الصواريخ مع روسيا، وحصار فنزويلا، والحرب التجارية مع الصين، هي حرب هجينة أميركية ـ أنجلوساكسونية واحدة، تضم "إسرائيل"، وتجري على جبهات متعددة، وهي تشكل مرحلة كاملة في تحولات النظام الدولي الإنتقالي. وإحدى عِبَر حادثتي الفجيرة والمنطقة الشرقية، هي أن واشنطن وحلفاءها، لا يمانعون في جعل دول "التعاون الخليجي"، لا سيما الإمارات والسعودية، عتبة ""الجبهة الأنكلوساكسونية" المتداعية.    

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان لازمان، لكلٍ من أبو ظبي والرياض. ومن مصلحتهما أن تأخذا بهذين الخيارين، لتنتفع منهما في حالتي السلم والحرب. فإذا بقي العدوان الأميركي على إيران، يراوح ضمن حالة السلم الراهنة، تكون هوامش المناورة الإستراتيجية للإمارات والسعودية قد توسعت في مواجهة طمع الرئيس الأميركي وابتزازه المالي والمعنوي. أما إذا أشعلت إدارة ترامب نيران الحرب  ضد إيران، فلن تكون هاتين الدولتين "عتبة للحرب"، ولا حقلاً يابساً لنيرانها الرهيبة.

ما بعد حادثتي "الفجيرة" و"الشرقية" يجب على الأقلام العربية، لا سيما "الخليجية" التي تمتدح مسار الحرب ضد إيران، أن تلوذ بالصمت. 

هيئة تحرير موقع الحقول
الأربعاء‏، 11‏ رمضان‏، 1440، الموافق ‏15‏ أيار/ مايو‏، 2019

 

كلمة الحقول