ملاحظات منهجية على الحوار العربي ـ الإيراني

خاص ـ الحقول

ملاحظات منهجية على الحوار العربي ـ الإيراني

شاركت في ندوة مهمة عقدها «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت عن «العلاقات العربية – الإيرانية» يوم الاثنين الماضي، قدم الورقة الخلفية فيها الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور طلال عتريسي. ويعد موضوع الندوة حديث الساعة في المنطقة، بعدما ملأت إيران الفراغات العربية واستطال دورها الإقليمي في العالم العربي كما لم يحدث في تاريخها الحديث، بقطع النظر عن الموقف حيال إيران ودورها. وجعلت دراية كاتب الورقة بموضوع البحث الاشتباك الذهني مع ما ورد بها ضرورة فكرية قبل أن تكون متعة ذهنية.
إشكالية الحوار العربي ـ الإيراني وتوقيته
تستهل الورقة بطرح إشكالية أن إيران طرف واحد، في حين أن العرب ليسوا كذلك، وهي حقيقة لا خلاف عليها. لكن غاب عن الورقة حقيقة أخرى مفادها أن البعد التاريخي للعلاقات العربية – الإيرانية يتسم بغلبة الطابع الصراعي على الطابع التعاوني. لذلك٬ فالمجهود المطلوب بذله لترطيب العلاقات فائق واستثنائي٬ نظراً إلى ذلك البعد التاريخي. وفي حين تشخص الورقة التوتر الحالي في العلاقات العربية – الإيرانية باعتباره بالأساس توتراً سعودياً – إيرانياً، إلا أن غالبية استطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة تظهر أن نظرة قسم كبير من العرب إلى إيران سلبية، وهي نظرة غير مقيدة بالسعودية أو حتى دول الخليج فقط.
وتكفي المقارنة بين صورة إيران ومحورها العام 2006 وتلك في العام 2016 لنرى التحول السلبي بشكل واضح. على ذلك، يتطلب تناول الموضوع بشكل أكثر دقة تحليل صورة إيران والأسباب المؤدية إلى تلك النتيجة السلبية، وليس تقليص رقعة التوتر العربي – الإيراني إلى حصرها بطرف عربي واحد٬ لأن ذلك سيجعل مخرجات الندوة تسير في اتجاه مغاير ربما لما هو قائم.
ليس مطروحاً الآن حوار عربي – إيراني في ظل احتدام والتهاب المشهد الإقليمي، والحرائق المذهبية المتنقلة في طول وعرض المنطقة، وربما كان اختيار «مركز دراسات الوحدة العربية» لتوقيت الندوة تنبيهاً لأهمية الموضوع الآن وفي المقبل من الأيام. خصصت الورقة الخلفية جزءاً منها لمناقشة التغير في السياسة السعودية على خلفية انتقال السلطة إلى الملك سلمان مطلع العام 2015، وهو أمر لعب دوراً على الأرجح في تغيير أولويات السياسة الإقليمية السعودية.
مع ذلك، فما يبدو مرجحاً أكثر أن السياسة السعودية الإقليمية تغيرت بسبب إبرام الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى؛ وما يعنيه ذلك الاتفاق من فتح الأبواب أمام النفوذ الإيراني في المنطقة بضوء أخضر دولي، وليس لأسباب شخصية محض. بمعنى آخر، لا يبدو أن هناك مصلحة موضوعية سعودية وخليجية راهنة بفتح أبواب الحوار العربي – الإيراني الآن، لأن مخرجات أي حوار ستعكس الأوزان على الأرض. وكان ملاحظاً أن الورقة والمداخلات الكثيرة التي أعقبتها لم تأت على موضوع الاختلال في ميزان القوى العربي مع إيران، باعتباره المفسر العلمي – وليس التآمري أو المذهبي – لحالة التوتر العربي – الإيراني الحالية. كانت مسألة «توازن القوى» ومازالت الحكم الموضوعي على نتيجة الحراك/الحوار العربي – الإيراني؛ بغض النظر عن النوايا الطيبة أو السيئة من أي من الطرفين. لذلك يعتقد كاتب السطور أن المرحلة الراهنة لن تشهد حواراً عربياً – إيرانياً بسبب العوامل المذكورة أعلاه.
الضوابط العامة للحوار العربي ـ الإيراني
علينا أن نتذكر في حومة الاختلاف على أدوار إيران في المنطقة أنها كيان حضاري وتاريخي وجار للعرب منذ آلاف السنين، وليست هابطة على المنطقة بالمظلات، والقواسم المشتركة بين العرب والإيرانيين كثيرة. في المقابل، إيران منافس تاريخي للعرب تتصاعد شراسته كلما اختل ميزان القوى لمصلحته، وهو أمر يتبدى جلياً في صراعات المنطقة الدائرة راهناً ونفوذ إيران فيها. ومن هنا إلى النقطة التالية مباشرة: قضايا الخلاف العربي الإيراني لا تتناول قضايا عامة مثل الاحتباس الحراري الكوكبي، وإنما تتركز على أراض عربية (العراق وسوريا واليمن) ونفوذ الأطراف فيها. بعبارة أخرى، سيعني الحوار العربي – الإيراني إن جرى في ضوء توازنات القوى الراهنة أن تتفاوض الأطراف العربية مع إيران على قضايا عربية، وهو أمر له حساسيته التي لا يبدو أن المحور الذي تقوده إيران ووسائل إعلامه يراعونها بالشكل الواجب.
في مقابل ذلك، لا يفيد تغليب الطابع المذهبي على العلاقات العربية – الإيرانية الأطراف العربية، لأن ذلك يضع العرب من المسلمين الشيعة في مرمى التأثير الإيراني، في حين لن يكسب العرب – بالمنطق المذهبي – لا البلوش ولا الأكراد في إيران وكلاهما ينتمي إلى المذهب السني، إذ أن العرب في إيران ينتمون إلى المذهب الشيعي. تأسيساً على ذلك، فإن الظاهرة المؤسسة للتوتر العربي – الإيراني الراهن هي اختلال موازين القوى وليس المذهبية التي تستخدمها الأطراف لإخفاء حساباتها الجيو-سياسية، ومن شأن الاستمرار في اعتماد المذهبية كأساس للتوتر أن تجعل العرب خاسرين للحوار من قبل أن يبدأ. ومن المفيد أيضاً تقليب النظر في زمنية الحوار – أي حوار – وحدوده، فمن ناحية يعد الحوار أفضل وسيلة لتخفيف الاحتقان بين طرفين أو أطراف، لكن حدود فاعليته تبقى مشدودة إلى خيط أعمق هو توازن القوى، التي من دونها لا يستطيع المتحاور الوصول إلى ما يريده. على ذلك يفترض بالطرف العربي أن يضع أجندته المناسبة في الحوار مع إيران، وفي الوقت نفسه حساب فوائده من الحوار وتوقيته. فلا المطلوب عداوة عربية – إيرانية لا تفيد سوى أعداء الطرفين، وفي الوقت نفسه ليس مطلوباً أن يحيد العرب أنفسهم وهم الغالبية في المنطقة جغرافياً وديموغرافياً.
أطراف الحوار
تطرح الورقة الخلفية أسئلة على المشاركين عن الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الحوار العربي-الإيراني سلباً وإيجاباً، ويعتقد كاتب السطور أن القوى الدولية ذات التأثير إيجاباً في العلاقات العربية-الإيرانية هي روسيا والصين واليابان والاتحاد الأوروبي بحكم مصالحها، أما تلك المؤثرة سلباً فهي الولايات المتحدة الأميركية. بالمقابل يمكن تصنيف تركيا إلى حد ما باعتبارها من القوى الإقليمية ذات التأثير إيجاباً، أما القوى الإقليمية المناوئة فتتصدرها دولة الاحتلال الإسرائيلي ومعها كل من الهند وباكستان. الأولى لأسباب لا تحتاج إلى شرح، والأخيرتان لهما مصلحة في اللعب على التناقضات الخليجية-الإيرانية لانتزاع مكاسب اقتصادية من الطرفين.
وتطرح الورقة أسئلة عن أطراف الحوار مثل الجامعة العربية التي تراها واقعة تحت التأثير السعودي، لكن الحوار يكون بين أصحاب المشكلة، وبالتالي فالجامعة العربية – مع التسليم بالنفوذ السعودي فيها – هي أحد أهم الأطراف العربية المؤهلة للحوار مع إيران. كما تقترح الورقة حواراً بين المؤسسات الدينية وبالتحديد بين الأزهر وقم كجزء من الحوار العربي-الإيراني، وهو أمر قد يرضي كاتب السطور باعتباره مصرياً، لكن العروبة والإنصاف معاً يقتضيان أن يكون الحوار متضمناً الأزهر والنجف وشخصيات مستقلة عربية من المذاهب كافة ممثلين عن الجانب العربي وقم عن الجانب الإيراني.
الفارق في التشكيلة مهم وواضح وجلي، لأن العرب لا يفترض بهم أن يتنازلوا عن مكون أساسي من هويتهم وتاريخهم لا قبل الحوار ولا بعده. ومن المفيد أيضاً ملاحظة أن الحوار بين المؤسسات الدينية ليس بالضرورة الأولوية العربية في الحوار مع إيران، فالأطراف العربية المشاركة في الحوار لا تنتمي بالضرورة إلى مؤسسة دينية واحدة. وعلاوة على ذلك يفترض أن تدخل الأطراف العربية في حوارها مع إيران على أساس مشترك عروبي – أقله بحكم التوصيف، وليس على أساس ديني أو مذهبي مع كل الاحترام للأديان والمذاهب. وهناك متسع للنخب العربية والإيرانية للمشاركة في الحوار المفترض، وقبلهم مراكز الأبحاث على الطرفين العربي والإيراني. ولعل مبادرة «مركز دراسات الوحدة العربية» وريادته في موضوع الحوار العربي – الإيراني منذ ما يزيد عن عشرين عاماً تضعانه في مقدم هذه المراكز عند التفكير بإطلاق هكذا حوار.
في النهاية، علينا أن نتذكر ـ كعرب ـ أن الجغرافيا هي قدر الأمم، وإيران جار تاريخي كبير يتداخل مع حضارتنا العربية منذ آلاف السنين، وهي حقيقة لا يجب أن تغيب في حومة المساجلات الإعلامية والمذهبية. في المقابل٬ يتميز جارنا الحضاري والجغرافي الكبير ـ إيران ـ بالشراسة على الأدوار والنفوذ٬ خصوصاً كلما اختل ميزان القوى في المنطقة لمصلحته. تأسيساً على ذلك، يجب أن يتلخص ما يطلبه العرب عند الحوار مع الجيران في إيران وتركيا في العيش المشترك بإطار من التكافؤ والندية، وليس الاستتباع لطرف إقليمي أو أخر مهما كانت الشعارات المرفوعة لتسويغ ذلك الاستتباع!

مصطفى اللباد
13 نيسان 2016
ينشر بإذن من الكاتب.

الشؤون العربية » Homepage Slides » أخبار عربية » أهم المقالات » تحليل