يبدأ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي غداً زيارته الرسميّة الأولى إلى باريس، حاملاً معه همومه الداخليّة وحرصه على النأي بنفسه عن الأزمة السوريّة، فيما تدعوه باريس إلى الاهتمام باللاجئين السوريّين إلى لبنان وتمديد العمل ببرتوكول التعاون مع الأمم المتّحدة حول المحكمة الخاصة بلبنان. إلّا أنّ الخوف في بعض الدوائر الفرنسية من أن يسقط لبنان «ضحيّة جانبيّة» للنزاع مع سوريا.
إذا غضضنا الطرف عن غياب رئيس الجمعيّة الوطنية برنار أكواييه من برنامج الزيارة الرسميّة الأولى لميقاتي الى باريس، فيمكننا القول بأنّها من الطراز الأوّل، إذ سيلتقي بجميع أركان الدولة الفرنسية على رغم من انشغالاتهم في المساهمة الفاعلة في حملة الانتخابات الرئاسية التي بدأت تستقطب اهتمام الطبقة السياسية والرأي العام.
في كلّ الحالات، مكانة لبنان لدى المسؤولين الفرنسيّين تبقى ثابتة، على الرغم من التحوّلات اللبنانيّة التي أتت بميقاتي إلى رئاسة الحكومة. ومع ذلك، كان لا بدّ من الحفاظ على التقليد المتّبع منذ سنوات لاستقبال رئيس الحكومة اللبنانية في أواسط شهر شباط لإجراء جولة أفق على عدد من القضايا والمشاريع الثنائية المرتبطة بطريقة معيّنة بـمتطلّبات "مؤتمرات باريس"، إلّا أنّها تأتي هذه السنة وسط استحقاقات لبنانية داخليّة عدة وإقليمية مرتبطة خصوصاً بالأزمة السوريّة وتداعياتها، لا سيّما أنّ باريس تلعب دور "رأس حربة" لحشد التأييد للمعارضة السوريّة في كلّ المحافل بغية إزاحة نظام الرئيس بشّار الأسد.
ويلاحَظ أنّ وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والأوروبّية ألان جوبيه، الذي تسلّم مهمّاته منذ سنة، لم يزُر بيروت، وهو أمر يتنافى مع التقليد المتَّبع منذ سنوات، مع العلم أنّه زار عدداً من العواصم العربية والإقليمية.
وفي المقابل، لم تكن حركة الوزراء اللبنانيّين والمسؤولين الكبار قويّة، بل كانت شبه معدومة إذا استثنينا، أوّلاً، مشاركة ميقاتي في "قمّة دعم الشعب الليبي" التي عقدت في قصر الإليزيه في 19 آذار2011. ولعلّ كلّ ذلك، يمكن قراءته سياسيّاً والاستنتاج بأنّ "البرودة" هي التي تَسِم علاقات باريس ببيروت منذ قيام حكومة ميقاتي، هذا إذا استثنينا، ثانياً، مرحلة التعاون الديبلوماسي في مجلس الأمن لإقرار مشروعي مجلس الأمن حول ليبيا العام المنصرم.
أمّا سوريا فموضوع آخر، إذ جاء التوقيت السياسي لزيارة ميقاتي لباريس هذه المرّة على خلفية القلق المتصاعد الناجم من تداعيات الاضطرابات في سوريا على الوضع اللبناني، ونوعيّة التعاطي مع موضوع أساسي ألا وهو تجديد التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان. في حين أنّ رئيس الوزراء ينأى بنفسه في الأمر الأوّل، ويبدو منفتحاً في الأمر الثاني.
وعليه، فإنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء فرنسوا فييون ورئيس مجلس الشيوخ جان بيار بيل ووزير الخارجية ألان جوبيه سيتداولون مع رئيس وزراء لبنان في "العلاقة الفرنسية ـ اللبنانية وفي المسائل الإقليمية ذات الاهتمام المشترك"، على حدّ ما قال الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية والأوروبّية برنار فاليرو، مضيفاً أنّه "خلال هذه الاجتماعات سيتمّ التطرّق إلى مسائل قوات "اليونيفيل" وأمن وحدتنا هناك، وستذكّر السلطات الفرنسية بتمسّكها بمواصلة عمل المحكمة الخاصة بلبنان وأهمّية التعاون مع لبنان والمحكمة، بغية وضع حدّ للإفلات من العقاب".
وأشار فاليرو إلى "أنّه سيتمّ التطرّق إلى الملفّ السوري. وسنذكّر أيضاً رئيس مجلس الوزراء اللبناني بتمسّكنا بسيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه، وبإدانتنا الحازمة لتوغّل الجيش السوري في الأراضي اللبنانية. وأخيراً، ستذكّر السلطات الفرنسية بالأهمية التي تعلّقها على حماية اللاجئين السوريّين في لبنان".
هذه الأبعاد الثلاثة لزيارة ميقاتي تشي بالخوف المتنامي من "الثأر من المصالح الفرنسيّة في لبنان على خلفية الحرب الدائرة مع النظام السوري، وما يمكن أن يطاول أيضاً القبّعات الزرق الفرنسيّة من جهة، والتوجّس من احتمال سقوط لبنان ضحيّة جانبية للصراع على سوريا من جهة ثانية"، على حدّ ما قال أحد المُطّلعين على هذا الملفّ. أمّا عدم التمديد للبروتوكول الخاص بالمحكمة الخاصة بلبنان بين الحكومة والأمم المتّحدة، فيبدو أنّ باريس تلقّت تطمينات رسمية لبنانيّة في هذا الخصوص. وعليه فإنّ باريس "تقدّر وضع لبنان الدقيق والهَشّ"، ومن المستبعد أن تحمّله أكثر ممّا يتحمّل.
جورج ساسين
"الجمهورية"، الأربعاء 08 شباط 2012

التعليقات
علِّق