الأخطاء الإستراتيجية الأميركية في أفغانستان (تحليل ضابط فرنسي)

2009 February 3

خاص ـ الحقول / تحظى الحرب في أفغانستان باهتمام كبير هذه الأيام في فرنسا. فالكل متشائم مما يحصل هناك، والجميع متخوف من الضغوط الأميركية على أوروبا كي ترسل جنودا إضافيين إلى كابول. فرنسا التي فقدت عشرة جنود دفعة واحدة، منتصف العام المنصرم، تعيش حالة جدل حقيقية هذه الأيام حول الجدوى من وجودها في أفغانستان. "المنتدى من أجل فرنسا" الذي يضم في عضويته كبار العسكريين المتقاعدين ودبلوماسيين ونوابا حاليين، أقام ندوة حول أفغانستان، تحدث فيها العقيد رينيه كانيا(*) محاولا الإجابة على سؤالين رئيسيين : أولا، كيف تبدو الأوضاع الحالية في افغانستان. ثانيا، ما الذي يتوجب عمله لكي يتلافى حلف شمال الأطلسي/ناتو الوقوع في الهزيمة السياسية والعسكرية.

اتهم كانيا الولايات المتحدة بأنها "جرت دول الحلف الأطلسي إلى حرب، كانت في بدايتها تحريرية ثم تحولت فيما بعد إلى حرب احتلال واستعمار"، وقال أنها ارتكبت ذات الأخطاء التي ارتكبها الإتحاد السوفياتي السابق وقبله إنكلترا في أفغانستان. واستنتج أن هذ الأخطاء تقود أميركا وحلفائها إلى هزيمة عسكرية، ستكون نتائجها وخيمة على وحدة حلف شمال الأطلسي، إذا لم يتم تداركها قبل فوات الأوان.
فما هي هذه الأخطاء؟

زراعة المخدرات
قال الباحث العسكري الفرنسي إن "خطأ أميركا الكبير في أفغانستان أنها لم تتصد لزراعة المخدرات، وتركت هذا الأمر يستفحل". متسائلا عن كيفية التصدي لحركة طالبان طالما لم نمنع زراعة المخدرات هناك. فميليشيا طالبان تمول حربها عبر بيع إنتاج الأفيون، ما يدر عليها عشرات الملايين من الدولارات سنويا، تنفق منها على مقاتليها، وتشتري ولاء بها الناس الفقراء الذين أصبحوا في كثير من الأحيان عيونا لها على الحكومة والقوات الأطلسية.

الوضع العسكري والإستراتيجي
اعتبر العقيد كانيا أن الأميركيين اعتمدوا على الأسلحة المتطورة، في بلاد جبلية وذات تضاريس صعبة، تحوي الكثير من التحصينات الطبيعية، وهذا ما وقع فيه الروس في القرن الماضي. وأكد أن العاصمة الأفغانية كابول محاصرة حاليا، من قبل مقاتلي الطالبان، من ثلاث جهات، وقد باتت في وضع يشبه ما كنات عليه إبان الشهور الأخيرة من الاحتلال السوفياتي لأفغانستان.
وقارن كانيا الموقف العسكري الإستراتيجي في العاصمة كابول وما حولها، بوضع حصن ديان بيان فو الذي أسقطه الثوار الفيتناميون بعد حصاره. وقال كانت ديان بيان فو، مثل كابول محاطة بأربعة جبال كبيرة ووعرة، ويقع مطارها المدني والعسكري في الجنوب في نقطة ضيقة ومنخفضة نسبيا.
وأعاد التذكير بأن الفرنسيين قللوا حينها من أهمية قوة الثوار الفيتناميين، لأنه لم يكن بحوزتهم مدافع ميدانية، ثم فوجئوا بهجوم فيتنامي صاعق من عشرات قطع المدفعية، ما أدى في النهاية إلى سقوط الحصن ـ القاعدة بيد المقاومين.
وأضاف يعتبر الأميركيون في أفغانستان أن مقاتلي حركة طالبان لا يملكون صواريخ مضادة للطائرات، غير أنه يكفي أن يقوم الروس بتزويد مقاتلي الحركة بهذه الصواريخ حتى تسقط العاصمة الأفغانية بأيديهم. وتوقع أن يقوم الروس بهذه الخطوة، انتقاما من الأميركيين الذين زودوا "المجاهدين الأفغان" بصواريخ ستينغر المضادة للطائرات، ما أسفر عن هزيمة السوفيات.

الوضع السياسي  
ورأى كانيا أن الأميركيين ارتكبوا خطأ سياسيا كبيرا، باختيار شخص لرئاسة أفغانستان مثل حميد قرضاي، الذي لا يعرفه إلا البنتاغون/وزارة الدفاع ودوائر المخابرات الأميركية، ما أعاد إلى أذهان الأفغان صور عملاء الإتحاد السوفياتي السابق. فهذا الرئيس يفقد السلطة الحقيقية، ولا يسيطر سوى على العاصمة بفضل وجود قوات ناتو. وجزم بأن حميد قرضاي ليس رجل الوضع الصعب ويجب تغييره.

الدور الباكستاني
ينظر هذا المحلل الإستراتيجي الفرنسي إلى سيطرة حركة طالبان على كابول في عام 1998، على أنها كانت انتصارا لباكستان. لكنه يلفت إلى أن هذه الحال اختلفت عقب الغزو الأميركي عام 2001 حيث اعتمدت باكستان سياسة التعاون مع أميركا، وسحبت دعمها لطالبان.
بعد ذلك، تبدلت هذه الحال في عام 2003، حينما بدأت أجهزة الإستخبارات الباكستانية تساعد مقاتلي طالبان، وتغض النظر عن قيامهم بتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود المشتركة بيبن باكستان وأفغانستان.
غير أن الأميركيين، يضيف العقيد كانيا، كشفوا عن سذاجة كبيرة عندما أخذوا بادعاءات الرئيس الباكستاني السابق الجنرال مشرف المتكررة، حول عدم التدخل الباكستاني. ولم يدركوا إلا بعد المعارك الضارية التي جرت في عام 2006، أن مقاتلي الطالبان يحظون بدعم كبير من مناطق قبائل البشتون في باكستان. فعمد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى إنذار باكستان بقطع المساعدات عنها، ما أجبر الجنرال مشرف على التراجع وتقديم خدمات أمنية وعملانية للجيش الأميركي وقوات الحلف الأطلسي.

عرقنة الحرب
وأكد كانيا أن مقاتلي حركة طالبان قد تعلموا الكثير من تجارب المقاومة العراقية، حيث أصبحت تنقلاتهم تتم عبر مجموعات صغيرة، سرية وسريعة الحركة، أولا. كما أصبحوا لا يترددون بنصب كمائن في المناطق السكنية، ثانيا. بعد ذلك، أخيرا، بدأوا باستخدام الألغام، واستخدام السيارات المفخخة والقيام بعمليات انتحارية وعمليات اختطاف الأجانب.

يذكر أن من بين حضور هذه الندوة كان القائد العام السابق للجيوش الفرنسية الجنرال غالوا، والأميرال لاكوست القائد السابق للأسطول الفرنسي في البحر المتوسط، والمدير السابق لجهاز مكافحة التجسس دي أس تي. بالإضافة إلى المستشار السابق لقائد قوات الطوارىء الدولية في لبنان العقيد كورفيس، ومدير المعهد الوطني للإرهاب آلان شوفالرياس، فضلا عن مجموعة من الدبلوماسيين المتقاعدين.

نضال حمادة، صحفي عربي مقيم في باريس

(*) العقيد رينيه كانيا عمل ملحقا عسكريا لبلاده في السفارة الفرنسية بموسكو حتى العام 1998. يقيم في كازاخستان. حائز دكتوراه في شؤون آسيا الوسطى. له كتابات عدة منها : "في وسط الإمبراطورية"، "دليل آسيا الوسطى". وهو حائز على تقدير مجلة "الدفاع" العسكرية الرسمية.