الصهيونية وسلاح الإعلام : يهود صهاينة مولوا مجلة ثقافية أصدرها طه حسين

2009 April 6

واجهت في بداية الثمانينيات "معركة" مع المثقفين المصريين، حول قضية مهمة كشفت عنها فى دراستي عن الصحافة الصهيونية، وتتعلق بدور مجلة "الكاتب المصري" فى الصراع العربى ـ الصهيونى فى الأربعينيات (1945 ـ 1948)، وهي الفترة التى شهدت ذروة الصراع الفلسطينى ـ الصهيونى.

اليهود الصهاينة في مصر : من إصدار الصحف إلى تمويلها
كانت الصحف المصرية آنذاك، تتابع باهتمام بالغ ما يدور على الأرض الفلسطينية، ولقد رصدت ذلك فى دراستي. لكنني فوجئت بأن مجلة "الكاتب المصري" التى كان يرأسها طه حسين، وكانت تضم كوكبة لامعة من مثقفي مصر وكتابها، من المنتمين إلى التيار الليبرالى، كانت تحصر النضال الفلسطينى المتصاعد فى صفحة تحت عنوان : "حرية السياسة الدولية". وما كان هذا النضال ينال أكثر من نصف عمود تحت عنوان : "اضطرابات فى فلسطين"، بينما كانت أحداث مدغشقر، ومشكلة المضايق التركية، ومستقبل آسيا بعد هزيمة اليابان، تنال ثلاثة أضعاف هذه المساحة.


عواطف عبد الرحمن

وقد كان لا بد أن أحاول تفسير ذلك الموقف. وبالاستقصاء التاريخى الموثق ظهرت الحقيقة، وهى أن ممول مجلة "الكاتب المصري"، كانت أسرة هراري اليهودية المصرية. وكان المطلوب آنذاك تنفيذاً لتعليمات المنظمة الصهيونية العالمية، التوقف عن إصدار صحف مصرية تنطق باسم الصهيونية، لأن الوطن القومي لليهود فى فلسطين كان قاب قوسين أو أدنى، ولأن الدعاية الصهيونية فى مصر كانت قد أدت دورها كاملاً منذ العشرينيات، بصدور صحفها المعروفة "إسرائيل" و"الشمس" الناطقتين باللغة العربية، عدا الصحف الأخرى الناطقة بالفرنسية.
ولقد تواكب إصدار الصحف الصهيونية فى مصر، مع مراحل تأسيس الكيان الصهيونى فى فلسطين، تحت مسمى الوطن القومي لليهود. فكانت صحيفة "إسرائيل" هى البداية، وصدرت ما بين عامي 1920 ـ 1934، واستمرت في الصدور 14 عاماً.
ثم تبعتها صحيفة" الشمس" ما بين عامي 1934 ـ 1948، ثم عُطلت بقرار من الرقابة العامة، بسبب الشكاوى التي تقدمت بها الجامعة العربية إلى إدارة المطبوعات المصرية، بسبب الدور الخطير الذى تقوم به صحيفة "الشمس" فى تأييد مطامع الصهيونية فى فلسطين، والطعن فى الجامعة العربية وقضايا العروبة، وإن تلك الصحيفة إنما تصدر بأموال صهيونية.
ولم يصدر بعد ذلك أى صحيفة صهيونية بل ظهر النفوذ الصهيونى واضحاً فى محاولة الالتفاف حول أعمدة الفكر الليبرالى فى مصر وإقناعهم بإصدار مجلة فكرية ثقافية تحمل رؤى عقلانية عصرية حول الثقافة والأدب والأحداث الجارية فى العالم آنذاك، وقد صدرت المجلة فى تشرين الأول/أكتوبر 1945 باسم الكاتب المصرى وبتمويل أسرة هراري اليهودية، ورئاسة تحرير طه حسين.

الصهيونية والكولونيالية : تكتيك شراء الصمت
كان الهدف الصهيوني المطلوب هو شراء سكوت هذه المجلة بمثقفيها وكتابها عما يدور فى فلسطين، من صراع ضارٍ بين الشعب الفلسطينى والحركة الصهيونية. وهذا شكل من أشكال الدعاية الخبيثة التى وضع أسسها قوى الكولونيالية الأوروبية، وبرعت فيها وريثتها : الحركة الصهيونية، وذلك عبر عملائها وأنصارها وأركانها.
وتتركز هذه الدعاية فى إسدال ستار من الصمت على القضايا والأحداث التى تتعارض مع الأهداف والمصالح الصهيونية. وهذا الأسلوب لا تزال تتبناه وتطبقه ببراعة وكالات الأنباء الغربية إزاء ما يدور فى العالم الثالث (دول الجنوب)، حيث يتم تهميش وتشويه كافة أشكال المقاومة للنفوذ والهيمنة الغربية، بينما يجري إبراز وتضخيم أنباء وصور الحروب القبلية والمجاعات، وتشويه صورة شعوب الجنوب بكافة الأشكال، لتبرير وتسويغ استمرار النفوذ الغربي على هذه الشعوب، ولكن بصور "عصرية".
عندما نشرت هذا الموضوع عام 1982 هوجمت بشراسة وقسوة غير مبررة من بعض المثقفين الذين لم يقرأوا ملف تاريخ الصهيونية فى مصر. ولكني بادرت للرد عليهم وتفنيد أقوالهم من واقع الوثائق الصحفية وتاريخ تلك الفترة.

الصهيونية وتقنية "اختراق المثقف"
بيد ان أولئك المثقفين كانوا يعيشون فى قوالب جامدة ترفض الإنصات لأي معلومات جديدة، قد تمس مسلماتهم وقناعاتهم التى كونوها فى إطار ما عرفوه أو سمعوه، قبل أن يتوقفوا عنده، وكأنه سقف المعرفة الأمثل والنهائي.
ولذلك، لم يحاولوا تفنيد المعلومات التي توصلت إليها وحاولت تفسيرها فى ضوء تطورات الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني. فاكتفى أولئك المثقفون بالاحتجاج الانفعالي "دفاعاً عن طه حسين" الذي حَرِصْتُ على عدم المساس بكيانه، مقابل حرصي على إبراز الدور الخطير الذى قامت به الحركة الصهيونية لطمس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، من خلال التلاعب بالعقل العربي وتزييف وعيه بالثوابت الوطنية والقومية.
وهذا هو المنهج الثابت الذى تلتزم به الحركة الصهيونية حتى اليوم، فى تزييف الوعي، المراوغة، والتضليل وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ولقد حرصت على أن أوضح لهم أن هذه المعلومات لا تمس كيان طه حسين باعتباره عميد الأدب العربى، ولكنها تكشف مدى الخبث والدهاء والمراوغة التى تميزت بها سياسات القوى الصهيونية. فقد نجح الصهاينة فى اختراق معظم التيارات اليسارية والليبرالية، وبعض التيارات "القومية المصرية"، لكنهم عجزوا عن اختراق التيار الإسلامى والتيار القومى العربى.
إن مكمن المأساة التى يعانى منها العقل العربى خصوصاً العديد من النخب المثقفة والحزبية يسطع جلياً فى تمسكهم الأجوف واعتمادهم على الشعارات والمعلومات العامة التى تجاوزتها الظروف التاريخية ولم يعد الرأي العام راغباً فى اجترارها إذ أصابه الملل والسأم والجمود، وبدأ يتطلع إلى الرؤى والاتجاهات التى تحمل معلومة جديدة أو فكرة غير مسبوقة أو تحليل عقلانى ـ معلوماتى للأحداث.
وهنا يحق لنا أن نتساءل لماذا نغلق عقولنا فى مواجهة أى معلومة تاريخية موثقة؟ هناك عدة أسباب أقلها سوءاً يرجع إلى الاستسهال والكسل العقلي، وأقبحها يرجع إلى الرغبة فى عدم تقبل أى معلومات تخالف ما تعارفوا عليه وتمسكوا به إيثاراً للسلامة وحماية لمصالح حزبية أو فردية ضيقة لن تفيد الوطن أو الأجيال الجديدة.

عواطف عبد الرحمن، مفكرة، وباحثة وأستاذة جامعية عربية من مصر

http://al-araby.com/docs/article2142180638.html

لمتابعة إضافية بشأن النفوذ الصهيوني في مصر قبل ثورة تموز/يوليو 1952 بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، راجع مقال عواطف عبد الرحمن، على الرابط التالي :

"... وقد نجحوا فى تنفيذ مخططاتهم من خلال الحكومات المصرية الموالية للاحتلال البريطانى ونذكر هنا موقف حكومة محمد محمود باشا 1929 ضد ثورة الشعب الفلسطينى وتهديدها للفلسطينيين المقيمين بمصر بالطرد واتهامهم بإثارة الفتنة الطائفية كذلك اشتراك حكومة اسماعيل صدقى فى معرض تل أبيب الذى أقيم فى ربيع 1932 متجاهله جميع التحذيرات التى وجهتها إليها الأوساط الوطنية الفلسطينية. الجامعة العبرية ويقودنا هذا الى الحديث عن الجامعة العبرية التى تم افتتاحها فى القدس فى 25 ابريل عام 1925 من أبرز الأحداث التى شهدتها فلسطين فى العشرينيات. وكان لهذا الحدث أصداء واسعة شملت الشعب الفلسطينى وسائر الشعوب العربية فى سوريا والعراق ومصر. وتجاوبت الصحف المصرية مع هذا الحدث الى مدى بعيد حيث حرصت على إبراز الصلة بين انشاء هذه الجامعة وفكرة البعث اليهودي. وترجع فكرة انشاء الجامعة العبرية الى عام 1901 عندما أصدر المؤتمر الصهيونى الخامس قرارا بتأييد الفكرة وفى عام 1913 قرر المؤتمر الصهيونى الحادى عشر انشاء الجامعة وبدأ بالفعل فى شراء الأرض ووضع التصميمات ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون تحقيق ذلك المشروع ولما صدر وعد بلفور 1917 بعثت الفكرة من جديد وعهد الى اللجنةالصهيونية التى جاءت الى فلسطين عام 1918 بانشاء الجامعة حيث وضع وايزمان الحجر الأساسى لبنائها فوق جيل الزيتون فى القدس ثم افتتحت رسميا عام 1925. ولقد قادت صحيفة كوكب الشرق حملة صحيفة واسعة النطاق مستهدفة ايقاظ الرأى العام المصرى وتنويره فيما يتعلق بحقيقة الهدف الذى انشئت من أجله الجامعة العبرية بالقدس باعتبارها ليست وسيلة لنشر العلم والحضارة فى ربوع الشرق كما يدعى منشئوها ولكنها ركيزة علمية لتحقيق الوطن القومى اليهودى فى فلسطين وتتساءل الصحيفة عن معنى دعوة اللورد بلفور لافتتاح الجامعة العبرية وهو صاحب الوعد الذى يشكو منه أهل فلسطين لأنه سيقضى على كيانهم وهل يتفق هذا مع هيبة العلم وجلاله وهل لمثل هذا تفتتح جامعات العلم فى العالم. وقد أعلن اضراب شامل فى فلسطين يوم قدوم اللورد بلفور وألقى خليل سكاكينى خطابا وطنيا من فوق منصة الحرم الشريف بالقدس ...".

http://www.al-araby.com/docs/1010/article1358.html