عصام عياد .. الورّاق الذي اقتنيت من مكتبته مراجع عن الحرب الأهلية ومعنى كلمة "فدائيين"
2009 September 10
خاص ـ الحقول/ الكتابة عن رجل يدعى عصام عياد تستلزم شرطاً وحيدا، هو التطرف. أن تكون متطرفا، لكي تتمكن من معادلة تطرف عصام عياد. وهذا ما لا يمكنك فعله لأنك، وبحسب رجلنا، لا تزال مجرد ذرة غبار في مصنع أحذية، أو صوصا في مستودع مليء بالديكة. يعني، لا مفر. لا تسمح علاقتك به، إلا أن تكون متطرفا. إما في اتجاهه وإما بالتضاد معه. وفي الحالتين، تعرف أنه مقبوض عليك، وأن الرجل قد تمكّن منك. الانحياز اليه يعني أنك لا تزال طيبا. والطيبة التي ينكرها عصام عياد، ويعلّم أصدقاءه التنصل منها، ينزلق قلبه إليها مرات عدة.
رجل مكسوّ بالتعب، لا يخبرك عن تجاربه إلا لماما، يرفض كتابة رواية عنه (تستحق سيرته كتابة رواية، وربما سيهرول إليه أحد ما، بعد أن يقرأ هذه السطور). أحيانا أظنه يكذب، أو يبحر بجمله حتى يصل الى بحر بعيد، فيما أتخيلني واقفا على شاطئ، بحجمي الصغير جدا. يراني بعينيه الكبيرتين، الشبيهتين بعيني ثعلب مشرد، ملوّحاً له بقميصي، ظنا مني انه لا يراني، لأنني أنا أيضا أكون ساعتذاك، لا أراه. لكنني أكتشف بعد لحظة أنه يراني، وأنني لم أفلت لحظة واحدة من كماشة كلامه.
صدِّقوني، الحديث عنه يستلزم أن تكون متطرفا، متطرفا بالهلوسة. الهلوسة فقط هي ما ينبغي إحضاره إلى الجملة للحديث عن عصام عياد. لأنه شخص لبط باب حياتك ودخلها. هكذا فعل من دون أن يحرك قدميه. ربما الباب المغلق إنلبط من تلقائه حالما وقف عصام عياد أمامه. إنخلع ببساطة، وكانت ضحكة الرجل، قهقهته الذكية التي تملأني غيظا، الباب البديل.
من ذلك اليوم، وأنا لا أدخل إلى حياتي أو أخرج منها، إلا مارا بعصام عياد الذي لا يزال واقفا إلى هذه اللحظة. قررت قبل أيام أن أحلَّ عنه إذا لم يُرد هو أن يحلّ عني. رأيت أن ذلك أشبه بأن تأخذ ذراعك إلى مجلِّخ سكاكين، وتقول له، أريدك أن تسنّن لي هذه الذراع حتى يصبح عظمها رقيقا جدا وحادا، فتسقط على الأرض. هذا ما يعادل ألم إستئصال صاحب المكتبة الضيقة في شارع الحمراء.
لن أقول ما أعرف عن عصام عياد. سأحتفظ بمعلوماتي التي أعتبرها على رغم قلتها، بالغة الأهمية. كما أتمنى أن لا تجعل هذه الكتابة منه، رجلا أكثر نرجسية مما هو عليه. أشعر هنا أنني وقعت فعلا في فخ. فمن ناحية، لا بد أن اكتب عنه يوما ما، ربما اليوم. أكتب لأتخلص منه. فأنا لا أعرف إذا كان واجبي أن أشكره أو أسبّه، لأنه باعني كتبا كثيرة، أو منح الشوارع التي في رأسي، زوايا. الشوارع كلها تغيرت بنيتها منذ تعرفت به. واظب أيضا على زرع اللافتات التي تشير إلى ضرورة تغيير إتجاه السير في الشارع الفلاني. ماشي الحال يا سيد عصام. فقد أعدت ترتيب الجينات كما يحلو لك. ولا شك أنك تضحك الآن. أنا في كل حال، لا أريد أن أراك في هذه اللحظة بالذات. لأنك ستسخر، وستحس بمدى عظمتك (عندي على الأقل) ومدى ضآلتي. هل تراني؟ أحدس بأنني أصبحت مايكروسكوبيا، كبيض النمل. في المناسبة، بيض النمل هو أحد معاني إسم مازن .
أكره عصام عياد لأنني لا أريد أن أحبه أكثر. البعض يسخر مني لأنني على صداقة معه. يرونه شخصا غريبا، أو غرائبيا، ويفضلون عدم إدخاله صندوق حياتهم. هذا شأنهم. في أحيان كثيرة، أغبطهم. إذا غضب الله عليك، فإنك تكون صديقه. وحال توصلت إلى كرهه أو محبته الشديدة، فستعرف أنه ألقى القبض عليك. يمكنه أن يكون مجرد بائع كتب مستعملة بالنسبة الى عابر سبيل ظمئ، كذلك بالنسبة الى ذبابة لا يناسبها إطلاقا الدخول في احتمالات ايجاد طعام بين الكتب.
أنا عالق. أظن أنه سيكون أمامي وقت طويل قبل أن أتمكن من خيانة عياد، وطرد نفسي من الجيبة التي يضع فيها أصدقاء مساكين على شاكلتي. بدأ حياته متحمسا سياسيا لطرف ما. كان فتى، لكنه امتلك رؤيا أتاحت له التنبؤ بأخطاء قبل أن تحصل. ترك الإحتمالات جميعها، الانتصار أو الهزيمة، خلف تأويلاتهما. وعُرضت عليه مناصب قيادية في التنظيم الفلاني أو العلاني، لكنه لم يشأ أن يكون كالكثيرين ممن دخلوا الدوامة واضعين شاليمونات في أفواههم للتنفس، قبل أن يصابوا بالسعال ومن ثم الاختناق. نضاله شخصي جدا، من بائع كتب في فان إلى مارد في قمقم مكتبته الصغيرة. لوّث رأسي عصام عياد، بآراء كثيرة، تتخطى اقتناعي بها.
أُشبِّه رأسه بقجة يصطدم القلق بجدرانها، إلى أن يدوخ هذا القلق فيشقّ جلد وجهه، خارجاً على شكل ابتسامة. أحاول مرات عديدة أن أثقب أول يوم ذهبت فيه إليه، أن أجد ثغرة بديلة من تلك التي أوقعتني في أنبوب الورّاق عصام عياد. كان ذلك عندما كنت مراهقا أبحث عن معنى كلمة "فدائيين" خارج القاموس الشعبي المتداول، وعندما رجعت إلى المنزل، كان في يدي أربعة كتب عن الحرب "الأهلية" في لبنان، إضافة إلى شعور سخيف بنشوة القبض على "الحقيقة"، وبنطلون بجيبتين تتدليان إلى الداخل كفأرتين ميتتين، و... سخرية أخي الأصغر. أما جِلدي، فتصورته معلقا على باب المكتبة. الأكيد أنه كان لا يزال رطبا حين دخلت المنزل. بمعنى أكثر مباشرة، فقد تم سلخ الكاوتشوك عن عجلتي الاقتصادية الصغيرة، على يد عصام عياد.
قد يكون موقع عصام عياد في الحمراء، غير ملائم تماما للصورة التي يريدها البعض لهذا الشارع. لا بأس، إذا عرفنا أن عصام عياد يخوض حروبه الميكروسكوبية متحصنا برفاقه القدامى: الكتب. مكتبته تشبه سردابا نجا من الحرب، لم يتح للزمن فرصة الفتك به. كل القسوة التي تحفل بها ملامح عصام عياد، تأتي ككيس رمل يمرّغ به صاحب الكتب القديمة، وجهه، متأهبا لاحتمالات خيانة أخرى. ربما لأن عصام عياد لم يعد يحتمل المزيد من التجارب.
مجموعة من حبات المطر حاولت اجتياح مكتبته الشريرة ذات يوم، والانقضاض على كتبه، قبل أن تصطادها العدسات السوداء للمصورين، وتزجّ بها في الصحف. ترعبني فكرة أن حتى حبات المطر لا يمكنها النفاذ الى قلب سردابه.
مازن معروف، كاتب عربي من لبنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقال الذي ينشر بإذن من الكاتب، كان نشر في جريدة النهار اللبنانية، 5 ايلول 2009، وذلك تحت عنوان : بيت بمنازل كثيرة، الوراق الذي تشبه مكتبته سردابا ناجيا من الحرب، للمراجعة، انظر في الرابط التالي :
http://www.annahar.com/content.php?priority=3&table=adab&type=adab&day=Sat
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة المحرر : عصام عياد هو كاتب عربي من لبنان أيضا، أصدر هذه السنة ديوانا شعريا بعنوان : "فلفل بلدي". و |