خاص ـ الحقول / حينما أخذت كتاب سعيد أبو الريش "جمال عبد الناصر آخر العرب" لدراسته كنت مشدودا إلى العنوان. شعرت بأنه غريب، ومُبَالِغْ، وعاطفي. ثم تمكن هذا الشعور مني، بعد أن عدت إلى عنوان الأصل الإنكليزي للكتاب، فوجدته موجها إلى جمهور القراء الأجانب، بذات المعنى : "Nasser : The Last Arab" .
شرعت بـ"مغامرة" القراءة في التجربة الناصرية، وأنا أظن أن أبا الريش "يختزل" في عنوان الترجمة العربية، حسرته على التجربة وقائدها، وأنه عجز في عنوان الأصل الإنكليزي، عن إخفاء هذه الحسرة، حتى أمام قراء أجانب ينظرون إلى تجربة عبد الناصر، ببرود علمي، أو بشماتة سياسية، أو يقرأونها بفضول "الكولونيالي" اللعين .
كنت محتاجا إلى قراءة صبورة في متن النص، حتى أدرك أن اختيار العنوان، أي وصف عبد الناصر بـ"آخر العرب"، هو مخرج الكاتب من محنة المنهج التي تواجه كل عربي يتنطح لتأريخ "سيرة"، أو للتأريخ في "سيرة" الرئيس عبد الناصر.
مناهج كتابة التاريخ عامة، والتاريخ العربي خاصة، متعددة. كل منها هو رؤية إلى الماضي وإيحاء بالمستقبل. وتبدأ المحنة المنهجية، وخصوصا في الكتابة التاريخية العربية عن تجربة العهد الناصري، من واجب المؤرخ في الإجابة ضمنا أو جهرا على السؤال التالي : لماذا نعود إلى "سيرة" عبد الناصر أو نؤرخ في "وقائع" حياته.
استوى أبو الريش مع محمد حسنين هيكل، وعدد قليل ممن ساهموا في الكشف عن، أو كتابة تاريخ الثورة الناصرية، حينما أبى أن يتصرف كباحث "موضوعه" : جمال عبد الناصر وتجربته التاريخية. لو فعل، لكان عليه أن يُحَمِّل كتابه عنوان "سيرة عبد الناصر" أو نحو ذلك. ثم يعرض للقارئ سبب تكرار البحث في "سيرة" شخصية عظيمة، تناولها قبله كتَّاب ثلاثين "سيرة" أجنبية وعربية .
على مدى صفحات الكتاب، نلحظ أن هذا العربي الفلسطيني "اللاجئ" إلى بريطانيا، قد اختار منهج الدفاع الدقيق عن فرادة عبد الناصر في التاريخ العربي الحديث. إذ عرض محطات الصيرورة الجدلية للزعيم القومي الراحل. حاول أن يرصد كل ما فيها من "حلو ومر". وبهذا المنهج الديالكتيكي الصارم، يكشف أبو الريش لقارئ كتابه، كيف وكم كان عبد الناصر تجريبيا.
ولقد بيَّن المؤلف، قصدا أو عفوا، أن التجريبية الناصرية لم تكن ذاتية. وأوضح أن عبد الناصر لم يرتئي من تلقائه، أن "يجرب" في الأمور، فكان ما كان. أبدا. لقد كان لهذه التجريبية القومية أساسا موضوعيا، كامنا في مستوى التطور التاريخي للمجتمع العربي نفسه، خصوصا في مصر.
هذا الغموض الموضوعي في نظرية المعرفة لدى عبد الناصر، الذي نقف عليه في كتاب سعيد أبو الريش، هو حجة لقائد التجربة لا عليه، كما كان يظن بعض "أطفال يسار" عام 67. فقد ألح هؤلاء بمطالبة الناصرية بأن تعطيهم أجوبة نظرية وعملية في الفكر والسياسة. وهذه المطالبة كانت تتجاهل التجريبية القومية ومستوى تطور المجتمع نفسه أيضا. علما بأن هؤلاء كانوا قادة أحزاب قومية كبيرة، كما كان من بينهم مثقفون وفنانون وكتاب ورجال دين وسياسيون.
لقد رسم أبو الريش عبر مئات التفاصيل، صورة متينة عن "تجارب" عبد الناصر : التنظيم السري العسكري، تحطيم الملكية، إجلاء الكولونيالية، قيادة الجيش، إدارة الدولة، ممارسة السلطة، إنهاض المجتمع، تخطيط التنمية الإقتصادية والتقانية، حمل أعباء المسألة القومية، وصولا إلى التمرد السياسي والعسكري على القوى الكبرى في النظام الدولي الغادر . وفي ذلك كله، لم يكن عبد الناصر من طلاب السلطة أو عبيد الذهب، وإنما كان رمز الإصلاح ورجل الدولة الكبير .
في هذه التفاصيل التي ولَّفَها بكثافة، متناسقة جدا، يُمَكِّنُنا المؤلف من أن نرى، ببعض الشمول، أن كل المراحل أو المحطات الرئيسية والأساسية في التجربة القومية التي قادها عبد الناصر، قد انطوت على عناصر تجريبية جديدة، غير مسبوقة، فعلا.
إن معنى فرادة التجربة وصاحبها، كانت حيث أن لا الدولة ولا المجتمع في مصر، وفي أي قطر عربي، سبق لهما اختبار معرفتهما الحسية، المجربة، بالعالم الحديث . ولذلك، نرى نص أبي الريش طافحا باليقين بأن "الرئيس جمال عبد الناصر يتقدم على جميع القادة العرب الذين سبقوه والذين سيأتون بعده" .
خاض عبد الناصر في كل هذه "التجارب" التي ترتفع عليها مصائر الأمم وحيوات الدول، وهو مجبر، في كثير من الأحيان، أن يباشر في كل "تجربة" من الصفر . فالظروف الإجتماعية التاريخية، جعلته يغامر باكتشاف شروط الحياة الدولية المعاصرة، فيتعلم أساليب ويكتسب أدوات ممارسة الإستقلال القومي والوطني في عتمة نظام العلاقات الدولية. وهذه التجريبية البحتة هي، على كل حال، مغزى الحداثة الناصرية الطموحة.
وليس عبثا، أن أبو الريش قابل المحنة المنهجية التي تواجه كل عربي يتناول "سيرة" عبد الناصر، بكبرياء قومي وقور، جعله يكتب نصا واحدا، للجمهور الأجنبي، والعربي على السواء. فهو ينتقد التجربة الناصرية، من غير أن افتتان بالعويل السياسي لـ"أطفال يسار" 1967، ومن غير انقياد إلى منهج المؤرخ المحترف الذي يعتاش من وضع "الرواية" التاريخية عن الناصرية، لتجديد شروط وجود النظام السائد .
يستند عمل أبو الريش إلى بيبليوغرافيا غنية بالكتب والدوريات والمقابلات والوثائق العربية والأجنبية. وهذا الثراء المرجعي يبعث على الثقة بالعمق العلمي للكتاب، الذي يجوب بالقارئ في مبتدأ ومنتهى وتأثير الظاهرة الناصرية. كما يلاحظ أن هذه الإحاطة المرجعية الموثقة، الرحبة، هي، اسوة بالعنوان نفسه، ضرورية، لأنها جزء من منهج الكتابة التاريخية الملتزمة. ذكرنا أبو الريش أن عبد الناصر "يحضر إلى العقل كلما واجه العرب مشكلة" ... وأفهمنا بأن عبد الناصر مهد السبيل للعرب.
علي نصار
نشر هذا المقال في نشرة أبناء الوطن، العدد 42، الصادرة عن "الحركة الثقافية الإجتماعية" في لبنان، وذلك على الرابط التالي :
http://www.csmove.org/files/ISSUE_42.pdf