أفول حلف شمال الأطلسي/ناتو ونهاية "الغرب" (مسؤولة في منظمة هيومان رايت ووتش تتحسر ...!)
2009 October 25
خاص ـ ترجمة الحقول / "هذه لحظة حزينة لهذا المجلس ولهذه الدولة". هكذ استهل رئيس الوزراء البريطاني "غوردون براون"، كلمته أمام مجلس العموم الأسبوع الماضي. وما أن تفوه بهذه الكلمات حتى خيم صمت ثقيل في القاعة، خرقه براون بتلاوة لائحة تضم أسماء 37 جندياً بريطانيا لقوا حتفهم في أفغانستان خلال الصيف الفائت.
عبر جانبي القناة الإنكليزية، كانت هناك مشاهد مماثلة في الأسبوع المنصرم. في أحد مستشفيات باريس مات جندي برتبة رقيب كان قد أصيب في أفغانستان خلال الصيف أيضا. وكما هو مألوف في هكذا مناسبات، قام رئيس الوزراء الفرنسي "فرانسوا فيون" بتأبين القتيل، والثناء على شجاعته، وعلى "بأس الجنود الفرنسيين العاملين في أفغانستان، وولائهم لوطنهم، واحترافيتهم العالية".
في الوقت عينه، كانت شبكة "سي. إن. إن" في الولايات المتحدة، تبث قصة أم أميركية عادت إلى الوطن، برفقة جثمان ابنها الذي لقى حتفه مع بعض الجنود الأميركيين، أثناء معركة وقعت في أفغانستان، خلال الصيف الماضي، وقيل انها كانت المعركة "الأكثر دموية منذ شهر تموز 2008".
وهكذا تكون القصة واحدة تقريبا كلما قتل جندي بولندي، أو هولندي، أو ألماني ... حيث يعمد الساسة والمسؤولون المحليون، ووسائل الإعلام في كل دولة أطلسية، لتقديم واجب العزاء والإشادة بالقتلى، والثناء عليهم، وتقديم الشكر لهم نيابة عن "الأمة".
وخلال الجنازات العسكرية التي تقام لهؤلاء القتلى تعزف الموسيقى والأناشيد القومية، وتتصدر النشرات الأخبارية أنباء هذه الجنازات، مرفقة ببيانات عن عدد الجنود الذين قتلوا من قبل. فيقال عند إذاعة خبر عن جنازة جندي بريطاني، إن عدد الجنود البريطانيين الذين لقوا مصرعهم في أفغانستان منذ عام 2001 قد بلغ 221 جندياً، وإن عدد الضحايا من الأميركيين -على وجه التقريب- هو 850 جندياً، والكنديين 121، والفرنسيين 36، والألمان 34، والهولنديين 21، والإيطاليين 22، والإسبان 26، والبولنديين 15... إلخ.
أحيانا، يعقب انتشار نبأ عن مصرع جنود، نوبة من الغضب في بعض الأوساط السياسية. مثلا، في الأسبوع الماضي، تعرض "غوردون براون" لانتقاد لاذع من قبل أحد خصومه، الذي رأى أن الجنود البريطانيين "يقاتلون ويموتون من أجل حكومة أفغانية فاسدة مطلقا". كذلك، أكره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من خصومه على التصريح بأن الجنود الفرنسيين باقون في أفغانستان في الوقت الراهن، "إلا أنه لن يتم إرسال جندي واحد إلى هناك في المستقبل". كما نجم عن ارتفاع عدد القتلى بين جنود البلدان المشاركة في قوات "ناتو" خلال الصيف الماضي جدل ساخن في هولندا.
ومع أن ثمة تحالف دولي يعمل/يحتل أفغانستان منذ عام 2001، وأن حلف شمال الأطلسي/ناتو هو الذي يقود هذا التحالف منذ عام 2003، فإن من اللافت ندرة وجود أنباء عن قتلى خسائر جنود دولة أطلسية ما في وسائل إعلام، أو ضمن سجالات، أو خطب مسؤولين لدولة أطلسية أخرى.
وأول ما يتبادر إلى ذهن المرء عندما يقرأ الصحف البريطانية هو أن الجنود البريطانيين يحاربون هناك بمفردهم، وأنهم يخوضون حرباً ليست لهم فيها أي مصلحة قومية. وهذا الحال ينطبق أيضاً على فرنسا، وعلى نيوزيلندا. أما الأبواق الإعلامية الأميركية، فهي قلما تذكر الجمهور بمشاركة الدول الأخرى في القتال الناشب في أفغانستان، مع أن البيانات الإحصائية تشير إلى أن معدلات خسائر بعض الوحدات البريطانية والكندية من الجنود القتلى والجرحى، تفوق معدلات خسائر الجيش الأميركي مقارنة بحجم الوحدات المشاركة.
وما يمكن قوله إنه ليس هناك إحساس بأن الحرب في أفغانستان هي عملية دولية. ولذلك فإن أكثرية النقاد الأوروبيين تنحو إلى تصوير الجنود الأوروبيين في حرب افغانستان، بانهم يخوضون حرباً هناك من أجل الأميركيين، وليس من أجل "ناتو". أما النقاد الأميركيون فإنهم لا يكادون يعترفون بالمشاركة الأوروبية في تلك الحرب، بل وقد يتجاهلونها تماماً.
وخلال كثير من الندوات والمؤتمرات الأمنية والعسكرية "الأطلسية" التي نظمت ـ بشكل طقسي ـ طيلة السنوات العشر الأخيرة، أن مفهوم "الغرب" قد بدأ يأفل على ضفتي الأطلسي منذ مدة طويلة. فـ"ناتو" الذي يخوض أول حرب حقيقية منذ تأسيسه، لم يعد يُلهم أحداً، وأعضاؤه لا يشعرون بالولاء تجاهه، كما لا يشعرون بالولاء تجاه بعضهم بعضاً.
ناهيك عن الولاء والإرتباط المتبادل، لا يوجد للحلف قائد بارز، قادر على المشاركة في الجدل الدائر داخل كل دولة من دول الحلف، للدفاع عن وظيفة ودور حلف شمال الأطلسي/ناتو، وتبرير "مهمته" في أفغانستان.
ومع أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يستطيع، نظريا، أن يقوم مقام مثل هذا القائد البارز المطلوب أطلسيا، لكنني لا أظن أن تلك الفكرة، أي أخذ زمام القيادة الأطلسية، يمكن أن تلهم او تجذب أوباما. ولو إن هذا لو حدث فلن يكون ذو تأثير كبير على الوضع في أفغانستان. ذلك، أن خلاصة السجال الأطلسي الحالي حول أفغانستان لن يكون ـ إلى حد ما ، سوى نسخة مطابقة للوضع الحالي فيها. ويملؤني الشك، بأن حلف شمال الأطلسي/ناتو سيكون حاضرا عندما تظهر الحاجة إلى عمله مرة أخرى.
آن آبلباوم، مديرة منظمة "هيومان راتس ووتش" في آسيا
المصدر : صحيفة لوس أنجلس تايمز"، 23 تشرين الأول 2009 |