صحافة «أولاد آدو» وظهور «المحافظين الجدد» العرب (اصطناع أميركا لصحافة التضليل)

2009 November 26

 المرة الأولى التي سمعت فيها تعبير «أولاد آدو» كانت في إحدى المظاهرات السياسية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كنت تلميذاً في المدرسة الثانوية في دمشق، أيام صعود حركة التحرر الوطني.
كنا نهتف للوحدة والتحرر ولعبد الناصر عندما سمعت همسات بعض الرفاق بأن علينا أن نأخذ حذرنا لأن بعض «أولاد آدو» قد اندسوا في المظاهرة.
لم يكن قد مضى على نزوحنا من فلسطين إلى دمشق إلا بضع سنوات، ولهذا كنت ما زلت لا أعرف معنى بعض التعابير الدمشقية، ولكني أدركت على الفور أن المقصود هو أن بعض المعادين لحركة التحرر الوطني قد اندسوا في المظاهرة.
لم أسال عن المعنى الحرفي للتعبير وأصل استعماله مع أنني رحت أسمعه بشكل متكرر في سنوات نهاية الخمسينيات حيث كان أصدقائي ينعتون السياسيين والصحافيين المناوئين لحركة التحرر الوطني في سوريا ولبنان بأنهم من جماعة «أولاد آدو». وبشكل عفوي، رحت أعد الآراء الصادرة عن مقالات كانت تنشرها جريدة «الحياة» في بيروت، بين الحين والآخر، وتحمل توقيع «الكاتب العربي الكبير»، على أنها ممثلة للفكر السياسي لجماعة «أولاد آدو»، فقد كانت تؤكد أن مصلحة العرب ليست في انتهاج سياسة التحرر من سيطرة الدول الغربية ولكن في الانضمام للأحلاف العسكرية التي كانت تقيمها تلك الدول ضد «الخطر الشيوعي»، كما كانت تؤكد أن الأسلوب الذي تتبعه حركة التحرر العربي بقيادة عبد الناصر في الصراع المباشر مع الاستعمار لا يجدي، وأن الأسلوب الذي يحقق نتائج عملية ملموسة هو أسلوب «خذ وطالب» الذي سلكه الملك فيصل الأول، ومن بعده نوري السعيد، في العراق. وكان في إصرار جريدة «الحياة» على عدم إفشاء اسم «الكاتب العربي الكبير» وإبقائه محاطاً بالسرية والغموض ما يزيد من صلاحيته، بالنسبة لي في تمثيل آراء ومواقف «أولاد آدو» السياسية.
ولم أسمع تعبير «أولاد أدو» مرة أخرى إلا بعد سنوات في نهاية عام 1961 حين كنت في السنة الجامعية الثانية في إحدى جامعات الولايات المتحدة الأميركية وحصل الانفصال في سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، التي قامت بين مصر وسوريا عام 1958، فوقتها تلقيت مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء الدمشقيين، الذي كان يدرس في جامعة ولاية أميركية مجاورة، وسألني إن كنت قد سمعت عن أسماء الضباط الذين قادوا حركة الانفصال، وعندما أجبته بالنفي، قال هو : «لا بد أن يكونوا كلهم من جماعة «أولاد آدو».
ومرت بعد ذلك سنوات طوال لم أسمع خلالها ذلك التعبير، ولم أستعمله، ولم أتذكره، حتى جاء وقت توقيع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية عام 1979 في واشنطن. وكنت مقيماً في كندا أعمل أستاذاً في كلية الاقتصاد. في جامعة واترلو.
كنت أراقب المشهد على شاشة التلفزيون. وفجأة، شعرت أني لا أرى بيغن والسادات على الشاشة ولكني أرى «أولاد آدو» الذين تسللوا خلسة في صفوف المظاهرة وقد تمكنوا من السيطرة عليها وقيادتها وإخراجنا منها حتى وقفنا على جانب الطريق نتفرج عليها. وهذا ما رأيته أيضاً عندما شاهدت عرفات يصافح رابين في حفل توقيع اتفاقية اوسلو في البيت الابيض عام 1993. وهو منظر يتكرر أمامي كلما شاهدت اجتماعاً من الاجتماعات التي يحضرها عرب وإسرائيليون. فكل اجتماع من تلك الاجتماعات يبدو لي على شاشة التلفزيون على أنه مهرجان سياسي جديد من مهرجانات «أولاد آدو».
وفي نهاية عام 2002، والولايات المتحدة تقرع طبول الحرب على العراق، أتصل بي استاذ للعلوم السياسية في الجامعة ينوي القيام برحلة بحثية إلى البلاد العربية، وقال هذا الأستاذ إنه قام بقراءة بعض ما كتبه محمد حسنين هيكل وإدوارد سعيد، وأصبح على معرفة تامة بمنطق العرب المعادين للسياسة الأميركية في الشرق الاوسط، وهو يريد أن يقرأ لكتاب عرب يمثلون وجهة النظر الأخرى، وجهة نظر المؤيدين للسياسة الأميركية، وهو يطلب مني أن أقترح عليه أسماء بعض الكتاب الذين يمثلون ذلك الاتجاه.
لقد عقدت الدهشة لساني، فقد اكتشفت أنني شخصياً لا أعرف أي كاتب عربي يمثل وجهة النظر الأخرى. وبعد هذه الحادثة، تملكني فضول في معرفة ما إذا كان هناك كاتب أو صحافي عربي يعبر عن آراء ومواقف وتوجهات «أولاد أدو»، في الوقت الحاضر، فأقرأ له كما كنت أقرأ مقالات «الكاتب العربي الكبير» في سنوات الخمسينيات. فلا زلت أذكر أنني كنت أنتظر صدور تلك المقالات بشغف، لأنها كانت مكتوبة بأسلوب جميل وترتكز على منطق معين. ومع أنني كنت أعارض ذلك المنطق بشكل تام، إلا أن التعرف عليه كان، ولسبب لم يكن واضحاً لي يومها، يساعدني على فهم منطق أطروحات حركة التحرر الوطني، بشكل أفضل. وهكذا، وجدت نفسي في مطلع القرن الجديد أبحث عن كاتب عربي عنده منطق يختلف عن المنطق الذي ترتكز عليه قناعاتي، ويمثل الاتجاه السائد في سياسات الحكومات العربية التابعة بشكل تام للإملاءات الأميركية.
حاولت عن طريق الإنترنت قراءة مقالات بعض الصحافيين المؤيدين للتوجه الأميركي والمعادين لنهج المقاومة في فلسطين ولبنان، ولكني اكتشفت سريعاً أنه أذا كانت مقالات «الكاتب العربي الكبير» قد صدرت في الخمسينيات عن منطق خاطئ من وجهة نظري، فإن مقالات ممثلي جماعة «أولاد أدو» في مطلع القرن الجديد خالية من أي منطق. وعندما شكوت ذلك لصديق يشغل منصباً هاماً في أحد عواصم «الاعتدال» العربية، ضحك وقال: «كنت تضيع وقتك في قراءة مقالات كتاب التدخل السريع»، ثم شرح لي أن أولئك الكتاب حصلوا على لقب «كتاب التدخل السريع» لأنهم يكتبون مقالاتهم عادة بعد ساعات قليلة من تلقي مخابرة تلفونية من دائرة معينة في الدولة.
حاولت أن أعثر على «منطق» لكتاب «أولاد أدو» في عاصمة عربية أخرى، ومرة أخرى، باءت محاولتي بالفشل. وعندما شكوت ذلك لكاتب صديق في تلك العاصمة، قال: «هؤلاء الصحافيون يكتبون لقارئ واحد، وبما أنك أنت لست ذلك القارئ فقراءتك لتلك المقالات مضيعة للوقت».
في مطلع عام 2004، أرسل لي الصديق بلال الحسن مخطوطة كتاب يعده للطباعة بعنوان «ثقافة الاستسلام»، وهو عبارة عن قراءة نقدية في كتابات خمس كتاب عرب، يعيشون في العواصم الأوروبية، يؤيدون نهج معاهدات السلام مع إسرائيل كما يؤيدون غزو الولايات المتحدة العراق. وطلب مني أن أقوم بقراءة المخطوطة وكتابة دراسة تعالج الموضوع من الناحية «الفكرية»، بشكل تكون فيه الدراسة متكاملة مع المعالجة «السياسية» التي تضمنتها مخطوطة الكتاب.
تحمست للاقتراح على أمل أن يكون بين الكتاب الخمسة، بحكم حياتهم خارج البلدان العربية، من يكتب بشكل مخالف لأسلوب «كتاب التدخل السريع» أو «كتاب القارئ الواحد»، وشرعت في قراءة المخطوطة وقراءة النصوص الأصلية للكتاب الخمسة، وكلي أمل في أن أعثر أخيراً على كاتب عنده «منطق» أستطيع أن أتعامل معه بما هو ممثل لفكر «أولاد آدو» في الوقت الحاضر كما تعاملت مع فكر «الكاتب العربي الكبير» قبل عقود من السنين.
كان الكتاب الخمسة جميعاً يكتبون بشكل مخالف لأسلوب «كتاب التدخل السريع» و«كتاب القارئ الواحد»، فلقد كان في كتابتهم منطق، منطق غريب جداً أثار دهشتي واستغرابي، ولكنه منطق.
كان ذلك المنطق يختلف بشكل جذري عن منطق أطروحات «الكاتب العربي الكبير» المؤيدة لسياسة الأحلاف العسكرية والمعادية لحركة التحرر العربي في الخمسينيات. فقد كانت أطروحات «الكاتب العربي الكبير» تصدر عن «منطق» المصالح العربية كما يفهمها الكاتب في الزمن الذي يتحدث عنه. أما أطروحات الكتاب الخمسة فكانت تدّعي أنها لا تصدر عن موقف سياسي ولكن عن موقف «مبدئي». وكان ذلك المبدأ هو الانحياز الكامل لمفهوم «الحداثة» الغربي. وحتى يكون ذلك الموقف «منسجماً» مع ذاته، فإنه يرجع بالزمن الى الوراء ليعيد كتابة التاريخ العربي في القرنين الماضيين وفق معيار واحد وهو تصنيف «من وقف من العرب مع الحداثة؟» و«من وقف من العرب معارضاً للحداثة؟. وعلى هذا الأساس، تصبح كل ثورات الشعوب العربية ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي ومن أجل نيل الاستقلال حركات متأخرة ظلامية، على أساس انها كانت تعادي البريطانيين والفرنسيين ممثلي الحداثة في ذلك الوقت. وفق هذا المعيار فإن تلك الثورات قد أسهمت لحد كبير في صناعة التأخر العربي الذي تعاني منه الشعوب العربية في الوقت الراهن. كما أن ذلك «المنطق» يلخص كل المأساة الفلسطينية في أن «النضال الفلسطيني فشل في أن يتحالف مع الاستعمار البريطاني» بينما «نجحت الحركة الصهيونية في ذلك» (1)، أي أن القضية تتلخص في وجود طرف قاوم «الحداثه» ففشل، وطرف أخر تحالف مع «الحداثة» وانتصر. ويصر الكتاب الخمسة بعد ذلك على أن تصحيح هذا الخطأ التاريخي لا يتحقق إلا عبر التخلي الكامل عن نهج مقاومة «الحداثة» والسير الجدي في طريق التحالف معها، أي التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ممثلة «الحداثة» في الوقت الراهن.
ومن ناحية أخرى، فلقد وجدت في تجارب أولئك الكتاب الخمسة نسخاً من تجارب بعض الكتاب الأميركيين الذين ينتمون إلى التيار المعروف باسم «المحافظين الجدد». فكما كان معظم كتاب ذلك التيار ينتمون إلى فصيل التروتسكية في اليسار الماركسي، عندما كانوا شباباً في الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي، ثم أنقلبوا إلى أقصى اليمين في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات بعد أن أصبحوا كتاباً وأساتذة وصحافيين في منتصف العمر، كذلك كان كتاب «ثقافة الاستسلام» ينتمون الى يسار حركة التحرر العربي عندما كانوا شباباً في البلدان العربية في الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات، ثم انقلبوا إلى أقصى اليمين في مطلع التسعينيات، بعد أن. أصبحوا كتاباً وصحافيين في الصحافة العربية المقيمة في العواصم الأوروبية.
ولقد قادني هذا التماثل في التجربة بين كتاب تيار «المحافظين الجدد» وكتاب «ثقافة الاستسلام» إلى أن أتساءل عما إذا كان هناك تماثل آخر بالفكر والأيديولوجية يجمع بين كتاب المجموعتين؟
وهكذا، كان علي أن أقرأ في الخلفية الفكرية والفلسفية لأشهر كتاب تيار «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة، حتى أتعرف على وجهة نظرهم بالنسبة لموضوع «الحداثة» الذي يشكل الحجر الأساس في فكر كتاب «ثقافة الاستسلام».
لقد خلفت تلك القراءة في نفسي رعباً حقيقياً، فبالرغم من أنني كنت قد تابعت التوجهات السياسية لمعظم كتاب تيار «المحافظين الجدد» خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أنني اكتشفت أنني لم أكن على معرفة بالمنظار الأيديولوجي الذي ينظرون من خلاله إلى العالم والتاريخ.
كنت قد تعرفت على ذلك التيار عندما ابتدأ في مطلع السبعينيات يعارض التوجه العام للسياسة الأميركية، في ذلك الوقت، المبني على أساس سياسة «الانفراج الدولي» (Détente)، ويدعو إلى انتهاج سياسة العداء الكامل مع الاتحاد السوفياتي، وتابعت تطور أطروحات التيار في الثمانينيات، عندما أصبح له نفوذ هائل أيام إدارة الرئيس رونالد ريغان التي تخلت عن نهج سياسة «الانفراج الدولي» ودخلت في سياسة سباق التسلح «حرب النجوم» لإنهاك الاتحاد السوفياتي الذي كانت تنظر إليه على أنه «أمبراطورية الشر» في العالم. وتابعت أطروحات التيار في التسعينيات التي كانت تطالب بغزو العراق، ورفض أسلوب العملية السلمية في الشرق الاوسط القائم على اساس مقايضة الأرض بالسلام والدعوة إلى ضرورة احتفاظ إسرائيل بالضفة الغربية والجولان وتحقيق السلام على أساس مقايضة السلام بالسلام، وتابعت أخيراً أطروحات التيار في السنوات الأولى من القرن الجديد التي كانت تطالب بالكف عن اعتماد معايير «المصالح القومية» في رسم أولويات السياسة الأميركية الخارجية واعتماد معايير «القيم الأميركية» بدلاً عنها. وهذا يعني عدم الاكتفاء بمعاداة الدول ذات الأنظمة التي تنتهج سياسات تهدد المصالح الأميركية، بل معاداة أي دولة فيها نظام معاد للقيم الأميركية التي هي الحرية والديموقراطية.
كنت على معرفة تامة بكل ذلك ولكني لم أكن مطلعاً على الموقف الفكري والفلسفي الذي تنطلق منه تلك المواقف. ولقد وجدت من خلال قراءتي أن الخلفية الفكرية لتيار المحافظين الجدد تعود إلى فلسفة الأستاذ ليو ستراس (1899ـ 1972)، التي تعادي كل مفاهيم «عصر النهضة» وتؤكد أن من واجب النخب الأميركية الكف عن اتباع أسلوب «الحداثة» في النقاش والحوار والعودة إلى أساليب الفلاسفة اليونان القدامى في حجب الحقيقة عن عامة الناس وتزويدهم فقط بما يحتاجون إليه في حياتهم العملية. وفي هذا السياق، فليس هناك أي قيمة لمفاهيم الديموقراطية أو الحرية، إلا بقدر ما تستطيع النخب تسخيرها وسيلة للسيطرة على الجماهير.
خرجت من تلك القراءة «المرعبة» وأنا أفكر في أنه على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين أطروحات «الكاتب العربي الكبير» في منتصف القرن الماضي، وبين أطروحات كتاب «ثقافة الاستسلام» وكتاب تيار «المحافظين الجدد» في مطلع القرن الجديد، فإن هناك شيئاً مشتركاً بينها جميعاً، إذ أن جوهر كل واحدة من تلك الأطروحات الثلاث هو ضرورة التخلص (التحرر) من مفاهيم وممارسات «ضارة» كرستها مرحلة تاريخية معينة.
كان «الكاتب العربي الكبير»، في متنصف الخمسينيات من القرن الماضي، يريد التخلص من مفاهيم حركة التحرر الوطني وممارساتها التي انطلقت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. أما في مطلع القرن الحادي والعشرين فكتاب «ثقافة الاستسلام» يريدون التخلص من كل مبادئ فترة النضال ضد الاستعمار الأوروبي الذي صبغ تاريخ العلاقة بين بلدان العالم الثالث والإمبراطوريات الأوروبية منذ منتصف القرن التاسع عشر وكل ممارسات هذه الفترة، بينما يصر كتاب تيار «المحافظين الجدد» في الولايات المتحده على ضرورة التخلص من كل الأسس المعرفية والمنهجية التي كرستها حركة «الحداثة» كما نشأت وتطورت منذ عصر النهضة الأوروبي، وبشكل طبيعي قادني هذا الشيء المشترك بين الأطروحات الثلاث إلى التفكير في ظاهرة «أولاد آدو» بما هي ظاهرة عالمية وليست ظاهرة مقصورة على العالم العربي. فهذه الأطروحات تمثل، في واقع الأمر، ظاهرة التفكير غير العقلاني الذي يريد أن يعود بالتاريخ إلى الوراء. وفي هذا المجال، تساءلت بيني وبين نفسي عما إذا كان هناك أي صلة بين أصل استعمال تعبير «أولاد آدو» على المستوى العربي كما سمعته أول مرة في دمشق قبل أكثر من نصف قرن، وبين ما أفهمه اليوم من معنى للتعبير على المستوى العالمي. وخطر لي أن أتصل ببعض الأصدقاء الذين عاشوا خمسينيات القرن الماضي في دمشق علهم يعرفون من أين جاء تعبير «أولاد آدو» وما هو أصل استعماله. وعندما حدثت زوجتي عن ذلك، ابتسمت، ثم عادت بعد دقائق ومعها ورقة فيها ما طبعته من برنامج «غوغيل» الذي حدد أن أصل استعمال تعبير «اولاد آدو» يعود إلى السنوات الأولى من القرن العشرين، عندما كانت العائلات الدمشقية العريقة تعيش داخل السوق القديم وتنظر بشك وريبة لتصرفات الذين جاؤا من أمكنة أخرى وأقاموا خارج السور، فتدعوهم «أولاد آدو»، على أساس أن لهم أخلاقاً وقيماً مختلفة عن أخلاق أهالي دمشق وقيمهم. وعلى الفور، رأيت أن إطلاق وصف «أولاد آدو» على «الكاتب العربي الكبير»، وبعد ذلك على كتاب «ثقافة الاستسلام» ثم على تيار «المحافظين الجدد» ينسجم تماماً مع أصل استعمال التعبير الذي يصف الناس الذين يقومون بممارسات تنبع من أخلاق وقيم مغايرة لما هو متعارف عليه. وفي هذا المجال، فإذا كان «الكاتب العربي الكبير» وكتاب «ثقافة الاستسلام قد طرحوا فكراً يتعارض مع أسس الثقافة العربية في العصور الحديثة، فإن كتاب تيار «المحافظين الجدد» يقومون بطرح فكر لا يتعارض مع أسس الثقافة الأميركية فقط ولكنه يتعارض بشكل مطلق مع أسس الثقافة الإنسانية، وهذه التي يشكل عصر النهضة الأوروبية وعصر التنوير وما أنتجاه من نهج الحداثة رافداً أساسياً لها في العصور الحديثة، وهذا يعني أنهم بالفعل «أولاد آدو» على المستوى الإنساني.
لا تأتي التيارات الفكرية أو السياسية من فراغ، ولكنها تتشكل دائما تعبيراً عن ظروف موضوعية تخص زمناً ومكاناً محددين. ولقد كتبت في مقال سابق عن الظروف الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة الأميركية التي قادت إلى ولادة تيار «المحافظين الجدد» (2). وأحب في بقية هذا المقال أن أعرض الدور المحوري الذي لعبته الصحافة الأميركية في تكوين البيئة الفكرية والسياسية لولادة التيار ونموه وتطوره. وسنرى من خلال هذا العرض ان صحافة «كتاب التدخل السريع» و«كتاب القارئ الواحد» نشأت وتطورت في الولايات المتحدة أولاً، وبعد ذلك بسنوات وصلت الى العواصم العربية، حيث تم تكييفها مع ضرورات الظروف المحلية في مناخ التبعية للسياسة الأميركية.

ودرو ولسون و ولتر ليبمان ولندون جونسون
لا تحصل أي مهنة في المجتمع الأميركي على الاحترام والتقدير، على المستوى القومي، إلا بعد ظهور نجوم  لها يشاركون نجوم الألعاب الرياضية ونجوم هوليوود في الظفر بالإعجاب الشعبي. ولقد بدأت مهنة الصحافة في إنتاج نجوم لها في بداية العقد الثاني من القرن العشرين. وفي بداية العقد الثالث، أصبح من المتعارف عليه أن يطلق على نجم الصحافة لقب «البنديت» (Pundit)، وهي كلمة من أصل سنسكريتي تعني «الانسان العالم» وتستعمل في الثقافة الهندية وعلى سبيل المثال،  فقد كان رئيس وزراء الهند الأشهر جواهر لال نهرو يدعى البنديت نهرو. وأول صحافي أميركي دعي بالبنديت هو على الأغلب أهم صحافي في التاريخ الأميركي على الاطلاق،  الذي هو بالطبع ولتر ليبمان (1889-1974) 3  (...)
عمل ليبمان فور تخرجه من هارفرد صحافياً في مجلة تدعى «مجلة كل الناس»،  وبعد سنة قام بنشر أول كتاب له بعنوان  «مقدمة للسياسة» وحاز الكتاب على شهرة سريعة، حتى أن الرئيس ثيودور روزفلت (1901-1909) قال عنه إنه «عبقري الجيل الجديد». وفي عام 1914 أسس ليبمان مع أحد رجال الأعمال وصحافي آخر مجلة اسبوعية جديدة باسم «الجمهورية الجديدة» وعمل محرراً فيها. وأثناء الحرب العالمية الأولى عمل مساعداً  لوزير الحرب،  ثم أصبح على علاقة خاصة بالرئيس ودرو ولسون (1913-1921)، حيث ساعده على صياغة «نقاط ولسون الأربع  عشرة من أجل السلام». وفي سنة 1919، كان عضواً في الوفد الأميركي لمؤتمر السلام في باريس،  وشارك في تأسيس عصبة الأمم. وفي سنة  1920، ترك العمل في «الجمهورية الجديدة» وأخذ يعمل مديراً لتحرير الجريدة المؤيدة للحزب الديموقراطي «عالم نيويورك». وعندما توقفت هذه الجريدة عن الصدور عام  1931 تحول هو إلى العمل في جريدة «هيرالد تربيون» المعروفة بميولها المحافظة، وفيها أخذ يكتب مقالاً بعنوان «اليوم وغداً» الذي توالى ظهوره ثلاثين سنة.
(...) أما التأثير المباشر لكتابات ليبمان على مجريات السياسة الأميركية،  فقد تكرس مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان هو أول من أستعمل  تعبير «الحرب الباردة»،  وكان كتابه الذي حمل العنوان ذاته والذي نشره عام 1947 من أهم كتبه على الإطلاق.
يمكن تقسيم كتاب «الحرب الباردة» إلى قسمين. القسم الأول يتضمن تأييد المؤلف لمشروع مارشال في إعادة إعمار أوروبا وأهمية ذلك المشروع بالنسبة للأمن القومي الأميركي والسلام العالمي. أما القسم الثاني والأهم فهو يخص معارضة المؤلف لنهج السياسة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية المتمثل في «سياسة احتواء الاتحاد السوفياتي» و«مبدأ ترومان».
من المعروف أن أول من تحدث عن سياسة الاحتواء عام 1946 كان هو الدبلوماسي الأميركي جورج كينان (1904-2005) في برقية سرية مطولة أرسلها من السفارة الأميركية في موسكو إلى وزارة الخارجية في واشنطن. ثم قام بتحويل أفكار تلك البرقية الى مقال نشرة في مجلة «الشؤون الخارجية» بعنوان «مصادر السلوك السوفياتي» وبتوقيع (X). كانت سياسة الاحتواء تعتمد على أطروحتين: ألاولى تؤكد أن طبيعة النظام السوفياتي هي طبيعة توسعية وأنه يهدف في النهاية إلى السيطرة على العالم. والثانية تؤكد أنه من الخطأ مقاومة التوسع السوفياتي بأسلوب الحرب المباشرة أو أسلوب المفاوضات، وأن الأسلوب المناسب هو منع التوسع السوفياتي عن طريق مساعدة البلدان التي تتعرض لخطر السقوط في دائرة النفوذ السوفياتي على مقاومة ذلك الخطر.
وبناء على هاتين الأطروحتين، صاغ الرئيس ترومان (1945ـ 1953) المبدأ المعروف باسمه، هذا الذي أعلنه في خطاب أمام الكونغرس في آذار 1947 والذي قال فيه إن الولايات المتحدة بوصفها زعيمة للعالم الحر سوف تعمل على تقديم العون العسكري والسياسي والاقتصادي والدبلوماسي لأي بلد في العالم يعمل على مقاومة الخطر الشيوعي والنفوذ السوفياتي. وعلى الرغم من أن جورج كينان مهندس سياسة الاحتواء تخلى عن تلك السياسة بشكل مبكر في نهاية عام 1948، على أساس أن الوضع الدولي قد تغير، ودعا إلى اتباع أسلوب المفاوضات مع الاتحاد السوفياتي،  إلا أن إدارة الرئيس ترومان، وبقيادة وزير خارجيته دين اتشسون (1949ـ 1953)،  عملت وفق نهج تلك السياسة حتى أصبحت هي السياسة المعتمدة للولايات المتحدة طوال سنوات الحرب الباردة.
ارتكزت معارضة ولتر ليبمان لسياسة الاحتواء في كتابه «الحرب الباردة» على أساسين. الأول هو الاختلاف في تقييم أهداف السياسة السوفياتية، فهو لم ينظر إلى الموضوع على أنه صراع أيديولوجي بين النظام الرأسمالي وبين النظلم الشيوعي، كما كان يفعل أكثر الكتاب والصحافيون طوال سنوات الحرب الباردة، بل كان ينظر إلى الموضوع من زاوية مصالح روسيا بما هي دولة كبرى ومصالح الولايات المتحدة بما هي أيضاً، دولة كبرى. ومن هذا المنظور كان ليبمان يرى وجود إمكانية كبيرة للتوصل إلى تفاهم بين الطرفين يراعي مصالحهما. ولقد بنى فهمه للأهداف الحقيقية للسياسة السوفياتية، ليس عن طريق قراءته  الايديولوجية الماركسية ـ اللينينية التي كان ستالين يدعي أن الاتحاد السوفياتي يعمل وفق تعاليمها، ولكن عن طريق قراءته  لتاريخ روسيا وما تكّون عبره من مصالح قومية لا يمكن لأي حكومة سوفياتية تجاهلها. وكان تفكيره هذا مبنياً على أساس إيمانه بأن التفكير السليم يتكون عندما يتمكن الإنسان من التحرر من ضوضاء الوقت الحاضر وتشويشه ويتمكن من «العودة بعيداً إلى الماضي والنظر بعيداً إلى المستقبل»، وكان ليبمان في ذلك الموقف قريباً جداً من وجهة نظر الرئيس شارل ديغول الذي كان يكنُ له احتراماً كبيراً ويعتقدُ أنه من أهم القادة المعاصرين.
أما الأساس الثاني لمعارضة ليبمان لسياسة الاحتواء، وهنا تتجلى حكمته وبعد نظره، فهو اعتقاده بأنه حتى لو نجحت تلك السياسة بشكل كامل، فإن «تكاليفها ستكون أكبر من أرباحها». وقد بنى ليبمان هذا الاعتقاد على أساس أنه سيكون لتلك السياسة تكاليف عسكرية واقتصاديه غير مسبوقة في التاريخ، إذ أنها ستشمل دعماً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لعدد كبير من الدول، بعضها ذات أنظمة دكتاتورية وفاسدة وبعضها الآخر يحكمها قتلة ومجرمون.
وانسجاماً مع خلافه مع سياسة الاحتواء، فقد وقف ليبمان معارضاً لكل مواقف إدارة الرئيس ترومان، وبشكل هام، فقد أخذ موقفاً معارضاً لتأسيس حلف الأطلنطي، كما عارض دخول الولايات المتحدة الحرب الكورية. وفي أثناء حكم ادارة الرئيس ايزنهاور (1953ـ 1960)، أيد جهود الإدارة في إنهاء الحرب الكورية، وعارض بعض سياسات وزير الخارجية جان فوستر دالس التي اعتمدت أسلوب «حافة الهاوية» في الصراع مع الاتحاد السوفياتي .وكان مؤيداً ومتحمساً لمجيء إدارة الرئيس جون كندي، على أمل أن يكون بمقدور الرئيس الشاب أن يتحرر من قيود الحرب الباردة ويعمل إلى التوصل لتفاهم معقول مع الاتحاد السوفياتي.  وبعد اغتيال كندي عام 1963، كان ليبمان من أشد مؤيدي سياسة الرئيس لندن جونسون التي تمت تسميتها بسياسة «المجتمع العظيم». وهذه هي السياسة التي كان لها شقان : الأول يخص إصدار قوانين جديدة على مستوى الحكومة الفدرالية تلغي التمييز العنصري ضد المواطنين السود وتمنحهم الحقوق المدنية، والثاني محاربة الفقر في أميركا عن طريق قيام الحكومة الاتحادية ببرامج دعم يتمكن بواسطتها الفقراء من الحصول على المسكن والغذاء والخدمات التعليمية والصحية بأسعار رخيصة. ولقد عمل الرئيس جونسون منذ توليه الرئاسة على كسب ود ليبمان، فقام بدعوته لتمضية عطلة نهاية الأسبوع ضيفاً عليه في مزرعته في ولاية تكساس، كما فاجأه بالحضور هو وزوجته إلى بيته للمشاركة في الاحتفال بعيد ميلادة الخامس والسبعين عام 1964. وأهم من ذلك، فقد طلب جونسون من وزرائه ومساعديه إحاطة ليبمان بكل ما يجري من تطورات في جنوب شرق آسيا، حيث كان ليبمان يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة من تواجدها في فيتنام وحل الصراع الدائر بين الشمال والجنوب عن طريق موتمر دولي للدول العظمى.
وهكذا، مضت السنة الأولى من عمر إدارة الرئيس جونسون وولتر ليبمان قريب جداً منها. فعندما كان أحد مساعدي وزير الخارجية أو وزير الدفاع، أو أحد الجنرالات، يعود من زيارة عمل من فيتنام، كان ولتر ليبمان يجتمع به في البيت الأبيض قبل اجتماعه بالرئيس، وأحياناً كان يحضر الاجتماع بالرئيس ويشترك في مناقشات تستمر ساعات طوال. فلقد كان ليبمان يقوم بشكل كامل بدور «بنديت» الصحافة، أي الدور المزدوج الذي يعمل فيه مستشاراً غير رسمي للادارة فيقدم لها النصيحة والمشورة ويعمل في الوقت ذاته في مقالاته على شرح سياسة الادارة للرأي العام، كما يشرح اهتمامات الرأي العام ومخاوفه للإدارة.
ولكن ذلك الوضع لم يستمر طويلاً، فمع نهاية عام 1964، تأكد ليبمان أن جونسون مصر على أن يحسم الوضع في فيتنام عن طريق القوة العسكرية على أساس أنه ومستشاريه الرئيسيين ينظرون للموضوع من وجهة نظر «سياسة الاحتواء»، التي تعني أن أي حل في فيتنام لا يشمل الهزيمة الكاملة للشيوعيين في الجنوب يعني أنتصاراً للاتحاد السوفياتي وهزيمة للولايات المتحدة الأميركية. كما تأكد أن الرئيس جونسون يحرص على إبقاء علاقة جيده معه هو لأن ذلك يساعد الرئيس على ضمان تأييد الجناح الليبرالي في الحزب الديموقراطي.
تأكد ليبمان أن جونسون قد خدعه، فراح يكتب المقالات التي يهاجم بها سياسته في فيتنام،  ويحذر من أن سياسة التصعيد العسكري التي تتبعها الإدارة لن تقود إلا إلى كارثة بالنسبة للمصالح الأميركية. وعندها شعر جونسون بأن ليبمان قد أنقلب عليه وانضم إلى معسكر أعدائه،  فأعطى الأوامر الى مساعديه بقطع أي اتصال به،  وراح جونسون يتحدث عنه في الحفلات الدبلوماسية وأمام السفراء الأجانب على أنه «ذلك العجوز، الخرفان، الخائن».
حدث الشجار العلني بين رئيس الجمهورية وبنديت الصحافة في أجواء تزايدت فيها التقارير الصحافية والإشاعات عن أن حادثة خليج تونكن التي حصلت بموجبها إدارة الرئيس جونسون على تفويض من الكونغرس في 7 آب 1964 باستعمال القوة العسكرية في جنوب شرق آسيا بدون إعلان حرب، كانت حادثة لفقتها الإدارة وأن القوارب الحربية لفيتنام الشمالية لم تهاجم سفن البحرية الأميركية كما ادّعت إدارة جونسون 4
لم يعد ولتر ليبمان قادراً على أن يمارس دوره كبنديت، ولم يعد قادراً على مزاولة مهنة الصحافة،  ولم يعد قادراً على الحياة في واشنطن. وقد  قال هو نفسه لأحد أصدقائه إنه لم يعد قادراً على التنفس والتفكير في واشنطن، في أجواء كلها كذب وخداع. فكتب ليبمان في  25 أيار 1966 آخر مقال له في عمود «اليوم وغداً» في الهيرالد تربيون،  واعتزل العمل الصحافي، وترك واشنطن الى نيويورك.
بخروج ولتر ليبمان من واشنطن، بدأت أوضاع الصحافة الأميركية تسوء حتى تسلل هنري كيسنجر من وراء سور دمشق القديم وأسس في واشنطن «صحافة التدخل السريع»، التي كانت بداية صحافة «أولاد آدو» في الولايات المتحدة الأميركية.
هنري كيسنجر وجيمس رستون
كان لندن جونسون كذاباً ومخادعاً، وعلى ذلك يجمع كل الذين كتبوا عنه 5، ولكن فشل إدارته في حل المشاكل التي تعرضت لها لم يكن بسبب أسلوب الكذب والخداع الذي مارسه طوال سنوات تواجده في البيت الأبيض (1963ـ 1969). ففي الواقع كان فشل تلك الإدارة يعود بالدرجة الاولى إلى أنها استلمت الحكم في فترة زمنية وصل فيها التوتر بين الاتجاهين الرئيسيين اللذين يشكلان نسيج السياسة الأميركية،إلى درجة عالية من التوتر قادت إلى الصدام.
من المعروف أنه ومنذ انتصار المستعمرات الأميركية في حرب الاستقلال وقيام الولايات المتحدة الأميركية (1776) والسياسة الأميركية تتحدد نتيجةً للعلاقة بين الاتجاه الذي يكرس «الحرية» كهدف أول في السياسة وبين الاتجاه الذي يكرس «الأمبراطورية» كهدف أول. ومن المعروف أن قوة الاتجاه الأول تنبع من كون معظم المهاجرين الأميركيين الأوائل قد تركوا أوروبا هرباً من أنظمة تفتقد إلى الحرية السياسية أو الحرية الاقتصادية، كما أنهم حصلوا على الاستقلال بعد حرب دامية ضد الاستعمار البريطاني. وقد كرس هذا التاريخ مفهوماً أميركياً يؤكد أن الحفاظ على الحرية يتطلب جهداً متواصلاً من جيل إلى جيل، وخصوصاً أن للحرية مضموناً اقتصادياً واجتماعياً يتغير مع الزمن. أما قوة الاتجاه الثاني فتنبع من حقيقة أن التاريخ الأميركي كله وحتى قبل الحصول على الاستقلال كان تاريخ تأسيس للأمبراطورية وتطوير لها، فقبل الاستقلال، كانت معاملة الأميركيين البيض للسكان الأصليين من الهنود والمواطنين السود معاملة أمبراطورية بمعنى التحكم في مصيرهم ونقلهم من مكان لآخر وحرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية. وبعد الاستقلال، أصبح التاريخ الأميركي كله تاريخ التوسع الامبراطوري، ابتدأ في التوسع في الغرب الأميركي طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بشكل تضاعف فيه عدد ولايات الاتحاد من ثلاث عشرة ولاية إلى أضعاف ذلك العدد، ثم تحول التوسع إلى بسط النفوذ على بلدان أميركا الجنوبية من جهة وبلدان المحيط الهادئ من جهة أخرى، ثم تكرس التوسع على امتداد العالم عبر الدخول في حربين عالميتين والخروج منهما بسياسة وراثة الامبراطوريات الاوروبية وإقامة القواعد العسكرية في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
كان لندن جونسون، من ناحية التربيه السياسية، وعلى الرغم من أساليبه في الكذب والخداع، أميل الى اتجاه «الحرية» من اتجاه «الامبراطورية» في السياسة الأميركية، فقد كان أهتمامه الاول هو العمل على تطبيق برامج «المجتمع العظيم»، أي توسيع مساحة الحرية بالنسبة للمواطنين السود والمواطنين البيض الفقراء. ولقد اعتقد أن الطريقة الوحيدة التي يتمكن فيها من ضمان تأييد معسكر «الامبراطورية» في الكونغرس لتلك السياسة هو اتخاذ الموقف المتشدد في جنوب شرق آسيا وتحقيق النصر العسكري  في فيتنام. ولقد نصحه مستشاروه الاقتصاديون بأنه لن يكون قادراً على دفع تكاليف برامج «المجتمع العظيم» و«حرب فيتنام» في آن واحد. ولكنه لم يستمع لهم، وراح ينفق على الإثنين عن طريق الديون من الداخل والخارج، ولقد قاد هذا الأسلوب، كما هو معروف، إلى حدوث مشكلة التضخم المالي وارتفاع الأسعار. وهكذا،  أقترن فشل إدارة جونسون الديموقراطية في حرب فيتنام  بفشل آخر في الاقتصاد، مما فتح الطريق أمام عودة الحزب الجمهوري الى الحكم.
جاء هنري كيسنجر إلى واشنطن عام 1969 مع إدارة الرئيس نكسون منحازاً إلى اتجاه «الامبراطورية» في السياسة الأميركية. وإذا كان لندن جونسون قد اكتسب أسلوب الخداع والكذب من تربيته السياسية في ولاية تكساس6 ومن السنين الطويلة في عقد الصفقات السياسية في الكونغرس في واشنطن، فقد كان هنري كيسنجر يستعمل أسلوب الكذب والخداع بما هو اختيار أيديولوجي مبني على أساس فكري. جاء هنري كيسنجر إلى واشنطن مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس نكسون الاولى (ثم أصبح وزير الخارجية في إدارة نكسون الثانية) وعنده هدفان يريد أن يحققهما.
كان الهدف الأول يخص وضع الولايات المتحدة في العالم، فقد كان مدركاً أن عجز إدارة جونسون عن دفع تكاليف الحرب في فيتنام وتكاليف برامج الإصلاحات الداخليه له دلالة خطيرة، وهي أن الامبراطورية الأميركية قد وصلت المرحلة التي تبدأ فيها الامبراطوريات بالانحدار، اي عندما يصبح وضع الامبراطورية الاقتصادي غير قادر على القيام بأعباء متطلبات الامبراطورية العسكرية. كان يعتقد أن بإمكان الولايات المتحده تقليص تكاليف السياسة الامبراطورية، وذلك عبر إقامة توازن دولي جديد يقلص إلى حدود كبيره إمكانية نشوب حروب مكلفة كحرب فيتنام. كان هدف كيسنجر يخص وضع الصحافة والإعلام في الولايات المتحده بشكل عام. فلقد كان مقتنعاً أن أحد مشاكل حرب فيتنام هو «أن التلفزيون الأميركي قد أدخل الحرب إلى كل بيت أميركي». ولذلك بدأ على الفور في محاولة التأثير على الصحافة عن طريق عقد صداقات مع الصحافيين الذين يستطيعون أن يكونوا نجوماً «بنديتات» قادرين على التأثير في الرأي العام بشكل يخدم مصالحه.
بعد أن ترك والتر ليبمان واشنطن، كان هناك كثيرون يطمح كل واحد منهم في أن يخلفه ويصبح  بنديت الصحافة الأول، وفي الحقيقه،  كان هناك اثنان فقط لهما من القدرة والشهرة ما يؤهلهما لتبوء ذلك المركز هما جوزف ألسوب وجيمس روستون.


عبد الناصر وهيكل
من المعروف أنه طوال الخمسينيات والستينيات كانت هناك علاقة خاصة بين الرئيس جمال عبد الناصر والصحافي محمد حسنين هيكل. فقد كان هيكل يقدم المشورة والنصيحة لعبد الناصر في الوقت ذاته الذي يشرح فيه للقارئ سياسة عبد الناصر ويشرح لعبد الناصر هموم القارئ واهتماماته. وكانت تلك العلاقة قوية وفعالة وناجحة، لأن ثقافة الرجلين كانت تسمح بوجود مساحة بينهما شبيهة بالمساحة التي كانت موجودة بين الرئيس ولسون وليبمان، أو الرئيس ديغول واندريه مورو. كان عبد الناصر وهيكل على اتفاق تام على الإطار العام للمصلحة القومية، ولكن كان هناك اختلافات كثيرة بينهما حول الأساليب والتفاصيل. وكان الرجلان قادرين على مناقشة تلك الخلافات بالحوار الذي يستفيد منه الاثنان. وعندما أصبح أنور السادات رئيساً للجمهورية بعد رحيل عبد الناصر في نهاية عام 1970، أصر على إبقاء العلاقة بينه وبين هيكل كما كانت أيام عبد الناصر. ولكنه حاول أن تكون علاقة بدون مساحة. ففي الشهر الأول من توليه رئاسة الجمهورية اتصل السادات بهيكل وأخبره بأنه شعر، أثناء اجتماعه الأخير مع جعفر النميري رئيس جمهورية السودان، بأن النميري مستاء من أن هيكل يقف ضده منحازاً للمعارضة في السودان. وقال السادات لهيكل إنه طمأن النميري بأن ذلك غير صحيح، وليثبت له ذلك فقد وعده بأن يكتب هيكل مقالاً يزيل فيه كل الشكوك حول الموضوع. بالطبع، اعتذر هيكل ولم يقبل أن يكتب مقالاً يحدد موضوعه رئيس الجمهورية، وبالطبع، فإن ذلك أغضب السادات لأنه اعتقد أن هيكل لا يعامله كما كان يتعامل مع عبد الناصر، ولم يخطر بباله أنه هو الذي يسعى لأن يتعامل مع هيكل بطريقة مختلفة عن طريقة عبد الناصر. وبعد حرب 1973 وتوطد علاقة «الصداقة» بين كيسنجر والسادات والتي أسفرت عن انحياز سياسة الحكومة المصرية للمعسكر الأميركي، كان من المستحيل بقاء أي علاقة بين السادات وهيكل، فترك الأخير رئاسة تحرير الأهرام، وتوقف عن الكتابة في الصحافة المصرية. وكان لخروج هيكل من «الأهرام» تأثير على الصحافة المصرية مشابهاً الى حد بعيد لتأثير خروج ولتر ليبمان من واشنطن على الصحافة الأميركية. فلقد كان ما حدث مع الاثنين إعلاناً صارخاً مدوّياً عن إلغاء المسافة بين السلطة والصحافة في البلدين، فإما صحافة التأييد المطلق للسلطة وإما صحافة المعارضة الكاملة.
ليس هناك أي فرق في العالم العربي بين «صحافة التدخل السريع» و«صحافة القارئ الواحد»، على أساس أن الصحافي الذي يكتب بعد استلام مكالمة تلفونية من مسؤول في السلطة ينتهي إلى أن يكتب بما يرضي ذلك المسؤول فقط، وكلما ازداد رضى ذلك المسؤول عنه كلما ازداد حجم المكاسب والامتيازات التي يحصل عليها من السلطة.
أما الوضع في الولايات المتحدة فهو ليس كذلك. ففي البيئة الديموقراطية الأميركية لا يستطيع «كتاب التدخل السريع» أن يحتفظوا بصدقيتهم مدة طويلة، كما أنهم لا يستطيعون التحول الى «كتاب القارئ الواحد». ففي نهاية المطاف يحتاج الصحافي إلى مؤسسة إعلامية يعمل بها، وهذه تحتاج بدورها إلى تمويل الشركات التي لا تأتمر بأمر رجل واحد، حتى لو كان رئيساً للجمهورية أو رئيساً للمخابرات.
كان جورج ويل في أوائل السبعينيات أستاذ جامعة يدرس مادة «فلسفة السياسة»، ثم ترك الحياة الأكاديمية وعمل مستشاراً لأحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين. وعندما سقط ذلك الشيخ في انتخابات 1972، انتقل جورج ويل ليعمل في مجلة «المصلحة القومية». وكانت هذه في تلك الفترة من أهم وسائل الإعلام التي تمثل الفكر المحافظ وتعادي الفكر الليبرالي. وبسرعة صاروخية، تمكن ويل خلال مدة قصيرة من أن يصبح نجماً صحافياً يظهر على برامج التلفزيون دائما، ويكتب مقالات صحافية أسبوعية في جريدة الواشنطن بوست ومجلة نيوزويك، وينشر الكتب، ويدعى لإلقاء المحاضرات في الجامعات. لقد أصبح «بنديت كبيراً» في فترة قصيرة جداً، وكان سر ذلك النجاح غير المسبوق هو أن جورج ويل، فهم مبكراً جداً، التغيرات التي حصلت في أوضاع الصحافة في عصر التلفزيون، فأدرك أن القرب من السلطة هو شرط أساسي للبقاء والمحافظة على وضع البنديت، حتى يبقى مطلعاًً على الذي يدور في عالم صنع القرار. ولكن ذلك ليس كافياً لتأمين الاستمرار في مركز البنديت، فالسلطة لا تستطيع الضغط على الشركات الكبرى للاستمرار في تمويل البرنامج التلفزيوني الذي يظهر فيه البنديت. والقادر على ذلك، في البيئة الأميركية، هو فقط مراكز الضغط (Lobbies)، وعملاً بهذا الفهم اختار جورج ويل منذ البداية تأييد إسرائيل تأييداً مطلقاً حتى يضمن تأييد أقوى مركز ضغط في الولايات المتحدة وهو اللوبي اليهودي. ومن ناحية أخرى، وجد جورج ويل في حاكم ولاية كاليفورنيا رونالد ريغان أفضل من يمثل الاتجاه المنحاز كلياً لمعسكر «الإمبراطورية» والمعادي كلياً لمعسكر «الحرية» في السياسة الأميركية.
استمرت إدارة ريغان ثماني سنوات (1981ـ1989). وطوال تلك السنوات، كان جورج ويل يملأ الفراغ الفكري الموجود في عقل رونالد ريغان، تماماً كما كان هنري كيسنجر قبل سنوات يملأ فراغ الإعجاب الموجود في نفسية جيمس روستون. ولكن الشبه بين هنري كيسنجر وجورج ويل لم يتوقف على ذلك، فإذا كان هنري كسينجر قد نجح على المستوى الاستراتيجي في تكريس الصراع العربي ـ الإسرائيلي جزءاًً من الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في سنوات الحرب الباردة، فقد نجح جورج ويل في وقتنا الراهن في تكريس الصراع العربي ـ الإسرائيلي جزءاًً من الصراع بين الأنظمة الديموقراطية والإرهاب العالمي. فهو يعرض قضية إسرائيل على أنها مقطع من التاريخ الأميركي، إذ إنه يؤكد أن الخطر الذي يهدد إسرائيل هو في كونها تمثل في الشرق الأوسط الاستثناء لا القاعدة، من حيث كونها الدولة الديموقراطية الصغيرة المسالمة التي تعيش وسط عالم عربي كبير تحكمه الدكتاتوريات المتعطشة للدماء. وبشكل مماثل فهو يرى أن الخطر الذي يهدد الديموقراطية الأميركية هو في كونها الاستثناء في التاريخ لا القاعدة، من حيث إن الأنظمة الشمولية المعادية هي أكثر تمثيلاً للأنظمة التي حكمت في التاريخ.
إذا أردنا أن نأخذ مثالاً حياً على أسلوب عمل «صحافة التدخل السريع» المندمجة في «صحافة مراكز الضغط»، فعلينا أن ننظر الى ردود فعل جورج ويل على الخطاب الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في جامعة القاهرة يوم 4 تموز /يوليو 2009. بعد الخطاب مباشرة، قال جورج ويل في أحاديثه التلفزيونية وفي محاضرة ألقاها في احتفال لتسلم إحدى الجوائز التي تمنحها له المؤسسات اليمينية دورياً، إن الرئيس أوباما نسي أن يذكر الحقائق التالية في خطابه:
لم يكن هناك دولة فلسطينية عبر التاريخ حتى قيام الانتداب البريطاني عام 1918.
أن إسرائيل قامت عام 1948 على مساحة أرض تساوي سدس من واحد بالمئة من مساحة الأرض التي تعرف بالعالم العربي، ومع ذلك فالعرب لا يعترفون بها.
لم تنعم إسرائيل خلال واحد وستين سنة من عمرها بثانية واحدة من السلام الحقيقي بسبب الاعتداءات العربية عليها.
الضفة الغربية ليست كما وصفها الرئيس أرضاً محتلة من قبل إسرائيل، إنها أرض تركت بلا ملكية بعد انتهاء الانتداب البريطاني عام 1948، وتم احتلالها بشكل غير شرعي من الأردن حتى عام 1967 حين احتلتها إسرائيل احتلالا شرعيا نتيجةً لتصديها للاعتداء عليها من قبل الأردن في حرب ذلك العام.
فصحافة أولاد آدو في الولايات المتحدة تتصرف على أساس اعتبار أي اختلاف مع السياسة الاسرائيلية جريمةً يجب معاقبة مرتكبها أشد أنواع العقاب. ولقد تبنت صحافة أولاد آدو في العالم العربي ذلك الموقف عندما أخذت تكرس فكرة ان السلام مع إسرائيل هو الخيار الوحيد وأخذت تحرض ضد المقاومة في لبنان وفلسطين.
مستقبل صحافة «أولاد آدو»
لقد رأينا أن المشكلة مع صحافة «أولاد آدو»، سواءً في الولايات المتحدة أو في العالم العربي، ليس أنها لا تنقل الحقيقة كاملة للمواطن. بل إن المشكلة مع تلك الصحافة هي أنها تقوم بدور تضليل المواطن دائما. ففي خلال عقد الثمانينيات، مارست صحافة أولاد آدو أكبر عملية تضليل في تاريخ الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كان الاتحاد السوفياتي على فراش الموت، كانت تلك الصحافة تؤكد للمواطن الأميركي أن الاتحاد السوفياتي يتقدم بسرعة كبيرة ويزداد تهديده للأمن القومي الأميركي يوماً بعد يوم. وكانت تلك الصحافة تعتمد فقط على تقارير وكالة الاستخبارات الأميركية التي أكدت أن الاتحاد السوفياتي في سنوات 1981ـ1985 قد نما اقتصادياً بمعدل أكبر من معدل نمو دول الاتحاد الأوروبي بحوالى 25 %. كما كانت تلك التقارير قد أكدت في منتصف الثمانينيات أن متوسط دخل الفرد في ألمانيا الشرقية أعلى من متوسط دخل الفرد في ألمانيا الغربية.
أما في العالم العربي، فصحافة أولاد آدو تمارس، منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، أكبر عملية تضليل في التاريخ العربي الحديث، في تأييدها وحماستها للعملية السلمية مع إسرائيل. ويوماً بعد الآخر، وسنة بعد سنة، يتضح خطر الاستمرار في تلك العملية على القضية الفلسطينية وعلى المصالح العربية العليا، بينما يزداد تأييد صحافة أولاد آدو للعملية ودعوة الدول العربية التي لم تشترك بعد في العملية إلى ضرورة الإسراع بالانخراط فيها.
وفي النهاية علينا أن نلاحظ ثلاثة أمور لها أهمية كبيرة.
أن صحافة أولاد آدو في الولايات المتحدة، أصبحت عبارة عن حوار مستمر بين ممثلي السلطة وممثلي مراكز الضغط، ولم يعد هناك صحافة لها الاستقلالية التي كانت تدعى «السلطة الرابعة». وفي هذا المجال، يكفي أن نلاحظ الفرق بين تغطية الصحافة الأميركية لحرب الفيتنام وتغطيتها لحرب غزو العراق. ولذلك، أصبح تأثير تلك الصحافة على الرأي العام ضئيلاً جداً.
في البلاد العربية، ليس هناك أي تأثير لصحافة أولاد آدو على الرأي العام العربي، من حيث إنها، في واقع الأمر، صحافة تستعمل «لغة زائفة» تصف فيها «أحداثاً زائفة» تحدث في «بيئة زائفة». وأي إنسان يقضي أياماً معدودات في أي بلد عربي يمكن أن يتعرف على تلك الحقيقة بسرعة. أما من يشك في ذلك فعليه أن يقارن مواقف صحافيي أولاد آدو في العالم العربي مع ونتائج استطلاعات الرأي العام التي لها مصداقية أكاديمية. وعلى سبيل المثال، إذا أخذنا نتائج استطلاع الرأي العام الذي تقوم به مؤسسة بحثية من جامعة ميرلاند الأميركية كل سنة في كل من مصر والسعودية والأردن ومراكش والإمارات وقارنا تلك النتائج مع آراء صحافة أولاد آدو في العالم العربي، فسنجد أن مواقف غالبية الرأي العام العربي مناقضة لتلك الآراء كليا ودائما. فعلى سبيل المثال، منذ سنوات وصحافيو أولاد آدو يتحدثون عن الخطر الإيراني على العالم العربي وخطر برناج إيران النووي على الاستقرار في المنطقة، وفي كل سنة من السنوات الماضية (2004ـ2009) وغالبية الرأي العام العربي، وفق الاستطلاعات، ترى أن إيران ليست خطراً على العرب، وأنه من حق إيران الاستمرار في برنامجها النووي، كما ترى أنه إذا حصلت إيران على القنبلة النووية فإن ذلك سيشكل حدثاً إيجابياً في المنطقة. وبالنسبة للولايات المتحدة، التي ترى فيها صحافة أولاد آدو العربية حليفاً استراتجياً والقوة التي تكفل الاستقرار والتقدم في المنطقة والقادرة على حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي حلاً عادلاً، فإن الغالبية الساحقة (أكثر من 85%) من الرأي العام العربي، وفق الاستطلاعات، لا تثق بالولايات المتحدة بل تعتبرها منحازة لإسرائيل انحيازاً مطلقاً وتعتبر سياساتها خطراً على العرب. ومن ناحية أخرى، ففي السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد انتصار المقاومة في حرب تموز/ يوليو 2006 في لبنان، انصبّ غضب إعلام أولاد آدو المقروء والمرئي بشكل هستيري على قائد المقاومة السيد حسن نصر الله، هذا في الوقت الذي أظهرت فيه استطلاعات الرأي العام العربي في كل سنة من السنوات الخمس الماضية أن السيد نصر الله يحتل مرتبة الزعيم الأكثر شعبية في العالم العربي.
إن صحافة «التدخل السريع» وصحافة «القارئ الواحد» لا تمثل إلا مصالح أفراد على أتم الاستعداد للالتزام اليوم بموقف ثم الدفاع عن موقف مناقض له في الغد. إنهم في الواقع لا يمارسون إلا مهنة الطباعة لا مهنة الكتابة. أما كتاب «ثقافة الاستسلام»، فلقد رأينا أنهم يدعون إلى تأييد السياسة الأميركية في العالم العربي بحجة أن الولايات المتحدة هي ممثلة «الحداثة» في عصرنا.، ولقد رأينا كيف أنهم، في حقيقة الأمر، يؤيدون سياسات ألد أعداء الحداثة في المجتمع الأميركي ويعادون الممثلين الحقيقيين للحداثة في ذلك المجتمع. إن ولاءهم الحقيقي ليس لمفهوم الحداثة ولكن لجبروت القوة في العالم العربي، وفي الولايات المتحدة، وفي فلسطين المحتلة، والتبعية للقوة لا تصنع كتاباً.
أما الأمر الأخير، وهو التوأم المنطقي للأمر الثاني، فيخص وجود صحافة حرة شريفة تعمل بشجاعة وفي ظروف صعبة في العالم العربي وفي الولايات المتحدة ولها تأثير هائل على الرأي العام. ففي العالم العربي، يكفي أن نلاحظ اهتمام الناس الكبير ببرنامج «مع هيكل» في قناة الجزيرة؛ الذي يبث مساء كل خميس فيختفي كل أولاد آدو في العالم العربي وراء سور دمشق القديم، ولمدة ساعة كاملة يرتفع فقط صوت الحوار الحر بين ماضي العرب وحاضرهم ومستقبلهم. كما يكفي أن نرصد الأثر الذي يحدثه نشر مقال من مقالات سيمور هيرش في مجلة النيويوركر الأميركية، بين آونة وأخرى. فنحن نرى كيف يصمت الضجيج المزعج في صحافة أولاد آدو المرئية والمقروءة في الولايات المتحدة، وكيف يضطر الجميع إلى الاستماع إلى قصص الفضائح الجديدة التي ارتكبتها حكومة الولايات المتحدة في العالم العربي مع تواطؤ صحافة أولاد آدو هنا وهناك.


فضل مصطفى النقيب، أستاذ الاقتصاد في جامعة واترلو ـ كندا


هوامش
1 ـ بلال الحسن(2005)، ثقافة الاستسلام، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر ص.80.
2 ـ أنظر مقال «الستالينية الأميركية» في وجهات نظر عدد يناير 2006
3 ـ ألذي أطلق لقب البنديت لإول مرة على ولتر ليبمان كان هنري لوس صاحب مجلة التايم الذي تخرج من جامعة ييل والتي فيها ناد للطلبة المتفوقين باسم (Pundits club).
4 ـ صوت 48 عضواً في مجلس الشيوخ مع القرار وعارضه اثنان فقط، أما مجلس النواب فقد صوت 452 نائباً مع القرار ولم يعارضه أحد.. ومن المعروف أنه أتضح فيما بعد أن الحادثة كانت غير صحيحة وأن الادارة قامت بخداع الكونغرس.
5 ـ صدر كثير من الكتب عن السيرة الشخصية للرئيس لندن جونسون. ومن أهمها كتاب سنوات لندن جونسون للمؤرخ روبرت كارو الذي صدر منه حتى الآن ثلاثة مجلدات، هي «الطريق الى القوة» (1982)، و«طرق الصعود» (1990), «سيد مجلس الشيوخ» (2002)  وسيصدر بعد سنتين المجلد الرابع. وصفحات المجلدات الثلاثة مليئة بقصص الكذب والخداع التي مارسها جونسون في حياته منذ أن كان سياسياً ناشئاً في ولاية تكساس، ثم وهو عضو في مجلس النواب الاتحادي، ثم عضو في مجلس الشيوخ، ثم رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ، ثم نائباً للرئيس.
6 ـ كان لندن جونسون مغرماً بترديد حكاية ساخرة  في مجالسه الخاصة عن أن أصل جورج واشنطن هو في الواقع من ولاية تكساس، وذات يوم وهو في الثامنة من عمره جاء والده غاضباً يسأل العمال الذين يعملون في مزرعته عن الذي قام بقصف جذع من أحد الأشجار، فما كان من الصغير جورج إلا أن تقدم وقال: «يا والدي أنا لا استطيع أن أكذب، أنا ألذي قصف جذع الشجرة». وعندها قال له الوالد: «يا بني أذا كنت لا تستطيع أن تكذب فهذا يعني أنك لا تستطيع أن تعيش في تكساس»، وهكذا قام الوالد ببيع المزرعة والانتقال بعائلته إلى ولاية فرجينيا.
المصدر :
جريدة السفير اللبنانية، في 19 ـ 20 ـ 25/11/2009، وذلك نقلا عن مجلة "وجهات نظر" المصرية.