انتشار الروبوت الجوي وإشكالية التفوق العسكري الأميركي (هواة قد يشلوا مدينة مانهاتن!؟)

2010 March 29

خاص ـ ترجمة الحقول / ظهرت الروبوتات الجوية العسكرية في ميدان العدوان الأطلسي على كوسوفو/صربيا (1990)، حيث وصفت بأنها أداة للقيادة والسيطرة التكتيكية والإستراتيجية في المعركة. إذ صار الجندي قادرا على متابعة كافة مجريات المعركة، والتحركات الجارية خلف خطوط العدو في الوفت الفعلي، ولم يعد يخسر هذا الوقت، فيما هو ينتظر دورة القمر الصناعي وتحليل معلوماته. ثم واصل الأميركيون تطوير عقائدهم القتالية عن الحرب الإستباقية في أفغانستان والعراق، واليمن والصومال، واليوم في باكستان، مستندين على أن طائرات التجسس والهجوم من دون طيار، هي أداة للتفوق الحاسم على الخصم. كما أن العدو "الإسرائيلي" سار في ركب الجيش الأميركي، حيث دأب على تجريب هذه التقنية الحربية الجديدة في فلسطين المحتلة، خصوصا في قطاع غزة، وكذلك في لبنان خلال عدوان تموز 2006. الآن، يحدث تحول استراتيجي جديد، حيث يزول الإحتكار الأميركي ـ "الإسرائيلي" لتصنيع هذه الطائرات والقتال بها. هنا مقال " بي دبليو سينغر" من  مجلة "نيوزويك" يصف طبيعة هذا التحول الخطير : 



كان روبوت التجسس الجوي الذي أرسله حزب الله اللبناني للتحليق فوق المستوطنات "الإسرائيلية" عام 2005 يصدر صوتا قويا ويفتقر إلى الأسلحة، كما لم يكن مزودا إلا بآلة تصوير بدائية.
لكن الرحلة المفاجئة لطائرة التجسس من دون طيار التي أرسلتها مجموعة "إرهابية" إقليمية أقلقت المحللين الأميركيين، الذين اعتبروها دلالة على أن المركبات المسيرة عن بعد تقع في الأيدي غير الملائمة.
ويبدو، اليوم، أن هذه المخاوف كانت مشروعة. 



فهناك 40 بلدا على الأقل، بدءا من روسيا البيضاء وجورجيا وصولا إلى الهند وباكستان وروسيا، بدأت تصنع وتشتري وتنشر روبوتات تجسس جوي، كاشفة عن جهودها في معارض دولية للأسلحة بدءا من معرض باريس الجوي الشهير وصولا إلى معارض أصغر في سنغافورة والبحرين.
في الأشهر الستة الماضية وحدها، بدأت إيران تنتج روبوتات تجسس جوي قادرة على حمل أسلحة. أما الصين فقد كشفت عن تصنيع روبوتين للتجسس الجوي : "الزاحف المجنح" و"التنين الغاضب"، وهما منافسين للنموذجين الأميركيين "بريداتور" و"غلوبال هوك".
وبشكل إجمالي، فإن ثلثي الأموال المستثمرة لصنع طائرات بلا طيار في العالم عام 2010 ستنفقها بلدان غير الولايات المتحدة.



لن تصدق، إن سمعت المسؤولين الأميركيين يتكلمون عن هذا الوضع. فالمسؤول عن حماية أميركا من الأسلحة غير النووية في وزارة الأمن الداخلي الأميركية، جيم توتل، يستبعد إمكانية استعمال الطائرات الموجهة عن بعد ضد الولايات المتحدة. وقد قال ساخرا خلال مؤتمر أقيم في شتاء 2009 : "من هو الإرهابي الذي سيمتلك طائرة بريداتور؟".
لقد كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، مؤخرا، أن الولايات المتحدة تجاهلت عيبا خطيرا في تكنولوجيا الطائرات بلا طيار، ما سمح للمقاومة العراقية بالولوج إلى مشاهد الفيديو التي تبثها هذه الطائرات [التي توجهها قولت الإحتلال الأميركي في العراق]، حيث استخدم المقاومون برمجيات [مصنعة في روسيا، وقد أشارت الحقول إلى ذلك] ثمنها 30 دولارا، كانو قد اشتروها عبر شبكة "إنترنت" [راجع الحقول، على الرابط التالي : http://www.alhoukoul.com/article/2898].



هذا التعجرف، يضع الأميركيين حيال صدمة حتمية. بالضبط، مثلما لم نتخيل أن الإرهابيين قد يستخدمون طائراتنا التجارية ضدنا [في 11أيلول 2001]، أصبحنا الآن نقلل من أهمية التهديد الذي تشكله هذه الموجة من التكنولوجيا الجديدة.
إن علينا تهيئة أنفسنا للعيش في عالم تنافس التقنيات الروبوتية الأجنبية تقنياتنا نحن الأميركيين، حيث يمكن للإرهابيين أن يفجروا الأهداف ليس بواسطة الانتحاريين فحسب بل أيضا بواسطة آلات مسيرة عن بعد.
وسهولة استخدام هذه التكنولوجيا وكلفتها البسيطة، إضافة إلى توفر معظم مكوناتها في سوق السلع المدنية، يعني أن الروبوتات الجوية ستقع بين أيدي جهات مكروهة، ما سيسمح لمجموعات صغيرة وحتى أفراد باستخدام سلاح كان مقتصرا فيما مضى على الجيوش العظيمة في العالم.
وفي النهاية، ليس ثمة أفضلية دائمة للسباقين، لا في القطاع التكنولوجي، ولا في القطاع العسكري بالتأكيد. ربما يكون البريطانيون قد اخترعوا الدبابة خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الألمان استخدموها بشكل أفضل خلال حملتهم المباغتة بعد ذلك بأكثر من عقدين.



حتى الآن، لا تزال أميركا في صدارة الثورة الروبوتية، وهذا تفوق تطلب مجهودا كبيرا وكلفة باهظة. لقد خصصنا مليارات الدولارات لتطوير الطائرات بلا طيار، وهذا أدى إلى ما سمي بأكبر تغيير في التكتيك والاستراتيجية والعقيدة العسكرية منذ اختراع البارود.
هذا العام، ستشتري وزارة الدفاع الأميركية عددا من الطائرات بلا طيار يفوق عدد الطائرات التقليدية، وستدرب عددا من طياري الروبوتات الجوية، يفوق عدد طياري الطائرات المقاتلة وقاذفات القنابل مجموعين. وكما قال الجنرال ديفيد بترايوس، قائد المنطقة الوسطى في كانون الثاني/ يناير 2010 : "لا يمكننا الاكتفاء من الطائرات بلا طيار".
لكن خصوم الولايات المتحدة يرغبون في امتلاك الروبوتات الجوية أيضا. ولكنهم ليسوا بحاجة إلى وجود شبكة خاصة بهم من الأقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر الخارقة لنشرها.
فقد صنع كريس أندرسون رئيس تحرير مجلة وايرد نسخة من طائرة رايفن العسكرية للمراقبة التي يتم قذفها باليد بكلفة 1,000 دولار، في حين أن مجموعة مناهضة للهجرة في أريزونا أنشأت نظام مراقبة خاصا بها مستخدمة الطائرات بلا طيار لمراقبة الحدود الأميركية المكسيكية بكلفة 25,000 دولار فقط!.
لعل جيش هتلر كان يفتقر إلى القدرة على ضرب الأراضي الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن بعد ذلك بنصف قرن، صمم رجل مكفوف يبلغ من العمر 77 عاما من كندا طائرة بلا طيار اجتازت المحيط الأطلسي عام 2003 من نيوفاوندلاند إلى إيرلندا.



إن الفترة الزمنية الفاصلة، اليوم، بين تطوير تكنولوجيا عسكرية ونشرها على نطاق واسع، باتت تقاس بالأشهر وليس بالسنوات.
فالشركات الزراعية الكبرى في كل أنحاء العالم، تستعمل الآن، طائرات بلا طيار لرش المحاصيل بالمبيدات. وقد خلصت دراسة أجراها سلاح الجو الأميركي في الآونة الأخيرة، إلى أن هكذا أنظمة تكنولوجية تشكل "الوسيلة المثلى" لتفجير قنابل قذرة تحتوي على أسلحة مشعة أو كيميائية أو بيولوجية، وهي أنواع أسلحة الدمار الشامل التي من المرجح أن يحصل عليها الإرهابيون. 



من شأن هذه التكنولوجيات أن تعزز قوة خلايا إرهابية محلية أو أفراد مستائين، من طراز تيموثي ماكفي، منفذ تفجير مدينة أوكلاهوما، وليس فقط قوة تنظيم القاعدة الذي يبرهن أنه يجاري التطور العصري. وكما قال لي أحد خبراء الروبوتات، "يمكن لبضعة هواة أن يشلوا مدينة مانهاتن كليا" بأقل من 50.000  دولار.
لم تضطر الولايات المتحدة إلى التركيز على دفاعاتها الجوية ـ على أرضها أو في الخارج ـ منذ الحرب الباردة. بيد أنه آن الأوان لكي تقوم بذلك. فترسانتنا الحالية من الأسلحة غير قادرة على مواجهة هذه الأنظمة الجديدة بشكل فعال. والمركبات الجوية المسيرة عن بعد تحتوي على محركات باردة تعمل على البطاريات، ما يعق إمكانية إصابتها بصواريخ تقليدية حرارية.
إن صواريخ "باتريوت" قادرة على إصابة الروبوت الجوي، لكن كلفة الصاروخ البالغة ثلاثة ملايين دولار تجعله نظاما دفاعيا مكلفا جدا. 



أن الطائرات بلا طيار البدائية يمكن أن تكون لها منافع تكتيكية : فالطائرات البدائية التي أطلقها حزب الله (2005) حلقت بسرعة بطيئة إلى حد أن طائرات أف 16 "الإسرائيلية" كادت أن تتحطم، وهي تحاول تخفيف سرعتها بما يكفي لتدميرها.
لكي نتفوق في هذه الثورة، نحن بحاجة إلى أمر تمتلكه الكثير من الدول المنافسة، وهي استراتيجية روبوتية قومية. هذا يعني منحا للدراسات العليا، وتمويل المختبرات، ومنطقة شبيهة بوادي السليكون لتطوير المؤسسات. وإلا سيكون مستقبلنا مرهونا بخبرات الآخرين. 



حاليا، يعتمد عدد متنام من شركات التكنولوجيا والمعدات العسكرية الأميركية على مكونات من الصين وبرمجيات من الهند، مما يثير مخاوف أمنية واضحة.
بنفس مستوى الأهمية، نحن نحتاج إلى استراتيجية عسكرية واستراتيجية أمن قومي لا تأخذ بعين الاعتبار فقط كيفية استخدامنا لهذه الأنظمة المسيرة من بعد بل أيضا كيفية استخدام الآخرين لها ضدنا.
هذا يعني اعتماد استراتيجية أكثر شمولا لمواجهة المخاطر التي تخطط وتتدرب قواتنا للتصدي لها.
وهذا يعني أيضا إقرار قوانين جديدة تحدد من يسمح له بالحصول على مثل هذه التكنولوجيات الخطرة، خشية أن يرتد علينا سلاحنا الجديد العظيم.

ترجمة "مركز الحقول للدراسات"
كاتب المقال : بي دبليو سينغر - "نيوزويك"، 16 آذار 2010
العنوان الأصلي :
"أخطار الطائرات بلا طيار"