أربعة نصوص من ميدان "ثورة الشباب" المصرية

2011 February 2

النص الأول : نحـن الآن فـي مصـر
نحن مصريون: نحن الذين ولدوا بين أوائل السبعينيات ومنتصف الثمانينيات.
نحن الذين ذهبنا إلى مدارس لا تشبه المدارس، واعتدينا على مدرسينا وفررنا من الأيام الدراسية التي كانت مملة.
نحن الذين دخلنا جامعات لا تشبه الجامعات ولم نتعلم سوى كيف نعبر تلك السنوات لنتخرج إلى الفراغ.
نحن مدخنو الحشيش، ومشجعو كرة القدم بحرقة التهبت لها حناجرنا وانفلتت أعصابنا كثيرا من أجل النصر في المباراة.
نحن المتحرشون بالفتيات في المواصلات العامة وفي الأماكن المزدحمة وفي الأعياد وفي كل مناسبة تسمح لنا بلمس فتاة مارة...
نحن الذين نصلي أحيانا خلال العام، ونصلي دائمًا في رمضان، ونبكي بحرقة كي يغفر الله ذنوبنا التي لا نعرفها ونحتفل في العيد بالمخدرات والتحرش.
نحن محبو تامر حسني وهيفاء وهبي ونانسي عجرم وروبي أيضًا، نتابع الفيديو كليب بكل حرص وتلهف لنعقد المقارنات بين صدر هذه ومؤخرة تلك.
نحن ننفق الساعات الطويلة أمام شاشات الكمبيوتر، باحثين عن غرف الدردشة الجنسية على شبكة الانترنت.
نحن الذين نلقي القمامة في الشارع ونتأسف كثيراً من أكوامها التي تتراكم أمامنا بثبات.
نحن الذين بعنا مصوغات أمهاتنا ومدخرات آبائنا القليلة لنعطيها لسمسار ليضعنا في مركب ليلقي بنا على شواطئ أوروبا، لكننا غرقنا في البحر.
نحن الذين ذهبنا إلى الغردقة وشرم الشيخ لنبحث عن سائحــة أجنــبية يمكنها منحنا جنسية أخرى وبلد آخر.
أجل نحن هؤلاء وأكثر من ذلك بكثير ولكن ـ علمونا أن ما بعد لكن يغاير ما قبل ـ
ولكن كان ثلاثاء وجدنا أنفسنا نمشي في الشارع، في كل المدن كنا نمشي، في كل الشوارع. نرفع أصواتنا التي لم نكن نعرف أنها لنا. أصوات تنادي بلدًا اكتشفنا أنه وطنًا. وبدأنا نعرف معنى هذه الأحرف الثلاثة: «وطن».
نحن الذين تنشقنا الغاز المسيل للدموع، وتلقينا الطلقات المطاطية، والرصاص الحي كي يوقف تحرك خطواتنا نحو «الوطن».
نحن الذين تلقينا ضربات عصي العسكر كي تصمت أصواتنا التي تنادي «مصر»، التي نتذوق طعمها لأول مرة.
نحن الذين تم احتجازنا والقبض علينا فقط لأننا دخلنا الحلم الذي لم ندخله من قبل.
نحن الذين أمسكنا بأيدي الفتيات كي نعبر معًا إلى ساحة ميدان الحلم، ولم نتحرش بهن، ولم نشعر إلا بأننا واحد.
نحن الذين ارتعشت حناجرنا لتهتف بصوت أصبح أكثر ثباتا عندما التقى أصوات الآخرين التي تنادي بسقوط الأغلال.
نحن الذين حملنا أكياسًا ومكانس لننظف شوارعنا فقط لأنها أصبحت «شوارعنا».
نحن الذين أخذنا سكاكين أمهاتنا وجلسنا أمام بيوتنا لنحميها من سارق يرد أن ينهب فرحتنا.
نحن الذين جلسنا أمام المتحف، والمدرسة، وعلى قارعة الطريق فقط لأنها أصبحت تخصنا.
نحن الآن في القاهرة، والإسكندرية، والدلتا، والصعيد وسيناء نكتشف معاني ستة أحرف تدخل أبجديتنا من جديد «مصر وطن».
محمد فرج
02/02/2011
القاهرة
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2223
ــــــــــ

النص الثاني : سيناريو ليالي الرعب في القاهرة
لم أكن أتصور حين دخلت السينما لمشاهدة فيلم «هيّ فوضى» أنني سأعيش أحداثه. كنت أعرف في قرارة نفسي أنها مسألة وقت لا أكثر. لكنني رغم ذلك حاولت التعامل مع الفيلم على أنه مجرد مشاهد على شاشة السينما، لذلك لم أرغب في مشاهدة فيلم «دكان شحاتة». قلت لأصدقائي يكفيني ما أراه في عملي كصحافية. لا أريد فيلما يذكرني بواقعي المؤلم وسيناريو الرعب. لكنني طبعا لم أستطع كبح فضولي. شاهدت الفيلم ذات ليلة على جهاز «اللابتوت» خاصتي. كانت ليلة مخيفة بالنسبة لي، بمجرد تصوري أن هناك احتمالات لأن تصبح مشاهده واقعا. كل هذا كان أقل بكثير من السيناريو المرعب الذي عشته بدءا من ليلة السبت الماضي ولعدة أيام، في بيتي مع أسرتي، كغيرنا من ملايين الأسر المصرية، حين علمنا بهروب المساجين من عدة سجون أقطن بالقرب من أحدها، وأن متاجر عدة قد نهبت في حينا وفي أحياء أخرى من قبل عصابات منظمة وأفراد متفرقين.
حين علا الصراخ في الشارع، لم أعرف ماذا أفعل. ذعر الأطفال في المنزل، خبأناهم وحاولنا تهدئتهم، لكن أمام بكائنا وطلقات الرصاص وقنابل الغاز الذي تسلل إلينا، لم يكن لذلك سبيل.
رأيت شبابا يحملون أسلحة بيضاء، كنت أقرأ عنها في صفحات الحوادث لا أكثر. كانوا يتجهون نحو بيتنا. بت موقنة أنها النهاية. بكيت كثيرا لنهاية كهذه لي ولبلدي. لكن استوعبت بعد وقت أن هؤلاء شباب جاؤوا لحماية البنايات، وأنهم ينتشرون في الشوارع لحمايتها من البلطجية. وبعد ساعات من إطلاق النار في السجن المجاور لنا على كورنيش النيل، جاء رجال الجيش وخاطبوا الشباب. أخبروهم كيف يقسّمون أنفسهم لحماية المنطقة. لم ننم ليلتها، وكل أسر مصر لم تفعل. كانت الاتصالات الهاتفية تنهال على أرقام الطوارئ للقوات المسلحة، فلم يكن ثمة رجال شرطة.
في اليوم السابق أخبرتني صديقتي أن زوجها رجل الشرطة تم استدعاؤه ورفاقه وطلب منهم ترحيل أسلحتهم إلى مدينة «6 أكتوبر»، ولم يعرف لماذا. بعدها بأيام عرفنا. قيل إن وزير الداخلية المقال أمر رجال الشرطة بالانسحاب، ردا على أمر رئاسي بنزول الجيش إلى الشوارع. انسحبوا جميعهم وهرب بعضهم إلى قراهم في أنحاء مصر، وجال آخرون ينشرون الذعر في الشوارع.
والشوارع منذ حينها في حماية شبابها، هكذا من دون مقدمات، تكاتف الجميع. لا طائفية ولا تحرشات جنسية، لا فقراء وأغنياء، الكل استطاع تنظيم نفسه في وقت قياسي، شباب مصر يصنع التاريخ الآن. الشباب يحمي الشوارع ويحفظ الأعراض. هم ذاتهم شباب الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. مصر لا تزال ولاّدة أنجبت شبابا يخلق انتقالا للسلطة طال انتظاره.
الشباب طرد رجال الأعمال من الحكم بلا رجعة، وأنهى عهد التعامل مع الوطن باعتباره مشروعا استثماريا. أهان من أهانوه وأحرق قلب من استهانوا به ومن لم يروه. النخبة والمعارضة، رجال الحكم، وكل بلاد العالم. الجميع عرف أن في مصر شبابا يعرفون قدر بلادهم ويدركون مطالبهم، ومصرون على مستقبل أفضل لهم في بلادهم، بلا وصاية ولا أوصياء. الشباب الذي نظم المرور في الشوارع هو نفسه الذي نزل لينظفها، وهو نفسه الذي أملى رغباته ليتغير التاريخ.
من ميدان التحرير بدأ تحرير شباب مصر، وفي «25 يناير» (كانون الثاني) القادم لن يذكر التاريخ عيد الشرطة احتفاء برجال شرطة بواسل تصدوا لرصاص الانكليزي وحسب، بل سيحتفل أيضا بعيد لشباب مصر الذي بيديه أوقف الزمن، ليعرف الجميع قدر مصر وشبابها.
فاطمة خير
02/02/2011
القاهرة
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2226
ــــــــــ

النص الثالث : فـي حضـرة لجـان المقاومـة الشـعبية 
هذه الكلمات ليست عن الثورة. إنها عن نقطة واحدة من هذه الكلمات التي تضم بين حروفها آلاف التفاصيل. فكنا نظن أن لها معنى تختصره كلمات الكتب النظرية. عمومًا مسؤولية الكتابة عن الأحداث كبيرة، فتثقل كاهل من يحاول صياغتها. الطاقة في هذه الأيام نحتاجها للمشاركة في الأحداث وليس فقط للكتابة عنها. هنا نتحدث عن اللجان الشعبية أو عما سماه بعض عناصرها: لجان المقاومة الشعبية، الاسم الذي كان قد نسي من ذاكرة المصريين. كان أهل السويس قد أطلقوا هذا الاسم على مقاومتهم للعدو الإسرائيلي عام ١٩٥٦، فكان الأنسب لأحداث كانت الريادة فيها لأهل المقاومة في السويس.
الآن يحتاج السير في شوارع القاهرة لاجتياز عدة نقاط تفتيش ليست كتلك التي تستنفر الجميع. الإحساس العام في التعاون يطغى على الموقف، كما يقول بعض المارة: «لا يوجد ما يستدعي الخوف». لا العابر يحمل بين طيات صوته احتقان سنوات تجاه من يعترض طريقة ولا الواقف عند الحاجز حاملاً عصا أو بندقية صيد ينتظر رشوة من القادم على الطريق. ولا توجد قطعة حشيش ينتظر مكتب الأمن الشعبي من تلفق له لأنها ضُبطت منذ أيام مع «ابن الباشة» وبقيت وحدها بعد خروجه المدبر.
خلال دقائق معدودة اختفت قوات الشرطة من الشوارع المصرية، خلعوا زيهم العسكري وبدلوه بآخر مدني، وبدلوا فيه مهامهم أيضًا. هكذا بدا الأمر عندما ضبطت المقاومة الشعبية ثلاثة ضباط يسرقون المتحف المصري وآخر يحمل سيارة نقل كاملة بأحذية مسروقة. كان يعتقد الإعلام الحكومي بأن شائعاته ستسحب الناس من ميادين التظاهر وتتركهم تحت بيوتهم للحراسة، فأطلق شائعات ضخمة عن عصابات تسرق المنازل وتغتصب الفتيات. بسرعة لافتة نظم الشباب المصريون لجانًا شعبية لمكافحة السارقين. فوقف شباب القاهرة ليلة السبت الفائت عند مفارق الطرق يفتشون السيارات ويتأكدون من ملكيتها لصاحبها. هكذا مرت ليلة السبت. في الصباح استيقظ الجميع على مكيدة أخرى: «الحكومة عايزة تجوع الشعب».
كان حظر التجول الذي فرضه الجيش وشائعات الحكومة قد نجحت في إغلاق عدد كبير من المحلات التجارية، فانفرد أصحاب المحال الباقية بالناس وتلاعبوا بالأسعار كما يحلو لهم. كما حرصت اللجان الشعبية على الانتشار عند طوابير أفران الخبز للتأكد من عدم التلاعب بأسعار الخبز. وكان المشهد مشابهًا في سوق الخضار حيث عملت اللجان الشعبية كوسيط بين التجار والناس، فعمدت إلى شراء الخضار من التجار وبيعها إلى الناس حرصًا منها على أن يحصل الجميع على حاجته بالسعر الطبيعي.
في يوم الأحد، انكشفت أمام المتظاهرين مخططات وزارة الداخلية (التي باءت بالفشل) بتجويع الناس ووضعهم في دوامة الفوضى. فأعلنت أنها ستعود إلى الشوارع التي هجرتها فقوبل ذلك بتعليقات ساخرة: أخذ البعض يردد أن «الحرامية رجعوا» والبعض الآخر يتوعد بأخذ ثأرهم للشهداء الذين سقطوا في الميادين على أيدي رجال الأمن.
في نهار الاثنين حاولت قوات الأمن العودة إلى الشوارع والميادين كأن شيئًا لم يكن، لكن لجان المقاومة الشعبية تصدت لها ومنعتها من اقتحام الشوارع التي استعادها أهلها باحتجاجاتهم ودمائهم.
هذا هو المشهد في الشارع المصري: فتاة في أحد الشوارع السكنية صرخت في وجه من ضايقها وأقسمت له: «والله أجبلك الشعب»!
عمر سعيد
02/02/2011  
القاهرة
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2224

ـــــــــــــــــــــــــــــ
النص الرابع : «الثورة دي شعبية.. لا دينية ولا حزبية»
سماع أنباء عن نهبٍ وسلب. الناس تتراجع وأعداد الناس تتضاءل في ميدان التحرير. الأمن يتصدّى بقسوة لمن يحاول كسر قرار حظر التجول. الجيش ينصب حواجز عند مداخل العاصمة ويمنع المتظاهرين من استكمال الاعتصام والتظاهر. انتشار القناصة على سطوح الأبنية. نفاد المواد الأولية من خبزٍ وخضار وفول... كلها أخبار تمّ تداولها في الأيام الماضية بهدف إحباط الناس والتخفيف من عزيمتهم. شائعات بثها التلفزيون الحكومي وعززتها إجراءات العزل التي قام بها النظام، من قطع الإنترنت إلى وقف محطة «الجزيرة» على شبكة النايل سات.
في جو الرعب هذا، تراودك عدة أسئلة: هل الثورة أجهضت؟ أيمكن استمرار الثورة من دون قيادات؟ هل الأحزاب التقليدية أم بعض النخب السياسية ستركب الموجة وتستغل عرق ودماء الناس التي سقطت؟ ماذا عن تسويات المطبخ السياسي..؟! حالة من الذعر والخوف تأكلك.. لحين وصولك الميدان.
ميدان الأمل
محطة السادات أقفلت للحد من تدفق الناس إلى ميدان التحرير. أعداد من الناس تنزل من محطة الأوبرا، الأقرب للميدان. هل سيكملون مشياً على الأقدام لميدان التحرير أم كل شخص منهم سيتوجه إلى مقصده؟ لا أكاد أسأل نفسي حتّى ألقى الجواب سريعاً كهتاف مدو يخرج من المترو: «هو يمشي مش حنمشي». بحالة من الحماسة، يشير متظاهر إلى مخرج شارع «قيادة الثورة»، فيضحك الجميع مرددين الهتاف نفسه.
تهمس شابة لصديقتها «أنا والله بقالي يومين ببات هنا، حظر التجول عالشرطة مش علينا». متوجهةً من جسر قصر النيل الذي زينت جدرانه بشعارات «ارحل، الشعب يريد إسقاط النظام». تعلّق على حديثها امرأة خمسينية: «العيب علينا حبيبتي مش عليكو، إحنا اللي سكتنا تلاتين سنة». أمّا الجيش الذي قيل إنّه ملتزم بقرار حظر التجول ويمنع الناس من دخول الميدان، فعناصره تستقبل المتظاهرين بترحاب. يتأكدون من الهويات الشخصية كي يمنعوا «شباب الداخلية» من الدخول. ويلقون تحية الثورة على المعتصمين: إشارة النصر.
عشرات الآلاف في الميدان في اليوم السابع للانتفاضة. مشهد يرفع من معنوياتك على الفور. شباب لم تكفهم كل الشعارات المكتوبة على الجدران والمحال التجارية، والدبابات، وأحياناً وجوههم.. بفرشاة طلاء يكتبون على أرض الميدان «ارحل يا عم.. يا عم ارحل». فتشعر أنّ كل حجرة في مصر أصبحت تندد بالنظام القائم. الأرض تبث شرارة الثورة.. والناس بوجوههم وإصرارهم يدفعونك إلى الأمل بـ»مصر الحرية والعدالة الاجتماعية.. مصر التغيير».
خطوة إضافية نحو الميدان، ترى يافطة كبيرة علقت على إشارة المترو «مطالب الثورة الشعبية: التنحي الفوري لمبارك، محاكمة حبيب العادلي، تشكيل حكومة إنقاذ وطني مؤقتة، حلّ مجلسي الشعب والشورى..». مطالب لم تسقط من الأعلى.. لم يملها عليهم زعيم.. أخرجوها من ثلاثين سنة جوع وتعذيب وقهر وفساد وبطالة وفقر.. كتبوها بدم شهدائهم. هم شباب مصر. هتفوا مؤكدين عبر مكبرات الصوت «أنّ حكم الفرد في مصر انتهى» و»الثورة دي ثورة شعبية.. لا دينية ولا حزبية». في حديقة الميدان، عائلات وأفراد نصبوا الخيم وتركوا بيوتهم بحماية «اللجان الشعبية» غير آبهين بشائعات النهب والسلب. يناقشون قضايا كالحد الأدنى للأجور، عمليات الخصخصة الحاصلة، قطع العلاقات مع إسرائيل، حق تنظيم النقابات والجمعيات والأحزاب.. ويجمعون التواقيع حولها.
معركة الشائعات والعزل
مجموعة مهتمة بتأمين الحاجات اللوجستية. أخرى بتنظيف وتكنيس الساحة بعناية مبهرة. أخرى بكتابة وتأليف الشعارات والهتافات. وأيضاً رد على الشائعات والأكاذيب التي من أهدافها كسر العزائم. فيتجوّل أحد النشطاء بين المعتصمين، في يده مكبر للصوت يحاولون رفع معنويات الناس وحثهم على الصمود لكسر جدار الخوف «إضربونا بالقناص، إحنا تعلمنا الـ لأ خلاص». ثمّ يحدثهم عن أهمية ثورتهم وعن العالم العربي الذي يترقّب خطواتهم.. وأن ثورتهم أثبتت أن لا مشكلة طائفيّة في مصر بين المسلمين والأقباط.. وأنّ شعب مصر قد تصالح مع نفسه منذ بداية الانتفاضة.
وفي الناحية المقابلة من الميدان، ترى مجموعة من الصحافيين نظموا «مقر المركز الصحفي». المقر في الشارع طبعاً، وهو عبارة عن إحدى زوايا ميدان التحرير. هدفه بكل بساطة الرد على الشائعات التي يتقن بثها النظام عن أخبار سلبٍ ونهب وتحجيم مستوى المشاركة في التظاهرات. هم الصحافيون المصريون الذين سمعنا عن اعتقال أغلبهم في الأيام الأولى من الانتفاضة، بعضهم يعمل في مؤسسات إعلاميّة مستقلة، والبعض الآخر عاطل عن العمل. هم ناشطون أولاً ومرتبطون عضوياً بالثورة القائمة.
معركة التصدي لدعاية النظام وحالة العزل المفروضة دفعت مجموعة أخرى من الشبان إلى جمع المال وشراء تلفاز ومكبرات صوت لمشاهدة قناة الجزيرة من الميدان نفسه. كما حمل العديد من المتظاهرين يافطة عليها التردد البديل للجزيرة، ما يعكس أهمية دور هذه المحطة في الدفاع عن انتفاضة مصر التي تتحدث «عن نفسها». وبما أنّ الإنترنت ما زال ممنوعاً حمل المتظاهرون يافطات كتب عليها «غداً تظاهرات مليونيّة، أبلغوا كل من تعرفون»، معيدين إلى الأذهان تقنيات القرن التاسع عشر.
«انتهى الدرس يا غبي»
«إعلان عن فيلا في السعودية تصلح لرئيسٍ سابق وعائلته»، فيضحك السامعون. يستكمل المتظاهر «مبارك كان يشاهد المتظاهرين عبر التلفاز وهم يهتفون الشعب يريد إسقاط النظام ففرح وقال الحمد لله مش اسمي نظام». الشعب المصري هو الشعب المصري بغض النظر عن الظروف. روح الفكاهة تسري في دمه وهي حاضرة في الانتفاضة أيضاً، وتلعب دوراً مهماً في رفع طاقات الناس ومعنوياتهم. «انتهى الدرس يا غبي»، عنوان مسرحية لمحمد صبحي استخدمها المتظاهرون للسخرية من «الريس». أمّا «مصر فاختارت الثورة»، فهي تعيد إلى الأذهان إعلانا لأكياس البطاطس بعد مسابقة استطلاع أجرتها الشركة أثبتت أنّ مصر اختارت نكهة «الجمبري». (القريدس)، نكهة لم يعد ممكناً تذوقها بالنسبة للسواد الأعظم من المصريين سوى بأكياس البطاطس! أيضاً يافطات كـ»ارحل عايز أنام»، و»إرحل وجعتني إيدي»، و»إرحل بقى يا بارد»، خلقت جواً من المرح داخل الاعتصام تقابلها بروح الفكاهة نفسها، ولكن بعزمٍ أكبر: «قولوا له لأ، فاضلو زقة».
وتبقى الدعوة التي أطلقها بعض شباب الاعتصام «إلى كل من يرغب في ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، الرجاء تقديم المستندات المطلوبة للسادة المعتصمين في ميدان التحرير».
كارول كرباج
02/02/2011
القاهرة
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2222