إشكالية الإجتماعي والثقافي : تجربة النائب اللبناني عبدالله الحاج

2008 June 31

خاص ـ الحقول / تذهب سيرة عبد الله محمد الحاج (1) بخلاف سيرة بلدته الشياح ـ الغبيري المنصرفة الى زراعة أرضها والإستفادة من اغلالها، منغرسة مثل أشجارها، مدبرة الظهر للبحار والمحيطات، تحلم في يقظتها ببعض أولادها يتنكبون عبء الوظيفة الحكومية.
إنصرف الولد الى التعليم المدني الذي بدأت بنشره الإرساليات التبشيرية، ففي العاشرة دخل المدرسة الإبتدائية لدى اليسوعيين(1912)، ومكث ما يقارب السنتين، بسبب من "تمرد" ظهر في شخصيته في 1914، دخل المدرسة الإعدادية التابعة للكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأميركية لاحقاً) وكانت مناسبة للتعرف الى الأفكار البروتستانتية وقدمت له هذه المدرسة "تربيتها الليبرالية، جواً من الإنفتاح والحرية"، ووفرت له فرصة اللقاء بالأستاذ محمد الزين (مارس التعليم في الإعدادية خلال فترة 1911-1914 ومن ثم خلال 1919-1921) الذي عُد ظاهرة من حيث أفكاره التقدمية ودعوته الصريحة للعلمانية.
وعنه "سمع التلميذ عبد الله لأول مرة بمفردات العلمنة والمجتمع والوطنية والقومية".
وكان الزين قد أسس "جمعية سياسية ضمت عدداً قليلاً من الشبان المسلمين أكثرهم من الطلاب في الجامعة وبعض المثقفين التقدميين من الضاحية الجنوبية، ومن أهداف الجمعية، نشر فكرة إلغاء الطائفية من النظام المتبع توصلاً الى تطبيق العلمانية الشاملة، والدعوة الى القومية العربية والإستقلال عن السلطة العثمانية" (دامت الجمعية ست سنوات).
  وفي (1918-1922) دخل الحاج، الكلية الإنجيلية السورية، وإنخرط بفاعلية في أنشطتها فانتسب الى جمعية "زهرة الآداب"، التي مثلت ميداياً خصباً للحوار في موضوعات وقضايا فكرية وإجتماعية: التعصب الديني- أسبابه ونتائجه، التقليد وأثره، مستقبل سوريا، الشركات في لبنان، المرأة السورية، الوضع الإقتصادي في سوريا، الخ....
والحال، بدأ الحاج في الدعوة جهاراً الى "العلمانية". ففارق الجماعة الى المجتمع، والشاهد في ذلك تكبد الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين عناء الحضور الى الغبيري ومفاجأة جمهور المصلين، وهو نادراً ما يترك مدينته صور، وألقى في المصلين خطبة قال فيها:
"أتعلمون ما هي العلمانية؟ إنها تتعارض مع الأديان السماوية كلها، وخاصة مع الدين الإسلامي، إنها الكفر بعينه!
"ومن ... هو رئيس دعاتها الملقب بالمستر زين؟ إنه منحرف"...
"ومن هو المدعو عبد الله الحاج؟ إنه أيضاً منحرف... وكل من يمشي تحت علمهم ويتقبل عبادتهم أيضاً منهم"..."لذلك لا أكتفي بالقول إحذروهم، بل أقول حاربوهم. فمن يحاربهم يخدم الإسلام، ويغنم أجر الدنيا والآخرة".
وفي العام الدراسي الأخير(1921-1922)، إنتخب عبد الله الحاج رئيساً للجسم الطلابي في الكلية التي أصبح إسمها الجامعة الأميركية في بيروت.
تخرج في العام 1922، وفي العام 1923 ذهب الى العراق ومارس التعليم في ثانوية الموصل بين ك2 1923 و ك2 1925. وكان بمثابة "علامة تربوية" للجامعة في تلك المدينة.
ويتحدث عنه محمد حديد السياسي العراقي في مذكراته، وكان تلميذاً في ثانوية الموصل:
"كان عبد الله الحاج، اللبناني، مدرّس التاريخ، تخرج لتوه في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان لديه إتجاه سياسي وإجتماعي قريب من اليسار. وقد نظم عدداً من الأسفار الى ضواحي الموصل أثناء الربيع، وتحدث لنا عن التطورات السياسية والإجتماعية في العالم.
ومازلت أشعر حتى الآن أنه أول من أوجد لدي الحس الإجتماعي والإهتمام بالشؤون العامة".
وإستجاب عبد الله الحاج نداء "العالم الجديد" لمزيد من التحصيل والتعلم فسافر في بداية العام 1925، وبعد توقف ميناء "شيربورغ" الفرنسي في منطقة النورماندي ولقاء رئيس الجامعة الأميركية في بيروت "دووج" له في تلك المدينة، كانت الظروف قد تهيأت له للإبحار الى نيويورك ودخول جامعة كولومبيا بمنحة دراسية أمنها له "دووج".
في نيويورك العام 1925، بدأ عبد الله الحاج سعيه لنيل شهادة الماجستير في فلسفة التربية من كلية المعلمين وهي قسم من جامعة كولومبيا.
وفي هذه المدينة نيويورك التي إعتبرت " التعبير الأكمل والأصدق عن العالم الحديث " وكليتها  كان اللقاء الكبير بجون ديدي الستيني، المربي صاحب" الديموقراطية والتربية" (1915) فيلسوف" الحركة التقدمية الأميركية"وصاحب الأطروحات في الإصلاح التربوي. والذي غرس في الحاج، "النزعة المجتمعية".
وبحسب وهيب معلوف، لم يخرج الحاج "من فترة السنة والنصف التي أمضاها في نيويورك أكثر منهجية ووضوحاً في رؤيته للأمور فحسب، وإنما بدأ أيضاً يبدي إهتماماً بالقضايا الإجتماعية, إرتسمت بالخطوط العامة، توجهاته السياسية التي وصفها لاحقاً
بالإشتراكية"(ص40).
1926 من الولايات المتحدة الى العراق، عمل الحاج مدرساً في دار المعلمين العالية في بغداد. وحين تعرف الى رستم حيدر ، اللبناني رئيس الديوان الملكي العراقي عرض عليه  العمل الى جانبه في الديوان، فترك دار المعلمين وإنتقل الى الديوان الملكي في 7 أذار 1927 معاوناً لرئيس الديوان الملكي، ويقول عبد الله الحاج" تعرفت الى السياسة عن طريق الوظيفة التي شغلتها، عينوني معاوناً لرئيس الديوان الملكي".
وفي أواخر 1930،عين رئيساً لديوان الملكي بالوكالة إثر تعيين رستم حيدر وزيراً للمالية في وزارة نوري السعيد الأولى. وقد وضعه هذا المنصب الجديد على إتصال دائم بالملك فيصل، كما أصبح يتمتع بصلاحيات واسعة لحسم الكثير من القضايا المعروضة على البلاط. وبقي في المنصب لغاية العام 1932. ومن ثم عاد مجدداً الى دار المعلمين العالية في بغداد بين 1932 و 1934. ومن ثم عمل لغاية 1936-1937 مدرساً للقانون الدستوري في ثانوية بغداد المركزية ومفتشاً عاماً للغة الإنكليزية في وزارة التربية العراقية. وأثر إنقلاب بكر صدقي عام 1936. وبعد عام أي في 1937، قرر عبد الله الحاج العودة نهائياً الى لبنان.
عاد عبد الله الحاج الى منطقته وقد تعرف الى السياسة ليبدأ معها عهداً جديداً يثأر من التهميش السياسي، فولدت تلك المنطقة سياسياً معه "على غير أساس طائفي وعلى غير أساس سياسي إحترافي أو تقليدي" بتعبير الأستاذ منح الصلح.
وبعد 3 دورات إنتخابية (بين 1937-1947) عن المقعد الشيعي في جبل لبنان، نجح في العام 1951 في دخول الندوة البرلمانية.
في خلال دورتين إنتخابيتين( قضاء بعبدا والمتن 1951، بيروت 1953)، ومن خلال الممارسة، كيف يرتسم الرجل، وتظهر آراؤه السياسية؟
إنه نائب الشعب بإمتياز، ولا يبرر لك الإستخدام الكثيف لتلك العبارة من جانبه، بل الإدراك العميق لدور النائب في الندوة البرلمانية بوضعه مُنتخباً ووكيلاً عن "الشعب" ، ومدافعاً عن مصالحه. والشاهد في ذلك موقفه الجذري من شركات الإستثمار التي بقيت تعمل بعد زوال الإنتداب الفرنسي وخصوصاً "شركة الكهرباء" حتى أطلقت عليه جملة "عبد الله الكهرباء" في تقويم جرى عام 1971 بخمسون سنة من الإنتخابات وسنة (جريدة النهار، عدد خاص).
وتلك العودة الدائمة في خطاباته ومداخلاته الى تعبير "الشعب" تعكس إيماناً عميقاً،بأن التمثيل الصحيح له داخل البرلمان هو مفتاح التغيير. وأن الأحزاب التي يؤيدها الشعب هي القادرة على الحكم.
في عام 1951 وفي مداخلة له وفي رد على السيد فؤاد الخوري يقول:
"لقد أتى زميلي السيد فؤاد الخوري على أن الإنتخابات الشعبية هي التي ولدت هذا المجلس وأني أغالطه فليس في لبنان إنتخابات شعبية . إنها طائفية .. تقوم على الطائفية والإقطاع وهذا هو المرض الأساسي الذي يمنع الديموقراطية ويمنع وجود وزارة تستند الى حزب يؤيده الشعب".(محاضر مجلس النواب 19 حزيران 1951).
وتأكيد آخر على كون النائب ممثلاً "للشعب" ترشحه عن بيروت، وتأكيده بأن "عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن ترتبط وكالته بقيد أو شرط.
ولذا، فقد عمد بعد أربعة أشهر من نيابته الأولى الى تقديم "جردة حساب" للناخبين وإنتهى في بيانه الى القول :
"لنكن لبنانيين أولاً ونضع مصلحة لبنان فوق كل إعتبار وحساب ونتطلع الى بعضنا بعضاً ونوحد الجبهة الداخلية على أساس المصلحة الوطنية، مصلحة الشعب لا مصالحنا الحزبية الخاصة أو مصالحنا الذاتية الشخصية لنستطيع مقاومة الفئة الطاغية يداً واحداًً وصفاً واحداً" (ويقصد عهد بشارة الخوري).
وبغرض التمثيل الصحيح وقف عبد الله الحاج مع الدائرة الصغرى. رجل الإصلاح، وقد تبدّى ذلك في تبنيه ومشاركته في وضع برنامج "الجبهة الإشتراكية الوطنية التي قالت في معارضتها أنها تسعى "وراء تحقيق فكرة الجمهورية الديموقراطية البرلمانية المقيدة بالدستور والقانون وفقاً لما هو جار في الدول الديموقراطية في الغرب"، مؤكداً أن لا سبيل الى ذلك "إلا عن طريق إصلاح الدستور وقانون الإنتخاب وفقاً للمنهج الذي أذاعته الجبهة الإشتراكية الوطنية على الشعب.."(ص61).
وقد أدرك عبد الله الحاج خطر الطائفية على النظام السياسي، فبقي مثابراً على إثارة موضوع إلغائها.
وفي أيلول العام 1953 وقف يقول : "الطائفية تحول دون تكوين شعب وتضر بالخلق الوطني اللبناني"، "إن النظام الطائفي يمنع تكوين الجماعة الواحدة في هذا البلد، فكل طائفة تعيش على حدة في كثير من الأمور رغم وجود مؤسسات عامة".
وبسبب من وعيه لضرورة التدرج في هذا الشأن، قدم عدة إقتراحات في مجلس النواب لإعتماد القانون المدني الإختياري للأموال الشخصية ... وإلغاء الطائفية من قانون الإنتخاب تزامناً مع إنشاء مجلس شيوخ يراعي التمثيل الطائفي.
وفي قاعدة التمثيل الوطني يقف المواطن، فهذا الأخير "هو أساس الدولة وهو الذي يغذي الخزينة العامة بدفع الضرائب من أجل أن تعطيه الدولة عدلاً وأماناً وحماية على ماله وروحه وحقوقه وحرياته".
وثمة نفاذ بصيرة لدى الحاج في إدراكه لتركيب وعمل السلطة، ففي تموز 1951 قال" إن(...) البلاد تخضع،في الظاهر، الى حكومة تستند،في الظاهر أيضاً، الى مجلس نيابي منتخب، في الظاهر كذلك، بصورة ديموقراطية، في حين أن الواقع خلاف ذلك، إذ إن وراء كل هذه الظواهر،من وزارة ومجلس نيابي وإنتخابات عامة، قوة تتستر وتعمل بصورة خفية، من خارج الحكم، ولا تتحمل أية مسؤولية كانت، لكنها تستعين بهذه المظاهر لتحقيق غرضها".
ويرى وهيب معلوف أن أكثر ما أثار حفيظة الطبقة السياسية مضمون تلك المقالات والبيانات التي تدعو الى التمرد على الفساد والإستبداد، وفيها مناقشة للأسس التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني ومبررات إصلاحه(ص145)
وفي أواخر أيامه ظل يردد بأن "المعالجة الصحيحة لحل المسائل اللبنانية تتطلب جهازاً غير الجهاز القائم ودستوراً غير الدستور الحاضر وأشخاص من خلق وخلق جديد".
وأغمض عبد الله الحاج عينيه في 5 حزيران 1975 على حرب لم تدرأها أو تخفف من وطأتها نداءاته الإصلاحية.
(1) الكاتب : عفيف عثمان، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، وقد أعد النص إستنادا إلى كتاب "نائب الشعب الكادح، سيرة عبدالله الحاج"، لوهيب معلوف، منشورات دار النهار ـ بيروت، 2007.