أهالي الأسرى وواجب المجتمع المقاوم في فلسطين
2011 April 22
خاص ـ الحقول / تميز يوم الأسير في 17 نيسان من هذا العام بالفعاليات العديدة التي عبّرت عن وقفة فلسطينية عامة مع قضية الأسرى. وتجاوب الشعب الفلسطيني اينما كان، في الوطن وفي اللجوء، مع هذه المناسبة الوطنية السنوية، وعبّر بطرق شتى عن إرادته لتحرير كافة الأسرى من السجون الصهيونية ، كما قطع المسؤولون الوعد بأن يبذلوا الجهود لتحريرهم.
ولقد ساهم أهالي الأسرى في كل تلك الفعاليات التي جرت في الوطن المحتل وهم الذين ما انقطعوا ابدا منذ سنوات من التظاهر أمام مقرات الصليب الأحمر الدولي مطالبين بالإفراج الفوري عن أسراهم وبحقهم بالزيارات وبتحسين ظروف اعتقال أولادهم وأزواجهم وآبائهم.
معاناة أهالي الأسرى
يمكن القول احيانا ان أهالي الأسرى يعانون أكثر مما يعاني الأسير نفسه بسبب الحرقة التي تنهش قلوبهم من جراء البعد والقلق والشعور بالمظلومية. اضافة الى المسؤولية المتراكمة على أكتافهم والتعب التي يعانون منه يوميا بسبب كل ذلك. ولكن اثبت أهالي الأسرى من جهة أخرى انهم صابرون ومتمسكون بحقوقهم وأنهم يستمدون قوتهم من الله تعالى ومن احبائهم المعتقلين نفسهم ومن أيمانهم المطلق بأحقية قضيتهم كشعب فلسطيني يقاوم الاحتلال.
يعتبر حق زيارة الأسير من أهم حقوق الأسرى التي تنص عليها كافة الشرائع والقوانين الدولية. ولكن في كيان الاحتلال، أصبح هذا الحق ليس فقط منتقصا بل ورقة ابتزاز الأسير وأهله وطريقة إذلال الى حد يفضل الاسير وأهله احيانا عدم الخوض في مشقاته.
تقوم لجنة الصليب الأحمر الدولي بترتيب الزيارات ولكن تخضع هذه اللجنة الدولية لمعايير سلطات الاحتلال بكل حذافيرها، ان كان من ناحية التعامل المهين من قبل جنود الاحتلال مع أهالي الأسرى أم من ناحية حقوقهم المشروعة في الزيارة وتوفير احتياجات آبائهم وأخوتهم وأولادهم في السجون. لقد كثرت شهادات أهالي الأسرى حول معاملتهم المهينة من قبل جنود الاحتلال ولكن ما زلنا لا نفهم كيف تتعامل لجنة الصليب الاحمر الدولي معها. هل تقوم بمحاسبة الاحتلال على تصرفاته غير الانسانية وغير الشرعية أم تكتفي بالسماع وكتابة التقارير الى المسؤولين في جنيف ؟
تصف أروى عبد الرحيم وهي أم لأسيرين من مخيم نور شمس في محافظة طولكرم كيف يتم "التفتيش الأمني" الذي يخضع له أفراد الأسرة خلال الزيارة : " في بعض الأحيان، تصطحبنا مجندات إسرائيليات إلى غرفة التفتيش، ولكنهن دائماً يحاولن أن يجبرننا على خلع ثيابنا. في إحدى المرات عند ذهابي لزيارة ابني في سجن مجدّو، كانت هنالك شابة وقد طلبوا منها أن تخلع ثيابها، ولكنها رفضت ذلك، وبالتالي منعوها من الزيارة. وقد حدث هذا الأمر معي شخصياً، حيث طلبوا مني أن أخلع ثيابي بالكامل، ولكنني رفضت ذلك. ثم أخبرتني المجندة بأنني لن أتمكن من زيارة ابني ما لم أفعل ذلك." ( مقابلة مع المركز الفلسطيني لحقوق الانسان). فالعديد من الأمهات رفضن هذا التفتيش وبقين دون امكانية رؤية أولادهم الأسرى لسنوات طويلة.
غير ان المعاملة السيئة والمهينة لا تنحصر في التفتيش اذ ان قوات الاحتلال تخترع انواعا من التعذيب النفسي والجسدي من أجل إذلال الأهالي ومن ثم النيل من معنويات الأسير. العائلات التي تصعد في الحافلات التي تنقلها الى السجون لزيارة احبائها منذ الفجر والتي تمر على عدة حواجز وتفتيش عسكري وتمضي ساعات على الطريق قبل الوصول الى السجن، ليست متأكدة من انها سترى ولو للحظة الذين من أجلهم قامت بهذه الرحلة الشاقة. "زرت ياسر مرة واحدة عندما كان في سجن مجدّو منذ أن صدر الحكم بحقه. أخبروني بأنهم أخذوه للاستجواب، ولكنني لم أعرف السبب. بعد أسبوع، ذهبت لزيارة ابني الأكبر فادي، والمعتقل في سجن نفحا، إلا أنني واجهت نفس الأمر. دخلت إلى نقطة التفتيش، حيث تم تفتيشي وأمضيت ثلاث ساعات في الحافلة، وكان الأمر غاية في الصعوبة لأن الزيارة كانت خلال شهر رمضان. طلبوا منا لاحقاً أن نترجل من الحافلة ليتم تفتيشنا مرة أخرى ولكن كي نعود أدراجنا هذه المرة، وذلك بسبب عدم توفر سيارة شرطة لمرافقة الحافلة إلى السجن. أما هذا الشهر، فلم أتمكن من زيارة أي من ابنيّ الاثنين" (أروى عبد الرحيم). أما بالنسبة لأمل، شقيقة الأسير أكرم منصور وهو أقدم أسير في محافظة قلقيليا (اعتقل وكان في السادسة عشرة من عمره عام 1979) فتقول: "وفي إحدى المرات عندما كنت أذهب للزيارة مع أختي التي خضعت لعملية في القلب، لم تكن أجهزة الكمبيوتر تعمل بشكل جيد ولم تفتح الأبواب، وبقينا عالقتين في حجرة لمدة ثلاث ساعات وكان الجو حاراً" عدا عن الادعاء بفقدان اسمه في جهاز الكمبيوتر أو فقدان جنسيته، وذلك لمنع العائلة من زيارته.
تروي السيدة أمل العذاب والاهانات اثناء الرحلة الى السجن : "أثناء التفتيش على المحطة، كانوا يأخذون المياه التي بحوزتنا ويرمون بها بعيداً على الرغم من أننا كنا نحتاج إليها في رحلتنا الطويلة عبر الصحراء. في المرة الأخيرة، اقتيدت أختي إلى غرفة مصفحة لتفتيشها. أمروها بخلع بنطالها ولكنها رفضت ذلك. كانت فقط ذاهبة لرؤية أخيها! كانت أيضا خائفة من وجود كاميرات في المكان."
اجراءات مخالفة لكل القوانين الدولية
لم يبدأ التشديد الصهيوني في موضوع زيارة الأسرى لا مع انتفاضة الأقصى ولا بعد "سيطرة حماس" على قطاع غزة وأسر الجندي الصهيوني شاليط. تشير شهادات أفراد العوائل التي تزور أسراها منذ سنوات طويلة الى تسلسل الاجراءات والموانع الصهيونية في هذا الخصوص منذ فترة ما قبل الانتفاضة الأخيرة. قبل العام 1996 كان كل افراد العائلة يقومون بزيارة الأسير، كما تقول ثناء حرز من منطقة المنشية في مدينة غزة، زوجة نافذ حرز (أحد المعتقلين الفلسطينيين الذين يقضون أطول أحكام سجن في المعتقلات الإسرائيلية) : "كان بإمكان الأصدقاء والأعمام والأخوال وأبناء الأخوة والأخوات وحتى الجيران كان بمقدورهم الذهاب للزيارة. كانت الزيارة الواحدة تدوم لمدة نصف ساعة." وفي عام 1996، قامت سلطات الاحتلال بفرض قانون جديد يقضي بالسماح فقط لأقرب المقربين بالزيارة. وأصبحت تمنع احيانا الأهالي من الزيارة لأسباب أمنية. وتم وضع قيود متزايدة ايضا على الاشياء التي يمكن اعطائها للأسير. " في الماضي، كان يسمح لنا بأخذ أي شيء إلى السجن بما في ذلك الطعام والمشروبات والملابس، ولكن منذ عام 1998 أو 1999، لم يعد يسمح لنا بإحضار أي شيء إلى السجن. إذا أراد السجين الحصول على الملابس الآن فعليه أن يسجل اسمه لدى إدارة السجون. بعد ذلك تقوم إدارة السجون بتحديد نوع الملابس أو البطانيات التي يسمح بإدخالها – حتى اللون تحدده الإدارة. نقوم هذه الأيام بإيداع النقود في حساب الكنتين الخاص بنافذ إلا أنهم يعاملون السجناء من غزة بشكل سيء للغاية وفي بعض الأحيان لا يتمكن السجين من الحصول على المال الذي أودع في حسابه." (ثناء حرز).
وتروي عائلة الأسير عبد الله إنشاصي وهو معتقل لإنتمائه الى حركة الجهاد الاسلامي في قطاع غزة كيف تتم الزيارة الى ابنهم : "عندما كنا نصل إلى السجن، لم يكن يسمح لنا بالدخول قبل إجراء تفتيش آخر وكان علينا الانتظار لمدة ساعتين أخريين. بعد ذلك، عندما كان يسمح لي برؤية ابني، لم يكن يسمح بوجود اتصال جسدي بيننا إذ كان يفصل بيننا حاجز زجاجي وكنا نتحدث عبر هاتف. في العادة، كان الهاتف يتعطل لمدة ثلاثين دقيقة ولا يبقى لنا سوى خمسة عشرة دقيقة للحديث. كان أحد الجنود يقف ورائي وآخر يقف خلفه وبالتالي لم يكن هناك من مجال لنا للحديث عن أوضاع الاعتقال أو عن الأوضاع في المنزل. كنا نتحدث في أشياء عادية مثل 'كيف حالك؟ وكيف أخوتك وأخواتك؟ كنت أبلغه أخبار العائلة. في حال كنت أحمل بعض الطعام لابني، كانوا يسمحون لي أحياناً بإدخاله إلى السجن وفي أحيان أخرى كانوا يأخذونه مني. وقبل أن يسمحوا لنا بإدخال الطعام وأية أغراض أخرى، كانوا يحضرون الكلاب لتشم حقائبنا." (عمر إنشاصي وأم عبد الله).
سرقة الأسرى
تحاول العائلات التخفيف عن أسراهم من ناحية الظروف القاسية التي يعيشها الأسير، بغض النظر عن أوضاعه الصحية التي تقلقها وتحرق قلوبها ألما وخاصة عندما لا تستطيع فعل أي شيء إلا الدعاء والتوسل الى الله تعالى والتوجه الى مؤسسات حقوقية لمتابعة وضعه. من بين الاجراءات اللاأخلاقية التي اتخذها الاحتلال بحق الفلسطينيين والتي تطال الأسرى وحتى الموقوفين، هي سرقتهم بكافة الطرق المتوفرة لديه. فالاحتلال ومستوطنيه يسرق الشعب الفلسطيني في أرضه وأشجاره ومحاصيله وبيوته، وفي السجون، يسرق أموال الأسرى التي ترسلها العائلات ويرفع أسعار الأشياء التي يضطر الأسير شرائها من "الكنتين"، اضافة الى سرقة العائلات عن طريق اصدار أحكام بدفع غرامات باهظة لكل موقوف وخاصة الأطفال. لقد منع الاحتلال ارسال الطعام والثياب مباشرة الى الأسرى وفي الوقت نفسه، لم يعد يوفّر هذه الأشياء اللازمة والضرورية الى الأسرى. " فإن الطعام سيء جداً في السجن، لذلك يضطر المعتقلون إلى شراء الطعام الذي يريدونه. نرسل لهم المال كي يتمكنوا من شراء الطعام، إلا أننا نواجه صعوبات أيضاً في إرساله لهم" تشير السيدة أروى عبد الحكيم.
منع زيارة أسرى قطاع غزة
اضافة الى مشقة الطريق للوصول الى السجون تواجه أحيانا عائلات الأسرى عدم الزيارة لأسباب شتى يخترعها المحتل. تعاني حوالي 700 أسرة فلسطينية من قطاع غزة بسبب تعليق برنامج الزيارات العائلية منذ منتصف تموز 2007، كإجراء انتقامي بعد أسر الجندي الصهيوني من قبل المقاومة الفلسطينية لاستبداله بأسرى فلسطينيين وعرب. يتواصل الأهالي مع أسراهم عن طريق المحامين أو أهالي أسرى ال48 أو جمعيات ناشطة في هذا المجال وايضا الرسائل التي تحمل الأخبار والأموال، غير ان سلطة السجون تسرق الأموال ولا تسلّم الرسائل إلا بعد مرور أشهر كما تروي عائلة الأسير عبد الله إنشاصي : "لا يتلقى عبد الله النقود مباشرة ولكن تقوم إدارة السجون بتسليمه إياها كل ثلاثة أو أربعة أشهر. في إحدى المرات، زارنا أحد السجناء المحررين وقال لنا: 'لماذا لا ترسلون النقود إلى عبد الله؟' وقال إن عبد الله لم يتلق النقود لمدة أربعة أشهر. ذهبنا إلى مكتب البريد وتأكدنا من أن إدارة السجون قد استلمت النقود. قمنا بإرسال الإيصالات إلى إدارة السجون حتى تضطر إلى دفع النقود إلى عبد الله. وفي مرة أخرى، قمنا بإرسال النقود على مدار أربعة أشهر إلا أن الجنود سرقوا النقود ولم يعيدوها."
المجتمع المقاوم وأهالي الأسرى
المجتمع المقاوم هو الذي يحضتن المقاومين ويوفر لهم الغطاء المعنوي والمادي والسياسي والثقافي لمواصلة المقاومة ضد الاحتلال. وفي خصوص الأسرى وعائلاتهم، تقوم جمعيات عديدة في الوطن كما تقوم التنظيمات المقاومة باحتضان أسراها وعوائلهم، وتلبي بعض احتياجاتهم وتساعدهم أحيانا على التغلب على بعض المصاعب، كما وانها تنشط لايصال صوت الأسير الى العالم والضغط على المحتل من أجل تحرير كافة الأسرى.
ولكن تبقى كل هذه الجهود غير كافية ان لم يتم وضع خطط لاشراك المجتمعات العربية في احتضان المقاومة وأسراها وعوائلها في الوطن المحتل، اذ من الظلم ان يبقى المجتمع الفلسطيني يتحمل وحده أعباء مقاومة يفتخر بها كلاميا العديد من العرب. أين المجتمعات العربية من التواصل مع عائلات الأسرى ومدها يد العون وتمكينها من الصبر وتحمل المسؤوليات ؟ كيف يمكن دعم المقاومة ومقاوميها المعتقلين ان لم تلتفت الشعوب العربية الى مجتمع المقاومة المحاصر من كل الجهات وخاصة أهل المقاومين والمعتقلين ؟ فهم صابرون ويؤدون واجبهم ويتحملون مسؤولياتهم.
تنادي عدة جهات فلسطينية معنية بقضية الأسرى الى تدويل قضيتهم بمعنى ايصالها الى المحافل الدولية لاستصدار قرارات شاجبة للاحتلال ومحاصرته في عنصريته واجرامه. وقبل الخوض في معنى التدويل وما الوسائل التي نتخذها في هذا المجال، نعتقد انه من المهم "تعريب" قضية الأسرى من خلال احتضان عوائلهم عن طريق اشراك المجتمعات العربية ومؤسساتها واحزابها وجمعياتها في تحمل مسؤولياتها اتجاه قضية تحرير فلسطين من خلال تحصين المجتمع المقاوم الذي تمثله عائلات الأسرى والمقاومين.
جُمانة.. حين تفقد الأب والأم والعم والجد!
منذ خمس سنوات، تعيش الطفلة جمانة أبو جزر (10 أعوام) الحقيقة المرة بعد اكتشاف وفاة والدتها وغياب والدها قسرًا عنها، ومنذ ذلك الحين، يحدوها الأمل بمستقبل جديد بين أحضان والدها، بعد أن ذهب عنها الأحباب واحدًا تلو الآخر.
لم تكد الطفلة جُمانة تُبصر النور، حتى وجدت نفسها في أحضان جدتها التي لعبت دور الأم والأب دون أن تعلم!.. فوالدتها توفيت بمرض عضال بعد أشهر من إنجابها، أما الوالد، فقد أُسِر أثناء رحلة علاج والده المريض..!.
تبدأ الحكاية مع جمانة التي منحها الله موهبة "الذكاء المُبكر" وهي في سن الخامسة، جين عادت من الروضة لبيتها الذي تعيش بداخله هي وجدتها وجلست بجوارها وقالت: "أريد أن أسألك يا ماما، فردت عليها تفضلي يا ماما، فقالت: كيف أنتِ أمي وأم والدي في نفس الآن؟!".
حاولت الجدة أن تُخفي السر المؤلم الذي احتفظت به لسنوات طويلة، لتعوضيها الحنان الذي فقدته الطفلة، لكنها أباحت به أخيرًا لتكتشف تلك الحقيقة وتقول "أن والدتها توفت مُنذ صغرها، ووالدها أسر في نفس العام!".
لم يكن وقع خبر كشفها للحقيقة بالهين -كما تقول جدة جمانة الحاجة مريم أبو جزر (65 عامًا) وأم الأسير علاء شحادة أبو جزر، بل كان مؤلمًا جدًا، خصوصًا وأنها عرفت الحقيقة في هذا السن! "حسب وصفها".
حقيقة مرة !
الحاجة أبو جزر يعتصر بداخلها الألم لفراق ابنها وزوجته وتركهم لطفلة لا ذنب لها!، مما أجبرها على تحمل هذا العبء لوحدها في ظل مرض زوجها، في الوقت الذي كانت تُحاول فيه أن تحافظ على ابتسامتها وتحتفظ بألمها بداخل قلبها، حتى لا تشعر من حولها خصوصًا حفيدتها اليتيمة بالوحدة والحزن.
وتقول بلسان صابر ومُحتسب: "في الـ 15يناير/ كانون ثان 2001، كان نجلي الأكبر علاء ووالد الطفلة جُمانة، يُرافق والده المصاب بالفشل الكلوي، وذاهب به عبر معبر رفح، التي كانت سلطات الاحتلال تُسيطر عليه آنذاك، وأثناء عودته عبر المعبر نفسه، تم اعتقاله وعاد زوجي لوحده للبيت برفقة أفراد من شرطة المعبر الذين نقلوه بسيارتهم".
وتُضيف الحاجة أنها لم تعلم عن ولدها شيئًا لمدة عام تقريبًا، إلى حين تلقيها اتصال هاتفي من مُحام فلسطيني أبلغها بأن ابنها بخير وسيُعرض للمحاكمة من قبل إدارة السجون الإسرائيلية، والتي أصدرت عليه حُكمًا بالسجن لمدة (18 عامًا)، بدأها بسجن المجدل مرورًا بالسبع وريمون وصولا لنفحة الصحراوي.
وفاة الأم والجد!
وتُشير إلى أن ابنة ولدها علاء كانت في شهورها الأولى عند اعتقاله ولم تره، لافتة بعدما تنهدت قليلا وامتلأت عيناها الدموع "عندما بلغت جُمانة تقريبًا خمسة أشهر، توفت والدتها على إثر إصابتها بمرض في الكبد..!، مما أجبرني على أن أتحمل مسؤولية تربيتها وتمثيل دور الأم مُنذ ذلك الحين حتى اليوم، وحاولت وأحاول تعويضها ما فقدته من حنان.
وتتابع "بعدما توليت تربيتها حاول جدها المريض أن يُمارس رغم مرضه دور الأب والجد، حيث بدأ يُدللها ويحتضنها ويُلبي طلباتها ورغباتها، لكن كان القدر حاضرًا من جديد، والذي ساق الموت برفقته ليخطف جدها بعد عامين تقريبًا من وفاة والدها وتكفلها بتربيتها.!".
وفاة "الأب البديل"!
وتوضح الحاجة أبو جزر أنَّ نجلها أيمن عمّ جُمانة تكفل بتربيتها وتعويضها ما فقدته،وبدأ يخرج بها للملاهي والبحر والمطاعم، ويوصلها للمدرسة فضلا عن تكفله بمصاريفها.. الخ، واستمر على هذا الحال لقرابة خمسة أعوام.
وبعد ذلك، حمل القدر للعائلة وللطفلة صعقة ألمت بهم جميعًا، وهي استشهاد الأب البديل لجُمانة "أيمن أبو جزر" في الثاني من شباط / فبراير 2009، بعد قصفه بصاروخ من قبل طائرة استطلاع إسرائيلية أثناء ذهابه للاحتفاء بتخرجه من الجامعة.
جُمانة كانت عائدة من مدرستها وأثناء عودتها كانت جنازة مهيبة تخرج من الحي الذي تعيش به، دون أن تعلم من المحمول على الأكتاف!، إلى أن وصلت مشارف الحي وتم إخبارها باستشهاد عمها "والدها البديل"!، حيث صرخت بأعلى صوتها وقالت "لا مش أيمن!" حتى أغمى عليها، ونقلت للبيت إلى أن فاقت، ووجدت من حولها يبكون عليها بدلاً من البُكاء على الشهيد!.
حرمان وتفوق..!
وبعد رحيل عمها، وجدت جُمانة نفسها حسب ما قالت لنا وسط نفق مُظلم آخره بصيص نور وأمل بعودة والدها كي يعوضها الحنان التي فقدته ويؤنسها بوحدتها، والتي لم تره سوى مرة واحدة عندما كانت تبلغ من العمر 3 أعوام، دون أن تذكر شكله ولا شكل والدتها.!، متمنيه أن يُفرج عنه بأقرب وقت.
ورغم ما مرت به جُمانة من مآسٍ وألمٍ وصدمةٍ تليها صدمات، بقيت صابرة مُحتسبة عصية على الانكسار والعجز وواجهت الحياة ومن خلفها جدتها "الأم المُتبقية"، وأبرز تحد لهما، تفوقها بدراستها مُنذ الصف الأول حتى اليوم وهي تحصد على المرتبة الأولى بمُعدل "99.9%".
ولا تخلو حياة جُمانة من الفرح والحزن في أن واحد رغم هذا التحدي والتفوق، فتكون حزينة عندما تعود للبيت حاملة الشهادة ولا تجد من يحتضنها ويُقبلها فرحًا بتفوقها، لتعوض ذلك وتذهب لصور والدتها ووالدها وعمها وجدها وتتحدث لهم عن نجاحها.!!، في حين تشعر بنوع من الفرح عند ذهابها للبحر ولبعض الرحلات المدرسية والعائلية.
وتبكي جُمانة بُحرقة عندما تتألم وتمرض جدتها كما تقول الحاجة أبو جزر المصابة بـ"الضغط، السكر، القرحة بالمعدة، وخشونة بالقدمين، والتي قاطعت الحديث قائلة: "تأتي جمانة وتمسك يدها وتقول "ما راح أترك أيدك، لأني خايفة ترحلي مثل ماما وبابا وعمي وجدي، لأني مليش غيرك بالدنيا!".
ورغم مأساة العائلة، يأبى الاحتلال إلا أن يُضاعف هذه المأساة عبر منعه للحاجة أبو جزر من زيارة ابنها بالسجن، علاوة على منعه لابنته الطفلة اليتيمة بُحجة الرفض الأمني، حيث لم يسمح لهم بزيارته سوى ثلاث مرات مُنذ أن أسر، ففضلا عن عدم السماح بوصول الصور له.
20 نيسان 2011
المصدر، القدس للأنباء :
http://www.alqudsnews.net/news/index.php?option=com_content&view=article&id=2423:2011-04-19-11-06-11&catid=54:2011-01-14-14-36-42&Itemid=237
http://www.alqudsnews.net/news/index.php?option=com_content&view=article&id=2426:2011-04-19-12-16-01&catid=48:2011-01-14-08-26-05&Itemid=226
|