قراءة في كتاب غالب أبو مصلح : “هزيمة المنتصرين : المقاومة في الجبل (1982 ـ 1985)”

قراءة في كتاب غالب أبو مصلح : “هزيمة المنتصرين : المقاومة في الجبل (1982 ـ 1985)”

خاص ـ الحقول / ما خطر ببالي في عام 1983 ـ 1984 حينما كنا في تلك الجبال الشامخة نقاتل عملاء "إسرائيل"، وجيش "إسرائيل"، أني ساقف بعد ثلاثين عاماً، وأتحدث في موضوع "حرب الجبل"، بل "المقاومة في الجبل" حسب تصحيح الكتاب. فلم يكن لدى المقاتلين في تلك المقاومة "يوميات" ترصد وتوثق مشاركتهم الميدانية. كان المقاتل ـ الفرد، حينذاك، بسبب طبيعة مهمته، يحصر تفكيره في النصر أو الشهادة.
وحتى إذا رغب المقاتل بتوثيق العمليات التي يشارك فيها، فإن أدوات التوثيق الفوري لديه كانت محدودة أو معدومة. فالقلم والورقة والمسجل الصوتي والكاميرا، كانت تتطلب مهارة محددة وإعداداً معيناً لاستخدامها. هذا الضعف التوثيقي الذي كنا عليه كمقاتلين ـ أفراد، عوضته الأحزاب والقوى الوطنية بشكل ضئيل جداً. سننتظر ربع قرن قبل أن تصبح كاميرا الهواتف النقالة أداة توثيق، يمكن أن تدمج ضمن ترسانة السلاح الفردي للمقاتل.
يوثق مقاتلو اليوم تاريخهم، أولاً بأول و"يصنعون" مواداً تاريخية خام، يمكن أن تفيد قطاع الإنتاج الثقافي والفني والتعليم المدرسي والجامعي. هذه الهوة التكنولوجية واضحة في كتاب الشيخ غالب أبو مصلح، الذي يعالج الضعف التوثيقي لدى مقاتلي الأمس، بالإعتماد الملحوظ على مواد التاريخ الشفهي. بهذا الأسلوب يكشف أبو مصلح، عرضاً، فداحة الخسارة التي لحقت بالذاكرة الإجتماعية ـ السياسية، نتيجة إهمال الأحزاب والقوى المقاتلة حفظ تجاربها، أي تاريخها. مع العلم بأن كاميرات الفيديو سبقت الهواتف النقالة في البرهان على أن أثر الممارسة المصورة في وعي الجمهور أقوى من النظرية المكتوبة.
من المفهوم أن يركز الكتاب على أهمية "المقاومة في الجبل". وألا يجعلها جزءاً من "حرب الجبل". فهناك بالذات، كانت منطقة عاليه والمتن الأعلى في تلك السنوات، تشكل بؤرة المنعطف الإستراتيجي للخروج من مسار الهزيمة القومية، الذي بدأ مع استسلام أنور السادات أمام "إسرائيل". كما للخروج من مسار الحرب الأهلية التي جعلت "إسرائيل" طرفاً قوياً في المعادلات الداخلية. وفي تلك المنطقة، بالذات، تمكنت المقاومة من تحرير الجبل، وإعادة وصل المحور القومي الممتد ما بين بيروت (ومنها الضاحية الجنوبية) ودمشق.
لقد اسهمت "المقاومة في الجبل" بتوسيع العمق القاري العربي والإقليمي والدولي للمقاومة الوطنية نحو طهران ونحو موسكو أندروبوف أيضاً. وهذا النهوض عزز قدرة لبنان على المضي في تطوير حرب المقاومة الوطنية ضد عدوان "إسرائيل" ـ الولايات المتحدة حتى التحرير عام 2000. في هذا السياق التاريخي يبرز الدور القومي للجيش العربي السوري. فقد قاتلنا بسلاحه، كما قاتل بسلاحه معنا في تلك السنوات المجيدة. وهذا "الجيش العربي الأول" ما زال يقاتل اليوم لحفظ خط المقاومة الوطنية.

يضعنا كتاب الشيخ غالب أبو مصلح في قلب هذا المنعطف، بتوثيق شهادات صانعي أحداثه. وهذا عمل جليل للكاتب، في بلد ما زال يفتقر إلى كتاب التاريخ الوطني. مع أن الدستور الجديد، نص على ذلك. لكن كتاب أبو مصلح ليس تاريخاً. إنه أكثر من شهادات للمقاتلين، بما في ذلك شهادته الشخصية. إنه تاريخ جهوي للمقاومة الوطنية، في منطقة بعينها وفي مرحلة بذاتها. وهذا التأريخ الصغري / الميكروي، هو منهج مقبول ومعترف به في منهجيات البحث التاريخي.
يلقى الكتاب تأييداً ومعارضة بسبب موضوعه. فهو يطرح عدداً من الإشكاليات "اللبنانية" على المؤرخ، عالم الإجتماع، الصحفي، القائد السياسي، وحتى المواطن ـ المثقف. ومنها مثلاً، تداخل وقائع الحرب الأهلية، الحرب الطائفية وحرب المقاومة الوطنية. وهو تداخل ينعكس بصور مختلفة في وعي النخب الإجتماعية والسياسية ويؤثر على تعريفها لماهية "الوطني" و"الوطنية" في الحياة العامة.
يوضح الكتاب مسؤوليتنا، كمواطنين، عن تغيير النظام السياسي الطائفي، واستمرار المقاومة الوطنية وتعزيزها. لأن هذا النظام الرأسمالي "المحلي" وقلبه الرأسمال المالي، ما زال يسرطن الإجتماع السياسي الوطني بالتمييز الطائفي والمذهبي. بينما يستمر عدوان النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة وعبر العالم على وطننا ومواطنينا. من هذه الناحية، يسهم الشيخ أبو مصلح في الجدل اللبناني "الإشكالي" حول "السلاح" وعلاقة المقاومة بالدولة.
يقوي الكتاب النظر الوطني إلى المقاومة الوطنية، ومنها "المقاومة في الجبل"، باعتبارها عاملاً دولتياً وعنصراً مكوناً للدولة. والوثائق التي أوردها الكاتب حول دور المقاومة في التحرير، أي في تخليص الوطن، أو بعض أجزائه، من قيود الإحتلال، إنما ترينا كيف أن المقاومة، بأوسع معنى اجتماعي ـ سياسي، استعادت وما زالت تستعيد الدولة، وتخرجها من سيطرة العدو "الإسرائيلي"، لتعيدها إلى الشعب.
يقودنا الشيخ غالب أبو مصلح على مدى الكتاب إلى إدراك عالمية المقاومة ومحلية أعدائها في لبنان. عالمية المقاومة هي جزء من جوهر القوى الوطنية / القومية التي تعبر عن إرادة الحرية والإستقلال للشعب والوطن، من خلال دورها الحاسم في الصراع الشامل مع القوى الإمبريالية ـ الصهيونية. أما ركيزة هذا الدور فليس السلاح وحسب، وإنما الشعب المقاوم "في الجبل" وفي كل بقاع الوطن.
بالمقابل، تأتي محلية أعداء المقاومة من طبيعة القوى الرجعية في المجتمع اللبناني. فهذه القوى التي لا تطلب سوى السلطة والثروة، لنفسها طبعاً، تقبل، مطيعة، بما قسمته لها الولايات المتحدة ـ "إسرائيل". وهي لا تطمح لأكثر من شغل وظيفة الوكيل المحلي عن الإمبريالي ـ الصهيوني، وتستضعف الشعب.
إن مبادرة صاحب الكتاب في تأليف هذا العمل الفضيل تدعونا إلى تطوير بحوث ودراسات علمية جديدة عن وقائع وأحداث التاريخ الإجتماعي ـ السياسي اللبناني المعاصر. من الغريب أن علم اجتماع الحرب، مثلاً، لم يتطور في لبنان بشكل كاف رغم توالي الحروب "بيننا" و"علينا"، واستمرار حرب المقاومة الوطنية وتطورها الرائد ضد عدوان "إسرائيل" من أواسط القرن الماضي وحتى الآن؟.

علي نصَّار
مدير موقع الحقول

14 نيسان 2016
نشر في جريدة الأخبار على الرابط التالي :
al-akhbar.com/node/253067

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » كتب