رساله أخرى إلى أحفادي : إبنتي الحبيبة زينة أهدتني كتاباً عنوانه : “هذيان فتاة في العشرين”

رساله أخرى إلى أحفادي : إبنتي الحبيبة زينة أهدتني كتاباً عنوانه : “هذيان فتاة في العشرين”

احفادي الأعزاء، طالعت هذا الكتاب بشغف ولذهّ ، قرأته،  أحببته،  كتبت لكم التالي :احببت أدب نجوى زيدان ، راقني رسم الصورفي قصصها ، كاد أشخاصها يخرجون منها أحياء ، كدت ألمسهم لمس اليد ، يعبّرون بعواطفهم النبيله عن إنسانية الإنسان . ألون قصصها بألون بساتين رأس بيروت بورودها وأزهارها وعرائشها وأشجار التين نقطف من حبّها .  فإن طاب ما قدمته لكم سابقا" من الأدب القصصي لأديبات وأدباء أمثال : أحلام مستغانمي في رائعتها فوضى الحواس ، وأخرى عابر سرير ، وسلوى الحفار الكزبري في ذكريات الأندلس ، والدكتور هشام البارودي في ثلاثية بيروت ،  ونوال السعداوي في قصة زينه  ، وإكرام الداعوق في قصة حيّ التنك  ، والطيب صالح في موسم الهجره إلى الشمال  ، والدكتوره فاطمه قدوره الشامي في كتابها عن رؤساء الوزارات أيام الستينيات ، فسوف يطيب لكم أدب نجوى زيدان في قصصها تحت عنوان :  "هذيان فتاه في العشرين"(*).
ولمزيد من ترغيبكم في قراءتها إستنبطت من رواياتها العناوين التاليه  : 
– جيران الحاره بين رأس بيروت والمناره 
– كشف الستاره عن الأنثى المحتاره 
– إحساس الناس من كل الأجناس 
– نبضات القلوب بين الحبيب والمحبوب
– رفع النقاب عن عيون الأحباب 
والآن أباشر حديثي حول ما قالته سيدة الكتاب في المقدمه ، عن خوض تجربتها الأولى في إصداره ، وهي التي خاضت سابقا" غمار ميدان الصحافه المكتوبه ، وإعداد البرامج التلفزيونيه للشباب بصورة خاصه ، والمجتمع بصورة عامه .
                                                                 1  
من آرائها في الوجود قالت : إنه عندما يمضي قطار الزمن ، تظهر قيمة المكتوب في طيات التاريخ ،  قد تتكرر الأحداث مع عبور الوقت لتعود مجددا" بأشكال مماثله  وتبرز صورها بالوان حديثه . 
حكايات هذا الكتاب ، مائده شهيه لمن أُغرم مطالعه الماضي الجميل وقصصه الرومنسيه . روايات ولدت بين أنامل كاتبه مّميزه ، لها باع طويل في نقل الأحاسيس الكامنه في الصدور تدفعها عبركلمات تجسّم المعاني  . إلتقطت بيدي الأزهار والنباتات التي إفترشت بساتين رأس بيروت والمناره أيام العزّ .   ما علينا،  أعود لإيجاز ما كتبته نجوى ، ولو كنت أفضل يا أحفادي أن تبحثوا عن هذا الكتاب بين أمتعتي التي أورثتكم إياها ، لتقرؤه بأنفسكم .  روت نجوى قصة باب الحاره وباب الجاره  أُم جان التي إنتظرت إبنها المغترب وتوفيت ولم تره . جنزّها جيرانها الإسلام بسبب الحرب الأهليه   .                                            قالت نجوى أن مطرح أم جان في الذاكره مرتبط ببستانها ، ونبات الزعتر البري والقرصعنه و الهندبه ، لتطرح أخيرا" سؤالا" من الأعمق : هل تموت الأمكنه مع موت أصحابها في عيون من كانوا يحبونهم ؟
راقني تلذذ الكاتبه بإطلاق بعض السباب الذي ورثته عن أم جان ، في مواجهة قرف الأيام ، مما شجعني شخصيا" على قذف السباب ايضا" للحاله التي نحن فيها . 
كتبت عن الأرمله التي توفي زوجها فإرتاح وريحّ ، وعن المائده والأطباق الشهيه ثوابا" لروحه ، المائده التي لم تخلو من الحلوى ، لأن في المعده خلوه لا يملؤها إلاّ الحلوى . عرضت أيضا" حديث المعزيات والآراء عن إيفاء العدّه للزوج المتوفي ، كما ذكرت ما ناقشوه من أمور محرّمه لا يعرف سبب تحريمها إلاّ من كان ضالعا" في الدين والإيمان . يجري ذلك والأرمله تتناول خفية الطعام من فتوش وحمص بطحينه . لتبقى المعزيات يرددن مقولة : الرجل في البيت رحمه ولو كان مجرد فحمه . 
                                                                       2
في قّصّة  أم السعد  ذكريات عن بابور الكاز ، أعتقد أنه من ماركة (بريموس). وصفت الطبليه التى تستعملها ، شرحت الكاتبه معنى الطبليه هامشيا" ( لم أرى لزوما" لشرحها لأنه لا يمكن لجيلكم أن يتصوركيفية إستعمالها لوضع أطباق الطعام)  . إنها أيضا" قصة إبنتها المقعده التي وقعت في صغرها وجاءت الوقعه على إبن الجان وفقا" لما فسرته الجاره الخبيره بأمور الجنّ . في يوم كان أبو السعد يصنع قضبان الدبق لإلتقاط العصافير . توفيت صاحبة البستان التي كانت تقول لحفيدتها : (خدي ياستي خرجية المدرسه) وبقيت روحها تحوم فوق التينه والعريشه  وبقيت قنينة ماء الزهر على رف المطبخ عند نجوى . 
تروي الكاتبه قصه التوق لتجربه الجنس للمرّه الأولى لدى فتاة الرابعة عشره . إنه حبّ جارف لرجل يتجاوزها سّنا" ويختلف عنها دينا" ويجعلها بمواجة الأهل.  إنه حبّ الأفلام والروايات العاطفيه إنه الإحساس بالرغبه العارمه . هي بين يديه تبادرها الرغبه تتردد تجاه النشوة الموجعه لتسلمّ قيادتها إلى عاصفة هوجاء ينهمرعلى أثرها المطر ، إنها التجربه التي يتحدث عنها الكبار بصوت خافت . 
لدى قراءه هذه القصه عادت بي الذاكره إلى رائعة أحلام مستغانمي في فوضى الحواس عند دخولها أعماق أنثى عاشقه لرجل أوقد فيها الغرام وأشعل العشق في كيانها ، خلع عنها عقلها بنظراته ، عرف ملامسة الكلمات كملامسة أنثى .  شفتاه تعبرانها ببطء متعمد وكأنه يقبلها بأنفاسه . هو رجل العتمة والظلام يضرم الرغبة ويرحل ، تمتطي إليه جنونها ، إنه سيد الوقت ليلا" ، يدحرجها من فوق شلالات شاهقة للجنون ، يمضي بها من شهقة إلى أخرى ، يجذبها إلى حيث لا تدري .  
تشير الكاتبه في قصه ّ السنين الأربعين  إلى إمرأه إستباقيه  تسأل لماذا سبقها الزمن الذي سحرت فيه الكثيرين من الذكور في طريقها إلى المدرسه ؟  أين الأستاذ الذي أولّع بها ؟ هل هي عاشقه ؟ أم عبور ذلك الشاب في بالها هو صدفه ؟  لا إن هذا الشاب لم يعد يعجبها ، هو حصرم رأته في حلب . 
                                                                    3
في روايتها عن  لعبة إمرأه  وصفت رجلها في ليلة مؤرقه ، حملت أفكار توقظ  الحنين إلى الحب . روت حكايتها مع رجل مكبل بالصمت ، أتقن في النهايه وبعد جهد جهيد النظرإليها مدة أطول وأتقن الكلام الأكبر . كلمات نجوى في هذه القصه إستحضرتني أيضا" رائعة أحلام مستغانمي في كتابها فوضى الحواس ، عندما تكلمت عن عاطفة أنثى إختلج صدرها بأمواج الحب المتلاطمه ، واصفه رجلها بعاتي الصمت  مغلق أبواب الكلمات ، جرت وراءه لتتحداه ، وتقول له ما لم تقله أنثى لرجل . 
عن قصّة بحيرة  ماريا لاخ   لدى تجوالها في بلاد الجرمان ، قالت إنها من روائع الطبيعه ، دفعتها الذكرى للمقارنه بينها وبين بحيرات عميق في سهل البقاع ، قالت عن بحيرة ألمانيا : في جمالها صمت القبور ، وفي بحيرات عميق صراخ الحبور . وعن تجوالها بمحاذاة  ضفاف نهر الرين   النهر الأوربي الطويل ، الذي تعبره السفن ، تقول أنها إستعادت ذكريات مسيرتها على رصيف كورنيش المناره بجوار بحر رأس بيروت ، نعم لنا بحرنا الفقير الأحلى ، ولهم نهرهم الطويل الذي يتأمله كبار السن جلوسا" بالقرب من ضفته ، ويمرّ الكلب المدرب رافعا" يده ليسلم على العجوز الناظره إلى النهر . عندما رفعت نجوى الصوت وغنّت لأم كلثوم بجانب شاطىء النهر ، عكرت صمت الألمان .  أنها تسمع بائع (البرفان) على كورنيش عين المريسه ، ينادي على بضاعته لتنقلب كلماته إلى (قرفان – قرفان) . 
وإلى قصة التجاوز التي روت فيها ما أصاب الشابه التي قطعت علاقتها نهائيا" بالرجل الذي أغرمت به ، ثمّ ما لبثت أن زارته حاملة الأزهار لتقدمها إليه كفعل غير معتاد يتجاوز العرف يبدل الأدوار بين الجنسين . تفاجأت بردة فعله الكارثيه ، الأمر الذي دفعها إلى رفع شعار:  الرجل لا يهدى الورود أبدا"  . بقي السؤال الذي حيّر من حولها عمّا إقترفه هذا الرجل بحقها ، دون جواب . الرجال وحدهم يعرفون جواب هذه الأحجيه لأنهم متشابهون .
يليها قصة المرأة التي لم تتجّوز . لقد وضعت عواطفها في الثلاّجه لتتجمد كالموت أو الإنفجار ظلما" . لكن الزمن الغافل قد يستفيق فجأة دون إنذار لتصادف غافل من الرجال جاء في لحظة زمنيه من كوكب آخر صدفة. عندما سلمت عليه بيدها ، شعرت بعودة الحياة إلى كيانها . موجة عشق طاغيه أصابتها رغم الشيب في شعرها . قال لها أنه يتعبد في حضورها في معبد الحب أمام المحراب . جميع من أحاط بها إنتقلوا إلى كوكب آخر ، وبقيت أنفاسهما الملتهبه وحدها تحرك الهواء.  هنا توقفت القصه بسبب إنقطاع الكهرباء . 
تبعها قصّة أم يوسف و  شريط التسجيل  الذي بعث به إبنها  المسافر إلى بلاد الأجانب ، دعت الجيران ليسمعوا ما سيقوله لها ، أحضرت المحارم لإلتقاط الدموع في أثر سماع صوته وكلماته . كانت تردد أغنية وديع الصافي ( على الله تعود يا ضايع في بلاد الله ) . حقق إبن أم يوسف النجاح في غربته وأغدق عليها الهدايا دون أن يعود ، لكنها بلغت من العمر عتيا . أعذاره متكرره  ، أضحت الهدايا في نظرها شباشيل ، همها عودتة لتزوجه وتفرح به وترى أولاده . توفيت أم يوسف ولم يحضر الإبن جنازتها . 
إلى  الموعد إنها قصة المرأة التي  دخلت المقهى المطل على بحر هادىء مع إرتفاع قليل في موجاته ، كانت العصافير تلمّ غذاءها عن الأرض فرحه ، تفرّ مزعورة عندما يداهمها الخطر . هل اتت إلى موعد لاتريده أن يحصل ؟ هل هي مغامرة أنثى تتوق إلى الذكر ؟ جلست تراقب ذلك الشاب الوسيم الذي يصغرها في أعوامها الأربعين إنه الموعد الذي يستحيل إنعقاده . تتساءل لماذا لاتذهب لتجلس على طاولته دون النظر إلى إبتسامته التي تنمّ عن النصر؟ لماذا لا تفصح له عن رغبتها في تقبيله و تقول له ما رأته قي منامها ورفضها أن تستيقظ بعده ؟ 
رآها ، إقترب منها ، كلمّها . إبتهجت كطفل تحوم حوله فراشة . إنها تتجاوزه بسنوات ، قد تصلح له أُما" . الأفكارالمتلاطمه داخل رأسها الجاسم فوق جسدها دون موافقتها ،  يريد الهرب منها . بكت عندما سمعت وديع الصافي يغنيّ (شو بدي فيك يا قلبي) . إنها الحقيقه لقد صارحمله ثقيل عليها كما  أصبح العيش ثقيل في مدينه تقاوم لأجلها فتهزأ بها . إنها ضجره .  
                                                          4
تنتقل بنا الكاتبه إلى حكاية  هذيان فتاة في العشرين إنها القصه التي حملها عنوان الكتاب . هي فتاة العشرين الجميله النضره ، ذات الجسد المكبوت ، تحلم بفارسها آت إليها من دين مختلف ، هي الفتاة التي نالت الدلال في أسرتها ، تحصل على ما تريده دون عناء . إرتمت في أحضان أول حبّ لها ، تنازلت عن دينها مع رجل ذهبت إليه بقدميها  تاركة دراستها . 
إنكسرت من الليلة الأولى، والخطوة الأولى مع عائلتة المتواضعة، تضاربت المواقف مع هذا الزوج وإرتفع منسوب التوتر . شعرت بهزيمتها ونيلها العقاب على ما فعلته ، لم تتخيل أنها ستصبح رخيصة إلى هذه الدرجه ، وأن الحب سيقودها إلى هذه الحال . هو رجل جاهل معقّد ، له تحقيق رغباته ، ولها الحرمان منها . وبقي من الناس من يقول المثل الدارج ( من يأخذ من غير ملته يقع في علته) . وتعود إلى أهلها علهّم يسامحوها على خطيئتها القاتله . 
في وداع العروس : البارحه تزوجت، وغدا" تسافر إلى الغربه . من خبر الرجال من النسوه الحضور لوداعها ، قدموا النصح للفتاة الصغيره ليلة زفافها .  (لا تقولي له لا )  (لاتكسري هيبته) . نسوه نصحوا العروس فيما خبروه خلال أيامهم الخوالي ،  بترويض الرجل و التعايش معه وعدم الخضوع لمطالبه دائما .
العروس خائفه لأنها ذاهبه إلى الغربه ، إنها في حيرة من أمرها ، بأيّ نصيحة تأخذ وأيّ تجربة هي الأفضل ، لاسيما ما قالوه من أن الأولاد ليسوا برابط متين بين الزوج والزوجه ، وما قالوه عن الطلاق وكيف يمكن جعل الرجل خاتما" في أصبعها . إلى أن تطرق الحديث إلى شكوى الزوجات من شخير الزوج ، ومن الإنتظار وإمساكه بالبدايه والنهايه ، و أخيرا" من الطبع اللئيم . 
ماذا قالت نجوى عن بطاقات المعايده   في الزمن الرديء ، في زمن التنهد الطويل والحسره من الفراق وغربة الإحباب ، إنها بطاقة المعايده التي تصل منهم ، حامله حزمة المشاعر والأماني إلى أهلهم في البلد مع أحلام الرجوع من الغربه .   يتمنون أن تعود فرحتهم  بالعيد ، وتزول المآسي التي سرقت الكثير من العمر ، ومن أسرار حملتها موجات بحر بيروت المشرئبه وجنينة الصنائع وشارع الحمرا  والمناره . كتبوا   نريد العيش مع كلّ الناس في الوطن  يجمعنا الحبّ والصداقه والألفه  الآن لم يبق بيننا سوى الرسائل و بطاقات المعايده التي تشير إلى الحرب ، والسؤال عن مستقبلنا والمنطقه . إننا نحلم بالعوده إلى زياد الرحباني في نزل السرور  .
 ليس لنا الآن سوى لإنتظار وحنين قهّار في طيات المكاتيب لنحيا من خلال المراسلات .
                                                                     5  
إلى هنا تنتهي قصص نجوى في أدبها الوجداني الذي يشي بعواطف الحب والمحبه ، يلامس حزن الأمهات على فلذات اكبادهن  و يعطي الوطن حقهّ من التعلق به . قراءتها تغريّ بالمتابعه لما فيها من متعه أو هكذا شعرت وأحسست . 
في كلمه أخيرة ، أسجلّ ما ورد في خاطري  وأقول لأحفادي بأني تمنيت أن أستفيق يوما" من الموت ومن تحت التراب بعد مرور ألف عام ، لأرى أجيال الأجيال من أحفاد أحفادي وأسألهم : هل قرأتم ما كتبته لكم من ملخصات لأشهر كتاب : الأدب والفلسفه والدين والتاريخ والعلوم وعلم النفس ؟ 
أشك في ذلك لأني أعلم  الصعاب التي ستواجهكم في قراءه المكتوب ياللغة العربيه . منذ الآن ألمس ما أصاب عقولكم من تحوّل نحوى اللغات الأجنبيه وإهمال اللغه العربيه . ما تودون شرحه من معاني الكلامات العربيه ، تنطقون به باللغة الأنكليزيه أو الفرنسيه لتفسير مضمونه .        
لا يا رب أستحلف بعزتك  لا تبعثني حيا" يوم ذاك .
عبد الرحمن القيسي 
نهاية ربيع 2017   

(*) "هذيان فتاه في العشرين"، مجموعة قصصية للكاتبة نجوى زيدان، منشورات دار الفارابي، بيروت، لبنان، كانون الثاني 2017.

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » قصة/رواية