رؤية “أميركية” إلى مصير “دولة إسرائيل”؟ (1 ـ 3)

Toward a Single State Solution - Zionism, Anti-Semitism and the People of Palestine
By NOEL IGNATIEV - June 17, 2004

رؤية “أميركية” إلى مصير “دولة إسرائيل”؟ (1 ـ 3)

يتدهور المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. الأسباب كثيرة، أولها، وأهمها المقاومة العربية الفلسطينية والمقاومة العربية الشاملة التي تواجهه. تأتي بعدها، طبيعة المشروع نفسه التي تنافي منطق التقدم، بحسبان أن بعض جذور المشروع الصهيوني تعود إلى المرحلة الكولونيالية، فيما بقية جذوره امتدت ونمت خلال المرحلة الإمبريالية من تطور النظام الرأسمالي الدولي. تدهور الصهيونية، بقدر ما يعني عجز “إسرائيل” عن البقاء، فإنه يطرح مصيرها على بساط البحث التاريخي. وبالتالي، بحث مصير اليهود في فلسطين المحتلة. الكاتب الأميركي نويل إيغناتييف NOEL IGNATIEV 1 يناقش في هذا المقال (2) أفكارا جديدة بشأن “الدولة الواحدة” غير الصهيونية في فلسطين.

تطورت الصهيونية بوصفها حركة سياسية في أواخر القرن التاسع عشر، وقد تأثر مؤسسها تيودور هرتزل بظاهرتين هما: مدى المعاداة الفرنسية [لليهود] للسامية التي كشفت عنها محاكمه درايفوس، والمثل القومية التي راجت في حينه في أوروبا.

قرر هرتزل أن اليهود لا يمكن استيعابهم من قبل الأمم التي يعيشون بينها، وبأن الحل الوحيد لـ”المسألة اليهودية” هو إنشاء “دولة يهودية” يتجمع فيها اليهود. توخى الصهاينة الأوائل أن تكون دولة المستقبل الأرجنتين أو أوغندا، من بين مواقع أخرى.

هرتزل آثر فلسطين، لأنه، على الرغم من كونه ملحدًا، كان يرغب في الاستفادة من العرف المنتشر على نطاق واسع بين اليهود الصوفيين، الذهاب إلى الحج في [فلسطين :] “الأرض المقدسة”، وتأسيس طوائف دينية هناك.

في عام 1868 كان هناك 13 ألف يهودي في فلسطين، من أصل ما يقدر بـ400 ألف من السكان [العرب المسلمين والمسيحيين]. وكان أغلب أولئك اليهود حجّاجًا متديّنين تدعمهم مؤسسات خيرية في الخارج. لم يواجهوا أية معارضة من المسلمين، ولم يؤدّ وجودهم إلى أية مواجهات مع السكان العرب [الفلسطينيين]، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.

في عام 1882، بدأ البارون روتشيلد، جامعًا بين العمل الخيري والاستثمار، بإحضار المستوطنين اليهود من أوروبا الشرقية لبناء نظام زراعة على غرار النموذج الذي استخدمه [الإحتلال] الفرنسي في الجزائر. كان المستوطنون الذين جلبهم روتشيلد، يتحدثون اليديشية، العربية، الفارسية، والجورجية إلى حد كبير، والأهم أن العبرية لم تكن بين اللغات التي تحدثوا بها.

نتائج تجربة روتشيلد كان يمكن التنبؤ بها: أدار اليهود الأراضي، في حين عمل العرب فيها. لم تكن هذه هي النتيجة التي أرادها الصهاينة؛ فالمجتمع اليهودي لا يمكن أن يقوم على العمالة العربية، وبالتالي بدأت [الصهيونية] بتشجيع هجرة اليهود للعمل في الزراعة، والصناعة، والنقل.
احتلال الأرض والعملفي عام 1917 أصدر وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور، إعلانه المشهور الذي يعرب عن التعاطف مع الجهود الرامية إلى إنشاء وطن يهودي في فلسطين، وذلك، في إطار سعيه للحصول على دعم لجهود بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. انتهز الصهاينة على الفور فرصة هذا البيان الذي فسّروه على أنه يعني دعم دولة يهودية. وفي وقت إعلان بلفور، كان اليهود يشكلون أقل من 10 في المئة من السكان، ولا يملكون سوى 2,5 في المئة من أرض فلسطين.

مشكلة بناء مجتمع يهودي بين أغلبيه عربية ساحقه عُرفت، فيما بعد باسم “احتلال الأرض والعمل”. فالأرض، كان يجب أن تبقى في أيدي اليهود، بمجرد الحصول عليها. أما النصف الآخر من هذا المشروع، المعروف باسم “الصهيونية العاملة”، فقد دعا إلى الاقتصار على استعمال اليد العاملة اليهودية، في الأراضي التي حصل عليها اليهود في فلسطين.

لقد حافظ الصهاينة العمال على هذا الإقصاء المزدوج (أو الفصل العنصري، كما نسميه الآن) من أجل بناء مؤسسات يهودية بحتة.

من أجل تحقيق “احتلال الأرض”، اتخذ الصهاينة ترتيبات يتم بموجبها امتلاك الأرض بواسطة شركات وليس من قبل الأفراد، وهذه الشركات عُرفت فيما بعد باسم “الصندوق القومي اليهودي” (JNF). امتلك الصندوق القومي اليهودي الأرض ومنحها لليهود فقط، ولم يسمح لهم بإعادة تأجيرها أو بيعها. وهكذا فان الحصول على الأرض كان باسم “الشعب اليهودي” ولاستخداماته، من دون الخضوع لظروف السوق.

كانت فكرة الصندوق هي اكتساب اكبر قدر ممكن من الأراضي تدريجياً باعتبارها الأساس للدولة اليهودية المتوقعة. وبطبيعة الحال، من أجل أن تخدم الأرض هذه المهمة، كان لا بد من استبعاد العمالة العربية.

حُظر على المنتفعين من الصندوق على وجه التحديد استخدام غير اليهود في العمل. إحدى الطرق لتحقيق هذا الهدف كانت تأجير الأراضي فقط لليهود الذين يعتزمون العمل بأنفسهم. وفي بعض الحالات، عندما كانت الأراضي تشترى من الملاك العرب الغائبين، فانه كان يتم طرد الفلاحين الذين كانوا يقيمون ويعملون في الأرض. المستأجرون اليهود الذين رفضوا استبعاد العمالة العربية كان يمكن أن يفقدوا الإيجارات أو يواجهوا مقاطعة.

لم يقتصر “احتلال العمل” على الزراعة فقط ولكن أيضًا امتد إلى الصناعة. العمال الصهاينة شكلوا مؤسسة لتنظيم العمل واستبعاد اليهود العرب، هي : “الهستدروت”.

كان “الهستدروت”، ولا زال الى حد كبير، تجمعًا يهوديًا للنقابات والجمعيات التعاونية، يزوّد أعضاءه بخدمات عديدة. ومنذ البداية، كان وسيلة لعزل العرب واليهود في العمل، وخلق قطاع اقتصادي يهودي بحت. حتى عندما كان العمال العرب يؤدّون ذات العمل، كان العمال اليهود يحصلون على رواتب أعلى إلى حد كبير.

هذه السياسات كانت إعلان وفاة لأية محاولة لتنظيم العمل على أساس غير عنصري. هذه “العمّالويّة” “laborism” التي انتهجتها العمالية الصهيونية، قتلت ولا تزال تقتل جهود بناء الحركة العمالية [المختلطة من العرب واليهود] في إسرائيل.
الإستيطان اليهودي : دعم أميركي و…نازي!
بالرغم من هذه السياسات، ومع تشجيع الحكومة البريطانية، على مدى ثلاثين عامًا من إعلان بلفور، لم يتمكن الصهاينة من زيادة الجزء المملوك لليهود من أرض فلسطين إلا بمقدار 7 في المئة فقط. علاوة على ذلك، فان غالبية يهود العالم لم يبدوا أي اهتمام في الاستقرار هناك. في السنوات ما بين 1920 و 1932 انتقل 118 ألف يهودي فقط إلى فلسطين، ونسبة هؤلاء تقل عن 1 في المئة من يهود العالم.

حتى بعد صعود هتلر لم تكن إسرائيل هي خيار يهود أوروبا : من أصل 2,5 مليون من اليهود الألمان الذين فروا خارج البلاد بين 1935 ـ 1943، بالكاد، ذهب نحو 8,5 في المئة منهم إلى فلسطين. بالمقابل، فقد فر نحو الولايات المتحدة 182 ألف يهودي ألماني، 67 ألفا إلى بريطانيا، وحوالي 2 مليون إلى الاتحاد السوفياتي [السابق].

عقب الحرب العالمية الثانية، بدأت الولايات المتحدة بتشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين. نيورن بيفان، وزير الخارجية البريطاني في ما بعد الحرب، أفشى الأمر، عندما اندفع معلنًا إن السياسة الأميركية نشأت أساسًا من حقيقة “أنهم لا يريدون الكثير منهم ـ أي اليهود ـ في نيويورك”.

كما عبّر عن هذه الملاحظة المندوب الباكستاني لدى الأمم المتحدة قائلاً، بسخرية : أستراليا، بلد صغير مكتظ بالسكان مع مناطق مزدحمة، يقول لا، لا، لا؛ كندا المزدحمة والمكتظة بنفس القدر تقول لا؛ والولايات المتحدة بلد الإنسانية العظيم بمساحته الصغيرة وموارده المحدودة تقول لا. هذا هو إسهامهم في المبدأ الإنساني. ولكنهم يقولون : فليذهبوا إلى فلسطين حيث المساحات الشاسعة والاقتصاد الضخم وقلة المشاكل؛ هناك يمكن استيعابهم بسهولة (weinstock، 226).

كانت القيود الأميركية المفروضة على عدد اليهود المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة، تستجيب للسياسات الصهيونية، كما وضح ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل: “لو كنت أعرف انه سيكون من الممكن إنقاذ كل الأطفال في ألمانيا بترحيلهم إلى انكلترا، أو نصفهم بنقلهم إلى أرض إسرائيل، لكنت انتقيت الخيار الثاني، لأننا يجب أن نضع في الميزان ليس فقط حياة أولئك الأطفال، وإنما أيضًا تاريخ شعب إسرائيل ” (يواف غلبر، “السياسة الصهيونية ومصير يهود أوروبا بين 1932 ـ 1945” ـ Yad Vashem Studies، مجلد 12 ص199).

هذه السياسة التي أولت أهمية أكبر لإنشاء إسرائيل على حساب بقاء اليهود، أدّت إلى تعاون الصهاينة مع النازية وحتى إلى تصميم تلك السياسة من قبل حكومة هتلر. وأشهر حالة معروفة هي رودولف كاستنر، الذي فاوض على هجرة بعض أبرز زعماء يهود المجر إلى فلسطين لقاء مساعدته في الترحيل المنظم لبقية يهود هنغاريا إلى معسكرات [الإبادة النازية]. ونظرًا لجهوده فقد مُنح كاستنر لقب “مثالي” من قِبل أدولف آيخمان نفسه!.

(أفضل دراسة للعلاقات الصهيونية ـ النازية هي :
Lenni Brenner, Zionism in the Age of the Dictators
ليني برينر، الصهيونية في عصر الطغاة).

الصهيونية واستراتيجية التطهير العرقي

لقد عرف الصهاينة أن عليهم التخلص من الغالبية العربية لتكون هناك دولة يهودية تحديدًا. على الرغم من انتقال 75 ألف يهودي إلى إسرائيل بين 1945 ـ 1948، بقي اليهود أقلية في فلسطين. وقد وفرت حرب عام 1948 فرصة ممتازة للصهاينة لتصحيح هذا الوضع؛ إذ فرَّ نتيجة للحرب، أكثر من ثلاثة أرباع مليون من العرب من منازلهم.

من أوضح الأمثلة على كيفية إجبار الفلسطينيين على الفرار : مذبحة دير ياسين. قامت القوات شبه العسكرية الإسرائيلية حت قيادة رئيس الوزراء القادم مناحيم بيغن، بذبح أكثر من 250 مدنيًا [فلسطينيا]، موجهة بذلك رسالة إلى الفلسطينيين انه ينبغي عليهم الرحيل.
وقد فاخر بيغن في كتابه : “الثورة”، بأنه لولا دير ياسين ما كانت هناك إسرائيل. ويضيف، “بدأ العرب يفرّون في ذعر، صارخين : دير ياسين” (مقتبَس لدى menuhin، 120).

الكتابات الأخيرة لمؤرخين إسرائيليين تنقيحيين [للرواية الرسمية الصهيونية] (أو “المؤرخون الجدد” كما درجت تسميتهم) فندت إصرار المسؤولين الإسرائيليين المتواصل [على الإدعاء الكاذب] بأن مغادرة الفلسطينيين [عام 1948] كانت طوعية.

بعض اللاجئين الفلسطينيين فروا إلى الدول العربية المجاورة؛ آخرون أصبحوا لاجئين في وطنهم. أولئك الـ 750 ألف فلسطينية وفلسطيني الذين طردوا من ديارهم، يعدّون اليوم مع أبنائهم وأحفادهم 2,2 مليون نسمة، وهم يشكلون ما يسمى “مشكلة اللاجئين”. ورغم مطالبة الأمم المتحدة المتكررة بضرورة السماح لهم بالعودة، رفضت الحكومة الإسرائيلية، ولازالت ترفض الموافقة على ذلك.

لقد انتهت الحرب [عام 1948] بسيطرة الصهاينة على 80 بالمئة من فلسطين. في السنة التالية [على إنشاء دولة “إسرائيل”] جرى تدمير نحو 400 قرية عربية تدميرًا كاملاً. لم يكن ذلك مصادفة بل سياسة متعمده، كما يبيّن التصرح التالي الذي أدلى به أحد أصحاب المناصب الأكثر رسمية في الدولة الصهيونية :

“يجب أن يكون واضحًا بيننا انه لا يوجد مكان في بلادنا لكلا الشعبين معًا. الحل الوحيد هو أرض اسرائيل، أو على الأقل، النصف الغربي من أرض إسرائيل دون العرب، وليس هناك طريقة أخرى سوى نقل العرب من هنا إلى الدول المجاورة، نقلهم جميعهم، لا قرية ولا قبيلة واحدة يجب أن تبقى”. جوزف فايتز، نائب رئيس مجلس ادارة الصندوق القومي اليهودي ما بين 1951 ـ 1973، والرئيس السابق لسلطة أراضي إسرائيل (ديفيس، 5).

أما موشيه دايان، وزير الدفاع السابق، فقد ألقى خطابا شهيرا أمام طلاب المعهد الإسرائيلي للتكنولوجيا في حيفا في عام 1969، قائلا : “القرى اليهودية بنيت في مكان القرى العربية. إنكم لا تعرفون حتى أسماء هذه القرى العربية، وأنا لا ألومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة. وليس فقط الكتب غير موجودة، بل القرى العربية ليست موجودة أيضاً. نهلال قامت محلّ معلول؛ كيبوتس جبات في مكان جباتا؛ كيبوتس سريد في مكان خنيفس؛ وكفار يوشع في مكان تل الشومان. لا يوجد مكان واحد بني في هذا البلد لم يكن فيه سابقًا سكان عرب (هآرتس، 4 نيسان / ابريل، 1969، ونقلت في ديفيس، 21).

من الخطأ رسم خط أخلاقي بين إسرائيل والأراضي المحتلة [بعد حرب عام 1967]؛ إنها جميعها أرض محتلة. حرب عام 1967، التي كان نتيجتها أن غزت إسرائيل واحتلت القدس الشرقية، والضفة الغربية من نهر الأردن، وشبه جزيرة سيناء، [وهضبة الجولان السورية أيضا]، كانت استمرارا للعملية [أي للحرب العدوانية] التي بدأت في عام 1948. سيكون ذلك مألوفا بشكل موحش للذين يعرفون تاريخ تشريد الهنود من الأراضي التي كانوا يقيمون فيها في أميركا الشمالية. اليوم هذا ما يطلق عليه “التطهير العرقي”.

العنصرية القانونية : دولة بلا حدود

في أول تعداد لدولة إسرائيل، أجري عام 1949 بلغ عدد اليهود 650 ألفا، وعدد العرب 15 ألف. تم تشييد الأساس القانوني لدولة عنصرية باثنان من القوانين التي صدرت في عام 1950.

الأول، قانون العودة، الذي يعطي لأي يهودي في أي مكان من العالم، الحق في “العودة” إلى إسرائيل. وهذا الحق لا ينطبق على غير اليهود، بما في ذلك العرب الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين بعد حرب عام 1948.

الثاني، قانون أملاك الغائبين الذي يسمح بمصادرة ممتلكات العرب “الغائبين” وتحويلها إلى حراسة أملاك الغائبين. اللاجئون العرب داخل بلدهم أطلق عليهم وصف : “الغائبون الحاضرون” (يا لها من عبارة!)، ولم يسمح لهم بالعودة إلى ممتلكاتهم. عدد من اللاجئين الذين حاولوا العودة، فعلا، نعتوا بالـ”متسللين” وأطلق الرصاص على بعضهم.

أصبحت الممتلكات [الفلسطينية] المصادرة تؤلف الغالبية العظمى من المستوطنات الجديدة. هذه الأراضي المصادرة، وفقا للإجراءات التي تم تأسيسها في فترة نشاط الصندوق القومي، أصبحت أراضي إسرائيل. وقد تولتها إدارة خاصة مسؤولة عن 92,6 في المئة من الأراضي في إسرائيل، ولا تؤجر تلك الأراضي إلا لليهود فقط.

خلافا للعديد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة، لا تمثل الدولة الإسرائيلية، حتى من حيث المبدأ، أولئك الذين يسكنون ضمن حدودها، بل تعرَّف بأنها دولة الشعب اليهودي، أينما كان. هذا التعريف الغريب هو أحد الأسباب التي تجعل هذه “الدولة” عاجزة، حتى يومنا هذا، عن وضع دستور مكتوب، وتعيين حدودها، أو حتى الإعلان عن وجود جنسية إسرائيلية.

ناهيك عن ذلك، فمن المحظور في “واحة الديمقراطية المتقدمة،” على أي حزب يعارض وجود الدولة اليهودية المشاركة في الانتخابات. وهذا الأمر، كما لو أن الولايات المتحدة كانت لتعلن نفسها دولة مسيحية، وتعرف “المسيحية” ليس كعقيدة دينية، وإنما كرابطة دم ونسب، وبعد ذلك تصدر قانون لكمّ الأفواه، وحظر إجراء نقاش عام حول المسألة.

الصهاينة وتعريف “اليهودي”

إذا كانت إحدى مراحل المشروع الصهيوني هي طرد السكان الأصليين، فان المرحلة الأخرى هي توسيع نطاق ما يسمى السكان اليهود. ولكن هنا تبرز المشكلة، التي أرّقت المسؤولين القانونين الإسرائيليين لخمسين عاما : من هو اليهودي؟ (طيلة قرن ونصف واجهت المحاكم الأميركية مشاكل مماثلة في تحديد من هو الأبيض).

وضع الصهاينة معيارين لتحديد من هو اليهودي، الأول هو العرق، الذي هو أسطورة عموما وبشكل خاص أسطوره في حالة اليهود. يشمل [تعريف] السكان “اليهود” في إسرائيل أناسًا من خمسين بلدا، من مختلف الأنواع العرقية (الطبيعية)، يتحدثون لغات مختلفة ويمارسون مختلف الأديان (أو بلا دين على الإطلاق)، لكنهم يعرّفون كشعب واحد على أساس حكاية خيالية تقول بأنهم ـ فقط هم ـ ينحدرون من صلب أبراهام التوراتي.
إن الكذبة واضحة إلى درجة أن الصهاينة والنازيين يتظاهرون تظاهرًا بأنهم يأخذونها مأخذ الجد. وفي الواقع، لو أخذنا بالاعتبار الاختلاط اليهودي مع الآخرين لألفي سنة، فالمرجح هو أن الفلسطينيين أنفسهم ـ اللذين هم نتيجة لاختلاط مختلف شعوب كنعان، بالإضافة إلى موجات من اليونانيين والعرب في وقت لاحق ـ هم الذين ينحدرون من السكان القدماء للأرض المقدسة بصورة مباشرة أكثر من [المستوطنين اليهود] الأوروبيين اللذين شرّدوهم.

الادعاء بأن لليهود حقا خاصا في فلسطين، ليس له صلاحية أكثر من الادعاء الايرلندي بالحق المقدس في إقامة دولة سلتيه على امتداد ألمانيا وفرنسا واسبانيا، على أساس أن القبائل السلتيه عاشت هناك يوما ما. ومع ذلك، وعلى أساس النسب، فان المسؤولين الصهاينة حددوا أولئك اللذين اختاروهم للمكانة المميزة داخل الدولة. وإذا كان هذا ليس عنصرية، فان مصطلح العنصرية ليس له معنى.

أنتج الالتزام الصهيوني بالنقاء العنصري عبارات التعصب على أعلى المستويات في المجتمع الإسرائيلي، وهي تبعث على الغضب في أوساط محترمه في الولايات المتحدة. لقد طالبت شركة إسرائيلية آلاف العمال الصينيين بتوقيع عقد، يحظر عليهم ممارسة الجنس مع الإسرائيليين. وقال ناطق باسم الشركة أن هذا مطلب قانوني، فالقانون الإسرائيلي يمنع زواج اليهودي مع غير اليهودي. (اسوشييتد برس، 23 كانون الأول / ديسمبر، 2003)

(1) نويل اغناتيف: مؤلف كتاب How the Irish Became White (كيف أصبح الايرلندي أبيضًا)؛ مؤسس ومحرر مشارك في “عرق خائن: مجلة الالغائية الجديدة”؛ ومدرس في كلية ماساشوستس للفنون.

(2) يستند هذا المقال إلى الحديث الذي أدلى به الكاتب نويل اغناتيف في آذار/مارس 2004 في كلية الفنون في ماساتشوستس، الولايات المتحدة، ونشر في 17 حزيران/يونيو, 2004. وقد وزع النص العربي ونشره موقع أجراس العودة : ترجمة أماني أبو رحمة، مراجعة وتدقيق رجاء زعبي عمري في 27/2/2008.
المصدر :

http://www.counterpunch.org/ignatiev06172004.html

الشؤون العربية » دراسة