تحيا الجمهورية البوليفارية : فنزويلا و… السعودية و… أوراسيا؟

تحيا الجمهورية البوليفارية : فنزويلا و… السعودية و… أوراسيا؟

يكذب وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو حينما يقول أن "الأزمة الإنسانية التي لم تعد سراً في فنزويلا، هي نتيجة سياسة النظام الاشتراكي هناك". يكذب، لأن بلاده هي التي "نَظَّمَتْ" هذه الأزمة ضد الجمهورية البوليفارية، وهي التي تديرها، من الداخل ومن الخارج، وفق إيقاع سياسي واستراتيجي، يتكامل مع تخطيط إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة تكييف النظام الدولي وفق المصالح الأميركية، وأبرزها تقليص نفوذ القوى الأوراسية في توازناته.     

بدأت واشنطن بالحرب على جمهورية فنزويلا البوليفارية منذ عام 1998، في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون. فقد أنهى فوز الزعيم الراحل هوغو تشافيز (1954 ـ 2013) بالإنتخابات الرئاسية عامذاك، سيطرة "حزب العمل الديمقراطي" و"الحزب الديمقراطي المسيحي" على السلطة لثلاثة عقود. كان الحزبان فاسدان، وككل عملاء الأميركيين المحليين، فقد وضعا السلطة في خدمة مصالح الرأسمال الكبير الداخلي والخارجي.

ما إن استلم "المحافظون الجدد" بقيادة جورج بوش الإبن السلطة في البيت الأبيض، حتى دبروا انقلاباً عسكرياً ضد الحكومة التشافيزية. تابعوا "حرب فنزويلا". لقد تستروا بضجيج "حوادث 11 أيلول 2001"، لكي يحاولوا إعادة  أتباعهم المحليين إلى الحكم في كراكاس عام 2002. ولم يكن ذلك الإنقلاب معزولاً عن دفع "المحافظين الجدد" البوشيين بالعولمة العسكرية والأمنية، لمحاصرة قوى التمرد الشعبي المتنامي ضدهم في دول أميركا اللاتينية، ولإغراق "الخواصر الرخوة" في دول أوراسيا بنيران الغزو المسلح.  

نعم، بومبيو يكذب. فقد تابعت واشنطن "الحرب" لكنها غيَّرت الأسلوب. في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، لم يكرر صنائعها الإنقلاب العسكري، وإنما أخرجوا من المستودعات الأميركية أعتدة "الثورات الملونة" وذخائرها، وأهمها "حشود الشارع" في الداخل، والحصار الإقتصادي والسياسي في الخارج. لقد صنع الأميركيون "أزمة إنسانية" في فنزويلا البوليفارية. والآن، قرروا الإستثمار فيها لتصير "أزمة سياسية"، ولذلك، نصَّبوا الدمية المحلية خوان غوايدو رئيساً مؤقتاً للجمهورية بدلاً من الرئيس المنتخب مادورو.

فلماذا؟. لماذا الآن؟.                             

إذا كان الأميركيون يعملون من سنوات على تقويض الجمهورية البوليفارية، وإزالة النظام الديموقراطي الإشتراكي في فنزويلا، فلماذا تعمدوا، الآن، استبدال سلاح "الأزمة الإنسانية" بسلاح "الأزمة السياسية"،  وما علاقة السعودية بالأمر؟. وكيف ستتأثر أو ستؤثر أوراسيا؟

إن ظروف الإضطراب الداخلي الذي تسببت "حرب الحصار الإستنزافي" الأميركية باحتدامه في المجتمع الفنزويللي، وفي الدولة أيضاً، هي أول العوامل التي تحض إدارة ترامب على إشهار سلاح "الأزمة السياسية"، واستقطاب الأنظمة المحلية العميلة للولايات المتحدة ـ "إسرائيل" في أميركا اللاتينية لاحتضان العميل غوايدو. وكذلك، تشغيل رعاع السياسة الدولية في الإتحاد الأوروبي وكندا وأوستراليا. تريد واشنطن من كل هذه الأنظمة مساعدتها على إطالة أمد الحرب وتصعيدها لإنهاك الشعب الفنزويلي، وامتحان صبر القوات المسلحة الفنزويلية، وتهيئة أرضية سياسية واستراتيجية تسمح بالتدخل العسكري الإمبريالي.

لكن للولايات المتحدة مُرادٌ آخر على الصعيد الدولي الا وهو إعادة ضبط أسواق النفط العالمية، من خلال "حرب فنزويلا". إذ من المعلوم أن الجمهورية البوليفارية هي رابع منتج للنفط، وتحوز على أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، وهي عضو فاعل في "منظمة أوبك". وقد اتضح في الشهور الأخيرة، أن التحالف بين المنظمة وروسيا، يغدو أحد الديناميات الجيوطاقية القوية لأوراسيا. وهنا، تبرز السعودية، وهي أكبر منتج للنفط بين دول "أوبك"، كطرف في هذا التحالف، الذي يعرقل خطط الرئيس دونالد ترامب لإعادة تكييف النظام الدولي، ومنع أو عرقلة انتقاله من الأحادية إلى التعددية القطبية.

لقد نجحت "دول أوبك + روسيا" في ضبط أسواق النفط العالمي على إيقاع موازناتها المالية ومصالحها الإقتصادية. حيث خفضت إنتاج النفط، بما ساعد على رفع أسعاره واستقرارها. وهذا النجاح كان مستحيلاً لولا أن السعودية أيدت مطالب الكتلة الأوراسية، وناورت في تنفيذ طلب ترامب زيادة إنتاج النفط السعودي لإغراق السوق العالمية وتخفيض سعر البرميل. إن هذا "التمرد النفطي" السعودي هو السبب الرئيسي في ارتفاع الأسعار أو استقرارها. وقد ساهم في دعم وتعزيز ميزانيات كل دول هذا التحالف النفطي، بما في ذلك إيران التي يريد الأميركيون محاصرتها، وفنزويلا بقيادة حكومة الرئيس نيكولاس مادورو.

لقد سارعت واشنطن لتنصيب غوايدو كرأس حربة للعدوان الأميركي على فنزويلا كسباً للوقت. انتقلت من تأجيج "الأزمة الإنسانية" إلى تفجير "الأزمة السياسية" لكي تنتزع المقعد الفنزويلي في أوبك. وحتى تضع يدها على منابع البترول الفنزويلية. تريد اختراق التحالف النفطي "أوبك + روسيا" بفنزويلا غوايدو، بعد ان تخرب فنزويلا البوليفارية. تريد إعادة حكم العملاء المحليين، وكسر نظام الإستقلال الوطني في كراكاس.

إن أسباب السعودية للإصطفاف في معسكر "أوبك" وروسيا في سياسة خفض الإنتاج، تتعدى سوق النفط وحساباته. فقد تلقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبضة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال قمة "دول العشرين" الأخيرة التي عقدت في الأرجنتين، حينما تجاهله أقطاب "مجتمع الدول" الغربي. وهذا التطور في العلاقات السعودية ـ الروسية سوف يضطرد من الآن فصاعداً، مع انتهازية السياسة الخارجية لإدارة الرئيس ترامب. فمن بعد إعلان الأمم المتحدة عن "فتح تحقيق دولي" في حادثة مقتل جمال خاشقجي في تركيا، والتي يزعم الرئيس التركي وبعض السياسيين الأميركيين أن ولي العهد السعودي على صلة بها، سوف يفكر بن سلمان بالحصول على حماية روسية من الإبتزاز الأميركي بذريعة هذا التحقيق.

إن دفاع فنزويلا بوجه العدوان الأميركي المقنع بالدمية غوايدو، من شأنه حماية الإستراتيجية الجيوطاقية للقوى الأوراسية الرئيسية روسيا والصين وإيران. ولذلك، من المتوقع أن تقدم هذه الدول دعماً ثابتاً لحكومة الرئيس مادورو و"النظام الإشتراكي" في كراكاس. إن السعودية لها مصلحة عميقة بتركيز اصطفافها النفطي مع هذه القوى، لا سيما روسيا. فالنظام الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، يبقى تحت تأثير جاذبية الديناميات الأوراسية. وواشنطن تهدف من تفجير "الأزمة السياسية" في فنزويلا إلى تخفيف هذا التأثير عليها.

فماذا عن السعودية وسط خضم التجاذب الدولي حول فنزويلا. ماذا ستقرر. يعرف السعوديون أن سيطرة الأميركيين على الثروة النفطية لشعب فنزويلا، سيقلص وزن السعودية الجيونفطي، ونفوذهم الإقليمي ـ الدولي. يعرف حكام الرياض أن حيازة واشنطن على "البديل الفنزويلي" للمنتج النفطي السعودي، سيدفع الريح الأميركية ـ "الإسرائيلية" في أبواب ونوافذ نظام حكمهم وأركانه. فهل تبقى السعودية في صف "أوبك + روسيا" فتحمي نفسها تواً، وتحمي فنزويلا عَرَضاً. أم تقوم بدور العمال "كاسري الإضراب". هذه فرصة تاريخية للحكم السعودي.     

عاشت جمهورية فنزويلا البوليفارية،
يحيا كفاح الشعب الفنزويلي ضد العدوان الأميركي.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الجمعة‏، 26‏ جمادى الأولى‏، 1440، الموافق ‏01‏ شباط‏، 2019
أول تحديث الساعة 04:06

كلمة الحقول