افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الجمعة 11 أيلول، 2020

الأخبار
كارثة المرفأ 2: نظام «التلحيم» فجّر وأحرق!
كارثة جديدة حلّت في المرفأ أمس. مهما قيل فيها، فهي لا تعبّر سوى عن عجز كامل للسلطة. أن يحصل حريق ضخم في المرفأ بعد شهر من انفجار ٤ آب، الذي تلته إجراءات استثنائية لمنع حصول أي حادثة جديدة، يعني ببساطة أن الدولة قد تحللت بالكامل. ليست المشكلة في مسؤولية هذا الجهاز أو ذاك. صحيح أن الجيش، بوصفه المسؤول عن منطقة المرفأ هو المسؤول المباشر عن الحادثة، إلا أن ذلك لا يلغي أن الترقيع لم يعد يجدي نفعاً. هي مشكلة نظام ومؤسسات بلغ فيها الهريان حداً لم يعد ينفع معه الترقيع.
مع كل كارثة صار بديهياً الاستعداد للتي تليها. قدر يعيشه سكان لبنان الذين لا يزالون يراهنون على سلطة أفقرتهم وأذلّتهم وقتلتهم وشرّدتهم. بالكاد بدأ الناس بتخطي جريمة 4 آب، حتى أنعش حريق 10 أيلول ذاكرة مآسيهم مجدداً. هلع وقلق من تكرار المأساة، لم تُبدّده التطمينات التي تأتي ممن سبق أن طمأن أن لا مواد خطرة في المرفأ.
ما حصل يؤكد أن انفجار 4 آب الذي أدى إلى مقتل نحو 200 شخص وجرح الآلاف، لم يكن كافياً لتغيير النهج. لا القوى السياسية ولا القوى الأمنية ولا القضاء ولا الإدارة اتعظت. طريقة العمل هي نفسها والاستهتار بأرواح الناس هو نفسه. صار جلياً أن الإهمال والفساد الذي انفجر مرة قادر على الانفجار ألف مرة، ما دامت السلطة هي نفسها، إن كانت سياسية أو أمنية أو قضائية أو إدارية أو مالية أو نقدية، وما دامت التحقيقات في الانفجار تلتف على المسؤوليات السياسية. لم يعد ينفع تأليف لجان التحقيق أو تحميل المسؤولية لفلان أو علان. صار جلياً أن العطب بنيوي. وصار جلياً أن الترقيع يزيد من شدة الضرر. النظام كله معطّل، وكذلك المؤسسات. لا الصلاحيات واضحة، ولا المسؤوليات، ولا آليات اتخاذ القرار، ولا سبل التواصل بين المؤسسات. ثمة منظومة مهترئة تماماً، ولا مجال لإصلاحها. بحسب التجربة، ليس أحدٌ في الجمهورية قادراً على التعهد بأن ما يحصل لن يتكرر. انفجار المرفأ نموذجاً. كل الاستنفار الذي تلاه لم يحل دون عودة النار إلى قلب المرفأ. وما لم يحصل تغيير جذري يعيد ترتيب السلطة، لا أحد يضمن أن لا تأكل النار كل شيء. للمرة الثانية في غضون أقل من 40 يوماً، ينجو الجزء الشرقي من المرفأ (محطة الحاويات) الذي يمر عبره أكثر من 70 في المئة من أعمال الاستيراد والتصدير. لكن الصدفة وحدها تنجيه، لا الإدارة والأمن ولا القضاء ولا السلطة السياسية.

منذ ٤ آب، حوّل الجيش المرفأ إلى منطقة عسكرية، يمنع الدخول والخروج إلا بإذنه؛ إجراءات مشدّدة تسبق السماح بدخول أي كان، حتى لو كان مسؤولاً، ثم يتبين أن ورشة لحام تهدف إلى إجراء أعمال تصليح في منطقة السوق الحرة، قد انطلقت.

الجيش نفسه خرج، منذ نحو أسبوعين، على اللبنانيين ببيان ليؤكد أنه «خلال الفترة الممتدة ما بين 14 و22 آب تم الكشف على 25 مستوعباً يحتوي كل منها على مادة حمض الهيدريك. كما تم اكتشاف 54 مستوعباً تحتوي على مواد أخرى (لم يحددها)، قد يشكل تسربها من المستوعبات خطراً». طمأن الجيش حينها إلى أنه «تمت معالجة تلك المواد بوسائل علمية وطرق آمنة، وتجري متابعة هذه الأعمال بالتنسيق مع الإدارات المعنية العاملة ضمن المرفأ». أوحى الجيش في بيانه أن الأمور تحت السيطرة. وفي 10 أيلول تبيّن أنها لم تكن كذلك. فاجأ الحريق الجميع، خاصة أولئك الذين لم يكن انفجار 4 آب كافياً لهم ليدركوا خطورة تخزين مواد قابلة للاشتعال من دون عملية حفظ علمية وآمنة، ومن دون إجراءات بديهية تمنع تكرار المصيبة.

بشكل أدق، بدا الجيش الذي يعطيه قانون الطوارئ مسؤولية الحفاظ على الأمن في بيروت، عاجزاً عن السيطرة على كيلومترين مربعين في المرفأ. وهذا يتطلب أولاً إقالة الضباط المسؤولين، وقبل انتظار نتيجة التحقيق الذي كلف المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات الشرطة العسكرية ومخابرات الجيش والأجهزة الأمنية والجمارك والدفاع المدني وفوج إطفاء بيروت بإجرائه لمعرفة أسباب الحريق.

بحسب المعلومات التي اطلعت عليها «الأخبار»، فإن ورشة الحدادة الخاصة بـ أ. خ. اعتادت العمل في المرفأ بسبب تعاقد عدد من مستأجري الباحات في السوق الحرة معها. وقد دخل عمالها أمس للقيام بأعمال قصّ حديد وتلحيم بناءً على طلب ج. ح. الذي يستأجر باحة من إدارة المرفأ في منطقة السوق الحرة، حيث بنى عدداً من العنابر التي يؤجّر مساحات فيها للشركات. الهدف من ورشة الحديد، على ما تردد، كان إزالة العوارض الحديدية التي سقطت على البضائع من جرّاء انفجار المرفأ، تمهيداً لإخراجها. بدأت الأعمال بالاستعانة بمعدات تنتج شرارات نارية. وتبيّن أنها كانت تجري فوق براميل زيت ومئات الإطارات ومواد التجميل السريعة الاشتعال. كل تلك المواد الخطرة لم تسترع اهتمام أحد؛ لا من أعطى الإذن بالعمل ولا من حصل عليه. هكذا ببساطة، انطلقت الأعمال من دون الاتعاظ من كارثة المرفأ. فلا أزيحت المواد الخطرة ولا اتخذت إجراءات وقائية، كالاستعانة بمهندس للإشراف على الورشة أو الاستعانة بفوج الإطفاء لمواجهة أي حالة طارئة.

من شرارة اندلع حريق استمر لساعات طويلة، وأدى إلى تكون سحب سوداء في سماء في بيروت، كما أدى إلى هرب عدد كبير من القاطنين من المناطق المحيطة خوفاً من انفجار جديد. ومع إطفاء الحريق في ساعة متأخرة من ليل أمس، كان قد قضى على كل المواد الموجودة في العنابر الرقم 15 و16 و17، والتي تحتوي على بضائع بقيمة 4.4 ملايين دولار، وتشمل: إطارات السيارات، مواد التنظيف، مواد تجميل وعطور، مواد غذائية، مشروبات كحولية، آلات صناعية ومواد طبية، وأخرى كيميائية (هيدروكسيد الصوديوم) تستعمل في الصناعات الغذائية وفي صناعة الأدوية وأدوات التنظيف…

الحريق استدعى اجتماعاً طارئاً للمجلس الأعلى للدفاع، دعا إليه رئيس الجمهورية ميشال عون. وبعد كلمتين لكل من عون والرئيس حسان دياب، أكدا فيهما ضرورة الإسراع في كشف المسؤولين عن الحريق ومحاسبتهم، توالى الوزراء المعنيون وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية على شرح واقع المرفأ، من دون التطرق بالتفصيل إلى ما جرى أمس، لكن مع الحديث عن الإجراءات الواجب اتخاذها لمنع تكراره، فضلاً عن تدابير مستقبلية وتعليمات عامة لتنظيم العمل في المرفأ في إطار المحافظة على السلامة العامة. كما طلب الى الأجهزة المعنية وإدارة المرفأ الكشف على محتويات العنابر والمستوعبات الموجودة في المرفأ حالياً والتدقيق فيها، للتأكد من طبيعة المواد الموجودة في داخلها ومدى خطورتها، خاصة بعد الشك في أن لا تكون البضائع الموجودة هي نفسها المحددة في المانفستو الجمركي.

وقد عرض رئيس المرفأ باسم القيسي تقريراً أشار فيه إلى أن الحريق اندلع في المنطقة الحرة في المرفأ على أرض مستأجرة من شركة bcc logistics. وكان عمال يقومون بصيانة للسقف وتلحيمه في أماكن عديدة، وتساقطت شرارات التلحيم على مستودعات فيها مواد غذائية وزيوت ودواليب ومواد تجميل سريعة الالتهاب. وأشار إلى أن الزيوت عائدة للصليب الاحمر الدولي واليونيفيل. وتبين أن الإهمال ناتج عن عدم اتخاذ صاحب المستودع الاحتياطات اللازمة، ولم يطلب الحصول على إذن بعملية التلحيم.

ونوقشت الإجراءات الواجب فرضها على المستودعات التي تحوي مواد خطرة، وأيضاً جرى نقاش مطول في الاجراءات الكفيلة بمنع أي حادثة خطرة مماثلة. واقتُرح إنشاء جهاز أمن مرافئ. كما تبين وجود 49 مستوعباً تحتوي على مواد قابلة للاشتعال ستجري اليوم معالجة وضعها مع أصحابها أو تلفها. أما المستوعبات غير الخطرة فسيطلب الى أصحابها تسلمها ومعالجة وضعها.

واقترح عون تأليف لجنة برئاسة الوزير ميشال نجار وعضوية ممثلين عن الاجهزة الامنية في المرفأ ومن إدارته من أجل وضع تنظيم جديد للعمل داخل المرفأ وتحديد المسؤوليات، أي وضع آلية تنظيمية. ومن ضمن المقترحات إنشاء جهاز أمن المرافئ.

من جهة أخرى، تم التطرق في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الى موضوع السجون. وأشار وزير الداخلية إلى أن نسبة الاكتظاظ هي 200 في المئة، وهناك خشية من تفشّي وباء كورونا، ما يهدد بكارثة اجتماعية، لكن حتى الآن لا إصابات. ومن الاقتراحات التي طرحت، إقامة مستشفى ميداني أو إضافة أجنحة أو تخصيص غرف في المستشفيات لهؤلاء.

 

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

اللواء
حريق المرفأ يلتهم التحقيق.. والفساد ينجو من النار!
ماكرون على تفاؤله وعقبتان في الواجهة.. والنيران تحرق الحصص الغذائية والزيوت
النار امامكم.. حريق هائل، وساعات طويلة في مرفأ بيروت.. ووراء النار، وألسنة اللهب السوداء والملتهبة، يبحث الفساد عن ملاذ آمن؟ فيا اهل العاصمة أين المفر: الطبقة السياسية تحرق التحقيق، وربما تحرق الحكومة، لتنجو من عقوبات أميركية أو دولية او من استحقاق سحب القرار من ايدي هؤلاء الذين يعبثون في الأرض.. المشهد، يجعل المراقب ان يستعيد مشهد نيرون، وهو يحرق روما.. فماذا يحصل في هذا البلد؟!
من المساعدات المصروفة في غير ما جاءت من اجله، الى المساعدات المسروقة، واللعب بالكهرباء والاتصالات والغذاء والدواء وكل شيء الى مكابرة الطبقة الفاسدة، القابضة على مقدرات البلاد والعباد.. وكأن ما يجري، ليس على مرأى من المسؤولين كباراً كانوا أم صغاراً.. وكأنه في بلد آخر، وفي عاصمة غير بيروت..
وهكذا اتجهت الانظار الى المرفأ ظهراً مع الانفجار، الى قصر بعبدا مساءً، ولم يزر بعد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الدكتور مصطفى اديب رئيس الجمهورية بعد حدوث تعقد في مسألة توزيع الحقائب.
ولم يسجل اي تقدم بعد، بعد عودة المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم من فرنسا امس، في مهمة مستعجلة، استمرت ساعات قليلة التقى خلالها خلية الازمة في قصر الاليزيه المكلفة الملف اللبناني. وعقد ابراهيم في يوم واحد سلسلة لقاءات لاسيما مع السفيرين برنار ايمييه وايمانويل بون، تتعلق بمسار المبادرة الفرنسية من مختلف وجوهها، لاسيما الشق المتعلق بتشكيل الحكومة. ونفت اوساط بعبدا ان يكون ابراهيم ذهب موفداً من الرئيس عون.

وفورعودته عصراً من باريس، زار اللواء ابراهيم رئيس الجمهورية واطلعه على نتائج مباحثاته مع السفير برنار ايمييه والفريق المكلف متابعة المبادرة الفرنسية، لاسيما مسار تشكيل الحكومة. «ونقل ابراهيم الى الرئيس عون اهتمام فرنسا بمتابعة ما اتفق عليه خلال زيارة ماكرون، خصوصًا لجهة الاسراع في تشكيل الحكومة التي يجب ان تضم اختصاصيين في مجالاتهم لا يلقون معارضة من ممثلي الاحزاب».

وحسب المعلومات المتوافرة، فإن باريس ملتزمة بالمهلة التي تم الاتفاق عليها مع المسؤولين والقيادات اللبنانية التي التقاها الرئيس ايمانويل ماكرون، وهو ابلغ بعض القيادات العربية انه متفائل بتوصل مبادرته الىالطريق المرسومة لها. وعليه، تتحدث المعلومات ان اللواء ابراهيم لم يحمل معه، بعودته موافقة فرنسية على اقتراح يتعلق بعدم احداث تعديل في توزيع عدد من الحقائب السيادية والاساسية كالمال والخارجية والداخلية والطاقة والصحة والاتصالات.

واعادت المصادر الدبلوماسية الفرنسية من الاليزيه التأكيد على ان باريس ملتزمة بالتصور المتفق عليه قبل مغادرة ماكرون، وان كلفه عدم الالتزام بهذا الاتفاق ستكون باهظة على لبنان واللبنانيين، في ظل الاختناق الاقتصادي الحاصل. وقالت مصادر مطلعة ان اللواء ابراهيم لمس ممن التقاهم حرصا على، استمرار المبادرة الفرنسية كما هو متفق عليها لجهة تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن. وعلمت اللواء ان ما من موفد فرنسي سيزور بيروت في الوقت الحالي، لكن المتابعة الفرنسية مستمرة.

وحكوميا لم يسجل اي جديد على الإطلاق في الملف الحكومي فلا المداورة محسومة ولا عدد الاخصائيين او المسيسين في الحكومة لكن التوجه هو حكومة مصغرة بإنتظار الاتفاق على ماهية التمثيل في هذا الوقت ما من زيارة مقررة لرئيس الحكومة المكلف الى قصر بعبدا الذي يجري مشاوراته بعيدا عن الاضواء. وفهم ان مهام الحكومة وحدها محددة كما شكلها دون الأسماء وتوزيع الحقائب ولا بد من انتظار بعض الوقت.

وفي السياق، ربطت مصادر سياسية بين مهمة ابراهيم في باريس والعقوبات الاميركية على الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، أن الرئيس عون، وبعد تصلّب الرئيس برّي في التمسك بوزارة الماليّة، أوفد المدير العام للأمن العام إلى العاصمة الفرنسية، وذلك كي يسمع الموقف الفرنسي من المستجدات، ونقله إلى كل من عون وبري وحزب الله، وحسب المصادر ذاتها أنه في حال التخلّف عن الإيفاء بوعد تشكيل حكومة إصلاحية فاعلة، فإن الطّبقة السياسية ستكون أمام مأزق حقيقي، وثمة تلويح بالعودة الى الشارع.

وفي سياق محلي، حددت المصادر المتابعة لعملية تشكيل الحكومة الجديدة عقدتين اساسيتين تعيقان تسريع ولادتها، الاولى: مطالبة الرئيس عون بحصته الوزارية وتسمية وزرائها, والثانية إصرار الثنائي الشيعي على الاحتفاظ بوزارة المال من حصتهما الوزارية، وهذا ما يتعارض أساسا مع المبادرة الفرنسية وما تعهد بخصوصه جميع الاطراف امام الرئيس الفرنسي ماكرون، ويناقض ما اعلنه هؤلاء الاطراف بعد الاستشارات النيابية مع الرئيس المكلف مصطفى اديب بانهم لم يطرحوا اي شروط او مطالب محددة في تشكيلة الحكومة العتيدة.

واعترفت هذه المصادر بتباطؤ مسار تشكيل الحكومة بفعل العقوبات الاميركية على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، الا انها اشارت إلى وجود رغبة واضحة لدى الرئيس بري بفصل هذه العقوبات عن مسار تشكيل الحكومة، لانه لا بديل عن استكمال المساعي والاتصالات على كل المستويات لتسريع عملية التشكيل تفاديا لمخاطر وتداعيات سلبية لا يمكن التكهن بنتائجها واضرارها على كل المستويات ولاسيما في العلاقات مع فرنسا والعالم كله.

وكشفت المصادر ان الرئيس المكلف كان ينوي زيارة الرئيس عون في بعبدا أمس الخميس للانتقال إلى خطوة متقدمة بتشكيل الحكومة، الا ان بقاء المواقف على حالها، ادى الى تأجيل هذا اللقاء حتى نهاية الاسبوع الحالي لاتاحة المجال امام مزيد من التشاور لتجاوز هاتين العقدتين العالقتين، مشددة على ان الوقت المعطى لتشكيل الحكومة العتيدة بدأ بالنفاذ ومجال التشدد بالشروط والمطالب أصبح محدودا ويضغط على الرئيس المكلف لاتخاذ موقف نهائي مما يحصل في خاتمة المطاف.

وبالرغم من نفي مصادر بعبدا ان يكون المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم قد زار باريس موفدا من الرئيس عون، الا انه اطلعه على فحوى لقاءاته مع المسؤولين الفرنسيين واصرارهم على تسريع خطى تشكيل الحكومة الجديدة بالتفاهم بين جميع الاطراف تحت سقف المبادرة الفرنسية للمساعدة في حل الأزمة المتعددة الاوجه التي يواجهها لبنان حاليا.

وفي جانب آخر علمت «اللواء» أن رئيس لجنة المال النيابية النائب إبراهيم كنعان الذي التقى رئيس الجمهورية مؤخرا كان حريصا على اظهار اهمية المبادرة الفرنسية ووجوب تأمين ظروف نجاحها لانها تشكل فرصة مؤاتية ومهمة لانقاذ لبنان وليتسنى التحضير لمواكبة هذه الخطوات لاسيما ما يتعلق منها بالقوانين المطلوبة في المجلس النيابي بأرقام موحدة ورؤية مراقبة لمفاوضات المرتقبة مع البنك الدولي.

صندوق النقد
وعلى الرغم من كل ذلك، أعرب صندوق النقد الدولي عن استعداده «لمضاعفة الجهود» من أجل مساعدة لبنان في ظل أزمته الاقتصادية. وقال المتحدث باسم الصندوق جيري رايس أثناء إحاطة صحافية، «نحن مستعدون للتعاون مع الحكومة الجديدة». واضاف «حالما يتم تشكيلها، وسبق لكريستالينا جورجيفا (مديرة الصندوق) أن عبّرت عن الأمر حديثاً، سنكون مستعدين لمضاعفة جهودنا لمساعدة لبنان والشعب اللبناني على تجاوز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها». وأشار إلى أنّ الصندوق لا يزال حالياً على تواصل مع السلطات اللبنانية بشأن بعض المسائل التقنية. وتابع «ولقد قدّمنا دعماً تقنياً في مجالات من شأنها المساعدة في التصدي مجددا لبعض التحديات عقب الحدث المريع في المرفأ».

وبشأن التدقيق بحسابات مصرف لبنان التي أعلنها وزير المال اللبناني غازي وزني الأربعاء، رحّب جيري رايس بالإعلان، لافتاً إلى أنّ ذلك يتيح تقييم موجودات والتزامات هذه المؤسسة المالية. وقال إنّ «التدقيق يسمح ايضاً بتقييم أثر تمويل العمليات العامة من قبل المصرف المركزي». وختم «إنّها جزء مهم لتقييم الخسائر السابقة التي تعدّ جزءاً من حسابات المصرف المركزي».

مجلس الدفاع الاعلى
وعند السابعة من مساءامس، بعد ست ساعات على اندلاع حريق في مرفأ بيروت، عقد مجلس الدفاع الاعلى اجتماعاً برئاسة الرئيس عون، وبدعوة منه، حضره الرئيس حسان دياب، والوزراء المعنيون في حكومة تصريف الاعمال، وقائد الجيش العماد جوزيف عون وقادة الاجهزة الامنية، ومدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات، والموظفون المدنيون المعنيون بالمرفأ والجمارك، فضلا عن عدد من المستشارين.

وفي مستهل اجتماع المجلس الاعلى قال الرئيس عون: العمل اليوم يجب ان يصب في درس الاجراءات الفعالة لضمان عدم تكرار ما حصل. واكد حريق اليوم قد يكون عملاً تخريبياً مقصوداً او نتيجة خطأ تقني او جهل او اهمل، وفي كل الاحوال يجب معرفة السبب بأسرع وقت ومحاسبة المسببين. وعلمت «اللواء» أنه بعد مداخلة الرئيسين عون ودياب تحدث رئيس المرفأ باسم القيسي فقدم مقترحات لمعالجةوضع المرفأثم عرض تقريراً اشار فيه الى ان الحريق قام في المنطقة الحرة في المرفأ على ارض مستأجرة من شركة bcc logistics.

وكان عمال يقومون بصيانة وتلحيم للسقف في اماكن عدة وتساقطت شرارات التلحيم على مستودعات فيها مواد غذائية وزيوت ودواليب ومواد تجميل سريعة الالتهاب. والزيوت عائدة للصليب الاحمر الدولي واليونيفيل كما مواد غذائية تابعة للصليب الأحمر وتبين ان الاهمال ناتج عن عدم اتخاذ صاحب المستودع الاحتياطات اللازمة ولم يطلب الحصول على اذن بعملية التلحيم. وعلم ان التحقيق العسكري تتولاه الشرطة العسكرية بهدف متابعته حتى النهاية.

وخلال الااجتماع نوقشت الاجراءات الواجب فرضها على المستودعات التي تحوي مواد خطرة وضرورة اجراء كشوفات على المستودعات. كما جرى نقاش مطول وقدما مقترحات مختلفة لاجراءات كفيلة بمنع اي حادثة خطرة مماثلة. كما اقترح تشكيل جهاز امن مرافئ. وكان حديث عن تكرار موضوع التلحيم. وكان تأكيد على اصدار تعميم من المرفأ ليستلم اصحاب المستودعات نقل اي مواد خطيرة. وكشفت معلومات عن وجود ٤٩ مستوعباً فيها مواد قابلة للاشتعال سيتم معالجة وضعها مع اصحابها او تلفها. اما المستوعبات غير الخطرة فسيطلب الى اصحابها تسلمها. واقترحت فكرة تلف المواد الخطرة التي امتنع اصحابها حتى الان عن تسلمها.

واقترح الرئيس عون تشكيل لجنة برئاسة الوزير ميشال نجار وعضوية ممثلين عن الاجهزة الامنية في المرفأ ومن ادارته من اجل وضع تنظيم جديد للعمل داخل المرفأ وتحديد المسؤوليات، اي وضع الية تنظيمية كي لا تضيع المسؤوليات. ومن ضمن المقترحات انشاء جهاز امن المرافئ على غرار جهاز امن المطار.

وطلب الرئيس عون التشدد بأمن المرافئ لاسيما وان عملية التلحيم اجريت من دون اخذ الاحتياطات اللازمة. وكان كلام عن مواد خطرة من الأسيد وضرورة تلفها وشدد دياب على معالجة المستوعبات التي تضم مواد قابلة للأحتراق. واقترح وجود الية ال scanner. وطلب التشدد في امن المرفأ وان تتحلى الأجهزة بالوعي عند القيام بأي عمل يتصل بالتلحيم او غير ذلك.

وتم التطرق ايصاً في اجتماع المجلس الاعلى للدفاع الى موضوع المساجين، واشار وزير الداخلية الى ان نسبة الاكتظاظ هي ٢٠٠ بالمئة وهناك خشية من تفشي وباء كورونا مما يهدد بكارثة اجتماعية لكن حتى الإن لا اصابات.ومن الاقتراحات التي طرحت اقامة مستشفى ميداني في السجون او اضافة اجنحة او تخصيص غرف في المستشفيات لهؤلاء. طلب الرئيس عون وضع اقتراحات خطية لدرسها مع وزير الصحة الذي لم يكن حاضراً في اجتماع المجلس الاعلى وذلك لوضع الأمكانات موضع التنفيذ.

الانفجار
وكان حريق ضخم اندلع امس الخميس في أحد مستودعات مرفأ بيروت، حيث تخزن اللجنة الدولية للصليب الأحمر مساعدات إنسانية، ما أثار الرعب بين اللبنانيين بعد أكثر من خمسة أسابيع من الانفجار المروّع الذي حوّل بيروت مدينة منكوبة. تحدّث وزير الاشغال ميشال نجار بأن «أحدهم كان يقوم بورشة تصليح، مستخدماً صاروخاً ما أدى الى تطاير شرارة واندلاع الحريق». ورغم مرور ست ساعات تقريباً على بدء جهود الإطفاء، لم يتم إخماد النيران بالكامل.

وتمكن مواطنون مقيمون في ضواحي بيروت من رؤية سحب كبيرة لدخان أسود تنبعث من المرفأ وتغطي سماء بيروت. واندلع الحريق، وفق ما أفاد الجيش اللبناني، في مستودع للزيوت والإطارات في السوق الحرة في المرفأ. وما لبث أن تمدّد إلى مستودعات مجاورة تُخزّن فيها بضائع مستوردة. وكانت هذه المستودعات قد تضرّرت بشدة جراء انفجار المرفأ في 4 آب. وأوضح مدير عام المرفأ بالتكليف باسم القيسي، أنّ المستودع حيث اندلعت النيران يعود لشركة خاصة تعنى بشحن البضائع وتخزينها. وقال إنه «بدأ في براميل الزيت نتيجة الحرارة أو خطأ ثان» مضيفاً «من المبكر أن نعرف».

ومساء، أعلن المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط والأدنى فابريزو كاربوني في تغريدة أن «المستودع حيث اندلعت النيران تخزّن فيه اللجنة.. الآلاف من الحصص الغذائية ونصف مليون ليتر من الزيت». وأضاف «حجم الضرر لم يُحدّد بعد وقد تتأثر عملياتنا الانسانية بشكل كبير». وتعمل فرق الدفاع المدني وفوج الإطفاء بمشاركة مروحيات الجيش على إخماد الحريق منذ ساعات. إلا أن ذلك لم يحل دون تمدّد الحريق الى مستودعين آخرين على الأقل، يضم أحدهما أجهزة كهربائية منزلية.

وقال مدير العمليات في الدفاع المدني جورج أبو موسى إن «البضائع الموجودة وكميتها ونوعيتها تحول» دون القدرة على اخماد النيران بسرعة. ورجّح عون في مستهل اجتماع المجلس الأعلى للدفاع في القصر الرئاسي، أن يكون الحريق «عملاً تخريبياً مقصوداً أو نتيجة خطأ تقني أو جهل أو إهمال».

واعلن الجيش اللبناني في بيان له: اندلاع حريق في مستودع للزيوت والاطارات في السوق الحرة في مرفأ بيروت، وبدأت عمليات اطفاء الحريق، وستشارك طوافات الجيش في اخماده. واعلن المدير العام لادارة واستثمار مرفأ بيروت باسم القيسي انه سيصدر اليوم تعميماً الى جميع التجار والمستوردين يطلب منهم عدم استيراد او تخزين اي مواد او بضائع قابلة للاشتعال، وتشكل خطرا على السلامة العامة دون اذن مسبق.

وبعد وقت قصير من اندلاع الحريق، قال هيثم وهو أحد العمال في المستودع الأول الذي التهمته النيران لوكالة «فرانس برس»، «كنا نعمل وفجأة بدأوا يصرخون، أخرجوا من الشركة»، مضيفاً أن «أعمال تلحيم كانت قائمة.. واندلعت النيران، لا نعرف ماذا حصل». وتابع «تركنا كل شيء وبدأنا نركض، تذكرنا الانفجار. لم أعد أعلم هل أتصل بعائلتي أو أخوتي الذين يعملون في المرفأ». وأثار الحريق حالة من الهلع في بيروت التي ما زالت تلملم جراحها بعد الانفجار المهول الذي أوقع أكثر من 190 قتيلاً وأصاب أكثر من 6500 بجروح، عدا عن تشريد نحو 300 ألف شخص من منازلهم.

وقالت هالا التي كانت قد استأنفت امس عملها في حي مار مخايل المحاذي للمرفأ في تغريدة «كان اليوم هو أول يوم عمل لي في المكتب.. بعد إصلاحه بالكامل. بينما كنت جالسة، نظرت عبر النافذة إلى يميني لأرى دخاناً أسود ضخماً. بدأ جسدي يرتجف دون أن أتمكن من السيطرة على نفسي وملأت الدموع عيني». وتابعت «اللعنة عليهم (بسبب) صدماتنا التي لا تنتهي».

وأبدت الرئاسة الفرنسية «استعدادها للاستجابة للاحتياجات إذا لزم الأمر» مؤكدة أنّها «تتابع الوضع من قرب». وغرّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين «يحزنني أن أرى حريقاً يجتاح مرفأ بيروت مرة أخرى» مبدية تعاطفها «مع الشعب اللبناني الذي سبق وعانى من انفجار مدمر الشهر الماضي».

وأثار اندلاع الحريق امس شكوكاً لدى سياسيين وحقوقيين، خصوصاً أنه الثاني هذا الأسبوع، بعد حريق الثلاثاء اندلع وفق الجيش في الردميات المختلطة بنفايات وبقايا أخشاب وإطارات غير صالحة. وأعادت الباحثة في منظمة العفو الدولية ديالا حيدر تغريد بيان الجيش الخميس، وسألت «حبّذا لو أخبرتمونا سبب الحريق في مرفأ مدمر وموضوع تحت عهدتكم».

وسأل رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، الذي قدّم استقالته من البرلمان إثر الانفجار «كيف يمكن أن يندلع حريق جديد رغم وجود كافة الأجهزة الأمنية والقضائية في مسرح جريمة مرفأ بيروت؟». وطالب «الأمم المتحدة بوضع يدها على التحقيقات».

تحقيق الانفجار
على صعيد التحقيق، استمع المحقق العدلي القاضي فادي صوان الى مدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا كشاهد. ووفقا لما سرّب قدم اللواء صليبا شرحاً تفصيلياً لمعطياته والاجراءات التي اتخذت، بما في ذلك رفع كتاب الى المجلس الاعلي للدفاع واعلامه بما يحصل، لا سيما بعد اشارة النيابة العامة التمييزية.

22437
صحياً، سجلت وزارة الصحة 560 اصابة بفايروس Covid-9, مع سبع وفيات، ليرتفع عدد الحالات المثبتة مخبرياً الى 22437.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 


البناء
ترامب «يبشر» بانضمام السعوديّة للتطبيع… والجامعة العربيّة تسقط مشروع قرار إدانة الإمارات
حريق المرفأ: مخاوف تخريب لتحفيز التحقيق الدوليّ… ومجلس الدفاع يقرّر مكتباً للأمن
إبراهيم وإيميه لغرفة إنعاش تمنع الفشل الحكوميّ… وتداعيات العقوبات تحكم المشهد
في المنطقة موعد قريب لتوقيع الاتفاقية بين كيان الاحتلال ودولة الإمارات برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحادث هاتفياً مع الملك السعودي، ليخرج “مبشراً” بأن السعودية لن تتأخر عن الالتحاق بمسيرة التطبيع، بينما الجامعة العربية تسقط مشروع القرار المقدم من ممثل فلسطين لإدانة التطبيع الإماراتي.
في لبنان حريق جديد في مرفأ بيروت شغل العاصمة واللبنانيين وأعاد الهلع الذي تولد من ذكريات يوم التفجير، بينما في الذاكرة استحضار للاغتيالات التي رافقت مسعى فرض تشكيل المحكمة الدولية، وتساؤل عما إذا كان التحقيق الدولي يستدعي تكرار الحرائق، ما يعني إبقاء فرضيّة الحريق المدبّر كما التفجير المدبّر على الطاولة، ولو كانت أدلة الإثبات صعبة كما هو الحال مع كل عمل مخابراتي محترف وعالي الدقة، لكن التوقيت والسياق السياسي سيبقي الفرضية على الطاولة، خصوصاً عندما يظهر أن لبنان تحت المجهر الأميركي رغم الانشغال الانتخابي الذي يجري ملء أيامه بضغوط تستهدف لبنان، مرة بتعليق الاتفاق حول الترسيم البحري طلباً لمزيد من التنازلات، ومرة بعقوبات ضاغطة لتزخيم هذا الطلب.
مجلس الدفاع الأعلى الذي انعقد لبحث الحريق بطلب من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مستهجناً الحريق الكبير في المرفأ، واضعاً فرضية التخريب كأحد الاحتمالات، قرر تشكيل مكتب لأمن المرفأ على شكل مكتب أمن المطار، منعاً للفوضى في الصلاحيات بين الأجهزة والهيئات الإدارية المعنية بالمرفأ.
سياسياً، دخل الملف الحكومي في غرفة الإنعاش مع مصاعب يعرفها المعنيون بالملف الحكومي رغم عدم اعترافهم بها، تعكسها حال الغموض وانقطاع الاتصالات كتعبير عن المأزق، مع تسريبات إعلامية تنقل مناخات تتحدث عن حكومة أمر واقع بعددها وتشكيلتها وتوزيع الحقائب فيها، وتضع فرضيتي قبولها من رئيس الجمهورية ونيلها الثقة على قاعدة عدم التعطيل وترك الحكومة تخوض معركة إثبات أهليتها في إدارة الملفات التي يعتقد ممثلو الكتل النيابية أنّها تحتاج لشراكة وطنيّة جامعة وإدارة سياسية بامتياز، وتصف دعوات إبعاد السياسة عن الحكومة والوزراء بالهرطقة التي تخفي نيات حكومة لون واحد مموّهة باسم الاختصاصيين، بمثل التوصيفات التي أطلقها الذين قاموا بتسمية الرئيس المكلف كمرشح توافقي لتشكيل حكومة جامعة بدلاً من الحكومة التي قالوا عنها إنها حكومة لون واحد مموّهة باسم التكنوقراط.
غرفة الإنعاش الحكومية انعقدت في باريس، في لقاء ضم مدير المخابرات الفرنسية السفير السابق برنار إيميه، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وسط تكتم من الطرفين حول النتائج. وقد نقل اللواء إبراهيم حصيلة المشاورات لرئيس الجمهورية فور عودته، ونقلت مصادر متابعة تفاؤلاً رئاسياً بالتوصل قريباً لتشكيلة حكومة ترضي الجميع، لكن المصادر قالت إن الوضع زاد تعقيداً في ظل العقوبات الأميركية التي طالت فريق الثامن من آذار، الذي وجد نفسه معنياً من باب الاحتياط بدرس خيار البقاء خارج الحكومة إذا كان المطلوب ترويضه وإخضاعه لدفتر الشروط الأميركي، ولتتحمّل الحكومة مسؤولية مواجهة التحديات من ترسيم الحدود إلى الأزمات المالية، وسيكون عندها الخيار هو مراقبة عمل الحكومة ومحاسبتها سواء في المجلس النيابي أو في الشارع إذا اقتضى الأمر.

حريق المرفأ
فيما كانت الأنظار منصبّة على قرار العقوبات المالية الأميركية على الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس وتداعياته المحتملة على الساحة السياسيّة الداخلية لا سيما ملف تأليف الحكومة، خطف الحريق الكبير الذي اندلع في مرفأ بيروت الأضواء السياسية والإعلامية والشعبية، حيث كانت عدسات الكاميرات تنقل الوقائع الميدانية لتطور الحريق مباشرة على الهواء لترسم علامات استفهام حول الأسباب الحقيقية للحادث والأهداف والجهات المستفيدة منه واحتمال أن يكون حادثاً عرضياً ناتجاً عن خطأ تقني أم مفتعلاً كما قال رئيس الجمهورية ميشال عون أمس. وفي مطلق الأحوال فإن ذلك لا يلغي مسؤولية الجهات المختصة المسؤولة عن إدارة وأمن المرفأ وتقصيرها وإهمالها في هذا الحادث وغيره.

ولم ينفض مرفأ بيروت عنه غبار تفجير الرابع من آب الماضي، حتى اندلع حريق كبير في مستودع للزيوت والإطارات في السوق الحرة في مرفأ بيروت، بقيت أسبابه مجهولة في الساعات الأولى مع مخاوف عمال المرفأ والمواطنين في المناطق القريبة من حدوث انفجار قبل أن يعلن وزير الأشغال في حكومة تصريف الأعمال ميشال نجار أن «المعلومات الأولية تفيد بأن أحدهم كان يقوم بورشة تصليح مستخدماً «صاروخ» ما أدّى الى تطاير شرارة واندلاع الحريق». ولفت نجار الى أن «الحريق اندلع في مستودع بعيد عن العنبر رقم 12».

وفيما أفيد أن سبب الحريق حصل بعدما طلبت إحدى شركات الإطارات من إدارة المرفأ سحب بضاعة تعود لها موجودة في المرفأ قبل حصول تفجير 4 آب فحضر عمال تلحيم لتخليص البضاعة من أحد العنابر فقاموا بقص أحد الحواجز الحديدة بصاروخ التلحيم ما أدى الى تطاير شرارة نار الى هذه المواد واشتعالها، وتساءلت مصادر مراقبة كيف يسمح لعمال صيانة وتلحيم الدخول الى المرفأ والقيام بأعمال تلحيم وتخليص بضاعة من داخل عنابر مهدّمة من دون رقابة أمنيّة وإدارية وفنية والتأكد من عدم وجود مواد قابلة للاشتعال قريبة من مكان التلحيم؟

بدوره، أعلن المدير العام لمرفأ بيروت باسم القيسي أنّ الحريق حصل في السوق الحرة في مبنى إحدى الشركات التي تستورد زيت القلي وامتدّ الى الإطارات المطاطية التي تسببت بالدخان الأسود الكثيف. وتابع النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات من مكتبه الحادث، وطلب من الأجهزة الأمنية كافة إجراء تحقيقات بالسرعة القصوى لكشف ملابسات الحريق. كما طلبت وزيرة العدل ماري كلود نجم من عويدات إجراء تحقيق فوري ومعمّق نظراً لدقة الموضوع وخطورته، والمتابعة المباشرة والانتقال الى المرفأ لإجراء ما يلزم لجلاء واقع الحال تمهيداً لترتيب المسؤوليات وإجراء الملاحقات اللازمة.

وفور نشوب الحريق هرعت وحدات من الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني وأفواج إطفاء بيروت والضاحية الجنوبية وعملوا على إخماد الحريق. لكن النيران اشتدت بعد الظهر وامتدت لتلتهم كل الإطارات الموجودة في مكان الحريق في المرفأ وتطايرت الإطارات المشتعلة في الهواء بفعل قوة الحريق، وارتفعت سحب الدخان الأسود بشكل كبير في سماء بيروت، وطلبت القوى الامنية من المواطنين والإعلاميين الابتعاد من مسرح الحادثة بعد تطور الحريق وما يشكله من خطر على المنتشرين في محيط المرفأ. ويذكر أن الجيش قام منذ حوالي الأسبوع بنقل حوالي 4 أطنان من نيترات الأمونيوم كانت مخزنة في المرفأ وعمل على تفجيرها في أحد المناطق الجبلية، ما يدعو للتساؤل أي كارثة كانت حلت ببيروت لو بقيت هذه المواد الخطيرة في المرفأ وحصل حريق الأمس؟ ومن يضمن عدم وجود مواد خطيرة في المرفأ حتى الساعة وحصول حرائق أخرى ما دام إهمال المسؤولين عن المرفأ مستمراً؟

وبحسب مصادر ميدانية فقد سُمعت أصوات إنفجارات صغيرة في مكان الحريق وعن وجود أدوات كهربائية ومواد غذائية في المستودع. وأعلن الصليب الأحمر الدولي أن المستودع الذي احترق في مرفأ بيروت يحتوي على آلاف الطرود الغذائية و500 ألف ليتر من الزيوت. كما أفادت المعلومات عن وجود مواد ملتهبة سريعة الاشتعال كالمطاط والزيوت ما استدعى تعاملاً استثنائياً مع الوضع من قبل أفواج الإطفاء من خلال زيادة مادة الرغوة الى المياه ما يكون طبقة عازلة من أجل منع الاوكسيجين عن النيران، وبالتالي المساعدة في عمليات إخماد الحريق.

انتشرت صورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للبضاعة المكدّسة في المستودع الذي احترق وتظهر الصورة توضيب كميات كبيرة من إطارات السيارات وأمامها “كراتين” لم تُعرف المواد الموجودة بداخلها. وظهرت أن الأغراض موضبة بشكل فوضويّ، ما ساهم بانتشار الحريق بسرعة كبيرة. كما أظهرت وجود كيمات كبيرة من الملفات التابعة لجهاز الجمارك مصفوفة بالقرب من الإطارات في المستودع. وقبيل حلول المساء تمكنت عناصر الدفاع المدني وفوج الإطفاء وطوافات الجيش من تطويق الحريق بشكل كامل بعد محاصرة بقعة النار.

مجلس الدفاع الأعلى
وعقب اندلاع الحريق دعا الرئيس عون المجلس الاعلى للدفاع للانعقاد في قصر بعبدا بحضور رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب والوزراء المختصين وقادة الاجهزة الامنية والعسكرية والقضائية. وأكد الرئيس عون في مستهل الاجتماع أنه «لم يعد مقبولاً حصول أخطاء اياً يكن نوعها تؤدي الى هكذا حريق خصوصاً بعد الكارثة التي تسبب بها الحريق الأول». ورأى أن «حريق اليوم قد يكون عملاً تخريبياً مقصوداً او نتيجة خطأ تقني او جهل او إهمال، وفي كل الأحوال تجب معرفة السبب بأسرع وقت ومحاسبة المسبّبين». وشدد عون على أن «العمل اليوم يجب أن ينصبّ على درس الإجراءات الفعالة لضمان عدم تكرار ما حصل».

وطلب المجلس من الأجهزة المعنية وإدارة المرفأ التدقيق والكشف على محتويات العنابر والمستوعبات الموجودة في المرفأ حالياً. وعرض المجلس مسألة البضائع والمواد الموجودة في المستودعات في المرافئ والمطار، لا سيما الخطرة منها، والتي يتوجب تلفها او التخلص منها وفقاً للأنظمة والقوانين المرعية الإجراء، تفادياً لأي حوادث كارثيّة قد تحصل من جراء خزنها. وقرّر المجلس بحسب المعلومات إنشاء مكتب أمن المرفأ لتوحيد الجهود الأمنيّة تحت أمرة واحدة شبيهة بأمن المطار، فيما دعت مصادر سياسيّة الى أن يتسلم الجيش إدارة المرفأ.

وإذ رأى البعض أن الحريق مفتعل للعبث بمسرح جريمة تفجير بيروت وطمس بعض الأدلة وبعض ملفات الجمارك المهمة، رأى البعض الآخر أنه خطوة أخرى لاستكمال القضاء على مرفأ بيروت، لكن المعلومات وفق التحقيقات الأولية تستبعد فرضية العمل المدبّر، مشيرة الى أن أجهزة التحقيق الأمنية والقضائية اللبنانية والدولية انتهت من مسح المرفأ وأخذ العينات والأدلة الجنائية الخاصة واللازمة بتفجير المرفأ وبالتالي لا مصلحة لأحد بإحداث حريق لإخفاء أدلة معينة.

تحقيقات تفجير المرفأ
وكان المحقق العدلي القاضي فادي صوان أنهى استماعه الى إفادتي وزير الأشغال في حكومة تصريف الأعمال ميشال نجار والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا كشاهدين في جريمة انفجار المرفأ على أن يستمع خلال أيام الى افادة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي كان موجوداً في باريس. وأفادت المعلومات أن وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال طلبت أمس، من هيئة التفتيش القضائي التحقيق مع مَن يلزم بشأن التسريبات المتواصلة للتحقيقات في ملف انفجار المرفأ لجلاء واقع حال التسريب وترتيب النتائج.

لا تقدّم حكومياً
لم يسجل الملف الحكومي تقدماً قبيل أيام من انتهاء المهلة الفرنسية وسط تضارب في المعلومات بين أجواء ايجابية تتحدث عن شبه اتفاق بين الرئيس عون والرئيس المكلف على بعض النقاط الأساسية لتأليف الحكومة تترجم بزيارة لأديب خلال أيام لعرض تشكيلته الأولى على رئيس الجمهورية، وبين أجواء سلبية تتحدث عن تصلب في الموقف لدى عون وأديب فضلاً عن تمسك الثنائي أمل وحزب الله بحقيبة المال من الحصة الشيعية ما سيدفع الرئيس المكلف الى الاعتذار، حيث نقل عنه أنه جدّي في الاعتذار. وأشارت معلومات “البناء” الى تدخل فاعل لرؤساء الحكومات السابقين مع الرئيس المكلف في عملية التأليف الى جانب ضغط فرنسي كبير على السياسيين اللبنانيين.

انشغال رئيس الجمهورية بمتابعة مستجدات حريق المرفأ وترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، دفع بالرئيس المكلف إلى تعديل موعد زيارته التي كانت مقررة الى بعبدا بعد ظهر أمس، بحسب معلومات “البناء” لاطلاع رئيس الجمهورية على شبه تشكيلة وضعها للحكومة تتضمن مجموعة من الأسماء، وتوقعت المصادر أن يتوجه أديب غداً السبت الى بعبدا للقاء رئيس الجمهورية لاطلاعه على التشكيلة؛ وفي حال وافق عون ستعلن مراسيم التأليف نهار الأحد أو الاثنين على أبعد تقدير، أما إذا طلب إدخال تعديلات ورفضها أديب فربما ننتقل الى جولة مفاوضات تأليف جديدة أو اعتذار الرئيس المكلف. وأحد الاحتمالات التي يتم تداولها في الكواليس والمستبعدة حتى الآن هي أن يوقع عون مرسوم تأليف الحكومة بلا مشاركة الأحزاب، لكن معلومات “البناء” تتحدث عن أجواء ايجابية وعن تسوية حكومية يجري طبخها في مطبخ التأليف من 22 أو 24 وزيراً ولكل وزير حقيبة كما يريد عون وإرضاء الرئيس نبيه بري بأن تبقى وزارة المالية مع حركة أمل مع تردد لإسم طلال فيصل سلمان غير المنتمي الى جهة حزبية ومن أصحاب الكفاءات وقريب من المجتمع المدني. ونُقل عن الرئيس بري استعداده لطرح مجموعة أسماء للمالية على الرئيس المكلف على أن يختار من بينها مَن يشاء. لكن في حال إعطاء المالية لحركة أمل ستتجه الطوائف والأحزاب الأخرى إلى التمسك بالحقائب السياديّة الأخرى كالخارجية والداخلية والدفاع ما سيزيد الأمور تعقيداً لكون الرئيس المكلف بحسب معلومات “البناء” مصراً على اختيار وزراء للوزارت السيادية والأساسية والحساسة والمختصة تحديداً ببرنامج الإصلاح وبدعم فرنسيّ قويّ.

وكان اللواء عباس إبراهيم أنهى في باريس مهمة كلفه بها رئيس الجمهورية بلقاء خلية الازمة في قصر الاليزيه المكلفة الملف اللبناني. وعقد ابراهيم في يوم واحد سلسلة لقاءات لا سيما مع السفيرين برنار ايمييه وايمانويل بون تتعلق بمسار المبادرة الفرنسية من مختلف وجوهها لا سيما الشق المتعلق بتشكيل الحكومة. وفور عودته زار إبراهيم رئيس الجمهورية واطلعه على نتائج مباحثاته مع ايميه والفريق المكلف متابعة المبادرة الفرنسية، لا سيما ما وصله مسار تشكيل الحكومة. ونقل ابراهيم الى الرئيس عون اهتمام فرنسا بمتابعة ما اتفق عليه خلال زيارة ماكرون خصوصًا لجهة الإسراع في تشكيل الحكومة التي يجب ان تضم اختصاصيين في مجالاتهم لا يلقون معارضة من ممثلي الأحزاب.

ولفتت مصادر “البناء” الى أن الحكومة ستولد في وقت قريب لوجود ضغط فرنسي كبير على جميع القوى السياسية مرفق بالتهديد بسيف العقوبات وما يعزز ذلك ما نقل عن مصدر رئاسي فرنسي بأن الرئيس امانويل ماكرون يتابع عن كثب جهود تشكيل حكومة جديدة في لبنان.

تهديد فرنسيّ بالعقوبات
وكشف المصدر الرئاسي الفرنسي أن «العقوبات على مسؤولين لبنانيين غير مستبعدة ولن تبدأ إذا حصل تقدم بتشكيل الحكومة»، وأشار إلى تاريخ المؤتمر الدولي حول لبنان في تشرين الاول مرتبط بتشكيل حكومة لبنانية. وأكد المصدر أن المعلومات الإعلامية عن إلغاء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان في كانون الاول غير صحيحة.

وتوقفت مصادر سياسية متابعة عند ربط المصدر الرئاسي الفرنسي العقوبات بمدى التقدم بعملية تأليف الحكومة، ما يؤكد بحسب ما قالت المصادر لـ”البناء” أن “العقوبات الأخيرة هي سياسية ومرتبطة بالموضوع الحكومي وتؤشر الى تنسيق أميركي فرنسي وتوزيع أدوار لفرض مطالب أميركية في الحكومة منها تقليص نفوذ حزب الله وحلفائه في الحكومة”. مضيفة أن “الأميركيين ومن خلال هذه العقوبات يمهدون للفرنسيين لإكمال الضغط على القوى السياسية اللبنانية لفرض التسوية الفرنسية على الجميع، لأن الفرنسيين الذين أتوا الى لبنان تحت ستار رعاية التسوية ومساعدة لبنان وإعمار المناطق المنكوبة بعد تفجير المرفأ وتعاطفهم مع اللبنانيين، لا يستطيعون فرض عقوبات على لبنان أو تبني العقوبات الاميركية”، وكان لافتاً غياب أي موقف فرنسي من العقوبات الأميركية!

وتشير معلومات من واشنطن أن حزمة عقوبات جديدة ستعلن خلال أيام تطال مجموعة شخصيات سياسية لبنانية من حلفاء حزب الله ومن محسوبين على الولايات المتحدة بتهم الفساد وعرف منهم بحسب معلومات “البناء” مدير مكتب الرئيس سعد الحريري السابق وابن عمته نادر الحريري.

إسقاط مسيَّرة إسرائيليّة
على صعيد آخر، أعلن الجيش اللبناني في بيان إسقاط طائرة مسيّرة إسرائيلية، بعد دخولها الأجواء اللبنانية فوق بلدة عيتا الشعب. وأوضح البيان أن الطائرة “أسقطها عناصر أحد مراكز الجيش، على مسافة تبعد 200 متر، من الخط الأزرق، داخل الأراضي اللبنانية”. ولاحقاً أعلن جيش الاحتلال سقوط طائرة مسيرة تابعة له في جنوب لبنان، مشيراً الى أن لا خشية من تسرب معلومات أمنية منها.