افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم السبت 11 كانون الثاني، 2020

افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم السبت 11 كانون الثاني، 2020

اللواء
التأليف يدخل "مأزق الصلاحيات": لا تقدُّم ولا إعتذار
دياب يستنجد: رئاسة الحكومة ليست مكسر عصا.. بعبدا لسحب التكليف.. والثنائي غاضب

لا مراء في ان عملية تأليف الحكومة، دخلت في "الأسر" أو المحاصرة. ومع ذلك، يجزم النائب اللواء جميل السيّد بأن الرئيس المكلف حسان دياب، لن يعتذر، وهو سيؤلف حكومة من الاخصائيين، وعدد وزرائها 18 وزيراً.
وعلى وقع تصاعد انهيار قوة الليرة الشرائية امام جنون سعر صرف الدولار في السوق السوداء الموازية، ان بلغ سقف 2500 ليرة لكل دولار، على همة المعلومات المتضاربة، الآخذة بالتلاعب بالأعصاب والاسعار، وصولاً إلى الاستقرار.. لزم الرئيس المكلف مقرّه، ولزم الرئيس نبيه برّي تخوم موقفه حول "حكومة لمّ الشمل"، في وقت كان الرئيس ميشال عون، يجري مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "جولة أفق في المال والنقد، ودور المصرف على هذا الصعيد".. سواء من النواحي المالية أو القانونية.

انتفاضة المكلف؟
إلَّا تطوراً حدث ليلاً، إذ خرج المستشار الاعلامي للرئيس المكلف الزميل خضر طالب إلى الإعلام، وأذاع بياناً باسم الرئيس دياب أكّد فيه انه لن يتقاعس المهمة، رافضاً ان تكون رئاسة الحكومة مكسر عصا، مصرا على مواصلة مهمته الدستورية مع الإطار المتفق عليه، حكومة تكنوقراط مصغرة.. تحت عنوان: "إنقاذ لبنان".

وتأتي هذه الانتفاضة، التي عبّرت، من خلال بيان الرئيس المكلف عن استنجاد، حتى لا تكون رئاسة الحكومة مكسر عصا، وسط معلومات عن ان فريق بعبدا والتيار الوطني الحر يدرس احتمال سحب التكليف من دياب، الأمر الذي فاقم استياءه.

وفي السياق، علمت "اللواء" ان "حزب الله" اعرب عن غضبه مما تناهى إليه من موقف تبلغه سفراء اوروبيين ومنسق الأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش، حول ضرورة ضبط النفس والحفاظ على الاستقرار والهدوء على الجهة الجنوبية، من ان حزب الله لن يقدم على أي عمل و"موقفه مضمون".. وذلك بالتزامن، مع اعتراض الرئيس نبيه برّي على ان يكون لأي طرف الثلث المعطل في الحكومة، في معرض الكلام عن مطالبة الوزير باسيل بأنه يسمي الوزراء المسيحيين، باستثناء الوزير الذي يختاره تيّار "المردة" لوزارة الاشغال خلفاً للوزير في حكومة تصريف الأعمال يوسف فنيانوس.

وكشفت مصادر المعلومات ان الوزير باسيل يعارض بقوة تصريف الأعمال، وفقاً لما يطالب به الرئيس برّي، موجه عتاباً حاداً لوزير البيئة فادي جريصاتي الذي تفقد مكب النفايات أمس (الخبر في مكان اخر).

وقالت المصادر ان باسيل وفريقه يعارضان بشدة عودة الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة بما في ذلك تصريف الأعمال أو تعذر، في زحمة المأزق الحالي، الذي أصبح مأزق صلاحيات، في ظل محاولة الفريق الحاكم تسمية الوزراء، موضع الفيتوات، وحرص الرئيس المكلف على ممارسة صلاحياته، بتأليف الحكومة وفقاً للمعايير التي كشفها في بيانه ليل أمس.

لا جديد حكومياً
وعليه، لم يطرأ أي جديد نوعي، أمس، حول عملية تشكيل الحكومة، باستثناء محاولات "الشد والرخو" بين الأطراف المعنية، وقفز سعر الدولار، لدى السوق الموازي الـ2500 ليرة، بسبب غياب التفاؤل بتأليف الحكومة والأوضاع غير المستقرة في المنطقة، في حين ينتظر الجميع ويتابع ويترقب ابعاد موقف الرئيس نبيه برّي، والكباش الدائر بين الكواليس بين عين التينة وميرنا الشالوحي، حول الثلث المعطل، وحكومة "لم الشمل"، فيما لم يحصل أي اتصال بين الرئيس المكلف حسان دياب بالرئيس ميشال عون. و لم تتأكد المعلومات عن اتصاله او لقائه مع معاون الرئيس بري الوزير علي حسن خليل والمعاون السياسي للامين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل.

‏واوضحت مصادر مقربة من بعبدا ان الرئيس عون منزعج من التأخير بتشكيل الحكومة، لكنه متمسك بوحدة معايير التشكيل وبما اتفق عليه مع الرئيس دياب.‏ وذكرت ان الرئيس عون قدم ملاحظات وتعديلات على التشكيلة التي عرضها عليه الرئيس دياب خلال لقائهما الاخير، وينتظر اجابات منه.

‏لكن المصادر اكدت ان الوقت بات ضاغطاً على الجميع ولم تعد هناك امكانية للانتظار اكثر نسبة الى خطورة الاوضاع.

واشارت مصادر اخرى الى انه لا موعد لولادة الحكومة طالما ان البحث عاد الى مربع شكلها، اختصاصيين ام مطعّمة بسياسيين يواكبون الاوضاع الخطيرة المستجدة داخلياً واقليمياً، علماً ان هذه الأوضاع تتدحرج من سيء إلى أسوأ، على حدّ ما قال الرئيس برّي.

غير ان النائب اللواء جميل السيّد، المعروف عنه انه "عراب مجيء الرئيس دياب إلى نادي رؤساء الحكومة"، كشف في تغريدة له على "تويتر"، ان الرئيس المكلف، خلافا لكل ما يشاع مُصر على حكومة تكنوقراط ولن يعتذر".

ولفت إلى انه جرى التوافق على حكومة من 18 وزيراً تكنوقراط بلا وزراء من الحكومة السابقة، وانه بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني جنح الرئيس برّي لحكومة مختلطة وكذلك الرئيس عون والوزير جبران باسيل، ثم تراجعا إلى تكنوقراط، فيما تريث حزب الله ولم يُبدي رأيه".

وفهم ان النائب السيّد تبرع للدفاع عن الرئيس دياب، الذي استهدف "بحرب اعلامية" عبر مواقع التواصل الاجتماعي تروج عن اعتذاره عن المضي في المهمة التي كلف بها، ما دفع بأسعار الدولار في السوق الموازنة لدى الطرفين إلى ان تقفز بعد الظهر إلى ما فوق الـ2500 ليرة، رغم ان السعر كان قد سجل انخفاظاً قبل الظهر.

ولاحقاً، أصدر المكتب الإعلامي لرئيس المكلف بياناً ردّ فيه على خبر التداول بموضوع الاستقالة بسبب رفع الغطاء عن بعض الأفرقاء والدعوة إلى تكليف جديد لرئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري. مؤكدا ان هذه الاخبار مفبركة وغير صحيحة على الاطلاق، وان الأمور تسير بالشكل الصحيح مع بعض الوقت، علماً ان الحكومة السابقة لم تتألف قبل حوالى 9 أشهر فاقتضى التوضيح".

بيان الرئيس المكلف
وأضاف الرئيس المكلف، على هذا التوضيح، بياناً اذاعه ليلاً الزميل خضر طالب عبر شاشة L.B.C جدد فيه التزامه بالمعايير التي وضعها لتشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة، مؤكداً انه لن يرضخ للضغوط ولا للتهويل ولن يتقاعس عن استكمال مهمته، ولن يقبل ان تصبح رئاسة الحكومة مكسر عصا في إشارة واضحة إلى اشتباك يجري خلف الكواليس، من دون توضيح طبيعة أو مع من، وان كان الاعتقاد انه بمثابة ردّ على الرئيس برّي.

وبحسب ما جاء في بيان الرئيس دياب، فإن الاتفاق حصل مع الأفرقاء كافة على الإطار العام للحكومة والذي يتضمن 6 عناوين هي: حكومة مصغرة من 18 وزيراً وفصل النيابة عن الوزارة، حكومة اختصاصيين غير حزبيين، مشاركة المرأة بحصة وازنة، وإلغاء منصب وزير دولة، وعدم مشاركة وزراء حكومة تصريف الأعمال التي اسقطها الحراك الشعبي.

وقال دياب انه مقتنع بأن المعايير التي وضعها لتشكيل الحكومة قد تشكّل خشبة خلاص لوقف الانهيار الحاد الذي نشهده على كل المستويات في لبنان، الا ان كشف عن ضغوط يتعرّض لها من دون توضيح بطبيعة هذه الضغوط ومن هي الجهة التي تقوم بها، وان كان بات مفهوماً انها تعود لنفس الكتل والجهات الحزبية التي سمته لتشكيل الحكومة.

وفي تقدير مصادر مطلعة ان ما صرّح به رئيس المجلس وحزب الله استدعى إعادة نظر بملف تأليف الحكومة فإما ان يُصار الىدمج الأختصاص والسياسة في شكل الحكومة لتصبح تكنوسياسية وحكما يتم رفع العدد ليصبح عدد الوزراء 24 وزيرا او اعتماد حكومة التكنوقراط او الاختصاصيين كما يريد الرئيس المكلف.

وعلم ان هناك نقاطا كان قد اثارها عون من في لقائه الأخير مع دياب وهو ينتظر الأجابة عنها.

وأبرز هذه الملاحظات أو الاعتراضات ثلاث عنها الوزير باسيل في مقابلته التلفزيونية المطولة الاخيرة:

– دقة المرحلة وحراجة المهمة المنوطة بالحكومة، تستدعي عدم تسليم الوزير أكثر من حقيبة واحدة، وبالتالي وجوب إعادة النظر بفكرة دمج الحقائب.

– وحدة المعايير بالنسبة للتوزير لأشخاص كانوا تسلموا مسؤوليات في حكومات سابقة.

– إعادة توزيع الحقائب، وفق الصيغة التي طرحها الرئيس المكلف.

وقالت مصادر مطلعة لـ"اللواء" ان الأمور مجمدة الآن ما قد يتطلب تحركاً تجديداً في حال بقيت من دون حل.

الثلث المعطل
وأكدت مصادر متابعة لعملية تشكيل الحكومة الجديدة انه لم يسجل اي تقدم ولو جزئي منذ اللقاء الأخير الذي حصل بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بل يمكن القول أن العملية توقفت عند إصرار الوزير باسيل وتأييد عون بأن يكون جميع الوزراء المسيحيين بالتشكيلة المرتقبة ماعدا وزير واحد لتيار المردة، من حصة التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية مع رفض إعطاء الرئيس المكلف أي وزير مسيحي ضمن حصته. وهذا ماتسبب في رفض مطلق من زعيم تيار المردة سليمان فرنجية الذي يطالب بوزيرين في الحكومة الجديدة واحد يمثل المردة والآخر يمثل حلفاؤه النواب المسيحيين. كذلك يصر الرئيس المكلف على أن يكون أحد الوزراء المسيحيين وبالتحديد ديميانوس قطار الذي يرفضه باسيل باعتبار أنه وزير سابق وخارج المعايير المعلن عنها منذ البداية لتشكيل الحكومة في محاولة مكشوفة لابعاده عن الحكومة الجديدة، في حين يرفض الرئيس نبيه بري بشكل قاطع أن يكون للتيار العوني ورئيس الجمهورية حصة الثلث المعطل تحت اي حجة كانت وهذا الموقف ليس بعيدا عن حزب الله أيضا بالرغم من عدم اعلانه.

وتضيف المصادر أن آخر طرح نقل الى باسيل ان تكون حصة التيار ورئيس الجمهورية خمسة وزراء فقط على أن يتم اختيار الوزير السادس بمشاركة من أكثر من طرف ولا ينحاز ضد أي منهم ولكن لايبدو انه يلقى قبولاباعتباره يتعارض مع مطلب عون والتيار الوطني الحر الذي يصر على أن يكون له وثمانية وزراء في الحكومة الجديدة.

وفي المقابل ترفض مصادر الفريق الرئاسي تأخر الرئيس المكلف ببت مصير التشكيلة الحكومية وتعتبر ان هذا التأخير غير مبرر ويضر بالعهد وإذا استمر على هذا الحال سيكون هناك توجه لاعادة النظر بالتعاطي معه،بينما ترى أن مواقف الرئيس بري الاخيرة لا تسهل عملية التشكيل، في حين أن دعوته لاعادة تفعيل حكومة تصريف الأعمال تتعارض مع مساعي التأليف و مرفوضة كليا لعدم وجود أي رغبة لاعادة التعاون مع الرئيس الحريري بهذا الخصوص.

تعاميم جديدة لمصرف لبنان
الى ذلك، علمت "اللواء" ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة طلب خلال لقائه رئيس الجمهورية تغطية سياسية لبعض الإجراءات التي يريد اتخاذها لتوحيد المعاملات المصرفية العادية والمألوفة مع العملاء كي لا تكون هناك استنسابية في التعامل مع المصارف اي توحيد التعامل من دون الدخول بما يسمى بالكابيتال كونترول المقنع كما هو اليوم وتنظيم ذلك بموجب تعاميم.

وعلم انه تم الطلب منه معرفة التعاميم التي سيصدرها سلامة وارسال مشاريع التعاميم الى القصر الجمهوري، وهو كان قد وجه كتابا الى وزير المالية علي حسن خليل الذي سيطلب صورة عن التعاميم اي ماهية الصلاحية الاستثنائية التي يطلبها الحاكم في موضوع توحيد تعامل المصارف مع العملاء منعا للاستنسابية وعدم المساواة.

كما علمت "اللواء" ان تطمينات ظهرت عن عدم اللجوء الى الـhair cut وانه ليس هناك من مصارف في حال تعثر اما دمج المصارف فهو وارد لجعلها مصارف قادرة على التصدي للأزمة. وكان الجو مريحا في اللقاء في قصر بعبدا وعلم ان هناك قلقا لدى رئيس الجمهورية وبادر الى طرح اسئلة محددة جدا والقصر ينتظر ابلاغه التعاميم التي يصدرها لمنع استنسابية تعامل المصارف مع عملائها.

تحركات احتجاجية
وجاءت حركة الحاكم سلامة، والتي شملت أيضاً زيارة لبكركي، في وقت اعتصم فيه محتجون امام محال الصيارفة في شارع الحمراء هاتفين بشعارات "ليرتنا هي الخيار لا يورو ولا دولار"، كما واصل آخرون التحرّك امام مؤسسات الكهرباء في المناطق احتجاجاً على انقطاع التيار، رغم تحسنه أمس في العاصمة.

كذلك اعتصم محتجون امام مبنى ديوان المحاسبة في بيروت احتجاجاً على عدم توقيع العقد بين وزارة الاتصالات و"أوجيرو" وللمطالبة بتمرير العقود الجديدة بين شركتي الهاتف الخليوي بمناقصات شفافة بعيداً من المحاصصة.

وفي بيروت أيضاً نفذ اعتصامان امام بلدية العاصمة في الوسط التجاري، الأوّل لمطالبة رئيس البلدية والمحافظ بالاستقالة احتجاجاً على الفساد و"التلزيمات بالتراضي" والثاني للتضامن. وحاول الناشطون المحتجون اقتحام مقر البلدية، ورمى أشخاص من المجموعة الرافضة للاعتصام والمتضامنة مع البلدية والمحافظة، المجموعة المطالبة باستقالة المحافظ ورئيس البلدية بالحجارة وسجل اصابة احدى الفتيات، ‎وحصل إشكال بين الطرفين وعملت عناصر قوى الأمن الداخلي على تفريق المتظاهرين، وتم قطع السير عند تقاطع جريدة النهار وسط بيروت وتحويله الى الطرق الفرعية.

وأعلنت قيادة الجيش- مديرية التوجيه في بيان ان "في تاريخ 9/1/2020، أقدم عدد من الشبان على قطع الطريق العام في منطقة البداوي بواسطة الحجارة الاسمنتية، وعلى الفور تدخلت الوحدات المنتشرة في المنطقة لفتح الطريق، فأقدم هؤلاء على رشق عناصر الجيش بالحجارة وقنابل المولوتوف، ما أدى إلى إصابة 14 عسكرياً بجروح مختلفة، وقد تمّ توقيف 8 أشخاص لارتكابهم أعمال شغب والتسبب بإصابة العسكريين أثناء قطع الطرقات في المحلة".

يُشار إلى ان غرفة التحكم المروري أعلنت مساءً عن إعادة فتح الطريق على اوتوستراد البداوي، بعدما كان الأهالي قد قطعوها بالاتجاهين بالاطارات المشتعلة ومكعبات الباطون والحجارة، احتجاجاً على توقيف الجيش عدد من الشبان اثر الاشكال الذي حصل ليلاً بين الطرفين.

وفي طرابلس، اعتصم محتجون امام الدائرة المالية، ومنعوا الموظفين والمواطنين من دخولها، وسط إجراءات لعناصر قوى الأمن امام المدخل الخارجي، وانطلقت مساء مسيرة من ساحة عبد الحميد كرامي جالت في مختلف احياء المدينة، وقرع المحتجون الطناجر ورددوا هتافات المناهضة للسلطة ولحكم المصارف، وطالبوا الرئيس المكلف بالاعتذار عن تشكيل الحكومة.

إلى ذلك، ذكر مصدر رفيع المستوى في بعثة الإتحاد الأوروبي في بيروت أن كل المعطيات التي أحاطت بانعقاد مؤتمر سيدر على الصعيدين السياسي والإقتصادي قد تبدّلت وخاصة بعد اندلاع الثورة الشعبية في لبنان وما نتج عنها، وبالتالي أصبح شبه مستحيل تنفيذ ما وعدت به الدول التي أبدت استعدادها لمساعدة لبنان.

وقال أن ما تمر به المصارف اللبنانية من أزمة خانقة وعدم تراجع ظاهرة تهافت المودعين لسحب أموالهم وخاصة الدولار تصعّب أكثر فأكثر إمكانية إحداث أي خرق على هذا الصعيد.

وتوقع المسؤول استمرار التصنيف الائتماني السلبي الذي وصلنا إليه بفعل تقاعص السلطة السياسية في ايجاد الحلول البناءة التي تبدأ بحكومة اختصاص ولا تنتهي بعملية إصلاح إدارة واسعة النطاق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


البناء
قوى المقاومة: على الأميركي أن يخرج من المنطقة أو أخرجناه على طريقتنا…أفقياً أو عاموديا
ارتباك في المشهد الحكومي… وعودة البحث السياسي إلى شكلها… وتطمينات حول العقد
سلامة يطمئن للوضعين المالي والمصرفي… والبستاني تعلن حل أزمة الفيول وتخفيض التقنين

جددت قوى المقاومة التزامها بإخراج القوات الأميركية من المنطقة بعد كل الإشاعات جددت قوى المقاومة التزامها بإخراج القوات الأميركية من المنطقة بعد كل الإشاعات التي رافقت الرد الإيراني على اغتيال الجيش الأميركي للقائدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، وسوّقت للحديث عن تفاهمات انتهت إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الاغتيال، على قاعدة أن الأميركي نفذ العملية وأن إيران ردّت، وأن الأميركي امتنع عن الردّ على الردّ. وبالتالي تجاهل كون الردّ الإيراني هو إعلان نيات لمواجهة مستمرة حتى إخراج القوات الأميركية من المنطقة.
وجاءت المواقف الصادرة عن قيادات الحرس الثوري الإيراني، وعن قوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين واليمن لتؤكد أن المواجهة فتحت ولن تغلق قبل انسحاب القوات الأميركية من المنطقة وفقاً للمعادلة التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وكان لافتاً أن يُخصص بيان كتلة الوفاء للمقاومة النيابية، فقرة منه ليقول إن على الأميركيين أن يخرجوا من المنطقة وإلا سنُخرجهم على طريقتنا. وقالت مصادر متابعة لمسار المواجهة إن الخيار يعود للأميركيين بين الانسحاب عمودياً أي بخيارهم وعلى أقدامهم، أو أن يتم إخراجهم أفقياً، أي رغماً عنهم وبالتوابيت.
المواجهة المستمرة فرضت نفسها في كواليس السياسة حول الأسباب الحقيقية للتعثر الحكومي، رغم التطمينات التي توزعها القوى السياسية المعنية حول تمسكها بالتزامها بحكومة تكنوقراط، وحول توصيف العقد بالطبيعية أو ربطها بحقائب معينة. فالنقاش يطال شكل الحكومة مجدداً، وهو ما كان الأشد وضوحاً في التعبير عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بإعادة تأكيد تمسكه بحكومة تكنوسياسية، بينما أشارت مصادر الرئيس المكلف إلى أنه لا زال عند مشروعه بحكومة اختصاصيين، وأصل النقاش القديم الجديد تعيده مصادر واسعة الاطلاع إلى تساؤلات بدأت حول حقيبتي الخارجية والدفاع، وكيفية تصرف الأسماء المطروحة لتوليها مع تداعيات محتملة في ضوء تطورات الصراع في المنطقة خلال الشهور المقبلة، لينفتح السؤال الأهم، عما إذا كان ممكناً تلافي المخاطرة بغير وجود وزراء سياسيين موثوقين ومجربين في الأزمات، وإذا كان هؤلاء مطلوبون لهذه الوزارات الحساسة فإن صياغة القرار السياسي تستدعي وجود وزراء بغير هاتين الحقيبتين يمثلون القوى السياسية، ما أعاد إلى التداول معادلة حكومة تكنوسياسية أو حكومة سياسية؛ فيما قالت مصادر متابعة إن اتفاق الطائف قام أصلاً على جعل السلطة السياسية المنبثقة من الانتخابات النيابية منوطة بمجلس الوزراء فما هو المنطق الذي يوجب القوى السياسية التي تمثل الغالبية النيابية تمنح تفويضاً على بياض لمجهول اسمه تكنوقراط رغم الثقة بشخص رئيس الحكومة ووجود رئيس الجمهورية وخياراته، وإلا إذا كان هذا كافياً فلماذا يقوم النظام السايسي على قاعدة الانتخابات والتمثيل السياسي ويُسمّى في الدستور بالنظام البرلماني الديمقراطي؟

في قلب هذا النقاش تبدو المشاورات لتسمية الوزراء في إجازة حتى مطلع الأسبوع المقبل، حيث تكون قد تبلورت الصورة النهائية للنقاش السياسي بين القوى المعنية من جهة وبينها وبين الرئيس المكلف من جهة أخرى.

إلى الصعيد المعيشي صعد ملف تقنين الكهرباء بصورة ضاغطة إلى الواجهة مع تراجع كميات الفيول المخزنة لدى مؤسسة كهرباء لبنان، وبالتوازي سجل الدولار قفزة في أسعار البيع لدى الصرافين بصورة تسببت بالقلق لدى اللبنانيين، ما استدعى ظهور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إعلامياً ليطمئن إلى متانة الوضعين المالي والمصرفي، من دون أن يجيب على أسئلة الناس حول قانونية حجز ودائعهم من قبل المصارف، او حول التحقيقات التي تطال ما عرف بقضية التحويلات الى الخارج لمليارات الدولارات لبعض السياسيين وأصحاب النفوذ؛ بينما أصدرت وزيرة الطاقة ندى بستاني بياناً أكدت فيه العودة بالتقنين إلى ما كان عليه قبل الأزمة الأخيرة بعدما تمّ تفريغ حمولة بواخر تحمل الفيول، وأكدت توافر ما يكفي لتأمين الكهرباء حتى نهاية شهر شباط.

مع مُضي نصف المهلة التي حدّدها الرئيس المكلف حسان دياب لتأليف الحكومة، تتجه الأنظار الى النصف الثاني من المهلة أي ثلاثة أسابيع، إلا أن قطار التأليف اصطدم بجدار من التباينات الداخلية والمستجدات الإقليمية، وسط مخاوف من مخاطر التأخير في التأليف على الصعيدين الاقتصادي والمالي وتفاقم الأزمات الحياتية كالتقنين العشوائي والقاسي في التغذية الكهربائية الذي طاول العاصمة بيروت للمرة الأولى، إضافة الى عودة أزمة المحروقات الى الواجهة والارتفاع القياسي في سعر صرف الدولار الذي وصل أمس في سوق الصرافين إلى 2400 ليرة.

كل هذا في ظل غياب متعمد لحكومة تصريف الاعمال ورئيسها الغارق في إجازته العائلية ما يخالف الدستور، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أجاب لدى سؤاله عن عدم تجاوب الحريري في القيام بواجباته بتصريف أعمال الحكومة، بالقول: "مش بطيبو" للرئيس سعد الحريري أن يصرّف الأعمال انما الأمر يفرضه الدستور". ورأى بري أن "الوضع في المنطقة غير جيد والوضع في لبنان يتدحرج". وكشف عن تعقيدات تواجه التأليف. وقال: "طُرحت خلال هذا الاسبوع حكومة سياسية وليس أنا من اقترحها. فأنا مع حكومة تكنو- سياسيّة ولا أسلّم الاسماء إلا عند طباعة مراسيم الحكومة"، وشدّد برّي على أنه "غير صحيح أنني لا أريد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة حسان دياب"، وأضاف: "أتمنّى له التوفيق وساعدت ولكن هناك حدود لهذا الأمر".

وبحسب معلومات "البناء" فإن العقدة تقف على حقيبتي الدفاع والخارجية، بين الرئيس المكلف والتيار الوطني الحر الذي أكدت مصادره لـ"البناء" أن على الرئيس المكلف احترام وحدة المعايير في التأليف بين جميع القوى وما ينطبق على الوزراء الذين يسمّيهم دياب ينطبق علينا"، مضيفة: "لسنا نحن مَن يؤلف لكن من حقنا أن نشارك في أسماء ونوع الوزراء بالحصة التي تخصّنا".
واعتبر تكتل لبنان القوي بعد اجتماعه برئاسة الوزير جبران باسيل أن "المعايير الواحدة لتأليف الحكومة تسري على الجميع. فلتكن حكومة اختصاصيين، على ان تحترم وحدة المعايير وتولد حكومة اليوم قبل الغد، تجسّد ارادة الناس، والموضوع بالنسبة الينا ليس موضوع سلطة، بل يتعلّق بالبلد والأزمة وضرورة وقف الانهيار الحاصل منذ فترة، ما يتطلّب حلاً جذرياً يضع حداً للمسار الانحداري. ونحن نسهّل، ومستعدون للتسهيل الى آخر الحدود، على ان تحترم وحدة المعايير".

ونقلت قناة "او تي في" عن مصادر الرئيس المكلف تمسكه بمعاييره وثوابته الثلاثة المبدئية: لا اعتذار عن التشكيل، وحكومة اختصاصيين، ومن 18 وزيراً، اضافة الى انه لم يتبلغ من أي طرف اي موقف يناقض ما سبق وتم الاتفاق عليه عند التكليف".
وشددت كتلة الوفاء للمقاومة في بيان إثر اجتماعها الدوري في مقرها في حارة حريك برئاسة النائب محمد رعد على أن "لا مكان للوجود الأميركي العسكري في منطقتنا"، مضيفة "اخرجوا منها قبل ان نخرجكم على طريقتنا، والصلية الأولى التي وصلتكم الى قاعدة عين الأسد في انبار العراق، والكاشفة عن جرأة في اتخاذ القرار وإقدام شجاع على مستوى التنفيذ ورغم أنها أدت مهمتها الا انها ليست الا الصفعة الاولى في هذا السياق". وفي الشأن الحكومي اكتفت الكتلة بالإشارة الى أن "المستجدات المحلية والإقليمية تفرض تشكيل حكومة تنهض بمسؤولية إدارة شؤون البلاد وحماية مصالح اللبنانيين، وتولي عنايتها الفائقة لتصحيح الأوضاع المالية والنقدية والاقتصادية والمعيشية وتعيد الانتظام لعمل المؤسسات والإدارات والأجهزة كافة ومعالجة الأزمات المتراكمة".

على صعيد آخر استمر التقنين العشوائي في التيار الكهربائي في عدد كبير من المناطق اللبنانية ما أثار حملة استنكارات واحتجاجات شعبية واسعة. وأوضحت وزيرة الطاقة والمياه في حكومة تصريف الاعمال ندى بستاني في تصريح أن "التأخير في فتح الاعتمادات سبب التقنين بالإضافة إلى الطقس العاصف الذي حال دون تفريغ الفيول؛ والسبت نعود إلى التغذية التدريجية"، وأضافت: "رح نضاين بالفيول لآخر شباط، بانتظار فتح اعتمادات جديدة".
وأكدت أن "هناك مستودعات مازوت والكمية عند الشركات المستورة للنفط تكفي السوق"، وقالت: "لا أزمة مازوت".بدوره هدّد رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان سامي البراكس في بيان بالعودة الى إقفال محطات الوقود بسبب الارتفاع بسعر صرف الدولار الى 2400 ليرة وفي ظل استحالة الحصول على الدولار من قبل المصارف بالسعر الرسمي المحدد من قبل مصرف لبنان.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخبار
إعادة تكليف الحريري «غير واردة»: التأليف في مهبّ الريح
برّي: إذا ألّفوا حكومتهم فلن أشارك!

لم تكَد دعوة رئيس مجلِس النواب نبيه برّي إلى حكومة «لمّ الشمل الجامعة» تخرُج الى العلن، حتى ارتفع منسوب التحليلات بشأنها، بوصفِها توطئة لعودة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري وإطاحة خيار الرئيس المُكلّف حسان دياب، وخاصة أن حكومة الـ 18 «اختصاصياً» التي يرُيدها الأخير، ويحُاول أن يرسمها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل تجعلها منتهية الصلاحية قبلَ تدشينها. في الأيام الماضية، برزت مؤشرات على تراجع مسار التأليف الى مُربّع التعقيد في ما خصّ شكل الحكومة وطبيعتها، ربطاً بتطورات المنطقة، إثر عملية اغتيال قائد قوة «القدس» الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، وما تلاها من تداعيات. هذه التطورات بدأت تفرض أسئلة كثيرة داهمت المشهد في لبنان، عمّا إذا كانت حكومة دياب باختصاصييها قادرة على أن تكون درع حماية للبلاد في عزّ العاصفة الإقليمية، وما إذا كانت التطورات نفسها ستفرض على القوى السياسية تعديلاً في شروط التأليف، منها عودة الحريري.
هذه التحليلات تنسفها معلومات تؤكّد عدم حماسة أي من الأطراف لعودة الحريري الى رئاسة الحكومة، فالفكرة «غير واردة» عند الرئيس برّي الذي لا يزال مُتمسكاً بالرئيس المكلف حسان دياب لتأليف الحكومة، ولكن «ليسَ بالشروط أو المعايير التي تُفرض». وهذا التأكيد يُطيح كل التسريبات عن رسائل يبعث بها رئيس مجلس النواب الى الحريري لاستدراجه الى التكليف من جديد، وتشديده على عودة الحريري يتعلّق حصراً بتصريف الأعمال، إذ يبدو أن التأليف دونه عقبات كثيرة. وليسَ حزب الله بعيداً عن هذا الجوّ، فهو حتى الآن يدعم دياب في مهمته، ولن يكرّر تجربة التفاوض مع الحريري بعدَما «أُضيئت له الأصابع العشرة»، لكنه اختار الهروب من المسؤولية.
ورُغم ما يُقال عن أن القوى السياسية المعنية بتأليف الحكومة، هي على عجلة من أمرها حيال الحاجة الى تأليف حكومة جديدة، أولويّتها معالجة المأزِق المالي ــــ الاقتصادي، فإن المعطيات تتحدث عن إرباك يعترض مسار التأليف. وقد ساد في الساعات الماضية جمود شبه كامل في ما خصّ اتصالات التفاوض بين الرئيس دياب والفريق الذي سمّاه، في شأن المعايير التي ستحكُم تأليف حكومته، من انضمام وزراء من الحكومة السابقة أو أسماء التكنوقراط الذين ستسمّيهم الأحزاب، وسطَ بدعة «وزير تكنوقراط غير سياسي». وهذا الجمود أسبابه تتعلّق من جهة باللاءات ــــ الشروط التي يضعها رئيس الحكومة المكلف على التسميات، وهو ما لا يقبله بري الذي «لن يشارك في حكومة لا تعتمد المعايير المعمول بها». ثم إن التفاوض بينَ دياب من جهة، وعون وباسيل من جهة أخرى لا يزال مدار أخذ وردّ في ظل إصرار باسيل على حصة تتجاوز الثلث المعطل أو الضامن! وعلى ما يبدو أن التركيبة التي كان يجري العمل عليها قد نُسفت في الكامل، وكانت تتضمن مطالبة التيار مبدئياً بوزارات: الخارجية والبيئة والعدل والدفاع والطاقة والسياحة (الأخيرة من حصة حزب الطاشناق الذي يفضّل عودة وزيره الحالي أواديس كيدانيان)، يُضاف إليها وزارة الاقتصاد (كونها معنية بالشأن المالي) ولا سيما أن وزارات المالية والصناعة والزراعة لا تدخل ضمن حصة التيار. ومن ضمن الأمور التي استجدت «اشتراط رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الحصول على حقيبتين، وإلا فإنه لن يُشارك في الحكومة». هذه العوامل كلها متداخلة تجعل من الحكومة العتيدة في مهبّ الريح، وخاصة أن أحداً لن يقبلَ بأن تُفرض عليه أسماء الوزراء، فضلاً عن أن محاولة باسيل «التهام» حصّة الأسد في الحكومة لا تستسيغها الأطراف المعنية بعملية التأليف.

في المحصّلة، بات واضحاً أن الأيام ورُبما الأسابيع المُقبلة لن تكونَ سهلة. بانتظار إعادة تفعيل خطوط التواصل، والخطاب الذي سيلقيه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يومَ غد في ذكرى مرور أسبوع الشهيدين سليماني والمهندس ورفاقهما. وفيما ليس معروفاً ما إذا كان السيد نصر الله سيتطرق الى الملف الحكومي من جملة المواضيع التي سيتحدث عنها، لكن لا شك أن كلامه سيرسم ملامح المرحلة المقبلة، وحينها سيُبنى على الشيء مُقتضاه.
ومساء أمس، أصدر الرئيس المكلف بياناً جدّد فيه «التزامه بالمعايير التي وضعها لتشكيل الحكومة»، استناداً الى الإطار العام المتفق عليه «لأنني مقتنع بأنها قد تشكل خشبة خلاص لوقف الانهيار الحاد الذي نشهده على كل المستويات في لبنان». وقال: «سأواصل مهمتي الدستورية لتشكيل حكومة تنسجم مع الإطار العام المتفق عليه: حكومة تكنوقراط مصغرة تؤمن حماية اللبنانيين في الزمن الصعب وتنسجم مع تطلعاتهم ولديها مهمة محددة عنوانها إنقاذ البلد». وأضاف: «لن أتقاعس عن استكمال مهمتي ومتابعة اتصالاتي بالجميع ولن أقبل أن تصبح رئاسة الحكومة مكسر عصا».
برّي: إذا ألّفوا حكومتهم فلن أشارك!
بين صيغتين يرفضهما وثالثة وسطى يقبل بها، حدّد الرئيس نبيه برّي موقعه في السجال الدائر من حول تأليف الحكومة: ضد حكومة سياسية اقترحها رئيس الجمهورية، وضدّ حكومة تكنوقراط يطلبها الرئيس المكلّف. الحل الوسط المربح للجميع عنده حكومة تكنوسياسية (مقال نيقولا ناصيف).
أكثر ما يثير استغراب رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أن ما يرافق تأليف الحكومة الجديدة ليس جديداً. سبق أن خبر هذا الجدال المسهب في التأليف مع تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف حكومته في كانون الثاني 2011: حكومة اللون الواحد الذي مثلته قوى 8 آذار آنذاك، رفض تيار المستقبل والقوات اللبنانية وحزب الكتائب الانضمام إليها، جمعت سياسيين وتكنوقراط على غرار عشرات الحكومات التي سبقتها.
مع أن تأليفها طال، إلا أن الخلاف لم يقع على المعايير على نحو الحكومة الجاري تأليفها. بُتّت المعايير حينذاك سلفاً بعدما أخذ الأفرقاء المعنيون بالتأليف في الحسبان تطورات استثنائية في المنطقة، مع اندلاع موجة الربيع العربي وتدهور الأنظمة وعلى أبواب ما حدث سنتذاك في سوريا.
اليوم، يقول برّي: «اختلفنا على المعايير منذ اليوم الأول. مرة اختصاصيين وأخرى مستقلين وثالثة سياسيين فقط. عندما بلغت حكومة ميقاتي مأزق التمثيل تنازلتُ عن مقعد شيعي لمصلحة وزير سنّي، وكانت سابقة ربما في تاريخ حكوماتنا. سبعة وزراء سنّة في مقابل خمسة وزراء شيعة. كان فيها سياسيون ونواب وتكنوقراط».
امتعاضه من الأسلوب المتّبع في تأليف الحكومة، يحمله على القول: «ليتأكدوا جميعهم، لن أقف في طريق تأليف الحكومة. لن أعرقلها، ولن أُؤخرها. إذا لم يعجبهم رأيي في الحاجة إلى حكومة تكنوسياسية، فليخرجوا حكومتهم هم بالطريقة التي يريدون، وكيفما يريدون إذا كانوا مقتنعين بها. أنا لن أشارك في حكومة كهذه، لكنني سأذهب وكتلتي إلى مجلس النواب، وأمنحها الثقة من دون أن أتمثل فيها».
عندما يُسأل هل المقصود حكومة سياسية أم حكومة تكنوقراط يريدونها، يجيب: «لديهم حكومتهم، وركّبوها، وهي معي هنا في جيبي». ثم يضيف: «سأفعل ما لم أفعله قبلاً بتأييد حكومة لم أقتنع بها. سأفعل ذلك لأن هذه الحكومة ستحتاج إلى ثقتي وثقة كتلتي كي تحكم، وإلا فلن تنال أي ثقة وستسقط».
يصرّ على تمسكه برأيه في حكومة تكنوسياسية مذْ أطلق هذا الموقف على إثر استقالة الرئيس سعد الحريري في تشرين الأول الفائت، ومن ثم تداول اسم الحريري كمرشح لترؤس الحكومة الجديدة. يقول برّي: «أنا ضد الحكومة السياسية ومع الحكومة التكنوسياسية التي هي حال متكرّرة في تجارب حكوماتنا. لسنوات طويلة نعرف حكومات من هذا الطراز. فيها سياسيون وفيها تكنوقراط. لست أنا صاحب الطرح. قبل ستة أيام جاءني اللواء عباس إبراهيم موفداً من رئيس الجمهورية ميشال عون يقترح عليّ حكومة سياسية، إلا أنني أبلغت إليه أنني أحبّذ حكومة تكنوسياسية. فقيل لي ماشي الحال. وجهة نظري عدم تقييدنا بسياسيين حصراً في وقت قد نحتاج إلى الاستعانة بتكنوقراط من غير السياسيين. ثم ما لم أوافق عليه للرئيس الحريري لن أوافق عليه لحسان دياب».
هل هذه هي المخرج؟
يضيف: «لا أفهم كيف يطرحون معايير متناقضة. عندما يقول الرئيس المكلّف بأنه لا يريد وزراء سابقين، هل يفوته أنه هو أيضاً وزير سابق؟ لم أمانع في حكومة من 18 وزيراً مع أنني في السابق، قبل تكليف حسان دياب، كنت ميّالاً مع الأسماء التي طُرحت لترؤس الحكومة إلى حكومة من 24 وزيراً بينهم ستة وزراء سياسيين من ضمن اقتناعي – وكنا قبل التطورات الخطيرة المتسارعة في المنطقة بكثير – بأن المطلوب للتحصين حكومة تكنوسياسية. حدثوني عن وزراء مستقلين، فلم أفهم ماذا يقصدون ومن؟ من أين آتي بهم وكيف يكونون مستقلين وهم الذين يحتاجون إلى ثقة مجلس النواب، أي إلى الكتل النيابية؟. أمضينا ثلاثة أشهر نختلف على جنس الحكومة وكيف تكون. عندما قالوا نريد اختصاصيين سمّيت غازي وزني لحقيبة المال، وهو ليس من حركة أمل وليس حزبياً، وجلّ ما يربطه بنا أنه مستشار مالي للجنة المال والموازنة وليس مستشاري أنا. إذ بي أفاجأ بأفرقاء يسمون مساعديهم ومستشاريهم وجماعاتهم وأزلامهم. هذا يعني أنهم يعودون إلى الحكومة بطريقة غير مباشرة. يعني أن من يخرج من الباب يُدخِل نفسه من الشباك. طلبوا أن لا يكون فيها نواب، وبدأوا يطعنون في مجلس نيابي بالكاد عمره سنة ونصف سنة، وهو الذي يمنح الثقة. الكتل هي التي تسمي، وهي المعنيّة باختيار الوزراء. حكومة من غير تفاهم مع مجلس النواب مفادها أنه لن يبقى على جسمها ريش، عندما تمثل أمامه. الكتل هي التي ستمنحها الثقة».

يقول برّي: «لا أفهم لماذا هذه التصنيفات؟. مرة حكومة مستقلين، ومرة حكومة سياسية، ومرحلة حكومة اختصاصيين. سمّوها حكومة وكفى. البعض فكّر في حكومة شباب على غرار حكومة 1970 – وكانت حكومة اختصاصيين ما خلا رئيسها الرئيس صائب سلام – التي بدأ عقدها ينفرط بعد ثلاثة اشهر فقط عندما بدأ وزراؤها يستقيلون تباعاً. أولهم غسان تويني، تلاه هنري إده وإميل البيطار وحسن مشرفية. إذاً تجربتها لا تشجع. أضف أننا في ظروف مختلفة تماماً. اقترحت حكومة أقطاب فقالوا لا يريدون. أنا أفضل حكومة أقطاب لأنها قادرة على تحمّل مسؤولية الحكم في هذه المرحلة الصعبة، في الداخل وفي الخارج. أنا جرّبتها عام 1984، وكنت وزيراً في حكومة الأقطاب برئاسة الرئيس رشيد كرامي، وأنجزت الكثير في الأمن والإصلاحات، وكانت قادرة على أن تفعل أكثر لولا معاكسة الظروف لها. وهي ليست أول حكومة أقطاب تنجح. قبلنا نجحت حكومة أقطاب في عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1958. لكنهم لا يريدونها بحجة أن ثمة أفرقاء لا يعتزمون المشاركة في الحكومة، بل معارضتها. أعتقد أن من واجبات الرئيس المكلّف الاتصال بالأطراف جميعاً من دون استثناء، ويقترح عليهم الانضمام إلى حكومته. أما الذي لا يريد، أو يستثني نفسه منها، فهذا شأنه. على الأقل نكون أجرينا المحاولة».
عن مغزى مطالبته بتفعيل حكومة تصريف الأعمال، وتأويل هذا الموقف على أن لا حكومة في مدى قريب، يجيب برّي: «سلّمني رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان صباح الأربعاء مشروع موازنة 2020، فدعوت في اليوم نفسه إلى جلسة لهيئة مكتب المجلس لتعيين جلسة مناقشتها. طلبت أن يسألوا سعد الحريري عن موعد عودته إلى بيروت كي أتمكن من تحديد جلسة يحضرها بصفته رئيس حكومة تصريف الأعمال. اتصلوا به فطلب التحدث إليّ. سألته متى يعود كي أحدد الجلسة، وكنت أفكر في عقدها الثلاثاء المقبل. استمهلني بعض الوقت. عاد بعد ساعتين يخابرني ويخطرني بأنه سيكون في بيروت خلال أيام قليلة. هذا ما حصل، ولم نأتِ في حديثنا القصير على ذكر الشأن الحكومي من قريب أو من بعيد. الموضوع لا يستحق أي تأويل وليس أكثر من ذلك».

أخبار لبنان