افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 19 شباط، 2019

افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 19 شباط، 2019

فاجأت افتتاحية "اللواء" المواطنين القراء بما كشفته عن "التخبط منذ اليوم الأول لانطلاق الحكومة" الجديدة في لبنان. كما أعطت "الأخبار" توقعاً يؤكد هذا "التخبط"، فقالت في المانشيت، أن "جدول الأعمال محصور بمنع الانهيار: حكومة بلا سياسة". لأن المشكلة هي أن مهمة الحكومة "السيدرية" ليست واضحة تماماً، كذلك، حذرت "البناء" في المانشيت من هذه المشكلة، حيث تساءات : "هل يُخفي [مؤتمر] "سيدر" شروطاً سياسية؟. 
 

اللواء
تخبُّط في أولويات الإنطلاق: سيدر أو الفساد أم النازحين؟
دار الفتوى تجدِّد رفضها القاطع للزواج المدني.. وانتفاضة في بيروت إحتجاجاً على «العقاب الكهربائي»

هزّ الانقطاع المتكرر للكهرباء عن العاصمة بيروت والضواحي «الثقة» التي نالتها الحكومة، بصرف النظر عن تبريرات مؤسسة كهرباء لبنان، مع العلم ان سلفة الخزينة لشراء الفيول وقع عليها قبل نهاية الأسبوع الماضي..
وترتب على هذا الوضع الكهربائي غير المبرر، إقدام شبان غاضبون ليل أمس على إشعال اطارات وقطع الطريق احتجاجاً في محيط المدينة الرياضية، ثم ما لبثت القوى الأمنية ان أعادت فتح الطريق، بالتزامن مع إعلان عودة التغذية الكهربائية للعاصمة بدءاً من بعد غد الخميس.
وتزامنت «انتفاضة الكهرباء» مع وضع الخطط التمهيدية لتحريك ملفات مؤتمر «سيدر» ومن بينها ملف الكهرباء، الذي يحتاج إلى خارطة طريق واضحة، مع العلم ان الرئيس سعد الحريري ترأس أمس في السراي الكبير اجتماعاً تشاورياً لممثلي الصناديق العربية والأوروبية والدولية والمؤسسات المالية التي التزمت بمساعدة لبنان في مؤتمر «سيدر».
وبدا التخبط منذ اليوم الأول لانطلاق الحكومة، ففي الوقت الذي كان اجتماع المؤسسات المانحة منعقداً في السراي الكبير، وفقاً للالتزام الذي ما يزال قائماً، وفقاً لما أدلى به المدير الإقليمي للبنك الدولي في دول المشرق ساروج كومار جا للعمل مع الحكومة تطبيق المشاريع ذات الأولوية في مختلف القطاعات، كان وزير الدولة لشؤون النازحين السوريين في سوريا يبحث في آليات العودة، وكانت دوائر قصر بعبدا، الذي احتفل بالميلاد الـ84 للرئيس ميشال عون، يستعد لاطلاق آلية مكافحة الفساد، بعد نفير حزب الله في المهرجانات وساحة النجمة.
وتعقد جلسة مجلس الوزراء بعد غد الخميس عند الساعة 11.30 في قصر بعبدا، وعلى جدول أعمالها تعيين القاضي محمود مكية أميناً عاماً لمجلس الوزراء خلفاً للأمين العام السابق فؤاد فليفل، إلى جانب بت عدد من المواضيع التي كانت مدرجة على آخر مجلس وزراء، ويوزع اليوم جدول الأعمال.
ويغادر الرئيس الحريري إلى بروكسيل في 13 آذار المقبل، لترؤس وفد لبنان إلى مؤتمر الدول المانحة بشأن النازحين السوريين.
وتوقع مصدر مقرّب من وزارة شؤون النازحين السوريين ان يزور الوزير صالح الغريب السراي الكبير، قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء.
على ان الأبرز محلياً تجديد دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية رفض الزواج المدني، معبراً عنه بموقف المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان والمجلس الشرعي ومجلس المفتين، المعروف منذ سنوات، هذا الزواج المخالف للدستور وللشرائع السماوية.
من يضع العصي في دواليب الحكومة؟
وفيما انصرف الرئيس الحريري إلى وضع قطار العمل الحكومي على السكة، انطلاقاً من محطة تنفيذ مقررات «سيدر»، مطمئناً إلى الأجواء التوافقية التي اثمرت ولادة هذه الحكومة، برز في المقابل أكثر من ملف خلافي متفجر، اوحت ظروف اثارته، ان طريق الحكومة غير آمن مائة في المائة، وان ثمة من يحاول ان يغرقها في بحر الخلافات، أو أقله وضع العصي في دواليبها لفرملة انطلاقتها، حتى قبل ان يجف حبر البيان الوزاري الذي نالت ثقة المجلس النيابي على أساسه.
ولعل أوّل هذه الملفات، كان ملف النازحين السوريين، حيث باغت وزير شؤونهم صالح الغريب الجميع بزيارة مفاجئة، وربما ملتبسة إلى دمشق، تحت عنوان التنسيق مع السلطات السورية لتسريع عودة هؤلاء النازحين، بالتزامن مع الموقف الذي أعلنه وزير الدفاع إلياس بو صعب امام مؤتمر ميونخ للأمن، بالنسبة إلى رفض المنطقة الآمنة في شمال سوريا، والذي اعتبرته أوساط «القوات اللبنانية» بأنه خطأ من شأنه توريط لبنان في صراعات المنطقة، فضلاً عن كونه خروجاً عن مبدأ النأي بالنفس.
واللافت ان هذا الطرح، جاء بعد أقل من 48 ساعة على إعادة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، نبش دفاتر الماضي، وتحديداً ما يتصل بفتح ملف الـ11 مليار دولار التي انفقتها الحكومات السابقة، على الرغم من وضعه على الرف من جانب حليفه «التيار الوطني الحر» الذي كان يرفع عنوان «الابراء المستحيل» شعاراً حتى لحظة ابرام التسوية الرئاسية مع تيّار «المستقبل»، ما يطرح السؤال عن هدف الحزب من نبش قضية استوفت حقها من الشرح، وهل انه يتطلع إلى ربط نزاع مع الرئيس فؤاد السنيورة وتيار «المستقبل»، أم انه يمتحن موقف التيار الحر بعد اقفاله الملف اثر العلاقة الوثيقة التي تربطه «بالمستقبل» وبعض التوتر الذي يشوب علاقة الحزب بالتيار؟
الغريب في دمشق؟
وإذا كانت أوساط معراب، رأت في إعادة السيّد نصر الله ملف المليارات إلى الواجهة اتجاهاً نحو إعادة تسعير الخلاف الداخلي، ودليلاً على سوء نية، فإن أوساطاً وزارية لم تخف لـ«اللواء» بأن توقيت زيارة الوزير الغريب إلى دمشق، خاطئ في الشكل والمضمون، لأنها تمت دون استشارة رئاسة الحكومة والحصول على موافقتها، فضلاً عن انه لم يضع مجلس الوزراء في صورة الزيارة قبل حصولها، حتى تأخذ شكلها الرسمي، وبالتالي فإن الزيارة تركت أكثر من علامة استفهام ولا يمكن تفسيرها الا انها بمثابة تشويش على الأجواء التوافقية السائدة ضمن الحكومة، من دون ان تستبعد ان تكون مادة سجالية في جلسة الحكومة المقررة الخميس المقبل، لأن قسماً كبيراً من الوزراء غير راضٍ عن هذه الزيارة وسيكون له موقف منها، علماً ان مصادر مقربة من الرئيس الحريري أبلغت المتصلين بها ان زيارة الغريب غير موافق عليها من الحكومة، وبالتالي فإنها تعتبر زيارة خاصة.
الا ان مصادر الوزير الغريب قالت لـ«اللواء» ان الزيارة تمت بناءً لخطة الوزير في مقاربة ملف عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، وان الرئيس الحريري كان في جو حصول هذه الزيارة، مشيرة إلى انه تمّ الاتفاق بين الوزيرين السوري واللبناني على آلية جدية لتسريع العودة، وانه سيكون هناك تعاون كبير من الجانب السوري لتحقيق العودة، عبر تسهيل إجراءات عودتهم.
ولوحظ ان المكتب الإعلامي للغريب، هو الذي وثق الزيارة، باعتبارها جاءت تلبية لدعوة رسمية من وزير الادارة المحلية والبيئة حسين مخلوف، وركز اللقاء على سبل تسهيل اجراءات عودة النازحين بأمان، وأكد الغريب أن «الجانب السوري كان متجاوبا جدا ومرحبا بعودة جميع النازحين»، مضيفا أن «الجانب اللبناني مستعد للعمل مع كافة المعنيين لتأمين العودة بما يضمن مصلحة الدولة اللبنانية».
ومن جهته، أشار مخلوف الى أن «سوريا تعمل على ترميم البنى التحتية وشبكات المياه، وتأمين الاجراءات اللوجستية كافة لتأمين عودة كريمة للنازحين».
«سيدر» في السراي
وسط هذه الأجواء، ترأس الرئيس الحريري في السراي، اجتماعاً تشاورياً موسعاً، وصف بالتحضيري والاول لتنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر»، شارك فيه ممثلون عن الصناديق العربية والأوروبية والدولية المانحة، إضافة إلى وزير المال علي حسن خليل ومدير مكتب البنك الدولي لدول المشرق ساروج كومارجا ورئيس مجلس الإنماء والاعمار المهندس نبيل الجسر، وتركز النقاش فيه على وجهة الأموال الموعودة، وكانت أبرز العناوين الاعمار والإصلاح.
وأعلن كومارجا بعد الاجتماع باسم البنك الدولي ان التعهدات المالية التي التزم بها في باريس العام الماضي لا تزال قائمة، وانه يتطلع للعمل مع الحكومة اللبنانية للمساعدة في تطبيق المشاريع ذات الأولوية في مختلف القطاعات، في حين لفت مستشار رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية نديم المنلا الى «اننا اتفقنا على عملية الاسراع في اقرار وتنفيذ المشاريع»، مشيرا الى ان «المؤسسات أكدت التزامها بما وعدت به من مساعدات، وأبدت استعدادها لمساعدات اضافية اذا طبق لبنان اصلاحات»، موضحا ان «المساعدات ليست مشروطة انما لبنان تعهّد في باريس بتنفيذ اصلاحات».
واذ افاد ان الاجتماع «كان جيدا جدا»، قال إن «وزير المال أكد حرص الدولة اللبنانية على انجاز الموازنة سريعا».
واشار ردا على سؤال الى ان «القانون اللبناني يسمح لعمالة سورية في 3 قطاعات وبالتالي اعتقد انه سيكون هناك عمالة سورية بمجال البنى التحتية وهذا ليس بأمر غريب أو مستحدث».
وكشف الاتفاق على عدّة خطوات للإسراع في تنفيذ المشاريع، بحيث لا تتجاوز الفترة ما بين تحديد المشروع والبدء بالصرف عليه ما بين 12 إلى 15 شهراً، مشدداً على ان المطلوب حل نهائي لمشكلة الكهرباء وليس حلاً مؤقتاً، مشيراً إلى ان مدير البنك الدولي في المنطقة أكّد دعم البنك للبنان في قطاع الكهرباء والبنى التحتية والاستعداد للمساهمة فيهما.
مجلس الوزراء
إلى ذلك، استبعدت مصادر وزارية عبر «اللواء» ان يبدأ مجلس الوزرء قريبا بمناقشة مشروع الموازنة بسبب اتاحة المجال امام الوزراء الجدد الذين لم يسبق لهم ان تسلموا موازنة ودرسوها ان يطلعوا على ما ورد فيها وما المطلوب منهم لجهة اجراء اي تخفيض في وزاراتهم.
ولفتت المصادر الى ان ما من قرار محسوم في ما خص عقد اكثر من جلسة حكومية في الاسبوع بإنتظار ان تنطلق في اجتماعاتها، علماً ان جدول أعمال جلسة الخميس لمجلس الوزراء يفترض ان يوزع اليوم الثلاثاء أي قبل 48 ساعة من موعد الجلسة.
وعلى صعيد آخر، أوضحت مصادر مطلعة، ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي احتفل أمس، بعيد ميلاده الرابع والثمانين، مع أفراد عائلته بعيداً من الإعلام، لم يُقرّر في الأساس المشاركة في قمّة شرم الشيخ، حتى يقال انه عدل عنها رداً على عدم مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمّة بيروت الاقتصادية، اما قمّة تونس العربية المقرّر عقدها في أواخر آذار المقبل، فإن المصادر تحدثت عن احتمال مشاركة الرئيس عون فيها.
وعلمت «اللواء» ان مؤتمر القضاء الذي يعقد في قصر بعبدا اوائل الشهر المقبل سيكون من ضمن سلسلة مؤتمرات.
انتفاضة الكهرباء
حياتياً، سجلت مساء أمس ما يشبه الانتفاضة الشعبية، احتجاجاً على استمرار قطع التيار الكهربائي عن العاصمة والضواحي، لمدة تزيد عن 12 ساعة يومياً، إذ عمد عدد من الشبان إلى قطع الطريق الدولية بالاطارات المشتعلة عند المدينة الرياضية على المسلكين الشرقي والغربي، وفي محيط السفارة الكويتية، ثم اعادوا فتحها بالاتجاهين بعد تدخل القوى الأمنية وفوج إطفاء بيروت الذي عمل افراده على إخماد نيران الاطرات المشتعلة.
وجاءت هذه الخطوة الاحتجاجية، في وقت أعلنت فيه مؤسسة كهرباء لبنان انه «من المتوقع ان تعود التغذية الكهربائية إلى طبيعتها في جميع المناطق اللبنانية بدءاً من مساء الخميس المقبل، وأوضحت انها ارسلت الكتب الخاصة بفتح الاعتمادات المستندية لبواخر الفيول اويل والغاز اويل بتاريخ 23/1/2019، أي قبل وصول هذه البواخر إلى لبنان، وفق الآلية المتفق عليها من قبل الوزارات المعنية منذ ما يزيد عن العشرة سنوات».
إشارة إلى ان بواخر الفيول باشرت أمس تفريغ حمولتها لمعملي الذوق والجية، والتي تكفي حاجة هذين المعملين حتى منتصف آذار المقبل. في حين نفى وزير المال ان يكون احتجز اعتمادات المؤسسة، مؤكداً انه صرف نحو 75 مليون دولار لهذا الغرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


البناء
سباق سعودي إيراني على باكستان… وارتباك تركي كردي في ما بعد الانسحاب الأميركي 
الغريب يبحث رسمياً ملف النازحين في سورية… تنكّر حريري وحملة من 14 آذار 
رئيس الحكومة يعوّم «سيدر» في السراي… وينقله إلى مجلس الوزراء الخميس 

تخيّم ثنائية الفراغ الاستراتيجي الناجم عن فشل الحروب التي قادتها واشنطن في سورية واليمن وأفغانستان، والتصعيد التكتيكي الذي تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلاله تعويض فشل حروبها عبر الحملة الدبلوماسية بوجه محور المقاومة التي جسّدها مؤتمر وارسو، ومعه حملة العقوبات التي تفرضها على إيران وقوى المقاومة وتستخدمه سيفاً مسلطاً على رقاب العالم لفرض محرماتها السياسية، وفيما تفرض مؤشرات الفشل في الحروب ذاتها على حملة التصعيد الدبلوماسي المستقوي بالعقوبات، فيظهر فيها الوهن والضعف كما ظهر في مؤتمر ميونيخ للأمن، عبر السجال الأوروبي الأميركي حول الانسحاب من سورية والتفاهم النووي مع إيران، يظهر الارتباك على الدول والقوى الواقعة في منطقة الوسط بين ضغوط الحلف الذي تقوده واشنطن وبين قوى محور المقاومة. وهذا هو حال باكستان كحليف تقليدي لواشنطن والرياض التي وجدت نفسها تحت تأثير حسابات المصلحة أنها اقرب للحلف الصيني الإيراني، وقد ظهر التجاذب الذي تعيشه باكستان بين المحورين في تزامن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والعروض المالية السخية التي حملها، مع توجه وفد دبلوماسي أمني باكستاني رفيع إلى طهران لتأكيد التعاون في ضبط الحدود ومنع ايّ استخدام للأراضي الباكستانية للنيل من الأمن في إيران، ومثل الارتباك الباكستاني كان حال تركيا والقيادات الكردية، ففي تركيا وعود أميركية بلا خطة تتحدث عن دعم قيام المنطقة الآمنة، بعد الانسحاب الأميركي من سورية، لكن مع الحفاظ على الجماعات الكردية المسلحة التي ترعاها واشنطن وتشكل مصدر القلق لأنقرة، وبالمقابل احتضان روسي إيراني لدور تركي في مسار أستانة، لكن بشروط سورية تقوم على التمسك بسيادة ووحدة سورية ورفض نظرية المنطقة الآمنة، والإصرار على الحسم مع جبهة النصرة كتنظيم إرهابي يسيطر على إدلب، وكما الارتباك التركي ارتباك القيادات الكردية، بين مواصلة السير في خط الرعاية الأميركية رغم ما يترتب عليه من انكشاف أمام تركيا بعد الانسحاب الأميركي أو التقدم في العلاقة مع الدولة السورية وتحمل تبعات الغضب الأميركي الذي بلغ مرحلة التهديد يوم أمس.
لبنانياً، بدأ رئيس الحكومة سعد الحريري خطواته العملية لنقل مقررات مؤتمر «سيدر» إلى طاولة مجلس الوزراء عبر ربط معالجة الوضع الاقتصادي بتلك المقرّرات، التي لا يزال بعضها غامضاً تحت عنوان الشروط الإصلاحية. وقد بدأ الحريري خطواته بتعويم مؤتمر «سيدر» واستحضار المشاركين فيه بممثليهم المقيمين في بيروت، تمهيداً لتقديم المقرّرات والتوصيات والمبالغ المقرّرة كقروض، سلة واحدة لا يمكن تجزئتها، وهو ما ترفضه قوى عديدة ممثلة في الحكومة في طليعتها حزب الله الذي أكد بلسان أمينه العام السيد حسن نصرالله انفتاحه على مناقشة كلّ شيء يروح إيجابية، «لكن بدنا نناقش كلّ شي وبدكن تتحمّلونا»، وبانتظار جلسة الخميس بدأ وزير الدولة لشؤون النازحين زيارة رسمية إلى سورية للبحث في آليات وتصوّرات الحكومة السورية لعودة النازحين، وفتح حوار رسمي بين الحكومتين حول الملف الذي دعا البيان الوزاري إلى إبعاده من التجاذب السياسي، لكن زيارة الغريب لم تمرّ دون حملة سياسية لقوى الرابع عشر من آذار والقنوات التلفزيونية التي تعبّر عن سياستها، بينما تنكّر رئيس الحكومة للزيارة كمهمة رسمية معتبراً أنها زيارة خاصة، رغم علمه المسبق بها كما قال الوزير الغريب، وبدا واضحاً أنّ تحرك الغريب الذي يمثل النائب طلال أرسلان بين وزراء رئيس الجمهورية وتوليه ملف النازحين، يحظى بدعم قوى الثامن من آذار وتشجيع رئيس الجمهورية، وجاء اختياره واختيار حقيبته تعبيراً عن التوازنات الجديدة التي حكمت تشكيل الحكومة، وهو يرث في الوزارة أحد رموز التطرف في العداء لسورية الوزير السابق معين المرعبي الذي عبّر عن سياسة المنظمات التي تعتاش على المنح والمساعدات الواردة باسم النازحين، والتي لا مصلحة لها بعودتهم، وكشفت الحملة على الغريب أنّ قوى الرابع عشر من آذار لم تستطع بعد استيعاب هذا التغيير، والتأقلم معه، ما يعني أنّ بلوغ مرحلة التنسيق الحكومي مع سورية كشرط ضروري لمواجهة الحكومة للاستحقاقات المتعددة المتداخلة بين لبنان وسورية، بما يتعدّى ملف النازحين، ويستجيب لنصوص اتفاق الطائف، لا تزال دونه معارك سياسية يصرّ البعض على خوضها، رغم ما سيترتب عليها من تعكير للعمل الحكومي ومن توتير للمزاج الشعبي واستعادة للتعبئة القائمة على العصبيات المرضية.
الغريب كسر الخطوط الحمر وزار سورية…
بعد نيلها الثقة بأغلبية نيابية غير مسبوقة انطلقت الحكومة الى العمل، ومن المتوقع أن تعقد أولى جلساتها الخميس المقبل في قصر بعبدا، حيث يعكف فريقا رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية على وضع جدول أعمالها بحسب معلومات «البناء» وعلى رأس الجدول ملفات الكهرباء والنازحين ومؤتمر «سيدر» وتشكيل لجنة وزارية لوضع مشروع الموازنة، إلا أنّ رئيس الحكومة وعدد من الوزراء استبقوا الجلسة الأولى باتخاذ إجراءات وخطوات عملية كلّ في إطار وزارته وصلاحياته.
فرئيس الحكومة سعد الحريري الفائز بثقة المجلس النيابي افتتح عمله كرئيس أصيل من بوابة مؤتمر سيدر، أما وزير الصحة الدكتور جميل جبق فبدأ الخطوة الأولى على طريق مكافحة الفساد بإقفال مستشفى الفنار، أما الخطوة النوعية والتي أحدثت تحوّلاً على صعيد كسر الخطوط الحمر الداخلية والخارجية على صعيد التواصل الرسمي مع سورية، فكانت زيارة وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، إلى دمشق أمس تلبية لدعوة رسمية من وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري المهندس حسين مخلوف.
وقد حرص الغريب على الإعلان عن الزيارة عبر مكتبه الإعلامي كي لا يدرجها البعض في إطار الزيارة السرية والمنفردة، بعكس ما أكد الغريب بأنّ سفره الى دمشق «تمّ بمعرفة رئيس الحكومة» وبشكل طبيعي بعلم رئيس الجمهورية، إلا أنّ مصادر مقربة من رئاسة الحكومة أشارت لـ «ال بي سي» الى انّ «زيارة الغريب لدمشق غير موافق عليها من الحكومة وبالتالي تعتبر زيارة خاصة».
وعقد الوزيران الغريب ومخلوف لقاءً تمحور حول سبل تسهيل إجراءات عودة النازحين بأمان. وأكد الغريب أنّ «الجانب السوري كان متجاوباً جداً ومرحباً بعودة جميع النازحين»، مضيفاً أنّ «الجانب اللبناني مستعدّ للعمل مع كافة المعنيين لتأمين العودة بما يضمن مصلحة الدولة اللبنانية». من جهته، أشار مخلوف الى أنّ «سورية تعمل على ترميم البنى التحتية وشبكات المياه، وتأمين الإجراءات اللوجستية كافة لتأمين عودة كريمة للنازحين».
وتُعدّ هذه الزيارة الاولى لوزير مكلف بملف النازحين بعدما أدار الوزير السابق معين المرعبي الوزارة وفقاً لمصالحه الشخصية والسياسية وتماهى مع مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تخويف النازحين وتهديدهم لعرقلة عودتهم، إلا أنّ اللافت هو الحملة القواتية وبعض قوى 14 آذار التي صوّبت على الزيارة واعتبارها خرقاً لمبدأ النأي بالنفس، علماً أنّ البيان الوزاري للحكومة كان واضحاً لجهة تأكيده «إخراج ملف النازحين من التجاذب السياسي والتشديد على أنّ الحلّ الوحيد هو بعودة النازحين الى بلدهم ورفض أيّ شكل من أشكال اندماجهم أو إدماجهم أو توطينهم في المجتمعات المضيفة وتجدّد الحكومة ترحيبها بالمبادرة الروسية لإعادة النازحين الى بلدهم وتعمل على إقرار سياسة الحكومة تجاه النازحين».
ما يؤكد بأنّ التصويب على الزيارة يناقض مضمون البيان الوزاري ويفضح استمرار بعض الأطراف المحلية بالاستخدام السياسي لملف النازحين والمسّ بالمصلحة الوطنية. في حين يشكل البيان الوزاري الغطاء السياسي والحكومي لزيارة أيّ وزير الى سورية للتعاون مع حكومتها لحلّ المشاكل والأزمات ضمن وزارته.
وبعد انتقاد تصريحات وزير الدفاع الياس بو صعب حول سورية في مؤتمر ميونيخ للأمن، أكد بو صعب انّ «موقفي ينسجم مع البيان الوزاري الذي ينص على ضرورة الالتزام بميثاق جامعة الدول العربية».
وأعلن بو صعب في حديثٍ لـ»الميادين» اني «ناقشت الموضوع مع وزير الدفاع التركي الذي أوضح أنّ اتفاق أضنة سيكون أساساً لتحرك بلاده بسورية». وقال: «شئنا أم أبينا الرئيس الأسد هو رئيس سورية ولا خيار إلا التحاور معه». وأيد بو صعب خطوة زميله في تكتل لبنان القوي وفريق رئيس الجمهورية ولفت الى انّ «العلاقة الدبلوماسية مع دمشق قائمة»، وأضاف: «نحن على اتصال مع سورية ولكلّ وزير الحرية بزيارتها». واعتبر أنّ «هناك أفقاً للحلول في سورية وقد يكون هناك دور لجامعة الدول العربية».
لكن السؤال هل ينتقل السجال حول خطوة الغريب الى مجلس الوزراء مع توجه القوات اللبنانية الى إثارة هذا الأمر في جلسة الخميس كما قال رئيس القوات سمير جعجع؟ وهل سيستمرّ رئيس الحكومة وفريقه بالسياسة نفسها الذي انتهجها في الحكومة الماضية إزاء ملف النازحين أم سيأخذ رئيس الجمهورية هذه المرة المبادرة ويفتح باب العلاقات الرسمية مع سورية لمعالجة الأزمات بين البلدين؟
هل يُخفي «سيدر» شروطاً سياسية؟
على صعيد آخر، ترأس الحريري، في السراي الحكومي، اجتماعاً تشاورياً موسعاً، شارك فيه ممثلون عن الصناديق العربية والأوروبية والدولية والمؤسسات المالية التي التزمت بمساعدة لبنان في مؤتمر «سيدر» خصّص للبحث في الخطوات المستقبلية، بحضور وزير المال علي حسن خليل وممثلين عن الهيئات والقطاعات ووفود الصناديق والمؤسّسات المساهمة في «سيدر»، تركّز النقاش مع المجتمع الدولي والجهات المساهمة، على وجهة الأموال الموعودة، وكانت أبرز العناوين، الإعمار والإصلاح.
بعد الاجتماع، لفت مستشار رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية نديم المنلا الى «أننا اتفقنا على عملية الإسراع في إقرار وتنفيذ المشاريع»، مشيراً الى انّ «المؤسسات أكدت التزامها بما وعدت به من مساعدات، وأبدت استعدادها لمساعدات إضافية إذا طبّق لبنان إصلاحات»، موضحاً انّ «المساعدات ليست مشروطة إنما لبنان تعهّد في باريس بتنفيذ إصلاحات». وإذ افاد انّ الاجتماع «كان جيداً جداً»، قال إنّ «وزير المال أكد حرص الدولة اللبنانية على إنجاز الموازنة سريعاً». وأشار رداً على سؤال الى انّ «القانون اللبناني يسمح لعمالة سورية في 3 قطاعات وبالتالي أعتقد انه ستكون هناك عمالة سورية بمجال البنى التحتية وهذا ليس بأمر غريب أو مستحدث». وأكد مدير البنك الدولي دعم البنك للبنان في قطاع الكهرباء والبنى التحتية والاستعداد للمساهمة فيها.
وقالت مصادر مالية واقتصادية مطلعة لــ«البناء» إن «تفاقم الوضعين المالي والاقتصادي فرض على لبنان طلب مساعدة المجتمع الدولي بعد أن أساءت الحكومات المتعاقبة ادارة المالية العامة للدولة واستنزفت الودائع من المصارف بدل أن تكون هذه الودائع وسيلة لتمويل كلّ ما تحتاجه الدولة من مشاريع بنى تحتية ودعم الاقتصاد».
أما الآن، تضيف المصادر، و«بعد أن وصلنا الى الواقع الراهن قد يكون الدعم الدولي المتمثل بـ «سيدر» أحد الأبواب للخلاص لكن شرط ألا تتكرّر تجارب باريس 1 و 2 و 3 وأن يكون للمجتمع الدولي والجهات الدائنة جدية في المراقبة وترفع المسؤولين اللبنانيين عن إدارة الدولة بطريقة المحاصصة»، إلا أنّ المصادر تخوّفت من أن «تلجأ الحكومة الحالية وتحت شعار الوحدة الوطنية الى مزيد من شراء الوقت والاستمرار بسياسة التخدير تحت شعار إجراء إصلاحات دون اتخاذ قرار بالمواجهة الجذرية لوقف نزيف الدولة»، كما تخوّفت من «وجود شروط سياسية سرية غير معلنة تعلن بعد تسلّم لبنان الأموال ويبدأ الضغط على لبنان بمواضيع سياسية ووطنية كسلاح المقاومة ومسألة إدماج النازحين السوريين في سوق العمالة اللبناني»، لكن المصادر لفتت الى أنّ «المطلوب دولياً حدّ أدنى من الاستقرار في لبنان حتى انتهاء التسويات الإقليمية بما فيها الأزمة السورية ومشكلة النازحين»، كما حذرت من «اتجاه حكومي الى زيادة الضرائب على المواطنين وتضمينها في مشروع الموازنة رغم نفي وزير المال ذلك».
كما شككت المصادر بمكافحة الفساد وكشف الجرائم المالية لا سيما الـ 11 مليار دولار التي تحدث عنها السيد حسن نصرالله، مشيرة الى أنّ «إحالة هذه الجرائم على القضاء مضيعة للوقت لأنها ستذوب في زواريب القضاء السياسية». إلا أنّ مصادر الحزب أوضحت لـ «البناء» أنّ «ملف إنفاق الـ 11 مليار بشكل غير شرعي من أهمّ ملفات الفساد وأضخمها ولا يمكن تجاوزه مراعاة لأيّ طرف»، مشيرة الى أن «لا أسباب سياسية خلف معركة الحزب ضدّ الفساد بل انطلاقاً من أهداف إصلاحية فقط».
ويبدو أنّ حزب الله بدأ معركته المفتوحة على الفساد، وقالت مصادر معنية بموقف الحزب من الفساد لـ «البناء» إنّ «إقفال مستشفى الفنار وإحالة المسؤولين عنه الى القضاء مؤشر على أنّ التعاطي الجدي والمسؤول مع موضوع الفساد في وزارة تحت إدارة وزير من حزب الله»، ودعت الى أن «يُعمّم هذا النموذج على كافة الوزارات للعمل بجدية وجرأة لاستئصال الفساد». ولفتت المصادر الى أنّ «الحزب على موقفه من موضوع «سيدر» من درس ونقاش في كلّ تفصيل في بنود المؤتمر والمشاريع المطروحة في مجلسي الوزراء والنواب وهو يرفض أيّ شروط سياسية أو غير سياسية لدعم لبنان».
في المقابل توقعت مصادر وزارية مقرّبة من بعبدا لـ «البناء» أن «يبدأ الوضع الاقتصادي بالتحسّن التدريجي مع انطلاق جلسات مجلس الوزراء حيث سيلمس المواطنون بداية الحلول للأزمات الحياتية كالكهرباء والنفايات». ولفتت المصادر الى أنّ «تجديد المؤسسات التزامها بدعم لبنان وفقاً لمقررات مؤتمر «سيدر» وتنفيذ المشاريع المتفق عليها في أيار الماضي هو مؤشر واضح على التزام المجتمع الدولي بدعم لبنان»، وأوضحت انّ «الحكومة ستبدأ بالإصلاحات التي ستشمل قسمين: ضبط الإنفاق لا سيما الجمعيات الوهمية التي تدعمها الدولة واستئجار الأبنية واستبدالها بإنشاء مبانٍ للحكومة على أرض تملكها الدولة وتخفيض المصاريف وتعزيز الجباية»، ونفت المصادر «أيّ توجه حكومي الى فرض ضرائب جديدة في مشروع موازنة 2018 2019».
وفي سياق ذلك، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أنّ من المتوقع أن تعود التغذية الكهربائية إلى طبيعتها في جميع المناطق اللبنانية بدءاً من مساء الخميس المقبل. وأوضحت أنها أرسلت الكتب الخاصة بفتح الاعتمادات المستنديّة لبواخر الفيول أويل والغاز أويل بتاريخ 23/1/2019 أيّ قبل وصول هذه البواخر إلى لبنان، وفق الآلية المتفق عليها من قِبل الوزارات المعنية منذ ما يزيد عن العشر سنوات».
وأكد رئيس الجمهورية ميشال عون دعمه القطاعات الإنتاجية وفي مقدّمها قطاع الصناعة، إضافة الى دعمه إعطاء الأفضلية للمنتجات المحلية في كلّ المناقصات التي تجري في لبنان على ما نقله وزير الصناعة وائل أبو فاعور الذي استقبله وأجرى معه جولة أفق تناولت شؤون الساعة، وبرنامج عمل وزارة الصناعة للمرحلة المقبلة بعد نيل الحكومة الثقة. وأشار ابو فاعور الى «أنني اقترحت على الرئيس عون مجموعة إجراءات يجب ان تتخذ منها حماية الصناعات اللبنانية أو بعضها من الإغراق. وهناك الكثير من قضايا الإغراق التي تمّ نقاشها وقد أرسلنا كتباً فيها الى الامانة العامة لمجلس الوزراء».
يبدأ قاضي التحقيق العسكري فادي صوان يوم غد الثلاثاء، تحقيقاته في حادثة الجاهلية التي وقعت في الأول من كانون الأول الماضي وأسفر عنها مقتل محمد أبو ذياب مرافق الوزير السابق وئام وهّاب.
ومن المتوقع أن يستمرّ التحقيق لثلاثة أيام، يستجوب خلالها القاضي صوان الموقوفين في القضية وعددهم 10 أشخاص، وهم مدّعى عليهم بجرائم مقاومة رجال الأمن بالعنف وإطلاق النار في الهواء وتهديدهم بالقتل من أسلحة حربية وتحقيرهم وقطع الطرقات. على أن يستمع لاحقاً الى إفادات المدعى عليهم غير الموقوفين والشهود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأخبار
جدول الأعمال محصور بمنع الانهيار: حكومة بلا سياسة
الوزيرة الليبراليّة وحكاية ابريق الزيت
الحسن يمكن أن تبدأ من أدراج وزارتها!

مع انطلاقة الحكومة، تدخل البلاد مرحلة جديدة يتهيّب الجميع مشكلاتها الضخمة، مالياً واقتصادياً، أكثر من أي هواجس أخرى سياسية أو أمنية. فالضغوط الخارجية لم تعد تجد تصريفاً لها سوى في باب العقوبات الاقتصادية. وقد أدرك الغربيون، للمرة الاولى، ربما، أن التهويل بالحرب الإسرائيلية لم يعد يجدي نفعاً، فيما لبنان أكثر المستفيدين من انحسار الموجات التكفيرية في المنطقة. وما بقي من توتر سياسي، محصور في ما يريد السياسيون استخدامه في معرض خلافاتهم على كعكة الدولة والاقتصاد (مقال إبراهيم الأمين).
التفاهمات التي سبقت إقرار الحكومة، وحتى نيل الثقة، لم تشتمل مطلقاً على أي ملفات سياسية. ولدى مناقشة البيان الوزاري، لم يجر نقاش جدّي في مسائل كسلاح المقاومة أو المحكمة الدولية أو العلاقات مع سوريا، إذ كان الجميع مدركاً أن هذه ليست على جدول أعمال الحكومة، ولا هي من اختصاص من يجلسون إلى طاولة مجلس الوزراء. وقد يكون من المناسب الإشارة الى أن قوة التفاهمات القائمة بين القوى كافة، تستند أساساً الى أن أياً منها لا يتحمل البقاء خارج السلطة، كما أن أياً منها ليس في وارد الاستئثار بالحكم في هذه اللحظة العصيبة. وهذا ليس تعففاً، بل لكون المسؤوليات أكبر من أن يتحمّلها فريق بمفرده. أكثر من ذلك، فإن قوة التفاهمات ناجمة عن أنها تمت بين القوى الاصلية وليس بين الوكلاء، وهو ما يفسّر ضيق هامش المناورة أمام أطراف باتوا ثانويين اليوم، ربما أبرزهم وليد جنبلاط، تليه «القوات اللبنانية».
التحدي الاقتصادي غير مسبوق. فالجميع يرى، بأمّ العين، ملامح الانهيار المالي بعد انهيار الاقتصاد والدولة. وجدول الأعمال المطروح سيكون قاسياً على الجميع، خصوصاً أن اللاعبين الأبرز في الحكومة (تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وحزب الله) يجهرون بأنهم سينخرطون في اللعبة، فيما تجلس القوى الممسكة بالاقتصاد على الطرف المقابل من الطاولة، وأبرزها قطاع المصارف والهيئات الاقتصادية وكبار التجار (التجارة، هنا، يقصد بها تجارة الطب والدواء والنفط والغاز والاتصالات… الخ)، وأيدي هؤلاء على قلوبهم، لا لأن هناك ملامح ثورة شعبية تريد استرداد حقوق الدولة والناس، بل لأن الانهيار سيطيحهم وسيتسبّب لهم بأضرار وكوارث أكبر ممّا يتخيّل الكثيرون، مهما نجحوا في تهريب أموالهم الخاصة من لبنان.
يقف عجز الموازنة العامة وحساب الدين العام وخدمته على رأس التحديات. وهو ما فرض، للمرة الاولى من سنوات طويلة، أن يتحدث الجميع حول الحلول الممكنة الآن أو على المدى المتوسط والبعيد. وبحسب ما علمت «الأخبار»، فإن البحث بين الحكومة والمصرف المركزي وجمعية المصارف تناول مجموعة من الافكار، أبرزها:
– اتفاق ثلاثي على سلة إجراءات تستند الى تجميع سلة نقدية في مصرف لبنان بفائدة صفر في المئة تستخدم لمواجهة أعباء الدين والسندات الخارجية.
– اتفاق ثلاثي بخطوات متقابلة، تبدأها المصارف بترك وديعة لدى المصرف المركزي، تشمل إقراضه مبلغاً كبيراً بفائدة صفر، مقابل استغناء «المركزي» عن قسم من أرباحه والتوقف عن ضخها في خزائن المصارف من خلال الهندسات (اقرأ البهلوانيات) المالية، على أن يكون الأمر رهن سلة إصلاحات تقوم بها الدولة، وتقضي بآلية لتقنين التوظيف في القطاع العام، وإطلاق أوسع شراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة المرافق الكبيرة مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، والشروع في برنامج جباية ثابت للضرائب والرسوم المالية والجمركية التي يعتقد مصرفيون بارزون بأنها ستدخل الى خزينة الدولة نحو مليار دولار سنوياً على الاقل.
– فكرة غير مقبولة، تقوم على شطب قسم من الدين العام، على قاعدة إعادة النظر في سلة الفوائد على ودائع طويلة الأجل، وهي فكرة يبدو أن فريق عمل مسؤولاً بارزاً قد أعدّها ضمن برنامج متكامل، لكنّ كثيرين من أصحاب الاختصاص يعتقدون بأن الظرف العام في البلاد والعالم لن يسمح بها.
ومع أن الحريري رفع السقف في ردّه على مناقشات النواب في جلسات الثقة، إلا أنه يعرف أن التفاهمات قادمة لا محالة، وأن لا مجال لاقتصار الإجراءات على خطوات حكومية، وأن تقليص العجز لن يكفي وحده تقليص الدين ولا خدمته، وأن المصارف لن تبادر من تلقاء نفسها الى خطوة كهذه ما لم تضطر اليها، وأنه لن يكون لأحد، غير الدولة، القدرة على مصارحة القطاع المصرفي بأن عليه العيش، لخمس سنوات على الاقل، بأرباح توازي نصف ما يحققه اليوم. أما التهويل بهروب الرساميل والودائع، فإن العارفين بخفايا الأمور يدركون جيداً صعوبة خروج ودائع كبيرة من لبنان اليوم، لأن التطورات في المنطقة والوضع الاقتصادي في العالم ومراقبة الاموال من قبل حكومات عربية وغربية، ستصعّب على أصحاب هذه الودائع العثور على جنّة لأموالهم أفضل من هذا البلد.
على أن اللافت كان في الدخول القوي لحزب الله مجدداً في الملف الاقتصادي والمالي والمعيشي. فبعد أسابيع من الهدوء والتسريبات عن عدم نية الحزب الدخول في معركة قد تتسبب له في متاعب سياسية وغير سياسية، عادت قيادته الى اتخاذ قرار المضي في هذه المعركة. ويبدو أن الفرق الخاصة التي تعمل مع لجنة مكافحة الفساد التي شكّلها الحزب ـــ ويرأسها النائب حسن فضل الله ـــ تعمل بصورة مكثفة، لكن وفق شروط أُبلغت الى من يهمه الامر، وفحواها:
– ان الحزب لن يدخل في معركة استعراضية. ولذلك على الجمهور ألا يتوقع منه تصريحات وبيانات وأخباراً كالتي يتداولها السياسيون في حروبهم الصغيرة، بل سيعمل على إنشاء ملف لكل قضية، وسيتم التعامل مع كل ملف وفق خصوصيته. فما يحتاج الى تشريعات جديدة سيصار الى بحثه مع الكتل النيابية من دون استثناء للتعاون في المجلس النيابي، وما يحتاج الى قرارات حكومية، سيصار الى إثارته مع الرؤساء الثلاثة ومع المجموعات الوزارية، وما يحتاج الى الذهاب فوراً الى القضاء سيتم التقدم به أمام النيابات العامة المعنية، ويطلب الى القضاء التعامل مع الوقائع. وسيكون الحزب في موقع مراقبة القضاء في حال خضع لأي نوع من الضغوط السياسية أو غير السياسية.
وفي ما خصّ «الكيدية السياسية» التي تستخدم ضد الحزب بالقول إنه لن يكون قادراً على فتح ملفات قد تصيب حلفاءه، فإن الجهات المعنية في البلاد صارت في أجواء أن الحزب ليس في وارد الدفاع عن أي متورط في الفساد، وأن على الآخرين ممن يدّعون الحرص على مواجهة الفساد العمل على إعداد ملفات موثقة وعدم الاكتفاء ببيانات تشهير، وأن يذهبوا الى القضاء، وعندها ليختبر هؤلاء الحزب إن كان سيدافع عن أي متورط. ويعتقد الحزب أن لدى الاجهزة الامنية في الدولة، ولا سيما فروع التحقيق في قوى الامن الداخلي، قدرة على لعب دور كبير في متابعة هذا الجانب، والتشديد على منع استخدام هذه المؤسسة للتصويب على فاسد دون آخر، وأنه متى أظهرت قوى الأمن حرصاً على العمل من دون محاباة، فإن الحزب سيتعاون معها، كما هي الحال بالنسبة إلى بقية الأجهزة الامنية والقضائية. ويأتي هذا الحديث في ضوء برنامج عمل تقوم به قوى الامن ـــ ولا يزال في بدايته ـــ لملاحقة مشتبه في تورطهم بالفساد داخل المؤسسة نفسها.
وطالما أن القوى الشعبية أو السياسية الراغبة في التغيير غير قادرة على وضع برنامج عمل يقلب الطاولة على رأس الجميع، فإن الناس، ونحن منهم، سينتظرون ويراقبون من دون أوهام كبيرة. وكل عناصر التشاؤم، تجعل أي حدث إيجابي أشبه معجزة في بلد الطائفيين المارقين!
من يريد تصفير الحسابات؟
بينما يُتَّهم التيار الوطني الحر بأنه «نسي» ما أعده تحت عنوان الإبراء المستحيل، لجهة المطالبة بعملية تدقيق لمعرفة كيفية إنفاق حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مبلغ الـ11 مليار دولار الذي تجاوزت به القاعدة الإثني عشرية، كان لافتاً أن يعود حزب الله إلى إثارة موضوع حسابات الدولة بصورة عامة في مداخلة النائب حسن فضل الله في مجلس النواب الأربعاء الماضي. تلك المداخلة جعلت كثيرين يفسرون الأمر على أنه قرار من حزب الله بالدخول في مواجهة مع الرئيس سعد الحريري وفريقه، باعتبار أن الرئيس فؤاد السنيورة هو أبرز من تولى هذه الملفات، حتى أن معارضين للحزب ذهبوا إلى اعتبار الطلب محاولة للاقتصاص السياسي من الرئيس السنيورة وفريقه.
لكن الخطورة لا تقف عند التفسيرات السياسية لموقف الحزب، بل في كون جميع من شارك الرئيس السنيورة في الحكم خلال السنوات الطويلة، لا يريد لهذا الملف أن يأخذ مجراه إلى حيث تظهر النتائج. والآن، ثمة خشية لدى أوساط بارزة من أن تنتصر وجهة نظر متداولة في وزارة المالية، تقول بتصفير هذه الحسابات وإقفالها إلى غير رجعة، وذلك عن طريق إجراء حسابيّ يتم بالتعاون مع ديوان المحاسبة.
وحذرت أوساط معنية بالملف من أن حصول عملية التصديق من دون محاسبة سيفتح الباب أمام تكرار التلاعب بحسابات الدولة، علماً أن معرفة أين أنفقت مليارات الدولارات ليس ترفاً في ظل الوضع الذي يعيشه لبنان. ويبدو أن الأنظار تتجه صوب موقف الرئيس نبيه بري والوزير علي حسن خليل من هذا الملف.
وفي شرحها للأمر، تقول مصادر في وزارة المالية إن الوحدات المكلفة بإعادة تكوين الحسابات المالية النهائية للدولة، أنجزت أعمالها ضمن المهل المحددة، ووضعت تقارير بشأن الفترة الممتدة بين عام 1993 و2017، متضمنة ميزان الدخول لسنة 1993 وكل السنوات التي تلت. وفتح ذلك باب السؤال عن الخطوة التالية للوزارة، إذ إن المحاسبة تعني عدم الاكتفاء بهذه الخطوة، بعد أن كشفت عملية التدقيق كما تقول مصادر وزارة المالية، عن حسابات «ضائعة» تتضمن «عشرات ملايين الدولارات قد تكون أُهدِرَت أو سُرقت».
وفي هذا الإطار سيقوم وزير المال علي حسن خليل بإرسال الحسابات إلى ديوان المحاسبة، على أن يقرر الديوان في ما بعد الخطوات اللاحقة. ونفت مصادر مطلعة ما يحكى عن الاستعانة باستشاريين للتدقيق مجدداً في محاولة لتمييع الموضوع أو حلّه على طريقة التسويات السياسية التي تحصل عادة في أي ملف، مؤكدة أن «إرسال الحسابات إلى ديوان المحاسبة يمكن أن يحصل اليوم أو غداً، وأن التأخير مرتبط بإجراءات شكلية ليسَ إلا». أما في ما يتعلق بقطع الحساب فإن «وزير المال علي حسن خليل سيرسله إلى مجلس الوزراء».
من جهة أخرى، علمت «الأخبار» أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي، لن يوافق على تمرير مشروع قرض الـ400 مليون دولار المقدم من البنك الدولي تحت عنوان مشروع البنك الدولي لتمويل الوظائف الوطنية. وهو قد أكد أمام زواره «أن المشروع متى وصل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب فسوف تتمّ مناقشته حرف حرف»، ملمحاً إلى ميله «رفض المشروع من أساسه»، لا سيما بعد الكشف عن أن أمواله «ستصرف على أمور غير مبررة».
الوزيرة الليبراليّة وحكاية ابريق الزيت
اليوم في لبنان، كل أهل السياسة باتوا من دعاة الاصلاح، ومن مكافحي الفساد. بل إن هناك تيارات وشخصيات سياسيّة لم تنل حصّة كافية في «طورطة» المحاصصات، أو خافت على مصالحها الاقتصاديّة في المعادلات الجديدة، فغافلتنا جميعاً وقفزت من ضفّة «الزعماء» إلى ضفّة «الشعب»، ومشت كلّها في جنازة جورج زريق الذي دفناه ونسيناه في أقل من 48 ساعة. الطبقة السياسية باتت ناطقة باسم «الشعب المسكين». هذا الشعب التي يعتاش «ثوار» آخر زمن من دمه، منذ أجيال، وقبلهم آباؤهم وأجدادهم، أقطاب جمهوريّة المزارع، كل ذلك للأسف في حماية المؤسسة الدينيّة. أما الوزيرة ريّا الحسن، فليست من سلالة اقطاعيّة، بل هي هنا تلعب دور المرأة، الشابة، العصريّة، الليبرالية، التي وصلت الى السلطة بنضالها وعلمها… ما يخوّلها أن تكون من «دعاة الاصلاح»، أكثر من فلول الاقطاع السياسي. «إصلاحية» إذاً الوزيرة الحسن، بمعزل عن جذورها النيو – سنيوريّة (مقال بيار أبي صعب).
المهم أن الوزيرة الشابة بوسعها أن تغري الرأي العام الجديد الذي تعجز الاحزاب الوطنية والتقدميّة المستقلّة، حتّى الآن، عن استقطابه. تلك الكتلة الشابة والأقل شباباً، التي زجّ بها في خانة غامضة، ملتبسة، هي «المجتمع المدني»، تتنازع عليها كل القوى التقليديّة اليوم، ويعمل أخطبوط المنظمات غير الحكوميّة على تدجينها واستغلال غضبها واحتواء اندفاعتها الصحيّة. هذه القوّة المشتتة التي يوحّدها العداء للنظام اللبناني الفاسد والطائفي، ليس لديها من يخاطبها اليوم في دائرة السلطة سوى نائبة واحدة تأتي إلى «عملها» على متن الـ vespa الزرقاء. ماذا لو جرّبت وزيرة الداخليّة حظّها، في غواية «المجتمع المدني»، ماذا لو «رمت حجراً في المياه الراكدة»؟
بعد أن رفعت السواتر من أمام وزارتها، معلنة ولادة «دولة المواطن»، كما تعلن سنونوة ولادة الربيع، انتقلت من دون مقدّمات إلى… معركة «الزواج المدني». يا لها من امرأة شجاعة! يا معاليك عدّي للعشرة… هل أنت قدّها؟ رولا طبش واحدة تكفي، مصيرك سيكون «الاستتابة»! لا بد من أن ريا الحسن صادقة في ما أعلنته على «يورونيوز» في لحظة تجلّ: «أحبّذ، شخصياً، أن يكون هناك إطار للزواج المدني». وأضافت، كأنّها أدركت هول هذا التصريح: «سأسعى لفتح الباب لحوار جدي وعميق حول هذه المسألة مع كل المرجعيات الدينية وغيرها، وبدعم من رئيس الحكومة سعد الحريري، حتى يصبح هناك اعتراف بالزواج المدني».
إن معركة الزواج المدني في لبنان، صارت مثل «حكاية ابريق الزيت». والكل يعرف منذ أيام الرئيس إلياس الهراوي على الأقل، أن انتظار رضى المؤسسة الدينية في هذا السياق لا يجدي، علماً أنّه غير دستوري. فمشروع القانون الذي تقدّم به الرئيس الراحل في أواخر أيام عهده، ووافق عليه مجلس الوزراء بالأكثريّة الساحقة (18 آذار 1998)، دفنه الرئيس الراحل رفيق الحريري، ولم يحقق سوى انجاز واحد: توحيد كل الطوائف، المتناحرة آنذاك، ضد المشروع. هذه المؤسسات لا تدافع عن الدين، بل عن امتيازاتها ووجودها. وأي تغيير في المعادلة يتطلّب بروز قوى سياسية جديدة، وازنة، يمكنها أن تزعزع ثوابت النظام القديم. والقوى البديلة التي ستحمل التغيير لن تأتي غداً صباحاً، ولن نجدها في أي من المجموعات السياسية الحالية، خصوصاً في التيار السياسي الذي تنتمي إليه الحسن، وفي الجهات والايديولوجيات التي ترعاه.
في العام 2013 هدّد المفتي الأسبق محمد قبّاني «كلّ المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية»، بأن من يوافق بينهم «على تشريع الزواج المدني وتقنينه، ولو اختيارياً، مرتد وخارج عن دين الإسلام، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين». هذه المرّة لم يتأخّر رد فعل «دار الفتوى» أصلاً: «الرفض المطلق لمشروع الزواج المدني في لبنان، لأنه يخالف أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء جملةً وتفصيلاً، ويخالف أيضاً أحكام الدستور اللبناني». لندع جانباً وجهة النظر القانونية لـ «دار الفتوى» بالدستور، إذ يضيق المجال بمناقشتها هنا. ولنتفاد النقاش الديني فهو ليس من اختصاصنا، ولو إننا نتمسّك باجتهادات العلامة الراحل الشيخ عبد الله العلايلي الذي رأى أن على «الشريعة أن تجيب عن حاجات الناس في زمنهم»، وقال بامكان الزواج بين كتابيّ ومسلمة مستنداً إلى الآية الكريمة «اليوم أحلّ لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، وطعامكم حلّ لهم، والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم» (المائدة:5).
إن الزواج المدني لا يشكّل خطراً على الدين ولا الإيمان، ولا يهدد بـ «تفكيك المجتمعات الاسلاميّة»، بل يخوّلنا أن نبني أخيراً دولة تقوم على أساس القوانين الوضعيّة، وتحترم حريّة المعتقد، ووطناً جديراً بهذا الاسم، يتألف من شعب واحد بغض النظر عن انتماءات ابنائه الدينية وعقائدهم السياسيّة. وطناً محصناً ضد كل الانقسامات والحروب الأهليّة. هذا الزواج المدني «الاختياري» الذي يتعايش مع الزواج الديني، ينهي حالة الفصام التي يعيشها لبنان، إذ يعترف بالزواج المدني، إذا أقيم في دول أخرى. أما الفقراء، فممنوعون من التزاوج في ما بينهم خارج غيتوهاتهم الطائفيّة…
نعرف تماماً أن توقيت هذا النقاش، ليس مفيداً الآن، بل إنه لا يحمل، كما رأينا، إلا التشنّج، ويفتح أبواب الخوف من جهة والأصوليات من الجهة الأخرى. ويعيدنا إلى الوراء في معركة الزواج المدني، بترسيخ الخطاب المحافظ الرافض لها، من كل الجهات، ويزكي النزعات الانعزاليّة ومواويل الفدرالية والكونفدرالية على قاعدة «الجماعة ما بينعاش معهم»! الغريب أن الوزيرة الشابة، العصريّة، الليبرالية، في حكومة «إلى العمل»، بدأت العمل من المكان الخاطئ، ولم تنتبه إلى كل ذلك! في السياسة، الواقعيّة هي فضيلة الفضائل. في انتظار أن يلتحق لبنان بركب الحضارة، يمكن أن نكتفي بأقلّ من الزواج المدني بكثير. هناك منذ خمس سنوات، وتحديداً منذ سابقة خلود سكريّة ونضال درويش، واجتهادات محاميهما طلال الحسيني، ما يسمّى العقود المدنيّة، بين مواطنين من الجنسين شطبوا مذهبهم عن الهويّة. لا نعرف إذا كان الوزير نهاد المشنوق هو من أزال الحواجز من أمام وزارة الداخليّة، لكنّه ترك لخلفه في أدراج الوزارة عشرات العقود المدنيّة، الشرعيّة، التي عرقل تسليمها لأصحابها لسبب غامض. بما أن الرئيس الحريري يؤيّد وزيرته في منحاها التقدمي التنويري، وبما أن القانون يجيز لها ذلك، لتبدأ وزيرة الداخلية رحلة الألف الميل نحو الزواج المدني الذي «تحبّذه»، بخطوة صغيرة، متواضعة، هي اطلاق سراح العقود المدنيّة المحتجزة، ضد منطق القانون، في الأدراج التي باتت الآن أدراجها…
الحسن يمكن أن تبدأ من أدراج وزارتها!
امتناع وزارة الداخلية والبلديات عن عرقلة تنفيذ عشرات عقود الزواج المدنية التي نُظّمت في لبنان، هو أبرز الخطوات التي يمكن أن تقوم بها الوزيرة الجديدة ريّا الحسن، لإثبات وجود نية جدّية بوضع إطار للزواج المدني. أما «الحوار مع المرجعيات الدينية» فيعني، ببساطة، العودة إلى النقطة الصفر (مقال هديل فرفور).
قبل أيام، صرّحت الوزيرة حسن إلى محطة «يورونيوز» أنّها تُحبّذ شخصياً أن يكون هناك إطار للزواج المدني، مُشيرةً إلى أنها «ستسعى إلى فتح الباب لحوار جدي وعميق حول هذه المسألة مع كل المرجعيات الدينية وغيرها (…) وبدعم من رئيس الحكومة سعد الحريري، حتى يُصبح هناك اعتراف بالزواج المدني». تصريح الحسن ينسجم وما قاله الحريري قبل ست سنوات، في أحد البرامج الحوارية السياسية لجهة تمنّيه «شخصياً إقرار زواج مدني في لبنان (…) بعد حوار حقيقي مع المرجعيات الدينية».
بهذا المعنى، تكون الحسن، «بدعمٍ» من الحريري، قد ربطت مسألة إقرار حق اللبنانيين بالاختيار المدني الحر في الحياة الشخصية والعائلية، بـ «نتائج الحوار مع المرجعيات الدينية»: العدوّ الأول للزواج المدني. ما يعني العودة إلى النقطة الصفر. وكل ما فعلته، أنّها أقامت الدنيا وأقعدتها، بـ «شبه تصريحها» الذي أعاد معركة الزواج المدني في لبنان إلى الخلف. وخير دليل على ذلك بيان «دار الفتوى» أمس، تعليقاً على الوزيرة الحسن. وكان مفتي الجمهورية السابق محمد رشيد قباني قد كفّر عام 2013 كل من يتزوّج مدنياً، و«كلّ المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية» الذين يوافقون على قانون يسمح بهذا الزواج.
وقد عاودت دار الفتوى الكرّة يوم أمس، إذ أصدر مكتبها الإعلامي بياناً أشعل مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والتعليقات المضادة، وقسّم سكان العالم الافتراضي بين مؤيد ومعارض. إذ أكّد أن موقف دار الفتوى معروف منذ سنوات «في الرفض المُطلق لمشروع الزواج المدني في لبنان ومعارضته لأنه يخالف أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء (…)». ودعا إلى «عدم الخوض والقيل والقال في موضوع الزواج المدني الذي هو من اختصاص دار الفتوى في الجمهورية». هذا الموقف ينسجم مبدئياً مع الموقف المعلن، أو غير المعلن، لمرجعيات دينية أخرى في لبنان، ترفض مجرد فكرة مناقشة «الزواج المدني».
نايلة جعجع، الحقوقيّة والناشطة في مجال الحريات وحقوق المواطنة، أشارت، تعليقاً على البيان، إلى أن الحقّ بالزواج المدني الاختياري هو تكريس للدستور اللبناني، وليس انتهاكاً له، وأنّ «احترام خصوصية الطوائف في مجال الأحوال الشخصية هو استثناء نصّ عليه الدستور، وليس احتكاراً أو امتيازاً لها»، مُشيرةً إلى أنّ مسألة تنظيم الزواج المدني «من صلاحيات وواجبات المُشرّع المنتخب من الشعب وليس دار الفتوى أو أي مرجعية طائفية أخرى». ولفتت جعجع إلى أن هناك عشرات مشاريع القوانين المتعلّقة بالزواج المدني في لبنان، «فمنذ الخمسينيات حتى عام 2014، صيغت الكثير من القوانين في هذا الشأن، إلّا أنها بقيت مهملة في أدراج مجلس النواب».
تجدر الإشارة إلى أن لبنان شهد في السنوات الماضية سوابق إيجابية، بشأن إمكانية مقاربة الزواج المدني في القانون اللبناني. هذه الطريقة تشترط شطب المذهب عن الهويّة، وبصفة اللامنتمي إلى أي طائفة، يصبح بإمكان المواطن أن يقيم عقداً مدنيّاً مع مواطن من الجنس الآخر. ثلاث عشرة زيجة مدنية سُجِّلَت عقودها في لبنان في عهد وزير الداخلية والبلديات السابق مروان شربل (2013)، كما ذكّر أمس هذا الأخير. تلك العقود نُفِّذَت بعدما أقدم أصحابها على حجب الإشارة عن قيدهم الطائفي من سجلات النفوس بناءً على تعميم أصدره، قبل شربل، وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود (2009)، وبات كل ذلك ممكناً استناداً إلى الهيئة العليا للاستشارات في وزارة العدل التي رأت أن «من حقّ اللبناني الذي لا ينتمي إلى طائفة ما إن يعقد زواجه مدنياً في لبنان»، على أن يكون الكاتب العدل هو المرجع المختصّ لعقد الزواج المدني والتصديق عليه، وأن تكون للزوجين حرية تعيين القانون المدني الذي يختارانه ليرعى عقد زواجهما.
بعد تلك الزيجات، وصل إلى الوزارة نحو 52 عقداً مدنياً (من متزوّجين كانوا قد شطبوا قيدهم الطائفي)، إلّا أن أياً من هذه العقود لم يُسجّل بسبب إيعاز وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق إلى الموظفين المعنيين بالامتناع عن التسجيل وتسليم وثائق الزواج وسجلات إخراج القيد العائلي. أطلق الوزير يومذاك تحفته الشهيرة: «قبرص ليست بعيدة»، داعياً من يريد أن يتزوج مدنياً إلى أن يفعل ذلك خارج لبنان! مع كل ما يحمله هذا الأمر من تكاليف على فئة من اللبنانيين تطمح إلى قوانين مدنية خارجة عن سلطة المرجعيات الدينية.
الأهم اليوم هو التذكير بأن هناك، في لبنان، سوابق إدارية مُثبتة قانونياً تنصّ على إمكانية عقد زواج مدني. وبالتالي إن الخطوات «الجدّية» المتعلّقة بهذا الملف تبدأ، ربما، من وضع حدّ لقرار تجميد عشرات العقود المدنية القابعة في أدراج وزارة الداخليّة من أيام المشنوق. وبحسب مصادر قانونية مُطّلعة على الملف، فإن الحسن «لن تحتاج إلى إجراء استشارات جديدة لاتخاذ قرار من أجل المُضي بعقود الزواج المدني المبني على شطب الطائفة». أما الذين لا يريدون شطب قيدهم الطائفي، رغم اختيارهم الزواج مدنياً، فهؤلاء يحتاجون إلى قانون يقره مجلس النواب…
وأعدّت مجموعة من «الناشطين» (ات) الحقوقيين (ات) كتاباً موجهاً إلى الوزيرة الحسن، تطالبها بـ «إصدار تعميمات وتوجيهات إلى الموظفين المعنيين تذكّرهم بواجبهم ومسؤولياتهم لجهة قبول طلبات شطب الإشارة إلى القيد الطائفي من جهة (في دوائر النفوس وعلى كافة الأراضي اللبنانية)، وتسجيل عقود الزيجات المدنية المعقودة على الأراضي اللبنانية من جهة أخرى». وأعلنت المجموعة استعدادها لمواكبة هذا الملف، وتزويد الوزارة بكل المستندات والمعطيات التي تؤكّد قانونية هذا المطلب ومشروعيته. فهل تتجاوب الوزيرة الجديدة وتُثبت نيتها الجدية بوضع إطار للزواج المدني؟

أخبار لبنان