العقيدة العسكرية التركية الجديدة …

العقيدة العسكرية التركية الجديدة …

تعرض دور تركيا في المشرق العربي للتغير، نتيجة تحولات داخلية وخارجية واجهتها، لا سيما بعد تسلم الحزب “الإخواني” السلطة في أنقرة.  وقد طال هذا التغير العقيدة العسكرية التركية. إذ تتجه النخب السياسية النافذة نحو كسر القواعد التقليدية لهذه العقيدة ووضع مفهوم جديد لها، مختلف عما استقرت عليه طيلة الحرب الباردة وما بعدها. وفي هذه المقابلة يناقش الباحث والخبير في شؤون تركيا الدكتور محمد نور الدين، في أسباب تغير العقيدة العسكرية التركية وآفاقه.  

كيف يمكن تحديد أبرز ظروف تكون العقيدة العسكرية التركية الجديدة.
دائماً، كان لدى النخبة السياسية التركية قناعة بأن هناك مؤامرة على تركيا بدأت بعد الحرب العالمية الأولى وتمثلت باتفاقية “سيفر” 1920، رغم ان اتفاقية لوزان 1923 طوت بشكل أو بآخر اتفاقية “سيفر” ورسمت حدود جغرافية واجتماعية وسياسية وحضارية جديدة لتركيا الحديثة. كان الخط الأساسي لهذا التحول ينسجم مع المنظومة الثقافية والسياسية والأمنية الغربية واستمر ذلك حتى الآن. مع ذلك كان هناك هاجس دائما أن الخارج وخصوصا الغرب وليس روسيا أو الإتحاد السوفيتي أو الدول العربية والاسلامية المحيطة، لم يتخل عمليا عن “سيفر”، وهو يحاول إن لم يكن إضعاف تركيا من خلال تقسيمها جغرافيا، فعلى الاقل إضعاف تركيا والحد من قدرتها على التأثير في الإقليم وفي العالم، من خلال الامساك بمفاصل القدرة التركية، سواء على مستوى النظام السياسي في الداخل، من خلال ترسيخ دور الدولة العميقة في النظام، بما ينسجم مع التوجهات الغربية، أو من خلال ابقاء تركيا دولة غير منتجة وليس لديها استقلالية اقتصادية، وابقاء هذه الدولة تابعة وسوق استهلاكية، أو من خلال إثارة مشكلات داخلية لها طابع إثني (الأكراد) أو مذهبي (العلويين) أو ايديولوجي (الانقسام بين الاسلاميين والعلمانيين).

هذه النظرة تحكمت بالعقل السياسي التركي العلماني والاسلامي وحتى العسكري، هذا في العمق. لكن للمرة الاولى تواجه تركيا تهديدات ينظر لها على أساس أنها تمس الوجود التركي بحد ذاته. وهذه التهديدات ناتجة عن المشكلات التي أفرزها ما يسمى بالربيع العربي وخصوصا المسألة السورية، وما يتعلق بالبعد الكردي من الأزمة السورية. وفقا للمنظور التركي هناك سعي من جانب الولايات المتحدة لإقامة شريط حدودي أو كيان يمتد على طول الحدود السورية ـ التركية، خاص بالاكراد ويكون نواة تقسيم المنطقة بشكل أو بآخر. هذا ما يعتبر تهديد خطير لوحدة الاراضي التركية وللأمن القومي التركي. أي أن تكون تركيا محاطة، عند كل حدودها الجنوبية بكيان كردي (سواء في شمال سوريا أو شمال العراق) قادر على التواصل والتماس الجغرافي. وطبعاً، مع وجود تماس ثقافي وعلاقات نسب بين هذا الكيان والاكراد في الداخل التركي، أن تنتقل هذه النزعة التقسيمية لاحقاً بعد سنوات إلى الداخل التركي.

النخب السياسية الحاكمة في تركيا، حزب العدالة والتنمية، تعرض هذا المشهد من التهديدات الاستراتيجية المباشرة الآن لتركيا، وتحاول أن تواجه هذه التهديدات بعمليات عسكرية مباشرة وبإقامة قواعد عسكرية هنا وهناك، لكن بتقديري وانطلاقا من خطاب حزب العدالة والتنمية، الذي ظهر بشكل واضح في الاشهر الاخيرة لا سيما بعد فشل محاولة الانقلاب العسكرية، هو أنه ليس دائما التهديد المباشر (الكردي مثلا أو العسكري الروسي في سوريا أو الجيش العراقي من خلال ذراع الحشد الشعبي ذو الطابع المذهبي) هو السبب المباشر لظهور مثل هذه العقيدة الجديدة، ولكن في الوقت نفسه اذا انطلقنا من خطابات حزب العدالة والتنمية الاخيرة نجد أننا امام تحول تاريخي، استراتيجي وجذري بطريقة مقاربة تركيا لعلاقاتها الاقليمية والدولية. منطلق القول بوجود مثل هذا التغير، هو الخطاب الذي اطلقه الرئيس رجب طيب أردوغان في 29 أيلول 2016، والذي يقول فيه أن معاهدة لوزان ليست نصراً بل هي هزيمة، وأن الغرب تحديدا أراد أن يقنعنا أن هذه المعادلة هي نصر. في حين كان يريد الغرب أن يبقي تركيا محبوسة داخل الأناضول. هذه الرغبة لدى الغرب هي التي تجعل الغرب يحاول أن يبث في عقل الاتراك أن معاهدة لوزان هي نصر وليست هزيمة. وهذا المفهوم في النظرة إلى لوزان هو مفهوم خاطئ ونحن علينا أن نقف ضد هذا المفهوم ونعمل على ترجمة المفهوم المضاد له.

ولكن كيف تترجم هذه النظرة في العقل السياسي التركي من خلال العقيدة العسكرية الجديدة 
تتقاسم كل النخب السياسية التركية من كل الاتجاهات هذه النظرة. لكن مع تقدم المشروع الكردي في سوريا، لا سيما محاولة وصل هذا الممر الكردي بين عين العرب كوباني وعفرين، أعتقد أن تركيا اعادت النظر بالمفاهيم الامنية المحيطة بالكيان التركي ككل والذي كان لا يزال سائدا منذ العام 1923. المعادلة الاساسية هي أن تركيا يجب ألا تنتظر أن يصل التهديد الوجودي إلى داخل حدودها، بل يجب أن تحارب هذا التهديد في أوكاره ومعاقله، التي ينطلق منها. هنا وبشكل أساسي بالنسبة للأتراك، هناك مستويان من هذا التهديد: الأول، المستوى الجغرافي المباشر على الحدود التركية وهذا له علاقة بالواقع الكردي بشكل أساسي، وبالتالي يقول الأتراك يجب ان نحارب هذا التهديد من خلال السيطرة على المناطق التي ينطلق منها أو يمكن أن ينطلق منها سواء في شمال العراق أو في سوريا. هكذا ظهرت ترجمتان عمليتان على الارض لتطبيق هذه النظرية: الأولى، في التمركز قرب بعشيقة واقامة معسكر، والى هذا المعسكر هناك أكثر من 10 نقاط تمركز عسكري تركي في شمال العراق معظمها في المناطق الكردية. الثانية، كانت في سوريا من خلال التدخل العسكري المباشر في 24 آب واحتلال جزء لا بأس به من المناطق الواقعة شمال حلب وصولا إلى الحدود التركية.

أما المستوى الثاني من هذا التهديد فهو يطال قوى ودول وليس منظمات مثل حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، أو حزب العمال الكردستاني أو حتى تنظيم داعش أو أو … وبالتالي هذا القسم مما يعتبره الاتراك تهديدا لهم، أصبح ينقل العلاقة التركية من مستوى العلاقة أو النظرة إلى قوى ومجموعات تنشأ كتنظيمات مسلحة أو تنظيمات تكفيرية او ايديولوجية متطرفة، ينقل النظرة إلى مستوى دول تشكل تهديدا لتركيا مثل ايران والعراق والنظام في سوريا ومصر وقوى أخرى. وقد تمت محاولة الترجمة العملية، لهذا الامر من خلال محاولة اقامة قواعد عسكرية، يعتبرها الاتراك ضرورية من أجل إشغال هذه القوى بمصادر تهديد (من قبل تركيا) خارج الحدود التركية المباشرة. لذلك، رأينا سابقة إنشاء القاعدة العسكرية في الصومال، وهذا له علاقة مباشرة بالنفوذ الايراني في منطقة بحر العرب وباب المندب والبحر الاحمر.

أول تجربة تركية لاقامة قاعدة عسكرية خارجية كانت في الصومال، لتكون موجهة اساسا ضد ايران من جهة، وضد مصر من جهة أخرى. كان من الممكن إقامة مثل هذه القاعدة في مناطق أقرب إلى ايران ولكن هذا الذي تيسر بالنسبة إلى الاتراك عندما وجدوا أن الصومال قبلت بذلك. والقاعدة العسكرية الخارجية الثانية هي في قطر، وموجهة مباشرة من دون شك ضد ايران، لكنها في الوقت عينه تؤثر ولو معنويا على التنافس على زعامة العالم الاسلامي بين تركيا والسعودية. لأن الاتراك لا يخرجوا من حساباتهم أن السعودية هي من القوى التي تهدد وحدة تركيا وليس فقط القوى التي يرى الأتراك أنها تتخذ طابعا مذهبيا كالعراق وايران أو النظام في سوريا باعتبار ان السعودية يمكن ان تنافس تركيا على زعامة العالم الاسلامي. هذه هي الصورة كما تُعْكَس في الداخل التركي.

نفهم مما ذكرتم أن نظام أردوغان يسعى لتغيير الحدود الإقليمية للدولة التركية، بما في ذلك، ما اشرتم له في محاضرة سابقة عن مشروع إقامة قواعد عسكرية تركية في جوف أوروبا؟ 
كلام أردوغان عن معاهدة لوزان استكمل بأمثلة قدمها هو نفسه، تشرح وتترجم العنوان العام الذي أطلقه عن أن المفهوم الخاطئ للنظرة إلى تلك المعاهدة، يوجب مفهوما مضادا يقتضي إعادة النظر باتفاقية لوزان بحد ذاتها، لا سيما في بحر ايجه مع اليونان. في الوقت نفسه تكلم أيضاً عن أن المناطق الشمالية في سوريا والعراق كانت تابعة لتركيا، ولهذا السبب دخل الأتراك بقواتهم إلى سوريا وإلى الموصل وإلى بعشيقة. وبالتالي فإن دعوة أردوغان إلى اعادة النظر باتفاقية لوزان، والاتفاقيات الاخرى التي رسمت حدود تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ولا سيما اتفاقية أنقرة عام 1926، التي الحقت ولاية الموصل بالعراق، تخلق الشكوك بأن تركيا لا تريد في أن تتوسع خارج حدودها فقط من اجل مواجهة التهديدات العسكرية أو الامنية المستجدة في السنوات الاخيرة، وعلى رأسها التهديد الكردي، تريد اليوم تحت ستار مواجهة الإرهاب وضربه خارج حدود تركيا، توفير ذريعة لها من اجل العودة الى الموروث التاريخي الذي يسكن في العقل السياسي لحزب العدالة والتنمية، وبالتالي السيطرة على أي منطقة يمكن أن تتوفر فرصة للسيطرة عليها، واحتلالها سواء مع بحر ايجه في اليونان أو شمال سوريا والعراق.

وهنا بتقديري مكمن الخطورة الأكبر على الحركة التركية العسكرية خارج تركيا، والتي تهدف على المدى الطويل، إذا اتيحت لها الفرص والظروف الاقليمية والدولية أن تبقى فيها، فيكون الهدف هو الاحتلال والعودة إلى الحدود القديمة لتركيا قبل الحرب العالمية الاولى والتي تعرف باسم حدود الميثاق الملي الذي وضع عام 1920. انطلاقاً من ذلك، نحن لسنا فقط أمام تهديد تركي للمنطقة العربية أو الاسلامية وإنما أيضا لكل هذه المناطق المحيطة بها ومن ضمنها اليونان، ومناطق القوقاز. من هنا السعي التركي لإقامة قواعد عسكرية ليس فقط في قطر والصومال، ولكن أيضا في اذربيجان وجورجيا وأيضا في البلقان حيث يمكن لتركيا أن تتغلغل فيه من خلال دولة ألبانيا التي لها علاقات مميزة معها.

ماذا سيحل إذا بالعقيدة العسكرية القديمة، أي الرابطة الأطلسية التي أشار لها أحمد داوود أوغلو بشكل دقيق في كتابه “العمق الاستراتيجي”. وكيف سيكون موقع تركيا إزاء قوى قارية كبيرة من وزن روسيا وايران ومن وزن المشرق العربي أيضا؟ وكيف ستكون علاقتها مع اسرائيل؟ 
لا شك في أن العقيدة الامنية والعسكرية التركية بعد الحرب العالمية الثانية إضافة إلى “العقيدة الثقافية والفكرية والحضارية”، كانت جزءاً من المنظومة الغربية : الثقافة، التوجه، الخيارات الامنية والعسكرية التي ترجمت بالانتماء إلى حلف شمال الاطلسي عام 1952. إذا نحن أمام دور تركي واضح. يمثل جزءاً من المنظومة الغربية الأطلسية بعد الحرب العالمية الثانية بشكل كامل، بمعزل عن طبيعة الحكومات التركية المتعاقبة. مثلاً، كانت حكومة عدنان مندريس ذات طابع اسلامي في الخمسينيات ومثلها حكومة توركوت أوزال في الثمانينيات. بينما حكومات سليمان ديميريل، أو طانسو تشيلر كانت ذات طابع يساري يميني. في حين أن حكومات بولنت أجاويد كانت من اليسار العلماني، فيما كانت الحكومات التي شارك فيها نجم الدين اربكان منذ السبعينيات ذات طعم اسلامي. رغم كل هذا التنوع لم تتغير العقيدة العسكرية التركية من الغرب، وجزء اساسي من هذه العقيدة هو التحالف الوثيق مع اسرائيل.

أعتقد أنه مع حزب العدالة والتنمية، لم تتغير كثيرا هذه العقيدة. نقصد لم تتغير بشكل أساسي. ولكن أضيفت إليها عوامل قد تجعلها عرضة للتغيير. لأنه مع حزب العدالة والتنمية لم نكن أمام استمرار النهج السابق الذي عرفته تركيا منذ الحرب العالمية الثانية حتى العام 2002. كلا. كان لأول مرة هناك سلطة تحمل مشروع وعُبّر عنه من وقت لآخر، وبشكل أو بآخر من خلال ما سمي “بالعثمانية الجديدة”. كلام أردوغان مؤخرا عن بعض الجزر اليونانية في ايجه وضرورة عودتها إلى تركيا، أو أن الموصل يجب ان تعود لتركيا بعدما قُسّم العراق، أو أن شمال سوريا كان جزءا من الميثاق الملي ومنها مدينة حلب. لذلك، فان هذه العناصر التي يتضمنها الخطاب التركي الجديد كانت بمثابة امتحان واختبار. أو يجب أن تكون كذلك، على مدى تأثير ذلك على العقيدة العسكرية التركية المرتبطة بالعقيدة الأطلسية. بمعنى أنه إذا كان الغرب هو الذي يشكل التهديد الأكبر لتركيا ووحدة أراضيها، فان تمرد تركيا على طبيعة العلاقة مع الغرب والسعي للخروج من حدودها والتوسع خارج الحدود سواء بشكل جغرافي مباشر بالإحتلال، أو بشكل تأثير على هذا المحيط الاقليمي، هو امتحان حقيقي لمدى تقبل أو رفض الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الامريكية، لهذا المفهوم الجديد، لدور تركيا في المنطقة والمنطلِق من أسس عثمانية.

أعتقد أن أردوغان كان يحاول أن يترجم هذه التطلعات مع الابقاء على طبيعة العلاقة بينه وبين الاطلسي وبينه وبين الغرب. بمعنى أن يكون الحلف الأطلسي عند الضرورة مساعد أو رديف أو عضد لهذا النهج التركي الجديد. لكن هنا برأيي كان مكمن الخطأ لدى القيادة التركية. فالغرب لا يسمح لأي قوة مهما كانت تابعة له وتخدم لمصالحه، أن تتحول إلى قوة اقليمية كبرى يمكن في لحظة ما وفي ظل طروحات تتناقض مع تاريخ العلاقة بين تركيا وأوروبا منذ قرون وهي علاقة عدائية بالنهاية علاقة العثمانيين والأوروبيين. لن يسمح الغرب لها أن تظهر. الغرب ساهم في وصول أردوغان إلى السلطة، وساهم في تأسيس حزب العدالة والتنمية (خصوصا أميركا)، لكن أعتقد أن الغرب وأميركا قد تفاجئا بشكل أو بآخر بهذه النزعة العثمانية لدى القيادة التركية الجديدة، والتي لا تصب في مصلحة إبقاء تركيا عضو ممسوك ضمن قيود لوزان وضمن قيود كل ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالتالي هنا حصل الافتراق. وكذلك، وصولا إلى المحاولة الانقلابية التي تورطت فيها أميركا، وأن هذا التوجه من قبل تركيا قد استنفذت وظيفته إذ ساهم باثارة “الربيع العربي” وتعميق الفتنة وتوسيع الهوة بين المكونات الداخلية لكل بلد عربي اثنية ـ عرقية ـ مذهبية، وبالتالي كان ذلك مكسبا “اسرائيليا”. ولكن تبقى تركيا ضمن هذه الكوكبة الدول الممزقة من الداخل، وتسعى لان تخرج من حدودها، فتدخل الغرب مباشرة وحاول الإطاحة بأردوغان لكنه فشل. هذا ما خلق الواقع الجديد، وطرح السؤال الكبير هل يمكن أن تستدير تركيا وتتخلى عن الغرب، أم لا. بتقديري، أن تاريخ علاقة تركيا بالدول الاقليمية هو تاريخ علاقة عداء كامل مع ايران مع روسيا مع الارمن حتى مع العرب في الحرب العالمية الأولى، هو تاريخ من العداء . لذلك، فإن محاولة تركيا أن تنسج علاقات تؤدي إلى قيام محور جديد ومستقل عن المحور الغربي، مع روسيا أو مع إيران أو مع العرب، ستكون ظروفه الموضوعية غير ملائمة.

أجرى المقابلة :
إيمان إبراهيم وندى شبلي
بيروت، 5 كانون الأول، 2016

مركز الحقول للدراسات والنشر

مصدر الصورة العربية نت

الشؤون الدولية » Homepage Slides » أهم المقالات » مقابلة