الحرب الهجينة الإستنزافية والجيش الوطني ذو “البعد العالمي”؟

الحرب الهجينة الإستنزافية والجيش الوطني ذو “البعد العالمي”؟

عصفت الحرب الهجينة الإستنزافية بكل الدول العربية تقريباً. الولايات المتحدة و"إسرائيل" والتحالف الأطلسي ـ "الخليجي"، شنوا على كل دولة منها حرباً فرعية منفردة. وضعوا لكل حرب الأهداف والأدوات والأسلحة المناسبة لتنفيذ خطة الحرب ضد الدولة والمجتمع معاً. خلف دمار هذه الحرب المتسلسلة، ينتصب هدف عالمي مركزي واحد للولايات المتحدة، هو الإحتفاظ بالسيطرة الإستراتيجية على "الخواصر الرخوة" للقارة الآسيوية. فأين تقع هذه "الخواصر" ولماذا يريد الأميركيون إبقاءها تحت سيطرتهم؟.

حسب التخطيط الجيوستراتيجي الأميركي ـ الأطلسي فإن هذه "الخواصر" هي دول المشرق العربي نفسها. بلاد الشام والرافدين، مصر، شبه الجزيرة العربية. إضافة إلى بعض الدول ـ الجزر في البحر المتوسط وبحر العرب وغرب المحيط الهندي. وهدف التخطيط هو تكييف أو إعادة تشكيل جيوبوليتيك وسوسيولوجيا هذه "الخواصر"، حتى تبقى منصة اقتراب ووثوب للقوى الأميركية ـ الأطلسية نحو قلب الكتلة الأوراسية لتقطيعها ومحاصرتها.

هذا التصور الأميركي للخريطة العالمية المناسبة، يجعل الحرب الهجينة الإستنزافية على معظم دول المشرق العربي ذات بعد عالمي يتناسب وطبيعة وحجم الهدف الأميركي المطروح. فالكتلة الأوراسية الصاعدة تؤسس لتوازن عالمي جديد، بدأ يطيح الموقع المهيمن للولايات المتحدة على قمة هرم النظام الرأسمالي الدولي. ولذلك، بات الهدف العالمي للأميركيين، استناداً للخبرة المكتسبة لديهم من أيام الحرب الباردة، هو فصل آسيا عن أوروبا لوقف تراجعهم.

وفق تخطيطهم الأساسي لترميم بنية الهيمنة الجيوستراتيجية الأميركية في العالم، يعمل الأميركيون لفصل وتطويق كتلة أوراسيا، من اتجاهين : الأول غربي ـ أوروبي، من دول وسط وشرق أوروبا، ومن أوكرانيا. وهذا الإتجاه الذي يعزل روسيا عن أوروبا، يمكن أن يتأثر بأوضاع دول المغرب العربي. الثاني شرقي ـ آسيوي، من أفغانستان صوب وسط آسيا. وهذا الإتجاه الذي يعزل روسيا عن الصين وحتى عن الهند ويطوقهم، يقع "مفتاح خريطته" في "الخواصر الرخوة" الآسيوية، أي دول المشرق العربي بالتحديد.

اختلفت وتائر الحرب الهجينة الإستنزافية بين دولة عربية وأخرى، لكن طول المدى الزمني للحرب وكثافة المعارك والعمليات خلالها، يبرر أن تصنف في لائحة الحروب المزمنة. لقد خاضتها أغلبية الجيوش العربية أو ما زالت تخوضها على الأراضي السيادية للدولة، في أعماق الجبهة الداخلية للدولة. لأن الهدف الأميركي النهائي من شن هذه الحرب، هو استباحة الشعب في عقر داره، حتى تمسي الدولة الوطنية ميدان الحرب والقتال ثم الفوضى. لكننا نرى أن هذه الحرب التي قوضت استقرار السلطة السابقة، قد أخرجت الجيش من مكانه "في أعمق نواة السلطة"، بتعبير أنور عبد الملك، وأحدثت تحولاً جوهرياً في علاقة الجيش وتأثيره بالنظام الدولي وعلاقة الجيش وتأثيره بالدولة. وهذه نتيجة هامة لشرح سؤالنا عن البعد العالمي للجيش الوطني.

حول علاقة الجيش وتأثيره بالنظام الدولي، أظهرت المشاركة في معارك الحرب الهجينة الإستنزافية، البعد العالمي الذي اكتسبه دور الجيش في تأثيره على هذا النظام. وبخلاف المرحلة السابقة، لم تعد المعايير التقنية والكمية التكتيكية والإستراتيجية كافية لقياس هذا الدور أو لتحديد هذا التأثير. من الآن فصاعداً، يجب أن تُقْرَنْ بالمعايير الجيوستراتيجية، بما في ذلك عمق وجدية التحالفات الإستراتيجية للدولة وللجيش في الإقليم والعالم. لأن نتائج هذه المشاركة ومفاعيلها باتت عنصراً نافذاً في تشكل النظام الدولي الإنتقالي الراهن. الذي يؤلف مرحلة تاريخية كاملة، وقد تكون طويلة، ما بين سقوط النظام الدولي الأحادي القطب الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ عام 1991، وقيام النظام الدولي المتعدد الأقطاب.         

أما علاقة الجيش وتأثيره بالدولة، فقد أصبحت على طاولة الجدل السياسي مع الحرب الهجينة الإستنزافية التي أندلعت خلف ستار فوضى "الربيع العربي". لم يكن تأثير هذه "العاصفة الهوجاء[1] على الدول العربية وجيوشها متشابهاً. لكنها حشرت الجيش في مرمى الإستهداف. ضغط مخططو الحرب الإميركيون وحلفائهم، على الجيش للإكتفاء بالدور الوظيفي الذي يرسمونه له، فإما أن ينقل السلطة السياسية إلى، أو يبقيها بيد الأشخاص أو القوى المدعومة من الأميركيين. حتى غدا الجيش على مفترق التاريخ : يرضخ، أو يأبى. يطرق أقصر السبل إلى زوال سيادة الدولة أي الشعب وسقوط استقلالها، ويتحلل في مجموعات عسكرية محلية مؤتلفة أو مختلفة. أو يثبت مكانته كجيش وطني موحد، من خلال الدفاع عن سيادة واستقلال الدولة، من أجل أن ترسخ الدولة الوطنية وليبقى الشعب السيِّدُ على أرضه.       

يجب أن نعود إلى السياق الميداني ونتائجه، لكي نفحص نجاح أو فشل الأميركيين والأطلسيين في تحقيق هدفهم بتكييف أو إعادة تشكيل جيوبوليتيك وسوسيولوجيا دول المشرق العربي، حتى تبقى منصة تقرب ووثوب على أوراسيا.

اختار الأميركيون جبهة بلاد الشام والرافدين، لتكون الساحة الرئيسية للحرب الهجينة الإستنزافية. وقد تركز زخم الحرب وعنفها على مثلث العراق ـ سوريا ـ لبنان. كانت هذه الدول الثلاث، لا سيما كتلة سوريا ـ لبنان، قد تصدت في العقود السابقة، لمشاريع الأقلمة regionalisation الأميركية ـ الأطلسية وقاومتها، بتكامل الجيشين اللبناني والسوري مع المقاومة الوطنية في لبنان وفي فلسطين المحتلة وفي العراق (منذ نيسان 2003). بعد عشر سنوات تقريباً، على فوضى "الربيع العربي"، نرى أن البعد العالمي لدور جيوش الدول الثلاث وقواها المسلحة قد تضاعف، عقب نجاحها في بناء معادلات ردع مع "إسرائيل"، وسد طريق التحالف الأميركي ـ الأطلسي نحو وسط آسيا، تحت نيران الحرب. استند نجاح جيوش هذه الدول في إسقاط نظرية "الخواصر الرخوة" على التحالفات المحورية الثنائية أو الإقليمية لهذه الدول مع إيران، وكذلك مع روسيا، اللتبن قدمتا دعماً حيوياً فعالاً، رغم المشكلات المعقدة في هذه التحالفات.

أما في مصر، فتبدو هذه الحرب منخفضة الشدة حالياً. لكن هذا الإنطباع خادع. فالبعد العالمي لدور الجيش المصري سيرتفع، كلما استخدم قوته لتأمين عمق الجبهة الداخلية، وحماية الجبهة الخارجية بنظام للأمن الإقليمي يقوم على منظور وطني عربي مستقل، يحبط منظري "الخواصر الرخوة" وأطماعهم الإمبريالية. في هذه الحال، من المتوقع أن يبادر التحالف الأميركي ـ الأطلسي و"إسرائيل"، إلى تصعيد الحرب الهجينة الإستنزافية، من اتجاهات داخلية وخارجية على مصر، كلما جدَّ نظام الحكم فيها، ببناء قواعد تكنوإنتاجية، وتنمية إمكانات سوسيوثقافية، وفي توفير موارد طبيعية، يمكن أن تمس معادلات "كامب ديفيد" الإقليمية، أو تشد وتصلب "الخواصر الرخوة" الأفروآسيوية. في الأسابيع الأخيرة، انتشرت أنباء الخلافات المصرية ـ الأميركية بشأن حق مصر السيادي في شراء الأسلحة من روسيا واختيار مصادر التسلح. وكذلك، حول رفض مصر الدخول في عضوية "الناتو السني" الذي تؤسسه الولايات المتحدة، ليجمع المثلث السعودي ـ الإماراتي ـ القطري، مع "إسرائيل" ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.    

من بين دول شبه الجزيرة العربية، شُنَّت الحرب الهجينة الإستنزافية على اليمن وحده لتخريبه ولتقسيمه. وقد اختصرت "المبادرة الخليجية" التي كتبها السفير الأميركي السابق جفري فيلتمان، صورة مستقبل اليمن ومصيره، ضمن مصالح التخطيط الأميركي ـ الأطلسي. ولم تُشن حرب تحالف العدوان الأميركي ـ السعودي على اليمن لتدميره ولتقسيمه، إلا بعد أن عجز عن تذييل تلك "المبادرة" بتوقيع شعب اليمن الأبي. في بقية دول شبه الجزيرة العربية، لا توجد حاجة ملحة لشن هذه الحرب، فالبنية القبلية ـ المذهبية تغذي النزعة المحلية الطاغية على أنظمة الحكم في "التعاون الخليجي"، وتحديداً على مثلث السعودية ـ الإمارات ـ قطر. وهذه النزعة غير العالمية، بتاتاً، تبقي عقائد ومهام جيوش هذه الدول في حدود الدور الوظيفي الذي تتقرر مهامه في إطار النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة. لذلك، تعمل الدول والجيوش معاً، تلقائياً، كـ"خاصرة رخوة" أو منصة اقتراب ووثوب للقوات الأميركية نحو آسيا أو إفريقيا، ابتداء من الإقليم العربي، أي من العراق وليبيا وسوريا والسودان واليمن الذي يقاوم هذا الدور "الخليجي" الوظيفي. لا يعني هذا الوصف التحليلي أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" والتحالف الأطلسي، لن يصعدوا الحرب الهجينة الإستنزافية ضد هذه الدول، لا سيما السعودية، إذا ما وجدوا ضرورة لذلك. وأغلب الظن ان الإستفزازات السياسية ـ الثقافية التي تتخذ شكل الدفاع عن حقوق البنات السجينات في المملكة والبنات الهاربات منها، واستغلال مآسيهن في الإعلام الإمبريالي الغربي، هو من إرهاصات تلك الحرب.   

سيأتي مشروع "صفقة القرن" الأميركي كاستثمار عملي في نتائج الحرب الهجينة الإستنزافية، لكسب المستقبل، وترميم الهيمنة الأميركية في العالم. ولذلك، فإنه بمعنى ما مشروع نزع "البعد العالمي" عن دور الجيوش العربية التي خاضت غمار تلك الحرب بنجاح. بحيث خرجت من "أعمق نواة السلطة" إلى أعمق أركان الدولة على الصعيد الوطني. كما أصبحت هذه الجيوش عاملاً فاعلاً في بناء منظومات الأمن الإقليمي والدولي المستقلة عن منظومات الهيمنة الأميركية. يتصف مشروع "صفقة القرن" بمعظم مواصفات "الحل الصهيوني" للقضية الفلسطينية وللصراع العربي ـ الصهيوني. فهو نسخة منقحة عن مشاريع "الأقلمة الشرق اوسطية" السابقة، وقد صمم لإبقاء دول المشرق العربي "خواصر رخوة" للقارة الآسيوية إلى الأبد. إن تقديم إدارة ترامب لهذا المشروع، بعد مضي نحو عقد على الإستباحة الشاملة للدول العربية بفوضى "الربيع العربي"، يؤكد استمرار السباق الصراعي العنيف على المستقبل بين هذه الجيوش الوطنية "ذات البعد العالمي"، وبين جيوش وأجهزة التحالف الأميركي ـ الأطلسي، الذي يريد أن تصبح الحرب الهجينة الإستنزافية المستمرة، حتى الآن، من أنماط حروب الإبادة السوسيوسياسية الأميركية الأطلسية للعرب. ولذلك، تتابع إدارة ترامب إطلاق النيران.

مركز الحقول للدراسات والنشر
‏الثلاثاء‏، 18‏ شعبان‏، 1440، الموافق ‏23‏ نيسان / أبريل‏، 2019
آخر تحديث 23 نيسان / أبريل 2019، 11:45
آخر تحديث 25 نيسان / أبريل 2019، 07:18

[1]  هكذا وصفت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، فوضى "الربيع العربي" حرفياًن في تصريح لها، يوم 5 شباط / فبراير 2011.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » مقال