المطران غريغوار حداد : قضيتي ترجع الى افكاري التي ناقشها الفاتيكان وأصدر حكما ببراءتي

حاورته : سناء الخوري

المطران غريغوار حداد : قضيتي ترجع الى افكاري التي ناقشها الفاتيكان وأصدر حكما ببراءتي

سألته ان كنت اتعبته من كثرة أسئلتي. فقال ألم تتعبي أنتِ؟ أجبته أنني أريد الاستفادة قدر المستطاع من الوقت معه. قال هيّا، استفيدي. حاولت، وسألت بقدر ما سمحت لي حدود اللياقة على عجوز متعب ومريض، فإذا بي اكتشف أن هذا الجسد الواهن وهذاالشعر الأبيض، ليسا الا “تمويه” بحسب تعبيره. ذا كان الأمل بالحياة والاصرار على حتمية التغيير مقياس الشباب، فالاب غريغوار شابٌ أكثر من جيلنا المحبط واليائس.

سنواته الاربع وثمانون لم توهن عزيمته، ولم تثنه عن المناداة بمفاهيم يراها صحيحة. في حين أن سنواتنا القليلة لم تزدنا الا اقتناعا باستحالة التغيير. فرادة هذا الرجل تحبط كل من يأتيه مع كمّ كبير من الافكار المسبقة. فإن فاذا كنت يساريا منبهرًا بشراسة رجل الدين هذا في المناداة بالعلمانية الشاملة، قد تمتعض قليلا من تطرفه في رفض كل اشكال العنف حتى المقاوم منها.

وان كنت من الذين تستفزهم اقواله الرافضة للتدخل الكنسي في السياسة، ستجد نفسك امام اسقف “صاحب رأي وممارسة في صلة الدين بهموم البشر وفي علاقات الجماعات اللبنانية بعضها ببعض، وفي علاقاتها بالدولة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والانمائية”. (جوزف سماحة؛ السفير 18 ـ 6 ـ 2002).

أما إذا كنت تعتقد أنك ستسمع افكارا ضمن اطار الممكن، نظرا لعاملي الخبرة والسنّ، فان غريغوار حداد سيدهشك بايمانه الصادق بمبادئ، تضعها غالبية الناس في قاموس المستحيل. روحه المرحة وتواضعه لا يخففان من الرهبة أمام ذهنه، الحاضر للاجابة عن كل الاسئلة. سعة اطلاعه تجعلك تشك ما اذا كان مستوى الاسئلة يتناسب مع فكر هذه الشخصية التي تصغي وتجيب بكل رحابة صدر.

تقدميته التي تبلغ حد المثالية تجعلك حائرا ما اذا كان هذا الرجل ابن السنين التي مضت او  ابن المستقبل. ايمانه بالانسان كقيمة مطلقة يختصر مسيرته.  لكن هذا الايمان ليس الا عنوانا لعناصر متشعبة من حوار يختزل العديد من نقاشات الفكر الفلسفي والسياسي على مدى سنوات. هذا اللقاء، يندرج تحت عنوان عناصر حوار، كما يحب المطران “المحروم” من كل مظاهر الابهة التي تحيط عادة بالاكليروس، أن يعنون كتابته.

لا أحد يملك الحقيقة مئة في المئة

 رغم طرحك للعديد من المواضيع العميقة والدقيقة في كتبك ومقالاتك , فأنت تصر على تسميتها “عناصر حوار”, لماذا؟

ـ لأن لا أحد يملك الحقيقة مئة بالمئة, دائما هناك شك. عناصر حوار يعني أن أي  أحد يمكنه المشاركة في هذا الحوار واعطاء رأيه بالمسائل التي أطرحها, فيكون هناك نقاش. الحقيقة تتجلى أكثر بهذه الطريقة, لأنه بنظري لا توجد حقيقة معصومة.

… مع أن رجال الدين والكنيسة عموما تعتبر الحقائق التي تنطق بها مقدسات لا نقاش فيها؟

ـ هذا رأيهم هم وليس رأيي أنا. رأيهم أنهم يستطيعون قول الحقيقة النهائية. رأيي أنا واتجاه الكنيسة عالميا اليوم هو الى نوع من التعددية”pluralisme”  ,وهذا نوع  من عناصر الحوار اي لا شيء مطلق و نهائي.

ـ هل هذه احدى نتائج المجمع الفاتيكاني الثاني؟

ـنعم, كان هناك في السابق بعض اللاهوتيين الكبار, الذين طرحوا ذلك, لكن المجمع الفاتيكاني الثاني توسع أكثر في هذا الموضوع.
ـ في احدى مقالاتك في مجلة “آفاق” تناولت ما تسميه باللاهوت الاجتماعي, كما انك مارست العمل الاجتماعي على الارض …

ـ أين عاش السيد المسيح (عليه السلام) في السماء أم على الارض؟

ـ على الارض.

ـ هل توجه بما قاله للناس في السماء أم على الارض؟

ـ على الارض.
ـ اذا, كل ما افعله يجب ان يكون له جذور في الارض وتأثير فيها. عندما يقول المسيح مهما صنعتم لاخوتي هؤلاء الصغار فلي صنعتموه, هذا يعني انه يجب ان نعيش بين الناس الحقيقة التي نؤمن بها.

ـ ألهذا لقبت بمطران الفقراء؟

ـ
يمكن. لا اعرف.
ـ البعض يلقبك بالمطران الاحمر …
ـ (ضاحكا) أحمر من هيك ما في.

لإلغاء الطائفية …

ـ لا. ربما, يعتبرون أنك كنت يساريا في مواقفك.

ـلانهم يعتقدون الاهتمام بالفقراء و”المعترين” يسار. ولكن هذا ليس موقفا يساريا  فكل انسان لديه بعض العقل والايمان مضطر ان يفعل ذلك. هذه تسمية خاطئة لانه لا يصبح ماركسيا او شيوعيا.

ـ لكن مناصرتك لقضايا الفقراء وطرحك للعلمانية ينسجمان مع طروحات الاحزاب اليسارية.

ـ هذا لا يعني بالضرورة ان اليسار ينادي بالعلمانية الصحيحة, فأنا لا أتفق دائما، مع اليسار حول هذه القضايا. هل قرأتي شيئا عن مفهومي للعلمانية؟

ـ قرأت أنك تميز بين مفهوم صحيح للعلمانية، وبين المفاهيم المتداولة التي تحصرها بفصل الدين عن الدولة, كما تفصل بين العلمانية الشاملة وبين العلمانية بمعناها الوظيفي او القانوني…
ـ حافظة مليح …

ـ أليس الاختلاف بينك وبين اليسار في اطار التعدد الذي تنادي به؟

ـ انا اقول هذه هي العلمانية التي أؤمن بها. قد تكون العلمانية التي يطرحها اليسار, مضطرة أن تلتزم بمقتضيات النظام الطائفي اللبناني، فتصبح علمانية وطائفية في الوقت نفسه لسوء الحظ.

ـ على ذكر الطائف, ولأن النقاش الآن، محتدم حول قانون الانتخاب, ما هو برأيك، القانون الاصلح للبنان؟

ـ القانون المناسب هو الذي يعتبر لبنان كله دائرة واحدة. كل مواطن يجب أن يعطي رأيه بكل المرشحين, لا أن يحصر صوته بمنطقته فقط. هكذا نتجاوز الطائفية بشكل جذري.

ـ بمعنى الالغاء التام للقيد الطائفي في قانون الانتخابات؟

ـ تماما. كما يجب ان يكون المرشحون من احزاب لا طائفية، وليس من قبل الطوائف.
ـ وهواجس المسيحيين؟ انهم يعتبرون ان الدائرة الصغرى هي التي تمثلهم ضمن حسابات الاقلية والاكثرية.
ـ كل حسابات المسيحيين في الوقت الحاضر غلط بغلط. عددهم اصبح قليلا جدا ولا زالوا يعتقدون أن بامكانهم الوصول الى مركز قيادي في البلد. في إطار الديمقراطية الحقيقية لا يحق لهم ذلك, اذ يجب أن تحكم الاكثرية وليس الأقليات.
ـ يعني يصبحون” ذميين” بحسب تعبيرهم.

ـ ماذا يعني ذميين؟!

ـ ليس بالضرورة، ففي كل بلدان العالم الديمقراطية، هناك أكثرية وأقلية وهذه الاخيرة لا تكون ذمية.
ـ حسنا، ولكن على سبيل المثال ألا يعتبر الفراغ الحالي في رئاسة الجمهورية انتقاصا لحقوق المسيحيين؟

ـ بلى، هذا صحيح لأننا في القانون الطائفي وأنا ضد هذا القانون كله من اساسه.

ـ ما الحل حتى ينتخبوا رئيسا برأيك ؟
ـ الحل؟
ـ نعم.
ـ (ضاحكا) الحل أن يتنازل الجميع قليلا عن مطالبهم، ويختاروا ثلاث أو أربع شخصيات توافقية … ويجروا قرعة.

ـ على من تلقي اللوم مع هذه الضعضعة في الصف المسيحي؟ على رجال الدين أو على السياسيين المسيحيين؟

ـ الكل سواء. أتوا منذ فترة وسألوني ما إذا كان يحق للبطريرك أن يتدخل في السياسة قلت لا.

البحث عن قيم اجتماعية وسياسية مشتركة
ـ لكن عندما تقول هذا الكلام يفهمه البعض كرفض للقوة السياسية المسيحية (أي للحضور السياسي للمسيحيين).
ـ نعم، هو رفض للقوة السياسية المسيحية. فالمسيح قال ملكوتي ليس من هذا العالم. إذا القوة السياسية المسيحية تتناقض مع تعاليم الانجيل ولا تمثل المسيحية بل هي ضدها.

ـ على المسيحيين، إذا، أن ينخرطوا في نظام علماني؟

ـ تماما. عليهم أن ينخرطوا بأحزاب لا طائفية متعددة الانتماءات، دون أن يقال هذا فلان وهذا فلان.

ـ والمسلمين؟

ـ هم أيضا يجب أن يفعلوا ذات الشيء.
ـ ألا يتناقض ذلك مع الدين الاسلامي الذي هو دين ودولة.
ـ هذا خطأ لأن الدين الاسلامي ليس دين ودولة بل دين ودنيا، والمسيحية أيضا دين ومجتمع أو دنيا. السيد المسيح (عليه السلام) قال كنت جائعا فاطعمتموني، هذه دنيا. كل الأديان دين ودنيا، أما الدولة فسياسة.
ـ تقول أن الحوار الاسلامي ـ المسيحي لا يمكن أن يؤدي الى اتفاقات عقائدية بين كلتا الديانتين …
ـ (مقاطعا) ليست المسألة أنه لا يؤدي بل عليهم، في الاساس, ألا أن يفكروا بالوصول الى ذلك. هناك الكثير من الفروقات بين انطلاقات المسيحية وانطلاقات الاسلام. هم يقولون لا إله إلا الله إله واحد، ونحن نقول إله واحد في ثلاث اقانيم، وهذا ما يعتبره المسلمون شركا. هم لا يفهمون المعنى الصوفي العميق لعلاقة الأب والإبن والروح القدس. وهذا نقاش يحتاج الى وقت طويل. هذا الحوار لن يؤدي إلى نتيجة، ومن الافضل ان لا نبدأه. يمكن أن نطلق حوارا اجتماعيا وسياسيا بمعنى البحث عن قوانين صالحة للبلد، تؤمن العدالة. وهذا اهم بكثير من الحوار حول الأب والإبن الروح القدس ولا إله إلا الله.
ـ أي البحث عن قيم اجتماعية وسياسية مشتركة.
ـ تماما.

الهيمنة الأميركية تقسم العالم

ـ تقول في إحدى مقالاتك أن المسيحيين والمسلمين لديهم عدو واحد هو الجهل والفقر والنظام الاقتصادي العالمي البربري …
ـ (ممازحا) صاروا ثلاثة!.
ـ قصدت، إن كنت تعني بذلك ان هناك تحدّ مشترك تفرضه العولمة.
ـ العولمة لا تزال في أول الطريق. عندما تكون هيمنة من قبل الولايات المتحدة لا تكون عولمة بل أمركة. عندما يصبح لكل دول العالم نفس الامكانيات و نفس التأثير في القوانين العالمية نصل الى مفهوم العولمة الصحيح.نحن ضد الامركة و الهيمنة الاميركية و لكن لسنا ضد العولمة التي تعني أن هناك امكانية  لكل فرد أن يصل ويعمل و يعيل نفسه و عائلته. هذا فرق بالمفهوم.
ـ أنت تطرح عولمة انسانية، ربما نحتاج الى الكثير من الوقت حتى نصل اليها.

ـ نعم، نحتاج الى الكثير من الوقت… على إيامك!

ـ ألن تلغي العولمة الهويات القومية أو الوطنية؟

ـ هل ألغى الاتحاد الاوروبي القومية الفرنسية أو الاسبانية أو… كلا. تبقى هذه القوميات موجودة الى جانب القيم المشتركة والسياسة الخارجية والعملة.

ـ أنت تميز بين الهيمنة الاميركية والعولمة. الآن، جلب الاميركيون بوارج إلى قبالة الشواطئ اللبنانية، هل هذا سلبي أو ايجابي للبنان؟

ـ أكيد سلبي. هذه هيمنة أميركية إضافية تقسّم اللبنانيين بين بعضهم.

ـ الهيمنةالأميركية هي التي تقسّم اللبنانيين
؟

ـ تقسّم كل العالم.

ـ ما رأيك بفكرة أن هذه الهيمنة هي التي أدت إلى نشوء حركات اسلامية متطرفة كردة فعل؟

ـ هذا جزء من الاسباب، لكن هناك أسباب اخرى تكمن في وجود نوع من الاسلام العقائدي المتطرف الذي يعتقد ان العالم كله يجب أن يصبح مسلما.

أغلبية الناس لا تفهم العلمانية

ـ كيف تفسر هذه الفورة الاصولية ان كانت اسلامية أو مسيحية محافظة كالمذهب المتطرف الذي يعتنقه بوش؟

-هذا ضعف في الشخصية الاجتماعية، عند الجميع، حيث ينظرون الى الدين كغطاء لتوسيع كياناتهم.
ـ لكن هذه الطروحات تلقى شعبية أكثر من الطروحات المعتدلة، كطرحك للعلمانية الذي أصبح للنخبة فقط.
ـ يا ريت للنخبة فقط. أغلبية الناس لا تفهم العلمانية بشكل صحيح وتعتقد أنها إلحاد أو ترك الدين أو أن القيم العلمانية أدنى من باقي القيم الانسانية، بينما هي قيمة القيم. هي تدعو الى مفاهيم مشتركة كالعدالة والمساواة والحرية و الكرامة وكل ما يعني الانسان. هذا قد يغير الدنيا كلها.

ـ ألا يقترب كلامك هذا من تيار الانسانويّة (humanisme) الذي انتشر مع بدايات النهضة الاوروبية، والذي قال بالانسان كقيمة مطلقة؟ هل يمكننا أن نقول أن رؤيتك للعلمانية انسانويّة؟

ـ لا أعرف ان كان بامكاننا تسميتها انسانوية، فلنسمها انسانية. الانسانويّة فيها شيء من الضغط على المفاهيم. الانسانية تنطلق من كون الانسان قيمة مطلقة، بمعنى أن نحكم على أمر ما من منطلق اذا كان لاجل كل انسان وكل الانسان. هذا المفهوم قليل من الناس يستوعبونه. مفهوم كل انسان، اي لا يستثني احدا، وكل الانسان اي بقيمته الجسدية والروحية والنفسية. فالاهتمام بالجسد فقط غلط، والاهتمام بالروحانيات فقط غلط أيضا.

أفكار طوباوية … كثيرا، لكن ما البديل؟

ـ كل انسان يعني أنك تنبذ الوسائل العنفية لأخذ الحقوق.

ـ نعم.

ـ طيّب، ألا يدخل النضال كقيمة انسانية ضمن كل الانسان؟

ـ بلى، شرط ألّا يكون عنفيا. ان يكون نضال قوة وليس نضال عنف. فالقوة شيء والعنف شيء آخر. العنف يمس بالانسانية وبالآخر، في حين أن القوة تكمن في مساعدة الآخر حتى تكبر انسانيته وتصبح متجذرة أكثر. هذا الفرق بين القوة والعنف قلة من الناس تفهمه.

ـ في ظل التفاوت في القوة كيف يمكن للشعوب الأضعف أن تأخذ حقها
؟

ـ الآن، لا يمكنها فعل ذلك، بل يجب أن تجمع طاقاتها المشتركة عالميا حتى تمتلك قوة ضاغطة، وتصل الى القوانين التي تريدها ضمن الامم المتحدة. في الوقت الحاضر تهيمن اميركا على الامم المتحدة بالاضافة الى الدول التي تملك حق الفيتو. عندما يصبح لكل البلدان نفس التأثير في العالم نكون قد وصلنا إلى النظام العالمي المنشود.

ـ أليست هذه أفكار طوباوية قليلا
؟

ـ كثيرا وليس قليلا … ولكن ما البديل؟ يجب أن نبدأ من اليوم حتى نكسب وقتا أكثر.

ـ ليست مستحيلة إذا؟

ـ لا ليست مستحيلة.

ـ لنعد قليلا الى نقطة العنف. بعد المحرقة التي حصلت في غزة في الاسابيع الماضية، تم الرد عليها. هل تضعه في خانة أخذ العدالة أو في خانة العنف؟ أليس هناك أسباب تخفيفية تميز عنفا عن عنف؟

ـ كلا لا توجد أسباب تخفيفية. هناك “جدبنة” اكثر او “جدبنة” اقل. والذين يعتقدون انهم بالعنف المضاد يتغلبون على العنف الاساسي، هم اغبى بكثير. لانه في آخر المطاف تزيد الدماء ولا يصلون الى نتيجة. البرهان ان كل ما قام به الفلسطينيون حتى اليوم لم يؤدي الى نتيجة.

ـ ألم تَحُل عوامل سياسية دون تحقيق اهدافهم؟

ـ مهما يكن، الوسيلة غلط. لو كانت الوسيلة اقتصادية، لو جمع العرب كل ما لديهم من امكانيات مع اصدقائهم في العالم لكانوا أغرقوا اسرائيل من دون نقطة دم واحدة.

ـ هل يتحمل العرب المسؤولية في ما وصلت اليه الامور في فلسطين؟

ـ  في” جدبنة” كبيرة من العرب.

ـ هل اكتبها هكذا؟ “جدبنة”؟

ـ نعم، “جدبنة” كبيرة .. كبيرة.

ـ طيب، ماذا كان على الفلسطينيين أن يفعلوا بعد هذه المحرقة وقتل الاطفال؟

ـ قلت لك ماذا يجب أن يفعلوا : الوسائل الاقتصادية، وتجميع الامكانيات بين هؤلاء العرب المتفرقين وكل واحد يغني على ليلاه. والاتفاق مع القوى العالمية التي تملك الامكانيات، للتعاون مع العرب ضد اسرائيل، دون ان يكون هناك حروب دموية، بل ضغط على المستوى السياسي العالمي.

ـ هل تعتقد إذا أن النضال الفلسطيني أعزل من الناحية العربية؟

ـ طبعا؟ أيّ عرب مع فلسطين؟ لا احد غير سوريا ولبنان.

ـ ألا تعتقد ان دعوتك لضغط اقتصادي عربي مثالية؟ ألا تختلف حسابات السياسة؟

ـ ما أقوله أنا مثالي لكن ما يحصل الآن مثالي أكثر. ما هو المثالي ؟ إنه الأمر الذي لا يصل إلى مكان. كل الوسائل التي انتهجها العرب حتى اليوم كانت خطأ. المثالي ليس فقط بالكلام بل ايضا بالاعمال. عمليا لا نتيجة من كل ما قاموا به. فلسطين قسمت نصفين بين اسرائيل والفلسطينيين. والان، أقل من الربع [من الأرض] للفلسطينيين، بعد حروب دموية بلا طعمة.

الأمم المتحدة جاءت بقوات للدفاع عن “إسرائيل” …

ـ وما المخرج في لبنان؟

ـ أن يذهب كل الزعماء من لبنان، كما تقول الأغنية (يضحك).   “ويجيبوا طقم جديد “.

،من يتحمل المسؤولية في لبنان، برأيك؟

ـ كلنا نتحمل المسؤولية. الجميع من البطريرك الى المطارنة الى المشايخ الى حزب الله الى الباقين؛ كلنا “غاطسين”.

ـ لا أحد يتحمل المسؤولية أكثر من أحد؟
ـ هذه “ما بعرف” فيها.

ـ لا تحب أن تتكلم بالسياسة اللبنانية الداخلية؟

ـ لا ليست قضية أن أتكلم أو لا. لا أحد يملك ميزان ويستطيع ان يزن من لديه حق أكثر من الآخر. هذا صعب كثيرا.

ـ وجهت رسالة الى مسؤول ميليشيا القوات اللبنانية سمير جعجع، والجنرال ميشال عون في اواخر الحرب الأهلية، لم تنشر. ماذا قلت لهما
؟

ـ (يبتسم) قلت لهما أنهما ليسا محقين في اقتتالهما. وأنه لا يحق لكل من يريد أن يقاتل أن يدعي تمثيل المسيحيين. المسيحية لا تطلب من أحد أن يدافع عنها بالعنف، وهو أمر ممنوع  في الانجيل. كل منهما كان مخطئا في حرب الالغاء والتحرير.

ـ على صعيد الفتنة بين السنة والشيعة كيف يجب على المسلمين أن يواجهوها؟

ـ يجب أن يعترفوا أن الانقسام بين سنة وشيعة منذ 1426 سنة كان خطأ كبيرا، لا يزال مستمرا حتى اليوم. حيث يتذكرون كل سنة في عاشوراء ما حصل بين الحسين ومعاوية ويزيد ابنه. اذا بقينا نعيش على التاريخ سنبقى نراوح مكاننا. يجب ان ينسوا هذا التاريخ كله، ويكتشفوا في القرآن القيم التي توحد بين السنة والشيعة. فيقولوا نحن مسلمون لله، وأن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وليس نحن سنة او شيعة.

ـ من يتحمل مسؤولية التشنج في علاقة هذين المذهبين الإسلاميين، الذي ترجم بصدامات في الشارع، السياسيون أو رجال الدين؟

ـ السياسيون، ورجال الدين يتبعونهم.
ـ كل من التيارين الذين يعتبران الاكثر تمثيلا للسنة من جهة، اي تيار المستقبل، وللشيعة من جهة اخرى اي حزب الله، يعتبر أنه يجب اعطاء الاولوية لقضيته على حساب القضايا الاخرى. الاول متمسك بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والثاني بسلاح المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني.
ـ كلاهما لن يصلا الى نتيجة. حتى نخرج من هذه الدوّامة يجب ان يأتي الحل من مكان آخر اي عبر الامم المتحدة، التي يجب ان تفرض قرارات على الدول المعنية بالشأن اللبناني. يجب أن تعطى العدالة لكل اللبنانيين  من دون ذكر الطوائف.
ـ لكن تجربة لبنان مع الامم المتحدة ليست نيرة, فشرائعها لا تتمتع بسلطة الاكراه لتطبق بشكل فعلي.
ـ صحيح لكن ما البديل؟ يجب تقوية الامم المتحدة لتطبق شرائعها على ارض الواقع.

ـ أليست الامم المتحدة منحازة
؟

ـ منحازة، بسبب السيطرة الاميركية، وليس لانها هي كذلك.

ـ هل هي قادرة إذا على حل قضية سلاح المقاومة في لبنان
؟

ـ يجب أن تحل كثرة من القضايا، قبل ان تحل هذه المسألة. إن قضية تجريد حزب الله من سلاحه يحتاج الى اقناعه بان هناك عدالة في العالم، بدلا من الهيمنة الاميركية على كل شيء. الاميركيون يسببون اضطرابات حيثما حلوّا في افغانستان، والعراق، والآن، في مسألة إيران. يجب ان يقتنع الناس ان هناك عدالة في الامم المتحدة قبل نزع السلاح [من المقاومة الوطنية اللبنانية]، ولكن هذه المرحلة ما زالت بعيدة عنا.
ـ وقوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل)؟
ـ (يبتسم) لماذا أتوا؟

ـ لماذا؟

ـ ليمنعوا أن تقع حرب على الحدود، أي للدفاع عن  اسرائيل أكثر من اي شيء آخر.

ـ هل انتصر لبنان في حرب تموز؟

ـنصف اللبنانيين انتصر والنصف الآخر ليس مقتنعا ان هذا انتصار لكل لبنان بل لحزب الله الذي يستفيد منه أكثر من غيره.
ـ لكنه لم يستفد منه كثيرا، بل فقد الاجماع الوطني حول جدوى سلاحه.
ـ منذ البداية ليس هناك اجماع وطني [حول سلاح المقاومة الوطنية]. من زمان لا يريدون مقاومة ولا يريدون محاربة اسرائيل.

ـ وأنت هل تدعم الحركات اللبنانية التي تقاوم اسرائيل ام تضعها في خانة العنف؟

ـ لا، فهم يعتقدون انهم بالاسلوب الذي يتبعونه سينتصرون. العنف لا يقابل بالعنف بل بالاقتصاد والعدالة والحوار. هذا هوالسبيل للخروج من دوامة العنف.

ـ هل يجب تغيير سياسة المقاومة في لبنان، إذا؟

ـ يجب تغيير الذهنية اللبنانية أولا. وهذا بحاجة الى عمل كثير. لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم.
على الشباب أن يكونوا متفائلين بالمستقبل

ـ عندما بدأت بالعمل الاجتماعي في السبعينات، كنت تفكر بتغيير هذه الذهنية هل نجحت؟

ـ عشرة في المئة.

ـ هل كان الناس متحمسين لطروحاتك في السابق اكثر من الآن؟

ـ لا أعرف، لم أقم بإحصاء.

ـ لكن بشكل عام، كرؤيا للانسان والعدالة، هل تعتقد ان الناس تقتنع بأفكارك؟

ـ هناك الكثير من المقتنعين لكنهم غير منظمين كفاية. تيار المجتمع المدني يحاول تنظيمهم ولكنه يحتاج بعد، لوقت طويل.

ـ والمقتنعين بالعلمانية كحل بين الشباب، هل هم كثر برأيك؟

ـ الشباب يزيدون اقتناعا ان ما مورس قبلهم غلط، وبأن التغيير ضروري لكنهم في ضياع حول كيفية هذا التغيير.
ـ هل الضياع هو نتيجة التربية في مدارس تابعة للطوائف.
ـ لا، هذه التربية هي من نتائج الضياع الذي ادى الى نشوء عدة اتجاهات في المدارس. يجب أن يفرض تعليم القيم العلمانية بشكل الزامي في المناهج من الصفوف الصغيرة حتى الكبيرة وهذا بحاجة للكثير من الجهد.

ـ وطرح الزواج المدني بحاجة للكثير من الجهد ايضا؟

ـ هذا بحاجة الى تهيئة الناس حتى تقتنع بأن هذا الزواج ليس ضد الدين، وليس الحادا ليس ضد الزواج وليس ضد القيم الانسانية.

ـ هل هذا يبدأ بالتربية؟

ـ  ليس بالتربية، بالتثقيف على المبادئ الانسانية الموجودة في كل الاديان، ومن الضروري ان يكون من يعلّم علماني ايضا، وليس طائفيا.

ـ الا تعتقد ان قلّة تثقيف المرأة اللبنانية تساهم في تنشئة الاطفال بطريقة طائفية؟
لماذا؟ هل الرجل مثقف أكثر؟

ـ لكن هناك تفاوت في سوق العمل وفي الحضور السياسي وفي التعليم بين الجنسين …
ـ هذا لا يعني ان المرأة لا تحمل قيما انسانية اكثر من الرجل المتعلم والمثقف. ولكن يجب تثقيف النساء أكثر لتأثيرهن على الاولاد.

ـ قد تكون متفائلا أكثر من الشباب اللبناني كأنك شاب أكثر منا
؟
ـ ومن قال لك اني لست شابا؟ هذا الشعر الابيض مجرد تمويه.

ـ اذا على الشباب ان يكونوا متفائلين بالمستقبل؟

ـ أكيد، أكيد، أكيد, أكيد, أكيد… ما البديل؟ هل اليأس أفضل؟ يجب ان يتخلصوا من اليأس ويؤمنوا بامكانية التغيير، وبأنهم عنصر من عناصر التغيير وأن يؤمنوا بانفسهم قبل الجميع.

ـ سؤال أخير. هل انت محروم من قبل الكنيسة؟

ـ نعم أنا محروم! (ويبتسم).

ـ كيف يعني؟ فقير؟

ـ (يضحك) لايوجد اي حرم، وقضيتي ترجع الى افكاري التي ناقشها الفاتيكان وأصدر حكما ببراءتي من التهم التي وجهت الي.

هل هذه الافكار المسبقة عنك سببها انك مختلف؟

ـ طبعا، ولكي يبرروا انفسهم  يقولون عني هذا الكلام.

المجتمع المدني » حوار