انهيار ” الثورة البرتقالية ” الأوكرانية

كاتب عربي، نشر مقاله على موقع وكالة نوفوستي.
١٢-١٢-٢٠٠٧

انهيار ” الثورة البرتقالية ” الأوكرانية

دعمت إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، ظاهرة الثورات الملونة، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية في عدد من الأزمات الإقليمية التي شهدتها دول ضعيفة مثل لبنان، جورجيا، أوكرانيا، وصولا إلى ميانمار. ويكشف حبيب فوعاني في هذا المقال، بعض المعلومات عن قادة الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وأسباب فشلهم الذريع.

لم يصل القارب الأوكراني إلى بر الأمان وجنات عدن الغربية الموعودة بعد انتصار “الثورة البرتقالية” في نهاية عام 2004 بفضل مساندة المنظمات الأميركية غير الحكومية وتمويلها وإشراف خبرائها النفسيين على كل صغيرة وكبيرة: من اختيار اللون البرتقالي وأساليب الدعاية وأنواع وجبات الأطعمة السريعة، التي لم يعرفها الأوكرانيون في السابق، والتي قدمت بسخاء، إضافة إلى عروض المطربين المشهورين والشعارات وملابس “الثائرين”.

وقد جيء بالتكنوقراطي فيكتور يوشينكو ليصبح رمزا لأوكرانيا الجديدة، وتم تحويل تردده إلى شهامة وعصامية، كادت أن تجعل منه شهيدا، عندما دُسَّت له كمية من سم الديوكسين تكفي لقتل حصان، في حادثة اتهم بها قادة أمنيون أوكرانيون ولم تكشف خيوطها حتى الآن، وذلك ليتم توجيه أصابع الاتهام بشكل آلي نحو موسكو. غير أنه، وخلافا لكل التقديرات الكيميائية نجا يوشينكو بأعجوبة ليصاب بتشوهات جلدية في وجهه، ولتضفي عليه هذه الحادثة هالة الشهيد الحي، الذي عبثت بوجهه “يد موسكو الطويلة”، ولتلعب الدور الأكبر في إنجاح الثورة “البرتقالية”.

لكن المراقبين يرون في الوضع، الذي تعيشه أوكرانيا منذ ذلك الحين، دليلا على إفلاس وانهيار هذه الثورة.

ولم تؤد “كارثة تشيرنوبل الدستورية”، التي أقدم عليها الرئيس الأوكراني في 2 أبريل الماضي بحل البرلمان الأوكراني دون مبرر دستوري، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة جديدة، إلى انفراج أزمة السلطة، التي تتخبط فيها البلاد.

وعلقت صحيفة “دْزِينِّيكْ” البولندية على ذلك قائلة إن ” أوكرانيا اليوم تشبه أفريقيا قبل ثلاثين سنة، ولا تشبه دولة تتطلع لأن تصبح عضوا في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي”.

وأكد المحلل الروسي أندرانيك ميغرانيان أن مشروع الدولة الأوكرانية قد مني بالفشل.

يجب القول إن دور المغامرين السياسيين في مراحل التاريخ الانتقالية كبير جدا، وأوكرانيا ليست استثناءً.

وتعتبر “جان دارك الثورة البرتقالية” يوليا تيموشينكو مثالا للمغامرين الأوكرانيين: فقد عملت في البداية في حكومة عرابها وابن مدينتها دنيبروبتروفسك رئيس الوزراء السابق بافل لازارينكو، الذي فتح لها أبواب العاصمة كييف، وتخلت عنه فيما بعد. وعملت أيضا مع ابن مدينتها الرئيس السابق ليونيد كوتشما، وشغلت مناصب عالية سمحت لها بالإثراء الخرافي عن طريق الفساد. وبعد ذلك عملت مع يوشينكو ومع خصمه السياسي فيكتور يانوكوفيتش، بل وتحاول أحيانا، وهي (السياسية الموالية للغرب)، مغازلة روسيا.

ويقول الصحفيون الأوكرانيون إن زواجها نفسه عندما بلغت الـ19 من ابن أحد الشخصيات الحزبية السوفيتية كان صفقة فتحت لها المجال لبدء أولى خطواتها في التجارة والأعمال، إذ لم يكن ممكنا ممارسة الأعمال التجارية دون غطاء حكومي. وكان افتتاح صالون ـ فيديو في عام 1989 أولى مغامراتها في هذا العالم الشائك.

وبعد ذلك انخرطت في عالم الطاقة الخطر والمربح، وأصبحت في عام 1989 مديرة لشركة “البنزين الأوكراني”، الذي يستورد من روسيا. وفي عام 1997 أصبحت رئيسة لشركة “نظام الطاقة الموحد في أوكرانيا” على غرار “نظام الطاقة الروسي الموحد”. وفي هذه الشركة، التي تخصصت في بيع الغاز الروسي الرخيص بأسعار عالمية في أوروبا، حصلت مهندسة بناء المكائن العادية على أول ملايينها، وما زالت هذه الشركة مدينة حتى الآن لشركة “غازبروم” الروسية بمبلغ 900 مليون دولار، في حين يقدر الخبراء ثروة “أميرة الغاز” الآن بعشرة مليارات دولار.

وفي نهاية عام 1999 عينت تيموشينكو نائبة لرئيس الوزراء يوشينكو لشؤون الطاقة والوقود، ما دفع برجل الأعمال الأميركي جورج سوروس لتشبيه ذلك بتعيين سارق الدجاج شرطيا بلديا. وسرعان ما أقيلت في عام 2000 وسجنت لبضعة أسابيع بتهمة الاحتيال.

وبرأي غالبية المحللين الأوكرانيين، فإن الولايات المتحدة تمتلك مستمسَكا جنائيا محكما ضدها. ولا تستطيع تيموشينكو في حال الضرورة القصوى طلب اللجوء السياسي في موسكو، كما يفعل السياسيون من دول رابطة الدول المستقلة الأخرى، لوجود قضية احتيال مرفوعة ضدها في روسيا. ولذا فإن توجه “أميرة الثورة البرتقالية” الأميركي مرتبط ليس بإيمانها بالديمقراطية الأميركية بقدر ما هو نتيجة لخشيتها من أن الأميركيين يستطيعون في أي لحظة فضخها واستخدام المعلومات المتوفرة لديهم ضدها.

وقد نفت محكمة كاليفورنيا في بداية شهر أبريل الماضي تأكيد رئيس الوزراء الأوكراني السابق لازارينكو حول عدم ضلوع تيموشينكو في عمليات الاحتيال، الذي سجن من أجلها في الولايات المتحدة. وهذا يعني أن المحكمة تعتبرها ضالعة في هذه القضايا وأن المستمسك الأميركي يمكن نفخ الغبار عنه واستخدامه ضدها في أي لحظة.

وربما كانت زيارتها لإسرائيل في منتصف حزيران/يناير الماضي لنيل صك الغفران في تل أبيب. إذ من المعلوم أن الأسطورة حول جبروت “الحكومة العالمية” اليهودية ما زالت شائعة في الفضاء السوفيتي السابق منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، ويسعى كل سياسي أوكراني “ديمقراطي” جديد إلى تسجيل حضوره عند حائط المبكى.

وقد التقت رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة المعارضة الأوكرانية برئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو وأكدت أنها “هي وحزبها يساندان بإخلاص إسرائيل وأنها تسعى للتعاون مع الدولة العبرية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية واستيعاب العائدين”.

كما أن يوشينكو حقق حلمه أخيرا أثناء زيارته إلى إسرائيل في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في ارتداء لباس اليهود وممارسته بعض طقوسهم واعتماره لقلنسوتهم ووقوفه طويلا عند حائط المبكى… ربما للبكاء على المصير، الذي آلت إليه “الثورة البرتقالية”.

المصدر : نوفوستي

الشؤون الدولية » تحليل