أوهام “الحياد” ومشقة “الأيديولوجيا” : عن الإعلام العربي وأميركا بعد 11 أيلول

أوهام “الحياد” ومشقة “الأيديولوجيا” : عن الإعلام العربي وأميركا بعد 11 أيلول

خاص ـ الحقول / هل تغير دور وسائل الإعلام العربية بعد حوادث 11 أيلول. ما هي الإشكاليات التي تفترض هذا التغير، وما علاقة الخطاب الإعلامي العربي بالعولمة العسكرية. في هذه الدراسة القصيرة محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة .
يشكل مفهوم الظلم أداة ملائمة لتحليل علاقة الولايات المتحدة مع العرب بعد حوادث 11 أيلول. وينقل روبرت د. كابلان CAPLAN عن الياس كانتِّي CANETTI، وهو يهودي بلغاري فاز بجائزة نوبل عام 1960، أن تعريف مفهوم “الظلم، يتضمن : السرية، الوحشية، رد الفعل السريع، الحق في الإستجواب، الحق في المطالبة بالأجوبة، الحق في الحكم والإدانة، والحق في العفو وإظهار الرحمة”1.

ومنذ حوادث نيويورك وواشنطن في 2001 حتى العدوان الصهيوني ـ الأميركي على لبنان في عام 2006، نلاحظ أن مكونات مفهوم “الظلم” التي حددها CANETTI كانتِّي، تؤلف جوهر السياسة الخارجية الأميركية في فلسطين والعراق ولبنان، وفي سوريا المصنفة ضمن “محور الشر”2. ولا يعني هذا الحصر، أن بقية الدول العربية “متحررة” من ربقة “الظلم” الأميركي.

كانت حوادث 11 أيلول منعطفا تاريخيا، أدخل تحولات عميقة في النظام الدولي، ومنه العلاقة العربية ـ الأميركية. إن هاتيك التحولات قد أعادت تشكيل الخطاب الإعلامي الأميركي، الذي أخذ يصم العرب بالإرهاب أو الإستبداد، ويقدمهم، والمسلمين، عدوا للولايات المتحدة داخلها وخارجها.

إن ظهور هذه “الجبهة الإعلامية” قد طرح أسئلة جادة عن كيفية مواكبة الخطاب الإعلامي العربي لتلك التحولات، ومدى تحمله مسؤولية مقاومة “الظلم” الإعلامي الأميركي. بحسبان أن المنظومة الأيديولوجية ـ التكنولوجية التي تمارس هذا “الظلم”، هدفها سلب المواطن العربي وعيه السياسي النقدي، وحمله على الإذعان، وتشريع اللامساواة في العلاقات الدولية3.

الإعلام العربي و”الهيمنة بواسطة التكنولوجيا”
يمكن أن يكون عدد المحطات التلفزيونية العربية أو الناطقة بالعربية، قد تخطى الثلاث مئة محطة منذ حوادث 11 أيلول 2001 4. ويؤشر “تضخم” القطاع التلفزيوني إلى نمو قطاع الإعلام العربي أو الناطق بالعربية، وتطور أدواته التكنولوجية وتوسع موارده البشرية والمالية، وذلك خلال فترة لا تتعدى خمس سنوات.

ويمتد هذا النمو السريع في الإنتاج الإعلامي العربي، ليشمل الصحافة المقروءة، والمسموعة، والنشر المكتوب، والنشر الإفتراضي. وهذا النمو هو ثمرة تطور تكنولوجيا المواصلات، الإتصالات، التصوير، والطباعة. وبما أن هذا النمو هو أيضا جزء من عملية نشوء الفضاء السبراني المعلوماتي Cyberspace العالمي، فإنه يطرح مسؤوليات سياسية وأخلاقية على العاملين في الحقل الإعلامي العربي، تتعدى المسؤوليات المهنية البحتة.

فالفضاء الجديد يشكل الأساس المادي الموضوعي لتطور عمليات العولمة فى مجالات الاقتصاد، الاجتماع،الثقافة والإعلام5. وفي هذا الأساس تكمن عناصر “الظلم” الأميركي، وخصوصا مفهوم المحافظين الجدد عن “الهيمنة بواسطة التكنولوجيا”. وكما يقول ريتشارد درايتون، أستاذ التاريخ في جامعة كامبريدج، فإن “الحرب على العراق، [وكذلك الحروب الصهيونية ـ الأميركية الجارية في فلسطين ولبنان والسودان والصومال] أوضحت أن صلف السياسات الجيوستراتيجية الإمبريالية يلهم فلسفة الدولة المهيمنة بالقوة العسكرية والتكنولوجية”6 التي يعتنقها المحافظون الجدد/الظلاميون في الولايات المتحدة.

لقد أحست العرب بمرارة وقسوة هذا “الصلف” الأميركي مرات كثيرة. أقربها كانت خلال العدوان الصهيوني ـ الأميركي على لبنان ما بين 12 تموز ـ 14 آب 2006. وإذا أردنا أن نقدم “انطباعا” عاما عن أداء المنظومة التلفزيونية العربية في مواجهة هذا العدوان الصهيوني، لأمكن القول أن هذا الأداء قد حمل للمشاهد العربي خطابا إعلاميا مفككا، محدودا، حينا، أو إخباريا، وإطلاعيا أحيانا، لكنه كان خاويا، محبطا، في أحايين أخرى.

لقد خرجت عن هذا الأداء، بحسب مراقبتي اليومية، محطات عربية متهمة بأنها “مسيسة” أو “مؤدلجة” مثل “المنار” و”الجديد” و”السورية”، وقلة أخرى قليلة جدا. لكن الخطاب الإعلامي العربي خلال فترة العدوان على لبنان، كان فارغا، إجمالا، من الشحنة النفسية ـ الأيديولوجية المتينة التي يتسم بها خطاب “الظلم” الأميركي.

إن تقييم مضمون الخطاب الإعلامي العربي، يجب أن يكون بمعيار قدرته على الإستجابة للتحدي السياسي والأخلاقي الذي تثيره السياسة الظلامية للمحافظين الجدد. وهذا المعيار يستند إلى قوة مكانة المنظومة الإعلامية في الحياة الإجتماعية المعاصرة. وبحسب CAPLAN كابلان أيضا، فإن “أجهزة الإعلام لها سلطة سياسية أصيلة، تتعاظم بالتقدم التكنولوجي … وهي سلطة فعلية وليس إفتراضية virtuel”7.

“التواطؤ على قلة الأمانة”
إن معنى “الأصالة” في إنتاج الخطاب الإعلامي العربي، يتعدى بكثير مفهوم الإحتراف المهني الضيق. يقول علي الحديثي مدير محطة MBC إن رسالة وسائل الإعلام “أن تكون حيادية في نقل الصورة والكلمة” إلى المشاهد8. فما معنى الـ”حيادية” أمام “الظلم” الأميركي سوى فتور، ووهن الرسالة الإعلامية في أحسن الأحوال، أو الخضوع للإملاءات الحكومية، أو لرغبات مالكي وسائل الإعلام الخاصة9، الذين يحسبون ألف حساب قبل أن يرموا “الظالم” الغريب بكلمة.

لقد شهدنا منذ بداية التسعينات “انقلابا” ملموسا في مفردات الخطاب الإعلامي العربي. لم تقتصر الذرائع، بل الأسباب، على الحيادية والموضوعية وغيرها من العناصر اللازمة لتوفير الأمانة المهنية. كان الظفر الأميركي في الحرب الباردة هو الذي حرك هذا الإنقلاب. أصبح الإعلام العربي “ملتزم” ـ بكل معنى الكلمة ـ بمفردات ذات مدلول أيديولوجي/سياسي تعبر عن الخضوع للقيود الأيديولوجية والسياسية الأميركية.

وبما أن “إسرائيل” تشكل “مصلحة حيوية أميركية”، فقد تخلى الإعلام العربي عن الخطاب “الخشبي” القديم، الذي حملته الحركة القومية بكل أطيافها. لم نعد نسمع أبدا مفهوم “الكيان الصهيوني”، إلا في الإعلام الحزبي الضيق. وبدلا من مفهوم “فلسطين المحتلة”، تكرس مفهوم “إسرائيل” في الإعلام العربي، يقابله مفهوم “الضفة الغربية وقطاع غزة أو أراضي السلطة الفلسطينية”. أما فلسطين فأصبحت مجرد جغرافيا على الخارطة. بعد ذلك راح الخطاب الإعلامي العربي يلغو بمفهوم “الدولة العبرية”. علما بأن الصهاينة أنفسهم، يعرفِّون “إسرائيل” بأنها “دولة يهودية أو دولة اليهود”10. لكن ذكر “اليهود” ممنوع في الإعلام حتى لا يتهم أحد بمعاداة السامية11.

في وقت لاحق صار الإعلام العربي يشير إلى “الإعتداءات” الصهيونية على أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بأنها “العمليات12 الإسرائيلية في الضفة والقطاع”. وفي ما يشبه التواطؤ الإعلامي على قلة الأمانة في تزويد المشاهد أو القارئ العربي بـ”الصورة والكلمة” الصحيحة، توصف هذه “الإعتداءات” الإجرامية على الفلسطينيين بأنها “توغل أو توغلات عسكرية قام بها الجيش الإسرائيلي”.

العولمة العسكرية ومحنة الإعلام
يبلغ البؤس في مفاهيم الخطاب الإعلامي العربي ذروته، عندما تتخم نشرات الأخبار بمفردات “إخبارية” تساوي الظالم بالمظلوم، والقاتل وبالقتيل، والمجرم بالبريء. لن آتي على ذكر العراق، حيث تأخر الإعلام العربي طويلا، طويلا، قبل أن يتفوه بكلمة “قوات الإحتلال الأميركي”. بقي لسنوات يتحدث عن “قوات التحالف”. سأورد قصة أخرى.

صبيحة يوم 14 آب 2006، كان النازحون اللبنانيون قد بدأوا بالعودة صوب مدنهم وبلداتهم وقراهم التي دمرها الجيش “الإسرائيلي”. المذيعة تسأل زميلها المراسل : “فادي … هل توقفت الأعمال العدائية .. هل الطرق آمنة”؟13. كانت إسرائيل قد باشرت في تلك الساعة “وقف الأعمال الحربية” وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، لكن المذيعة نسيت، أو ربما فضلت، أن لا يعلم المشاهدون هوية الجهة التي قامت بـ”الأعمال العدائية” في لبنان طيلة 33 يوما؟.

إن “السياسة الاميركية في الشرق الاوسط [قد] وصلت الى خيار واضح” هكذا جزم الرئيس جورج بوش الإبن. ويضيف “اما ان نسمح بأن يواصل الشرق الأوسط مساره .. المسار الذي كان قائما قبل 11 ايلول/سبتمبر، أو ان لا نسمح بحدوث ذلك. … وهذا هو الخيار الذي اتخذته اميركا”14. ها هي مكونات “الظلم” مقروءة بجلاء.

فهل يمكن أن ينأى الخطاب الإعلامي العربي عن مواجهة هذا “الخيار” الظلامي؟. إن حرب الرئيس جورج بوش في فلسطين، العراق ولبنان، هي حرب حاسمة، وهو يدق النفير لخوضها، لأنه “إذا انسحبت اميركا منها فستواجه عواقب كارثية”15. فـ”هذه الحرب” الظالمة، تعتبر برأي بوش، “أكثر من مجرد صراع مسلح.. انها النضال الايديولوجي الحاسم للقرن الـ21″16.

إن الأداء الإعلامي العربي سيكون في محنة يومية. والسبب لا يكمن في متانة الشحن الأيديولوجي المميز لخطاب المحافظين الجدد/الظلاميين الأميركان وحسب، بل لأن هؤلاء قد اختاروا “الحرب” المباشرة بالقوة الأميركية أو غير المباشرة عبر الأداة العسكرية الصهيونية، باعتبارها الوسيلة الأمثل لإعادة تأسيس العلاقة العربية ـ الأميركية بعد حوادث 11 أيلول 2001. فكيف سيعالج الإعلام العربي محنته؟. هل سينخرط في هذه “الحرب”، وأين سيتموضع؟.

إن ضراوة العولمة العسكرية تهز الأرجاء من حولنا.

علي نصَّار
صحافي وباحث عربي من لبنان.
أوائل كانون الأول 2007

1 راجع مقاله the media and medievalism “الميديا والقروسطية” في Policy Review الأميركية،كانون الأول/كانون الثاني 2004 ـ 2005.

2 أكدت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، يوم الأحد 3/9/2006، أن إسرائيل والمحافظين الجدد في واشنطن يستعدون للقيام بهجوم عسكري ضد سوريا وكذلك ضد إيران.

3 “يجب أن يشعر الأميركيون المتنبِّهون بقلق شديد، فحتّى الدول المعروفة بميلها التقليدي إلى أميركا بدأت تنتقد علناً السياسة الأميركية”.

زبيغينيو بريزنسكي، النهار اللبنانية 18/10/2005، مترجم عن “لوس أنجلس تايمز”.

4 نشرت تقارير إحصائية في تشرين الأول 2007، كشفت عن وجود 370 فضائية عربية أو ناطقة بالعربية، والعدد إلى ازدياد.

5 محمود عبد الفضيل، الحياة اللندنية 8/11/2005.

6 راجع مقاله في صحيفة “جارديان” البريطانية، 29/12/2005.
7 مرجع سابق.

8 وردت حرفيا في مجلة “لها” اللندينة بتاريخ 25/1/2006.

9 في لبنان الذي يملك أكبر نسبة من وسائل الإعلام العربية، مقارنة بعدد السكان، يسيطر القطاع الخاص على هذه الوسائل سيطرة شبه مطلقة. وتنتشر أخبار كثيرة عن علاقة المالكين بأصحاب المال السياسي العرب والأجانب.

10 اشترطت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني على “مفاوضيها” الفلسطينيين، أن يعترفوا بأن “إسرائيل دولة اليهود”. راجع صحف 17/11/2007. وقد سبق تصريح ليفني تصريح مماثل لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت.

11 في هذا الخصوص تمكن الأميركيون والصهاينة من فرض “إرهاب إعلامي” بعد نهاية الحرب الباردة، أثر بصورة ملحوظة في أداء الكوادر الإعلامية العربية. حتى إننا شاهدنا مراسل تلفزيون “المنار” بعد مقابلة أهالي ضحايا مجزرة قانا، ومنهم طفل لا يتعدى عمره الخمس سنوات، يختم المقابلة ويقول لزميله في الأستوديو، وبكل عفوية “علي، لسنا معادين للسامية، ولا نكره الآخرين، ولكن ….”. نشرة 19:30 يوم 16/8/2006.

12 مثلا : راجع الأخبار اللبنانية، رسالة من رفح، الخميس 17/8/2006.

13 تلفزيون المستقبل، صباح الإثنين 14/8/2006.

14 خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن، الوكالات 31/8/2006.
15 المرجع السابق

الشؤون العربية » دراسة