“لمعاينة الجمهور” : الفلسطينيون في الأرشيفات العسكرية “الإسرائيلية”

صدر حديثاً كتاب : "لمعاينة الجمهور: الفلسطينيّون في الأرشيفات العسكريّة الإسرائيليّة" للباحثة رونة سيلع. قامت  سيلع برحلة بحث شاقة لملاحقة مصائر الصور الفلسطينية المعتقلة في الأرشيفات الإسرائيلية، سواء أكانت مسروقة من بيوت الفلسطينيين ومن جيوب شهدائهم، أم تلك التي التقطت من داخل القرى ومن سمائها لأهداف عسكرية.

ويضم الكتاب عدداً كبيراً من الصور النادرة وعالية الجودة للحياة في فلسطين، وللأحداث المؤثرة في تاريخها، إلى جانب مجموعة صور ملتقطة من الجو، تظهر المعالم الكاملة لعدد من القرى الفلسطينية المدمرة ببيوتها وشوارعها وحاراتها، بما يتيح استعادة مبناها المعماريّ والجغرافيّ والطوبوغرافيّ.

"لمعاينة الجمهور" كتاب يرصد الطرق التي اتبعتها الأجهزة العسكريّة في إسرائيل، وقبلها، لجمع وحفظ المعارف والمعلومات البصريّة، والأخرى المتعلقة بالفلسطينيّين، على مدار القرن العشرين المنصرم، وكيفية سيطرة الأرشيفات العسكريّة على هذه المعارف وإدارتها إدارة كولونياليّة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وعلى نحو يشبه تمام ما مارسته قوى الاستعمار الحديث، بل بطرق أكثر تركيباً.

ويبين الكتاب كيف ترتبط غالبيّة المعلومات والمعرفة بخصوص الفلسطينيّين في الأرشيفات العسكريّة بتدابيرَ متنوّعة من النشاطات الاستخباراتيّة لغايات عسكريّة، وما واكبها من سلب قامت به جهات عسكريّة رسميّة من أرشيفات ومجموعات تتبع لمؤسّسات وبيوت خاصّة، وجنود وشهداء وأسرى، وحتى نسخ المعلومات سرّاً وجمع المعلومات المتعلّقة بالفلسطينيّين وبلداتهم لغايات السيطرة والاحتلال.

وقد جُمعت هذه الموادّ وفق الكتاب برُمّتها من مصادر ومبدعين فلسطينيّين، أو أنّ قواتٍ يهوديّة/ إسرائيليّة أنشأتها، وهي مواد ذات أهميّة للفلسطينيّين، وتخضع لأجهزة ومنظومات كولونياليّة قمعيّة تقوم بإدارتها والسيطرة عليها. وتشمل هذه المنظومات الرقابة وتقييد الكشف والمعاينة، والشطب وإخفاء المعلومات والسيطرة على هُويّة المخوّلين بمعاينة هذه المواد، ودمغ الملكية على موادّ محتلة وإخضاعها لقوانين الدولة المحتلّة ولمعايير ونُظُم الأرشيفات الاحتلاليّة، والتفسير والتصنيف المغرّضَيْن.

صدر كتاب "لمُعاينة الجمهور" أوّل مرة بالعبريّة، عام 2009، ليقوم بإعادة طرح تصويراتٍ في الحيّز العام، غالبيّتها لم تكن قد عُرضت من قبل، خصوصاً الصور والمواد التابعة للفلسطينيّين، وتلك التي تدور حولهم، حتى سنوات الخمسين من القرن العشرين، وطَرَح لأوّل مرة النقاش حول منظومات وأجهزة السيطرة الكولونياليّة. إلى جانب ذلك، قامت أبحاث أخرى أجرتها سيلع من وقتها وحتى اليوم، بالكشف عن موادّ إضافيّة – بصريّة ونصّيّة- أُخِذت كغنائم أو نُهبت على مرّ القرن العشرين، خصوصاً في بيروت. وعليه، يخصّص الكتاب مساحة معتبرة، أيضاً، لهذه الأرشيفات، ويسعى للكشف عن المواد التي نبشتها سيلع من وقتها، عبر مَساعٍ قضائيّة وفاعليّة بحثيّة.

د. رونة سيلع جامعة معارض وباحثة في التاريخ البصريّ. تتمحور أبحاثها حول الصراع الإسرائيليّ- الفلسطينيّ، والتصوير الفلسطيني والتصوير الصهيوني/ الكولونياليّ، والأرشيفات الإسرائيليّة الكولونياليّة، والقوميّة والجندر، وانتهاك حقوق الإنسان، ونهب وسلب الأرشيفات الفلسطينيّة وإخضاعها للميكانيزم الكولونياليّ المستعبِد.

وفي تقديمه للكتاب، يكتب أنطوان شلحـت: "بالإضافة إلى فوائد هذا الكتاب الجمّة، بالأساس من ناحية المعلومات الموثوق بها والواردة فيه نقلاً عن مصادر أولى هي في متناول يدي المؤلفة، فإن استنتاجاته الفكرية ليست أقل أهمية واستبصاراً. وهي استنتاجات تحمل من الحدّة والوضوح قدراً يعفينا من عناء التوسّع فيها. ويبقى في مقدمها الاستنتاج القائل: إن الاستعمار الصهيونيّ الكولونيالي لفلسطين، في 1948 كما في 1967 وصولاً إلى يومنا الراهن، لم يتم في الحيّز الجغرافيّ فحسب، بل أيضاً في حيّزيّ الوعي والذاكرة. وضمن هذا السياق يُنظر إلى الأرشيفات الكولونياليّة، على غرار الأرشيف الإسرائيلي، بصفتها مواقع لإنتاج الرواية التاريخية، بواسطة منظومات محو وإخفاء.

وتكشف عن وجود صور جويّة التقطتها جهات إسرائيلية للبلدات الفلسطينيّة قبل عام النكبة في 1948 وتشمل توثيقاً شاملاً للوجود الفلسطينيّ قبل تلك النكبة. وهي توفّر معلومات جمّة حول الحياة النابضة في فلسطين، والانتشار الجغرافيّ الواسع قبل النكبة، ولذا فهي تشكّل في الوقت عينه شاهداً على حجم الدمار الذي حلّ بالكيان الفلسطينيّ. ووفقاً لما تقول، فإنّ هذه الصور هي بمثابة التوثيق الأوسع الأخير للانتشار الجغرافيّ الفلسطينيّ، الذي يُمكّن من إدراك وفهم خارطة البلد من نظرة طائر قبل النكبة. ومع أنّ هذه الصور التقطت لغايات تتعلّق بالاحتلال الكولونياليّ، ولتبيُّن الاتجاهات والحركة أثناء الاحتلال، إلّا أنّه بالإمكان اليوم عكس هذه الغايات واستخدامها لهيكلة المعرفة المتعلّقة بحياة الفلسطينيّين قبل 1948. ويمكن بواسطتها اكتساب المعرفة بخصوص كلّ قرية وقرية، مثل مبناها المعماريّ والجغرافيّ والطوبوغرافيّ، وكثافة السكان فيها، والزراعة فيها ومميزاتها، والطرق المؤديّة إليها، وغيرها. كما أن بالإمكان وصل مئات الصور الجويّة ببضعها البعض، وفقاً لموقعها على الخارطة، وهيكلة صورة مركّبة ودقيقة تحوي تقديراً لحجم الوجود الفلسطينيّ قبل 1948. أي أنّه بالإمكان هيكلة خارطة فوقيّة تُمكّن من وصف الوجود الفلسطينيّ، والتركّز- حسب الحاجة- في مناطق معيّنة في أرجاء البلد، أو وصف البلد بأكمله. وتتميّز هذه الصور، كذلك، بأهميّة في توصيف تاريخ القمع الذي خضع له الفلسطينيّون".

الناشر : "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية" / مدار 
المؤلف : رونة سيلع
ترجمة : علاء حليحل
عدد الصفحات : 530

بعد اتفاق التطبيع : عين “إسرائيل” على الاستثمارات في الإمارات و… منافسة صعبة مع الولايات المتحدة!

تؤكد التقارير الصحافية الإسرائيلية أن الاستثمارات الإسرائيلية في الإمارات العربية المتحدة سبقت الإعلان عن اتفاق التطبيع مع إسرائيل بسنوات طويلة جدا، ومنها من يذكر العام 2008، ولكن فتح مكتب المصالح في سنوات التسعين من القرن الماضي يدل على أن إسرائيل موجودة هناك قبل سنوات طويلة. واليوم يجري الحديث عن 300 شركة إسرائيلية تنشط هناك، إنما من خلال شركات عالمية، أما الآن فإن العلاقات الاقتصادية ستكون مباشرة.
وأبرز مسارات التبادل الاقتصادي التي تتحدث عنها إسرائيل هي: الاستثمارات المالية المتبادلة، والصناعات الحربية، والنفط. ولكن منذ الآن تعرف إسرائيل أنها لن تكون وحيدة في الإمارات، فقد سبقها العالم كله تقريبا الى هناك، ولذا ستنتظرها منافسة شديدة.
والمنافسة الأشد لإسرائيل ستكون في قطاع الصناعات الحربية، كما سنرى لاحقا، لأنه بحسب ما نشر، فإن كل المشتريات الحربية الإماراتية تحتكرها تقريبا الشركات الأميركية، بنحو 20 مليار دولار سنويا. ورغم ذلك فإن إسرائيل تطمح إلى وضع موطئ قدم لها في هذه "الكعكة الكبيرة" بالنسبة لها.

وفي حديث لصحيفة "غلوبس" الإسرائيلية، تقول الخبيرة الاقتصادية الإسرائيلية، المختصة بمجالات التطوير الاقتصادية، طالي زينغر، والتي عملت سابقا في صندوق استثماري حكومي لإمارة دبي، إن البيروقراطية في دولة الإمارات هي من الأقل عالميا، وإن فرصة أن يفتح حامل جواز السفر الإسرائيلي حسابا بنكيا في الإمارات ستكون سهلة، وحتى أنها تتوقع أن تكون هناك تسهيلات للشركات الإسرائيلية للعمل في دولة الإمارات.

ويقول زئيف لافي، نائب المدير العام لاتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية، والمختص بمنصبه بالعلاقات الدولية، للصحيفة ذاتها، إن 300 شركة إسرائيلية تعمل في دولة الإمارات حاليا، ولكن غالبيتها القصوى جدا تعمل من خلال بعثات أو شركات عالمية. وهذا الشكل من العمل، يخلق صعوبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، أما الآن، وفي ظل الوضع الجديد الناشئ، فإن هذا الحاجز سيزول، وسيكون العمل متاحا مباشرة.

ويضيف لافي أن دول الخليج مجتمعة تشكل رابع منطقة عالميا من حيث حجم الاستيراد، وهي بحاجة للكثير من المواد الخام، والتكنولوجيا والمعلوماتية، والبضائع الصناعية، وهذا على ضوء القوة الشرائية الضخمة جدا في دول الخليج كلها؛ وهنا الحديث يدور ليس فقط حول الإمارات، وإنما حول كل دول مجلس التعاون الخليجي، والتي بحسب تقارير إسرائيلية، فإن دولا أخرى من المجلس في طريقها لإبرام اتفاقيات مع إسرائيل، وخاصة البحرين وسلطنة عمان.

المجالات الاقتصادية
وهذه هي أبواب التبادل الاقتصادي التي عرضتها الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، غداة الإعلان عن التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة:

*الصناعات الحربية: كما سبق أن ذكر، فإن إسرائيل تعرف أنه تقريبا كل صفقات التسلح الإماراتية يتم إبرامها مع الولايات المتحدة الأميركية، ويجري الحديث عن 20 مليار دولار سنويا، من أصل 23 مليار دولار، هي ميزانية الدفاع الإماراتية السنوية. ورغم هذا، تطمح شركات الصناعات الحربية الإسرائيلية لأن يطالها ولو قسط من تلك الصفقات، خاصة في مجال الهايتك الحربي، والسايبر، ومنذ الآن تعمل شركات إسرائيلية في الإمارات، ومنها من وضع قدمه هناك منذ العام 2008. ولكن يشار هنا إلى أن العديد من الشركات الحربية الإسرائيلية فيها مساهمات أميركية، كما أن مشاريع صناعات حربية إسرائيلية فيها مساهمات وتمويل أميركي، ما قد يخفف من حدة المنافسة من ناحية إسرائيل.

*النفط: حسب ما ذكرته صحيفة "ذي ماركر"، فإن الكمية الأكبر من النفط القادم لإسرائيل يتم شراؤه من إقليم كردستان العراقي، عن طريق تركيا. وتأمل إسرائيل أن تنوّع مشترياتها من النفط، لتستورد مباشرة من الإمارات، الغنية أيضا بالغاز، ولكن إسرائيل دخلت أسواق الغاز العالمية، بسيطرتها على حقول غاز كبيرة في البحر الأبيض المتوسط، وبدأت في التصدير تدريجيا في السنوات الثلاث الأخيرة.

*الاستثمارات المالية: من أبرز التوقعات الاقتصادية أن تبذل الشركات الإسرائيلية، وخاصة الشركات الصاعدة- "ستارت أب"- في مختلف قطاعات الهايتك، جهودا لتجنيد رؤوس أموال إماراتية للمساهمة في هذه الشركات، وأيضا دفق استثمارات إماراتية كبيرة على البورصات الإسرائيلية. ولذا فإن أحد التقارير الاقتصادية الصحافية الإسرائيلية توقع أن تساهم هذه الاستثمارات في وضعية البورصات الإسرائيلية، التي تلقت ضربة جدية في النصف الثاني من شهر آذار الماضي، في أعقاب أزمة كورونا، وما تبعها من أزمة اقتصادية؛ وما تزال البورصات الإسرائيلية على ذات الهبوط، بنحو 18%، منذ 5 أشهر. ويوم الأحد (أمس) الذي جاء بعد الإعلان عن اتفاق التطبيع، سجلت البورصة الإسرائيلية، بمختلف مؤشراتها، ارتفاعا يقارب نسبة 1,5%. كذلك لا تستبعد التقارير الإسرائيلية أن تكون هناك استثمارات إماراتية في قطاع العقارات، بمعنى مبان ومشاريع بناء، دون أي ملكية للأرض.

*الرحلات الجوية: وهذه ستكون مشروعا مركزيا بالنسبة للمواصلات الجوية، فإن إسرائيل تتوقع أن تدخل شركة الطيران الإماراتية على خط المنافسة، لنقل مسافرين من إسرائيل إلى الشرق الأقصى، ولمناطق أخرى في العالم، بعد أن تحط طائراتها في مطار إسرائيل الدولي. كذلك تتوقع إسرائيل أن يكون مسموحا للطائرات الإسرائيلية استخدام مطار الإمارات كمحطة في الطريق نحو الشرق الأقصى، ولكن هذا سيكون بحاجة لموافقة كل من السعودية والأردن. المتضرر الأكبر من هذا الأمر، ستكون شركة الطيران الأردنية- "الملكية الأردنية"- التي تنقل مسافرين من إسرائيل إلى الشرق الأقصى، بينما شركة الطيران التركية تنافس بالأسعار في نقل المسافرين من إسرائيل إلى دول في أوروبا والأميركيتين، بعد التوقف في مطار إسطنبول.

*قطاع الصحة: تعترف التقارير الإسرائيلية بأن دبي رائدة في السياحة الصحية، وأن لديها طواقم طبية على مستويات عالية جدا في العالم، ولكن تم إدراج احتمال أن يستوعب القطاع الصحي السياحي في إمارة دبي أطباء وطواقم طبية إسرائيلية. كما أنه من المتوقع أن تستوعب السياحة الصحية الإسرائيلية مرضى من الإمارات ذاتها.

*التعليم العالي: تقول التقارير الإسرائيلية إن المعاهد العليا الإسرائيلية ستكون قادرة على استيعاب طلاب جامعيين من دولة الإمارات، بادعاء أن الجامعات الإسرائيلية تستوعب طلابا عربا، بقصد الفلسطينيين في إسرائيل، وأيضا طلابا أجانب، أي أن عامل اللغة لن يكون عائقا أمام الطلاب من الإمارات، بحسب الاعتقاد في إسرائيل.

*الزراعة: رغم الجغرافيا الصحراوية في الإمارات، فإن إسرائيل تتوقع أن تعمل شركات إسرائيلية في تطوير الزراعة النباتية في المناطق الصحراوية، خاصة وأن شركات كهذه قدمت خبرتها إلى دول أفريقية.

*السياحة: نظرا لعدد السكان الأصليين في الامارات، حوالي 4 ملايين نسمة، فإن إسرائيل لا تتوقع أن تساهم السياحة إليها من الإمارات في ازدياد أعداد السياح سنويا، ولكن ستكون ما تسمى "سياحة ذات جودة"، بمعنى أن السائح الذي سيصل من هناك سيكون معدل صرفه أعلى من معدل صرف السياح إلى إسرائيل. في المقابل، فإن إسرائيل تتوقع أن يكون في المرحلة الأولى تدفق لسياح إسرائيليين على دبي، ولكن نظرا لكلفة السياحة هناك، وهي أعلى من السياحة في إسرائيل، فإن أعداد السياح ستكون محدودة أيضا. زد على هذا أن نسبة عالية من اليهود الإسرائيليين بحوزتها جوازات سفر ثانية من أوطانها الأصلية، ومن كان معنيا سافر إلى دبي والإمارات وزارها من قبل.

*الصادرات: حسب ما ينشر في الصحافة الإسرائيلية، فإن الصادرات الإسرائيلية لدولة الإمارات لا تتعدى حاليا عشرات ملايين الدولارات سنويا، هي في غالبيتها بضائع وخدمات تتعلق بالتقنيات العالية، الهايتك. أما الآن، وعلى ضوء مستوى المعيشة العالي لدولة الإمارات، ومستوى الأسعار، فإن إسرائيل ترى أن سوق الإمارات ستكون مفتوحة أمام بضائعها، خاصة من البضائع ذات الكلفة العالية، التي يتركز تصديرها للدول الغنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الكبرى منها.

منشور في موقع "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية" / مدار، في يوم الإثنين، 17 آب/ أغسطس، 2020 

فريدمان : أميركا طائفية تشبه لبنان!

رأى الكاتب الأميركي اليهودي توماس فريدمان إن الوضع في الولايات المتحدة أصبح شبيها بلبنان وباقي دول الشرق الأوسط، فيما يتعلق بإدارة الخلافات السياسية وتسييس الأحداث، وإن محاربة تلك النزعة تعدّ المشروع الأهم للجيل الحالي.
وأشار فريدمان في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز / New York Times الأميركية، إلى أنه عندمامع أخبار الانفجار الرهيب الذي هزّ العاصمة اللبنانية بيروت في 4 أغسطس/آب الجاري، والتكهنات المتعلقة بمن يقف وراءه، عادت به الذاكرة إلى حوار دار في حفل عشاء قبل 40 سنة في منزل مالكولم كير، الذي كان حينها رئيسا للجامعة الأميركية في بيروت، حيث علق أحد الضيوف على عواصف رعدية غير عادية مصحوبة بالبرد كانت قد ضربت بيروت خلال الليلتين السابقتين.

وأدلى الحضور بآرائهم بشأن الطقس القاسي، قبل أن يسأل مالكولم ضيوفه -على سبيل السخرية- "هل تعتقدون أن السوريين مسؤولون عن ذلك؟".
وعلّق فريدمان بأن سؤال مالكوم كان يسخر من ميل اللبنانيين إلى تفسير كل شيء على أنه مؤامرة، كما أنه أيضا كان يشير إلى أمر أعمق يتعلق بالمجتمع اللبناني، وينطبق أيضا على أميركا اليوم للأسف، وهو حقيقة أنه في لبنان -في ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- أصبح كل شيء مسيسا، حتى الطقس.

أميركا الطائفية
وقال فريدمان إن أميركا أصبحت أشبه بدولة شرق أوسطية، لدرجة أن اللبنانيين بينما كانوا يستنتجون أن انفجار بيروت كان بسبب حادث حقيقي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث كما لو كان قائد مليشيا في بيروت، معلنا أن الانفجار لا بد أنه نجم عن مؤامرة، مصرحا بأن جنرالات جيشه أخبروه أن ما حدث "كان هجوما، لقد كانت قنبلة من نوع ما".
وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة باتت تشبه لبنان وغيره من دول الشرق الأوسط من ناحيتين: أولاهما، أن الخلافات السياسية أصبحت عميقة لدرجة أن الحزبين اللذين يتصدران المشهد السياسي الأميركي، أصبحا شبيهين الآن بالطوائف الدينية في صراعهما العبثي على السلطة.
ففي حين تنقسم الطوائف اللبنانية إلى "شيعة وسنة وموارنة"، فإن الطوائف الأميركية تنقسم إلى "ديمقراطيين وجمهوريين"، بيد أن الطوائف الأميركية الآن تتصرف تماما مثل القبائل المتنافسة التي ترى أنها يجب أن تحكم أو تموت.
أما وجه الشبه الثاني – بحسب فريدمان- فهو أن كل شيء في الولايات المتحدة أصبح مسيسا، تماما كما هو الحال في الشرق الأوسط، من المناخ إلى الطاقة، وحتى أقنعة الوجه التي يرتديها الناس احترازا من وباء كورونا.

الطريق نحو الانهيار
وحذّر فريدمان من أن المجتمع والديمقراطية كذلك يموتان في نهاية المطاف، عندما يصبح كل شيء مسيسا، إذ يؤدي ذلك إلى خنق نظام الحكم. أو بعبارة أخرى: عندما يكون كل شيء مسيسا، فإن ذلك يعني أن كل شيء يصبح متعلقا بالسلطة فقط، لا يوجد وسط، هناك فقط أطراف، وليست هناك حقائق، هناك فقط روايات مختلفة، أي لا يبقى سوى صراع الإرادات.
وأشار إلى أن هذه النزعة نحو تسييس كل شيء لا تؤذي أميركا فقط، بل تقتلها، وأن السبب في فشل ترامب الذريع في إدارة جائحة كورونا هو أنه التقى أخيرا بقوة لا يمكنه تشويه سمعتها وإبعادها من خلال تحويلها إلى شأن سياسي، ألا وهي الطبيعة.
وأعرب عن يقينه بأن ترامب إذا خسر في الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري، فإنه لن يغلّب الصالح العام على مصالحه الخاصة ويغادر بهدوء.
وختم فريدمان مقاله باقتباس للفيلسوف "الإسرائيلي" موشيه هالبرتال، الذي قال إن "السياسة السليمة تحتاج إلى نقاط مرجعية خارج ذاتها لكي تزدهر، تحتاج نقاطا مرجعية للحقيقة ومفهوما للصالح العام. وعندما يغيب مجال الصالح العام عن السياسة، فعند ذلك تنهار المجتمعات، هذا ما حدث في لبنان وسوريا واليمن وليبيا والعراق، وهو ما يحدث ببطء في إسرائيل وأميركا".


مواقع عربية، 11 آب/أغسطس، 2020

بومبيو يعيّن أبرامز

عند محاولته تفسير سبب اختياره من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستشاراً للأمن القومي، أكد جون بولتون أن الأخير قام بذلك ليس نتيجة لاقتناعه برؤاه وآرائه بالنسبة إلى الوضع الدولي وأزماته، بل لاستخدامه وأمثاله من المتشددين في الإدارة، كفزاعة تحمل الخصوم على الانصياع لإرادته ومطالبه. بكلام آخر، وبحسب بولتون، فإنه عُيّن في منصبه كجزء من تكتيك تفاوضي لرئيس يرى أنه قادر على عقد صفقات في السياسة الدولية كما كان يفعل في المضاربات العقارية.


هذا الواقع لا يلغي طبعاً أنه مُحاط بحزب حرب حقيقي، مؤيد لإسرائيل ومعادٍ جذرياً لإيران، دفعه إلى تصعيد مسعور ضدها بهدف استدراجها إلى حرب مفتوحة. ترامب لا يريد الحرب، بل صفقة تذعن فيها إيران لقسم كبير من إملاءاته، بينما المجموعة العقائدية-الأيديولوجية الملتفة حول الثنائي مايك بومبيو-مايك بنس تسعى إليها وهي تحاول خلق الظروف المناسبة لتتدحرج الأوضاع نحوها. وهي تعتبر أن تعزيز حضورها في محيط الرئيس الأميركي قد يسهم في نجاح المسعى المشار إليه.


مصادر مطلعة في العاصمة الأميركية أشارت لـ»الأخبار» إلى أن وزير الخارجية مايك بومبيو هو من عمل بكد لكي يعيّن إليوت أبرامز، الصهيوني العقائدي، كمسؤول لملف إيران بعد سلفه المستقيل براين هوك. أبرامز من المحافظين الجدد وسجلّه معروف، من المهام التي اضطلع فيها في حروب الولايات المتحدة القذرة في أميركا الوسطى في ثمانينيات القرن الماضي، إلى دوره الحيوي داخل التيار الأكثر تطرفاً في اللوبي الإسرائيلي. تقر المصادر المذكورة بأن أبرامز فشل في فنزويلا، وبأن فرصته في النجاح في مهمته الجديدة غير مضمونة البتة، لكنها تلفت إلى أنه سيكون من أعلى الأصوات المحرّضة على ضرب إيران في الإدارة، إلى درجة أن بومبيو بنفسه سيبدو معتدلاً مقارنة به.


وتؤكد المصادر أن «أبرامز هو بين مجموعة المحافظين الجدد التي كانت تكره ترامب، بسبب رفضه الحرب على العراق عام 2003، والتي عارضت تبنّيه كمرشح من قبل الحزب الجمهوري. قسم معتبر من هؤلاء، وبعض أقطابهم كبيل كريستول مثلاً، كان يجزم بأن ترامب انتهازي وغير مؤهل وأحمق وأنه لا يعقل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. لكن بعد انتخابه، رأى عدد منهم أن بإمكانهم، بفضل وجود عناصر مؤثرين عليه في إدارته، كبومبيو وبنس، يشاركونهم مواقفهم من إسرائيل وإيران، أن يعملوا على استكمال إنفاذ أجندتهم في الإقليم عبر ضرب إيران. بعد ما لحق بالعراق وليبيا وسوريا، لم يبقَ في نظر هؤلاء سوى إيران.


ترامب صرّح أخيراً أنه في حال إعادة انتخابه، سيتوصل إلى عقد اتفاق مع كل من كوريا الشمالية وإيران. وعلى الرغم من أن هذا التصريح هو جزء من حملته الانتخابية، وغايته إقناع رأيه العام بأنه قادر على تحقيق إنجازات في السياسة الخارجية، وأن «يبيعه» فكرة أنه أفلح في تجنيب الولايات المتحدة خوض حرب جديدة، وأن ينسيه النتائج الكارثية لسياسته حيال جائحة «كورونا»، مع تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المعروفة، إلا أن مجرد ذكره لهذا الأمر يثير حنق «حزب الحرب».

يحاول أقطاب «حزب الحرب» رص الصفوف وتكثيف الضغوط للمزيد من التوتير مع إيران، وهم ينطلقون من قناعة لن يجهروا بها علناً، غير أن جون بولتون المُقال فعل ذلك نيابة عنهم عندما دعا إسرائيل إلى ضرب إيران قبل الانتخابات الأميركية. القناعات الأيديولوجية والعقائدية تطغى على تفكير هؤلاء وتمنعهم من تقدير الموقف وموازين القوى بشكل دقيق وهم لن يتوقفوا عن تحريض ترامب أو حتى عن السعي إلى توريطه في مواجهة مباشرة مع إيران. ولا ريب في أن أبرامز سيشارك في هذه الجهود بنشاط.

وليد شرارة، الإثنين 10 آب 2020
 

الوحدة المالية توسع الفجوة الطبقية في الإتحاد الأوروبي : التضامن العمالي يواجه تحديات صعبة؟

أثناء أسوأ الصدامات التي وقعت بين الحكومتين اليونانية والألمانية وسط أزمة اليورو، حاول مسؤول ألماني إثنائي عن الإصرار على تخفيف عبء الديون عن اليونان بحجة أن ألمانيا قد تكون غنية، لكن غالبية سكانها فقراء. في هذه النقطة الأخيرة، كان محقا.

أكدت دراسة حديثة أن نصف سكان ألمانيا يمتلكون 1.5% فقط من ثروة البلاد، في حين يمتلك أعلى 0.1% دخلا 20% من ثروة ألمانيا. وتزداد فجوة التفاوت اتساعا. خلال العقدين الأخيرين، كان الدخل الصافي الحقيقي الذي يحصل عليه أفقر 50% في انخفاض في حين كان دخل أعلى 1% في ارتفاع سريع، إلى جانب أسعار المساكن والأسهم.

على هذه الخلفية من التفاوت المتزايد الاتساع، يجب أن نحاول فهم مزاج الشعب الألماني، وخاصة المقاومة الشعبية لفكرة الاتحاد المالي لمنطقة اليورو.

من المفهوم أن يرفض العمال الألمان، الذين يواجهون صعوبة متزايدة في محاولة تدبير أمورهم، تأييد فكرة توجيه مبالغ كبيرة من المال على نحو ثابت إلى مواطني دول أخرى. فلا يعود ثراء ألمانيا المتزايد عليهم بشيء. وهم يعلمون من خلال خبرتهم أن أي أموال ترسل إلى إيطاليا أو اليونان، تأتي منهم في الأرجح، وليس من أكثر 0.1% ثراء ــ ناهيك عن أن هذه الأموال ستنتهي بها الحال على الأرجح إلى جيوب الـقِـلة اليونانية الفاسدة، أو الشركات الألمانية الخاصة التي اشترت الأصول اليونانية دون مقابل تقريبا.

نتيجة لهذا، نجد أن صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من الجائحة الذي نال الموافقة مؤخرا بقيمة 750 مليار يورو (880 مليار دولار أميركي)، والمسمى "جيل الاتحاد الأوروبي التالي"، يهدد بتعميق الانقسامات عبر أوروبا، بدلا من كونه العلاج الشافي الموحد الذي حلم به العديد من المعلقين. بعيدا عن عدم أهمية المخطط على مستوى الاقتصاد الكلي، من الأهمية بمكان أن نلقي عليه نظرة جديدة من منظور عامل ألماني عادي ضمن فئة أدنى 50% على جدول توزيع الثروة في ألمانيا.

يُـقـال لعاملة ألمانية عادية إن حكومتها ستكون مسؤولة عن 100 مليار يورو من الديون الجديدة التي سيستخدمها الاتحاد الأوروبي لمساعدة أجانب على التعافي من تداعيات الجائحة الاقتصادية. وتسمع أن "الإيطاليين سيحصلون على 80 مليار يورو من صندوق التعافي الأوروبي في حين يحصل الإسبان على 78 مليار يورو، ويحصل اليونانيون على 23 مليار يورو".

ولكن علام ستحصل هي؟ أقل من لا شيء. ولأن حكومتها تتخذ وضع تقليص العجز المالي والديون، في محاولة لإعادة ميزانيتها إلى الفائض الصغير بحلول عام 2021، فبوسعها أن تتوقع فقط أجورا راكدة والمزيد من التقشف في الإنفاق على المستشفيات والمدارس والطرق المحلية وغير ذلك من أشكال البنية الأساسية.

ورغم أنها ربما تتعاطف مع الإيطاليين والإسبان، الذين فقدوا أعدادا كبيرة من مواطنيهم بسبب جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، فإنها لن تقبل أبدا تكرار هذه الممارسة في تبادلية الديون نيابة عن الأوروبيين في الجنوب أو الشرق. من الواضح أن تضامن العمال الألمان، الذين لا يظهر أحد أي تضامن معهم، ليس بلا حدود ــ وهو أمر طبيعي.

مع ذلك، ما إن حظي صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي بالموافقة أشيد به بوصفه خطوة أوروبا الأولى نحو الاتحاد المالي. لقد فشل الداعمون في تحسس نبض الأغلبية في ألمانيا، وهو خطأ من غير المحتمل أن ترتكبه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو خليفتها. إذا كان أي شيء مؤكد فهو أن الطريقة التي جرى بها إدماج تبادلية الديون في تمويل صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي سيتبين في الأرجح أنها ربما كانت بمثابة ضربة قاتلة موجهة إلى الاتحاد المالي اللائق.

ليس من الصعب أن نفهم السبب. لا شك أن تبادلية الديون شرط ضروري (وإن لم يكن كافيا) لتحويل منطقة اليورو إلى منطقة من الازدهار المشترك، ولصالح العمال الألمان أيضا. لكن تنفيذها يجب أن يجري على النحو اللائق كما يجب الترويح لها بين الناس بطريقة مقنعة. لنتأمل هنا الاتحاد المالي الذي هو جمهورية ألمانيا الاتحادية، قبل مقارنته بما أنشأه المجلس الأوروبي للتو.

عندما تدخل الرأسمالية الألمانية في أزمة، لأي سبب من الأسباب، يرتفع عجز ميزانية الحكومة الفيدرالية تلقائيا مع تدفق الفوائد على نحو غير متناسب نحو الولايات المتضررة بسبب أكبر ارتفاع في معدلات البطالة والانحدار الأكثر حدة في العائدات. مكمن الجمال في هذا الاتحاد المالي اللائق هو عدم اضطرار أي سياسي ألماني إلى اتخاذ القرار بشأن أي الولايات الألمانية تحصل على أي تحويل.

تخيل كم الرعب إذا اضطر مجلس العموم الألماني (البوندستاج)، أو منتدى رؤساء وزارات الولايات، إلى التفاوض على مقدار الأموال التي ستحولها كل من الولايات الأكثر ثراء، مثل بافاريا، وشمال الراين وستفاليا، وبادن فورتمبرج، إلى كل من الولايات الأكثر فقرا، مثل تورينجيا، وساكسونيا أنهالت، وميكلنبورج فوربومرن. وتخيل لو أنه، قبل توزيع الأموال مباشرة، كان بوسع رئيس وزراء بافاريا أن يمنع تحويل المال إلى تورينجيا لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر من أجل التدقيق في حسابات تورينجيا العامة. إن كل هذا من شأنه أن يحطم الوحدة الألمانية، ويصيب البلاد بالشلل.

لقد وصفت للتو الانقسام القاتل الذي أدمج في صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي. وكما كتبت في مكان آخر، تكاد الحال تبدو وكأن الأمر برمته جرى تصميمه من قِـبَـل أحد الماكرين من المتشككين في أوروبا.

خلال السنوات القادمة، مع تفعيل صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي، ستتولى نخب ألمانيا فحص حسابات إيطاليا وإسبانيا واليونان. وهذا من شأنه أن يساعد في تحويل غضب العمال الألمان من التقشف الذي يعانون منه (إلى جانب العمال الإيطاليين، واليونانيين، والإسبان) نحو نظرائهم الإيطاليين والإسبان واليونانيين ــ الذين سيردون العداء بطبيعة الحال. هذه ليست وصفة لتوحيد أوروبا، بل هي مخطط لتقسيم الناس الذين تتوافق مصالحهم في واقع الأمر.

إن من يريد توحيد أوروبا حقا يملي عليه واجبه أن يبدأ بإظهار التضامن مع نصف ألمانيا الذي يملك 1.5% من ثروتها. وقبل حتى أن نذكر سندات اليورو، يتعين علينا أن نطالب أولا برفع أجور الألمان، وحظر إعادة شراء الأسهم، وتقليص مكافآت الشركات بشكل حاد.

بعد ذلك، يتعين علينا أن نثبت لأصدقائنا الألمان أن سياسات الاتحاد الأوروبي الحالية تغذي التفاوت في الثروة الألمانية، مما يضيف إلى ثروات أعلى 0.1% دخلا ويزيد من الصعوبات التي يواجهها الأغلبية. أخيرا، يتعين علينا أن نوضح لهم ماذا يعني الاتحاد المالي الحقيقي: تحويل الثروة، ليس من ألمانيا إلى اليونان أو من هولندا إلى إيطاليا، بل من هامبورج، ولومباردي، وشمال أثينا، إلى تورينجيا، وكالابريا، وتراقيا.

يانيس فاروكيس / ANIS VAROUFAKIS، وزير مالية سابق، وأكاديمي من اليونان

ترجمة: مايسة كامل / Maysa Kamel

3 آب/ أغسطس،2020

المصدر : 
موقع بروجكت سانديكيت

بعد جرائمها في دير الزور : ميليشا “قسد” تقتل مدنيين في القامشلي بدعم من الاحتلال الأمريكي

استشهد مواطن سوري مدني برصاص ميليشيا الإنفصال الكردية "قسد" المدعومة من قوات الاحتلال الأمريكي في حي علايا بمدينة القامشلي بريف الحسكة. وذكرت مصادر محلية في المدينة إن مجموعة من ميليشيا “قسد” أطلقت النار على شاب أثناء مطاردتها له في حي علايا بمدينة القامشلي لاعتقاله ما أدى إلى استشهاده.

وأشارت المصادر إلى أن ميليشيا “قسد” المرتبطة بالاحتلال الأمريكي اعتقلت عدداً من الشباب واقتادتهم قسراً إلى معسكرات ما يسمى واجب الدفاع الذاتي وسط حالة استياء شعبي جراء هذه الممارسات الإجرامية.

وتشهد المناطق التي تنتشر فيها ميليشيا “قسد” في الجزيرة السورية مظاهرات احتجاجية واسعة شملت العديد من قرى ريف مدينة الزور طالب الأهالي فيها بطرد هذه الميليشيا وقوات الاحتلال الأمريكي الداعمة لها من قراهم وبلداتهم.

جرائم "قسد" في دير الزور تستولد مقاومة شعبية
ساد الهدوء النسبي بلدات الشحيل وذيبان والحوايج في ريف دير الزور الشرقي، بعد ثلاثة أيام على مواجهات مسلحة بين أهالي تلك البلدات و»قسد»، على خلفية اتهام الأخيرة بالوقوف وراء حوادث اغتيال عدد من الزعامات العشائرية. وكانت «قسد» استقدمت تعزيزات كبيرة إلى محيط البلدات الثلاث، وفرضت حظراً كاملاً للتجوال فيها، كما نفذت حملة اعتقالات في مناطق الزوية والشهابات، من دون اتّضاح الأسباب. وتزامن ذلك مع مقتل قائد فوج البوكمال التابع لـ»قسد»، شعبان المعاط، برصاص مسلّحين مجهولين كانوا يستقلّون دراجة نارية في أطراف بلدة هجين شرق دير الزور.

في المقابل، برز بيان لقبيلة العكيدات تضمّن تصعيداً واضحاً بوجه «التحالف الدولي» (بقيادة واشنطن) و»قسد»، إذ حمّلهما مسؤولية إلقاء القبض على قَتَلة شيوخ العشائر ووجهائها، وأمهلهما شهراً واحداً لتسليم قتلة أحد أبرز شيوخ العكيدات، مطشر الهفل. وهدّدت القبيلة، في بيانها، بأنها «ستتصرّف بما تراه مناسباً لحماية الديار والممتلكات، في حال عدم ضبط الأمن في المنطقة»، داعيةً أبناء المنطقة إلى «الوقوف صفاً واحداً من أجل حمايتها مِن كلّ مَن يستبيحون دماءها وينهبون ثرواتها… فالديار التي لا يحميها أبناؤها لا يحميها الغرباء الطامعون»، في ما فُهم على أنه إشارة إلى «قسد» و»التحالف».

وتفاعلاً مع تلك الدعوة، أبدى شيوخ بقية العشائر ووجهاؤها استعدادهم لدعم قبيلة العكيدات بكلّ الإمكانات المتاحة، في موقف يعكس استفاقة العشائر إلى قدرتها على ممارسة دور وازن في المنطقة. واتهم مجلس شيوخ ووجهاء العشائر في الحسكة، في بيان، «المحتلّ الأميركي بإثارة الفتنة بين مكوّنات المجتمع من عرب وكرد، من خلال أساليب القتل الخسيسة»، حاضّاً «أبناء دير الزور على الوقوف ضدّ المحتلّ الأميركي الذي يتحمّل المسؤولية القانونية عن استشهاد مَن طالتهم يد الغدر والإجرام»، وداعياً الأهالي إلى «تصعيد المقاومة الشعبية ضدّ المحتل الأميركي لتحرير الأرض من دنسه».

شبكة حماية ضحايا الحرب
9 آب/ أغسطس، 2020

 

 


 

احتجاجات “الرايات السوداء” في “إسرائيل” : البدايات والوجهة

يشهد الشارع الإسرائيلي في الآونة الأخيرة موجة من الاحتجاجات المُستمرة تقريباً منذُ منتصف شهر نيسان الماضي، واشتدّت وتيرتها في الفترة القليلة الماضية، وهي تُنظّم بشكل شِبه أسبوعي من قِبل حراك "الرايات السوداء" وحركة "العقد الجديد" وغيرهما، وهي موجة لم نشهَد لها مثيلاً منذُ بدء تفشّي فيروس كورونا في إسرائيل.

وقد جاءت هذه الاحتجاجات بدايةً، كتعبير عن رفض المُتظاهرين للمفاوضات الجارية بين حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو وحزب أزرق أبيض برئاسة بيني غانتس لتشكيل حكومة طوارئ في إسرائيل، حيثُ قادت أحزاب المُعارضة الإسرائيلية المظاهرة حينها والتي أُطلق عليها تسمية "الرايات السوداء"، نسبةً لُمنظّميها، الذين رفعوا شعارات تُندّد بتقويض نتنياهو وحكومته للديمقراطية في إسرائيل، وتمكّن المنظّمون من حشد أكثر من 2000 مُتظاهر في ميدان رابين وسط مدينة تل أبيب، حيثُ ألقت فيها بعض الشخصيات السياسية المُعارضة لنتنياهو وبعض نواب المعارضة خطابات مُندّدة باستمرار نتنياهو في منصبه كرئيس للحكومة بعد أن وُجّهت له لائحة اتهام في ملفات الفساد المُختلفة مُتّهمةً إيّاه بمحاولة تدمير الديمقراطية الإسرائيلية، مثل موشيه (بوغي) يعلون ويائير لبيد عن تحالف "يوجد مستقبل- تلم"، وعضو الكنيست أيمن عودة عن القائمة المُشتركة.

ومع تشكيل حكومة نتنياهو الخامسة في إسرائيل، وبعد موجة الانتشار الثانية لفيروس كورونا مؤخراً، أخذت الاحتجاجات التي يُنظّمها ويقودها حراك "الرايات السوداء" بشكل شبه أسبوعي تقريباً منحىً مُختلفا؛ حيث أصبح الحراك أكثر تنظيماً من ذي قبل، وواظب بعض المتظاهرين على الاعتصام والتظاهر في شارع بلفور بالقرب من مقرّ إقامة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بشكل شبه مُنتظم منذ شهر تقريباً.[1]

بالتوازي مع ذلك، انطلقت موجة أُخرى من الاحتجاجات، والتي اختلطت أحياناً مع احتجاجات "الرايات السوداء" واندمجت فيها، للتعبير عن حالة الاستياء والغضب من سوء إدارة نتنياهو وحكومته لأزمة فيروس كورونا، وما رافقها من تردٍّ للأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى 22 بالمئة [2] بفعل الإدارة السيئة للأزمة من قِبل نتنياهو المُنشغل بالبحث عن حلول تضمن بقاءه في الحُكم بعد أن وجّهت له تُهم بالفساد، على حدّ تعبير المحتجين.

لكن المُلفت في احتجاج "الرايات السوداء" هو سلوكه لمسار مُختلف لربّما عن مسارات الاحتجاجات السابقة التي غلبَ عليها الطابع المطلبي فقط وليس المطلبي- السياسي كما هي حال احتجاج "الرايات السوداء"، الأمر الذي دفعنا إلى تسليط الضوء على الاحتجاج الذي يُنظّمه هذا الحراك بشكل خاص والوقوف عليه ومحاولة استشراف مساره المُستقبلي في حال استمرّ بنفس الوتيرة التي يبدو عليها الآن.
لنتمكّن من ذلك، لا بدّ لنا أولاً من التعريف بهذا الحراك، أهدافه، وأهم الجهات/الأشخاص القائمين عليه.

ما هو حراك "الرايات السوداء" وما هي أهم مطالبه؟

تعود نشأة حراك "الرايات السوداء" إلى لانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وتحديداً لمُبادرة الأخوة الأربعة إيّال، شيكما، يردين، وديكل شفارتسمان حينما خرجوا بواسطة مجموعة من المركبات والأشخاص باتّجاه مقرّ الكنيست الإسرائيلي رافعين الرايات السوداء احتجاجاً على قرار رئيس الكنيست في حينه، يولي إدلشتاين (الليكود)، بعدم عقد جلسة لانتخاب رئيس جديد للكنيست بعد الانتخابات مُباشرة، وهو الأمر الذي رأى فيه المُحتجّون انتهاكاً صارخاً للديمقراطية في إسرائيل. [3]

وجاء في البطاقة التعريفية لحراك "الرايات السوداء" عبر صفحته الرسمية بأن الحراك يضُم "مجموعة من المواطنين والمواطنات المسؤولين والقلِقين على الديمقراطية في إسرائيل، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الجنس… هدفهم الحفاظ على ديمقراطية إسرائيل بروح وقيم وثيقة إعلان الاستقلال"، [4] لذلك يستخدم الحراك شعار "إنقاذ الديمقراطية" للتعبير عن نفسه، ويُميّز أعضاؤه أنفسهم من خلال "الرايات السوداء" المُستخدمة في الاحتجاجات بالإضافة إلى ارتدائهم للزّي الأسود. ويرفض ناشطو الحراك تعريف أنفسهم على أنهم حركة حزبية، مؤكّدين في الوقت نفسه أن الحراك يعتمد في تمويل أنشطته على تبرّعات الأعضاء والناشطين فقط، وفقاً لرواية قادة الحراك.[5]

ويقود حراك "الرايات السوداء" تظاهرات مُستمّرة على مُفترقات الطُرق والجسور وفي مراكز المُدن الإسرائيلية المُختلفة منذ فترة، مُندّداً باستمرار "نتنياهو الفاسد" في منصبه كرئيس للحكومة ومُطالباً إيّاه بالاستقالة، بعد أن تم تقديم لائحة اتّهام بحقّه تتضمّن الفساد، الرشوة، وخيانة الأمانة من قِبل المُستشار القانوني للحكومة أفيحاي مندلبليت.

ويرفع حراك "الرايات السوداء" شعارات تُطالب نتنياهو بالاستقالة والتنحّي عن منصبه من قبيل "نتنياهو فاسد" و "مال، حُكم، عالم سُفلي"، "بيبي ارحل"، "لن نستسلم حتى تستقيل"… إلخ، بحجّة أنّه لم يعُد مؤهلاً أخلاقياً لقيادة إسرائيل إضافة إلى اتّهامه بتقويض الأسس والمبادئ والقيم الديمقراطية التي نصّت عليها وثيقة إعلان الاستقلال. واشتدّت هذه التظاهرات بعد مُصادقة الكنيست بالقراءات الثلاث خلال الأيام الماضية على "قانون كورونا" الذي تُمنح الحكومة بموجبه هامشاً كبيراً في عملية اتّخاذ القرار خلال فترة الطوارئ مع إعطاء بعض لجان الكنيست الحق في مناقشة أوامر الطوارئ بأثر رجعي، الأمر الذي يرى فيه المُتظاهرون وقادة الاحتجاج تعطيلاً للكنيست وهجوماً غير مسبوق على مؤسسات الدولة والتشريع. [6]

ومع انضمام المُحتجّين المتضرّرين من الأزمة الاقتصادية التي أفرزتها موجة الانتشار الثانية لفيروس كورونا من عُمّال وحرفيين وتُجّار إلى الاحتجاجات في الشارع خلال الأسابيع القليلة الماضية، أصبح حراك "الرايات السوداء" يتبنّى مقولة أن "هناك صلة مباشرة للفساد الحكومي بسوء إدارة الحكومة لأزمة فيروس كورونا"، [7] الأمر الذي عزّز من حضور هذا الحراك في الشارع الإسرائيلي ومكّنه من استقطاب العديد من المتظاهرين المُتضرّرين بفعل الأزمة، خصوصاً مع انضمام جيل الشباب لهذا الحراك مؤخّراً في مشهد غير مسبوق منذ عدّة أعوام نتيجة ارتفاع معدّلات البطالة وتردّي الأوضاع الاقتصادية، ومشاركة الشباب هذه يرى فيها المتظاهرون، خاصّة كبار السن منهم، مؤشّراً مُذهلاً يقود إلى التفاؤل بإمكانية إحداث التغيير المطلوب. [8]

ونظراً لشُحّ المراجع التي يُمكن الاستناد إليها للتعريف بالحراك وأهدافه، كونه حديث المنشأ نسبياً، سنحاول الاستناد إلى المُقابلات التي أُجريت مع عدد من أهم النشطاء والمُنظّمين لهذا الحراك للوقوف على أهم أهدافه وتطلّعاته المُستقبلية، إلى جانب الاستعانة بالتقارير الصحافية التي تناولت الاحتجاج على مدار الفترة الماضية.

بالنسبة لأمير هسكال، أحد قادة هذا الاحتجاج، وهو مُتقاعد برتبة عميد ركن كان قد شغل منصب رئيس قسم الموارد البشرية في سلاح الجوّ ومنصب طيار في السابق، يرى أنّه "لا يُمكن لشخص مُتّهم بارتكاب جرائم جنائية (جرائم فساد) أن يكون في منصب رئيس حكومة دولة إسرائيل"، [9] وأن الاحتجاجات لن تتوقّف إلّا بعد مغادرة نتنياهو الفاسد للحكم، فهو لم يَعُد مؤهّلاً أخلاقياً لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلّق بكورونا والضائقة الاقتصادية والضم، وأكد أن الحراك يتّبنى طرقاً سلمية لتحقيق مطالبه وسيبقى كذلك على الرغم من العنف الذي تستخدمه الشرطة الإسرائيلية لفض الاحتجاجات. [10] يُشار إلى أن هسكال قد انضم منذ سنة تقريباً للاحتجاجات الفردية المُندّدة باستمرار نتنياهو في الحكم والتي طالبته بالاستقالة فوراً بعد أن قُدّمت له لائحة اتّهام في ملفات الفساد المُختلفة، وقد أصبح مؤخّراً أحد أهم رموز هذا الاحتجاج.

أمّا الناشطة في الحراك وإحدى المُنظّمين للاحتجاجات، شيكما شفارتسمان، فتطمح بأن يتمكّن حراك "الرايات السوداء" من حشد مليونية أو مئات الآلاف من الإسرائيليين على الأقل، كما حصل في احتجاجات غلاء المعيشة عام 2011، لتحقيق هدفه المُتمثّل بإنقاذ الديمقراطية في إسرائيل من خلال إزاحة نتنياهو الفاسد عن الحكم. وتعتقد شفارتسمان أنّ الجهاز القضائي الإسرائيلي ليس بمقدوره إنقاذ المواطنين بسبب الهجوم الذي يتعرّض له من قِبل نتنياهو وحاشيته، لذلك فإن الحلّ الوحيد يتمثّل في أن يُنقذ مواطنو دولة إسرائيل أنفسهم بأنفسهم من خلال الخروج للشارع والانضمام للاحتجاجات التي تتّسع للجميع بصرف النظر عن توجّهاتهم السياسية، على حدّ تعبيرها. [11]

وفي مُقابلة مع عضو الكنيست رام بن براك من حزب "يوجد مستقبل" مع القناة 13 الإسرائيلية، يُؤكّد أن إسرائيل تمرّ في وضعية غير مسبوقة؛ من ناحية وجود مُعارضة ضعيفة وغير قادرة على التأثير في الكنيست، لكنّه يؤُكّد في الوقت نفسه أنّ نواب المعارضة في الكنيست سيدعمون هذه الاحتجاجات ويتبنّون مطالب المُحتجّين في حال تمكّنوا من حشد أعداد كبيرة في المُظاهرات التي يُنظّمها الحراك كما حصل في احتجاجات غلاء المعيشة العام 2011. [12]

وفي مقال بعنوان "من يقف وراء احتجاجات الرايات السوداء؟" للكاتبة إيلات كهانا نُشِر في صحيفة "مكور ريشون" اليمينية، ترى أن حراك "الرايات السوداء" هو حراك عنيف وليس سلمياً كما يدّعي قادته، وأن استخدام الحراك لشعار "يوم بيبيستيليا-Bibstylia" ليس سوى مُحاكاة لحادثة سقوط سجن الباستيل رمز السلطة في فرنسا؛ هذا الحدث الذي شكّل بداية الثورة الفرنسية بعد الأزمة الاقتصادية آنذاك، مؤكّدةً أن ما يحصل من مُحاولة لاقتحام شارع بلفور الذي يتواجد فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يهدف إلى إخراج هذا الأخير المُنتخب ديمقراطياً من مقرّ إقامته باستخدام القوة والعنف، وهو الأمر الذي يُمكن الكشف عنه من خلال مؤشّرات العنف والقوّة المُتضمّنة في شعارات المُحتجين بالإضافة إلى سلوكهم العنيف في تعاملهم مع رجال الشرطة. [13]

وتضيف كهانا أنّ مشروع خيمة الاعتصام المُقامة في شارع بلفور بالقُرب من منزل نتنياهو والتي أُطلق عليها اسم "حصار بلفور" يُعتبر مشروعاً مشتركاً لحراك "الرايات السوداء" وحركة "العقد الجديد" المسؤولة عن تنظيم المُظاهرات أمام منزل المُستشار القانوني للحكومة مندلبليت في العام 2018 بهدف الضغط عليه لتقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو. [14] وتضيف أنه وبخلاف تصريحات قادة الحراك لـ"هآرتس" سابقاً، بأن الحراك هو ذاتيّ التمويل، إلا أن سيفي عوفاديا، الصحافي في القناة 13 الإسرائيلية، استطاع الكشف عن أن الحراك حظي بتمويل من جمعية "المسؤولية الوطنية" التي تأسّست على يد أقرباء رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، ومن هُنا لا تستبعد كهانا فرضية أن يكون باراك هو المُموّل الرئيس لهذا الحراك، بصفته أحد أشدّ مُعارضي نتنياهو الحاليين. [15]

مُستقبل الحراك وإمكانية تحوّله لحركة اجتماعية واسعة

تُشير الأدبيات والنظريات التي تناولت مسيرة الاحتجاجات والحركات الاجتماعية إلى ضرورة توفّر جملة من الشروط والعوامل الكفيلة بتحوّل أي عملية احتجاج أو حراك إلى حركة اجتماعية في المستقبل. بالنسبة لموديل "عملية المواجهة الجماعية" لسيدني تارو فإن أي احتجاج يُمكن أن يتحوّل إلى حركة اجتماعية إذا توفّرت فيه الشروط الأربعة التالية: تحدٍ جماعي، هدف مُشترك، التضامن والهوية الجماعية، ووجود سياسة مواجهة على مدى فترة طويلة (الاستمرارية). [16]

واستناداً إلى هذا التأطير، يُمكن القول بأن حراك "الرايات السوداء" لا يزال يحتاج إلى بعض العوامل آنفة الذكر حتى يتحوّل لحركة اجتماعية واسعة لديها مطالب واضحة ومُحدّدة؛ فهو لا يزال يفتقد مسألة التنظيم والهوية المشتركة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، على الرغم من كون "الرايات السوداء" أكثر الجهات تنظيماً مُقارنةً بالمُتظاهرين الآخرين الذي انضمّوا للاحتجاجات مؤخراً ولا سيّما أولئك الغاضبين من سوء إدارة نتنياهو لأزمة فيروس كورونا والمُتضرّرين من سلسلة الاغلاقات المُتكرّرة خلال فترة الطوارئ، فالمُتظاهرون ما زالوا غير مُتجانسين في موقفهم أو غير مُتّفقين على بعض القضايا رغم اتفاقهم النسبي على المطلب العام للحراك والمُتمثّل بدعوة نتنياهو للاستقالة؛ وهذا ما يُمكن ملاحظته من خلال عدم وجود موقف واضح من قضايا مُحدّدة كالضم والاحتلال التي يربطها بعض الناشطين في الحراك بالفساد السياسي وسوء الإدارة الحاصلة في حكومة نتنياهو، وهو الأمر الذي لا يلقى تأييداً في معظم الأحيان من قِبل جميع المُتظاهرين نظراً لاختلاف توجّهاتهم السياسية. وهذا بالإضافة إلى عدم تمكّنه، أي الحراك، على الأقل حتى وقت إعداد هذه الورقة، من وضع تحدّيات المواجهة أمام جهات ومؤسّسات الحكم في إسرائيل لعدم قُدرته لربّما على حشد أعداد كبيرة من المُتظاهرين المؤمنين بمطلب الحراك كما حصل في حراك "غلاء المعيشة" عام 2011 مثلاً، وكما حصل أيضاً مع حركة "الأمّهات الأربع" التي تشكّلت عام 1997 والتي وضعت تحدّي المواجهة أمام الجهات الحاكمة من خلال مُطالبتها بالانسحاب من جنوب لبنان، واستطاعت الحصول على تأييد فئات وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي آنذاك قبل أن تنتهِي الحركة بعد أن تحقّقت مطالبها بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000.

إن استشراف مستقبل الحراك وإمكانية تحوّله إلى حركة اجتماعية واسعة قادرة على إحداث تغيير حقيقي وتحقيق مطلبها الرئيس المُتمثّل باستقالة نتنياهو من منصبه، يحتاج إلى دراسة مُعمّقة، فالحراك لا يزال حديثاً نسبياً، وقدرته على حشد قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي ما زالت متواضعة أو غير واضحة حتى هذه اللحظة على الرغم من تفاؤل قادة الحراك من أنهم سيتمكّنون من ذلك في نهاية المطاف. ولعلّ مُشاركة الجيل الشاب في هذا الحراك تُعطيه زخماً أكبر، وتُعتبر مؤشّراً إيجابياً أيضاً يُفيد بإمكانية استمرار الاحتجاجات في المستقبل القريب ما دامت الظروف الذاتية والموضوعية تسمح بذلك، خصوصاً وأن تفشّي فيروس كورونا على نطاق واسع قد يُشكّل عائقاً أمام قدرة هذا الحراك وقادته على حشد وتعبئة الطاقات في الشارع. وعليه، يُمكن القول إن التساؤلات بشأن مُستقبل الحراك وطبيعته ومساره تبقى مفتوحة وقابلة للتغيُّر بحسب المعطيات والظروف الراهنة والمُستقبلية المُتغيّرة بطبيعتها، لكن ما هو واضح الآن أن هذا الحراك وهذه الاحتجاجات ما زالت مُستمرّة حتى وقت إعداد هذه المقالة.
 

عبد القادر بدوي، باحث عربي من فلسطين المحتلة
27 تموز/ يوليو، 2020
المصدر : 
موقع مركز مدار ، فلسطين المحتلة 
هوامش: 

 

1.نوعا شبيغل، ونير حسون. "احتجاجات الرايات السوداء: الآلاف تظاهروا على مفترقات الطرق والجسور في مناطق البلاد"، هآرتس، 11/07/2020، https://www.haaretz.co.il/news/politi/1.8987378. 

2.أمين فارس، "تداعيات كورونا الاقتصادية: العرب أول المتضررين وآخر من سيتعافى"، موقع عرب 48، 18/07/2020، https://www.arab48.com/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA/2020/07/18/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%7C-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B6%D8%B1%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%81%D9%89. 

3.إيلات كهانا، "من يقف خلف احتجاجات الرايات السوداء؟"، مكور ريشون، 16/07/2020، https://www.makorrishon.co.il/news/yoman/247639/. 

4.البطاقة التعريفية للحركة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، https://www.facebook.com/%D7%9E%D7%A6%D7%99%D7%9C%D7%99%D7%9D-%D7%90%D7%AA-%D7%94%D7%93%D7%9E%D7%95%D7%A7%D7%A8%D7%98%D7%99%D7%94-%D7%9E%D7%97%D7%90%D7%AA-%D7%94%D7%93%D7%92%D7%9C%D7%99%D7%9D-%D7%94%D7%A9%D7%97%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%9D-110794797223076. 

5. المرجع السابق 

6. إريك بندر، وآنا ريفا بريسكي، "قانون كورونا يمنح سلطات الطوارئ للحكومة: تمّت المصادقة عليه بالقراءتين الثانية والثالثة"، معاريف، 23/07/2020، https://www.maariv.co.il/news/politics/Article-779108. 

7. شبيغل، وحسون. "احتجاجات الرايات السوداء: الآلاف تظاهروا…"، مرجع سابق. 

8. أورين زيف. "تظاهرات في بلفور: انضمام الشباب مدهش وسيغيّر الحدث"، سيحاه مكوميت 17/07/2020، https://www.mekomit.co.il/%d7%94%d7%94%d7%a4%d7%92%d7%a0%d7%95%d7%aa-%d7%91%d7%91%d7%9c%d7%a4%d7%95%d7%a8-%d7%94%d7%94%d7%a6%d7%98%d7%a8%d7%a4%d7%95%d7%aa-%d7%a9%d7%9c-%d7%94%d7%a6%d7%a2%d7%99%d7%a8%d7%99%d7%9d-%d7%9e%d7%93/. 

9. جلعاد موراج، "الطيّار والباحث في المحرقة الذي تحوّل لرمز الاحتجاجات ضد نتنياهو"، يديعوت أحرونوت، 27/06/2020. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5755207,00.html. 

10. المرجع السابق 

11. القناة 13 العبرية، موقع يوتيوب. تم الوصول بتاريخ 24/07/2020، https://www.youtube.com/watch?v=UR2H95clYTg. 

12. المرجع السابق 

13. كهانا، "من يقف خلف احتجاجات الرايات…"، مرجع سابق. 

14.المرجع السابق 

15.المرجع السابق 

16.سامي شالوم شطريت، النضال الشرقي في إسرائيل: بين القمع والتحرر، بين التماثل والبديل 1948-2003، ترجمة: سعيد عياش. رام الله: مدار، 2005. 28. 

عدواة دانتي أليغييري للعرب والإسلام في بحث جديد

تلوح علاقة متينة بين العمل الإبداعي للشّاعر الإيطالي دانتي أليغييري (1265-1321م) في "الكوميديا الإلهية" والتراث العربي الإسلامي لا تخفى عن عين الدارس الموضوعي، ولا سيما في التشرّب لفلسفة التصوّر الإسلامي من حيث بناء الكوسمولوجيا الدانتية. فلا شكّ أنّ ثمّة هاجسًا في الفلسفة الغربية بمحاولة "التّناسي" للبُعد العربي الإسلامي من الجذور التكوينية للفكر الغربي الحديث، كما يسمّيه المفكر الإيطالي المعاصر ماسيمو كامبانيني. وهو نكرانٌ لطالما مُورس وحاولت العديد من الأطراف الدينية والسياسية ترسيخه، منذ انطلاق الحملات الصليبية وتأثيرها القوي في انبناء جدار نفسي بين الحضارتين. عمل العديد من الكتّاب على تعميق هوّة الفصل بين كلّ ما يمتّ للحضارة العربية الإسلامية بما له صلة بالحضارة الغربية. ويبرز التمايز جليّا بين الشرق والغرب مع ذلك الموقف الجائر لِفرانشيسكو بيتراركا في قولته الشهيرة: "أمقت ذلك النّسب إلى العرب" في "الرسالة الثانية إلى دوندي" التي ظهرت خلال القرن السادس عشر في كِتاب الرسائل "سينيلي"، وهو محاولةٌ للتملّص من الروابط التاريخية بين الحضارتين، أكان ذلك مع التجربة الأندلسية أو مع التجربة الصقلّية.

في ذلك المناخ المحكوم بالتمايز بين الحضارتين ظهر دانتي أليغييري، مع أنّه تربّى في وسط ثقافي يعبق بالحضور الفلسفي والعلمي للحضارة الإسلامية، والذي لم يقرّ به بشكل صريح دائما. فهو كما نعرف قد أصدر حكما قاسيا في مؤلّف "الكوميديا الإلهية" ضدّ الإسلام. فليس خفيّا أن تعلو في مدينة الآثام الموصوفة في نصّه ما يطلق عليه "المسكيتي" بلغة ذلك العصر، أي "الجوامع" (الجحيم: الثامن، 70-72). يتقاسم دانتي مع مجايِليه الرأيَ الشائعَ أنّ الإسلام لا يزيد عن كونه هرطقة مسيحية، ولذلك اِتّخذ موقفا جاحدا من المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ومن الإمام علي (كرّم الله وجهه) على وجه التحديد، وهي الفقرات التي تحاشاها المترجم العربي وتغافل عن إيرادها، مع أنّها نصوص تكشف عن موقف الرجل الصريح من حضارة بأسرها والواردة في (الجحيم/ الثامن والعشرون، 30-33).

تبدو المسألة التي حكمت الموقف الغربي من دين الإسلام كآخر ومغاير حاسمة، فهو ممّا ينبغي مواجهته إلى حدّ السعي لاجتثاثه، وهو ما ساد على مدى القرون الوسطى ومطلع العصر الحديث. تجلّى ذلك بقوّة في الحملات الصليبية المتلاحقة، وفي محاولات الغرب المسيحي نسج علاقات مع القوى الآسياوية، مثل المغول لحشدِ القوى ضدّ العدو المشترك المفتَرض ألا وهو حضارة الإسلام، ذلك ما يوضّحه بشكل جليّ وموثق الكاتب والمفكر ماسيمو كامبانيني منذ مطلع كتابه (ص: 8-9). تعمّق العداء للحضارة الإسلامية أثناء الحملات الصليبية، وبدا جليّا في التبريرات الدينية للقتل التي حاول القدّيس برنارد من كليرفو (Bernardo di Clairvaux) الداعي إلى الحملة الصليبية الثانية ترويجها، حين يكون ذلك الفعل باسم المسيح: "لا مندوحة في أنّ جندَ المسيح حين يخوضون حروبَ الربّ يخوضونها مرتاحي البال، لا يخشون في ذلك اقتراف الخطيئة حين يقتلون أعداءهم أو يزهقون أرواحهم. فليس القتل في سبيل المسيح جرما أو جنحة بل مدعاة للمجد. وبالفعل في كلتا الحالتين إمّا يفوز المرء برضى المسيح الذي يقبل طوعًا بموت العدوّ، أو بالمسيح الذي بذل حياته عزاء للمقاتل. أشدِّدُ على أنّ مقاتِل المسيح يقتل مرتاح البال وإن قضى نحبه فبراحة أكبر" ليست تلك الفتوى الدينية الوحيدة، فقد تعدّدت المواقف الشبيهة على مدى قرون حتى خلَقت نوعا من المشاحَنة المزمنة والمتجذّرة.

بعد توضيحه لتلك الأجواء التي تحكّمت بالمخيال الغربي تجاه حضارة الإسلام، يحاول ماسيمو كامبانيني من جانب آخر إبراز نوعية التواصل الفكري الحاصل بين الحضارتين رغم التوتّر الديني المخيّم على الجانبين. تحت عنوان "الترجمات والمترجمون.. انتقال المعارف" يسلّط الضوء على حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وهي حلقة محورية في توارث المعرفة الكونية. فقد كان العرب في الفترة الوسيطة القائمين على حفظ الذاكرة الإنسانية، سواء عبْر ما أنتجوه من معارف أو عبْر ما نقلوه من إنتاجات الإغريق. لقد كانت العصور الوسطى، المغرَقة في الانغلاق في الغرب، هي عصور التطوّر والانفتاح المعرفيين بالنسبة إلى العرب، ما جعل الحواضر العلمية الإسلامية قِبلة لطلاّب العلم من شتّى الأقوام والأديان. جربرت دي أوريللاك، الذي غدا بابا الكنيسة الكاثوليكية خلال الفترة (999-1003م) واتّخذ اسم سلفستر الثاني، تردّد قبل اعتلاء سدّة بطرس على مجالس العلماء في الأندلس، وتلقّى المعارف على يد علماء وفلاسفة مسلمين. ما كان المسلمون في ذلك العهد يضيقون ذرعا بأتباع الديانات الأخرى إن ارتادوا حلقات العلم، بل محلّ ترحيب. فقد كان العرب يفخرون بالتسامح الذي يغمرون به أهل الكتاب وغيرهم. كان  الكاتب بيار ريشيه قد ألّف كتابا مهمّا حول البابا المذكور بعنوان "جربرت دي أوريللاك.. بابا العام الألف" نُشر في دار فايار في باريس (1987)، توقّف فيه عند رحلة البابا لتلقّي المعارف في الأندلس بالتفصيل.

في تقييمه لحركة الترجمة الغربية إبّان الفترة الوسيطة يقول كامبانيني: كانت معرفة الإسلام كدين وكثقافة، وبعيدا عن الأحكام المسبَقة، تفتقر إلى العمق، كما كانت محصورة بنخبة قليلة. يذكر حادثةً معبّرة في الشأن حول مدى الإلمام بالعربية في الأوساط العلمية الغربية قائلا: إلى حدود منتصف القرن الثاني عشر الميلادي كان ملك فرنسا لويس التاسع، الذي قاد الحملة الصليبية السابعة وهلك في تونس، ثم رفعته الكنيسة لاحقا إلى مقام القدّيس، وكذلك البابا كليمنت الرابع، يجدان صعوبة في العثور على مترجم قدير بوسعه القراءة والترجمة من العربية والفارسية. فما كانت الدراسة للموروث العربي بشكل عام بدافع الشغف المعرفي دائما. حين ترجم روبرت دي كيتون القرآن بإيعاز من الراهب بطرس المبجّل (توفّي سنة 1156م)، ما كان الهدف معرفة مضامين القرآن الكريم بل دحض "هرطقات السّراسِنة" على حدّ زعمه. فقد كان الموقف من دين الإسلام بالغ التشدّد والتعصّب في الأوساط الواقعة تحت سلطان الكنيسة، مع ذلك لم تخلُ الساحة من عناصر جريئة حاولت تخطّي تلك الأحكام المغالية والإقرار بعبقرية حضارة الإسلام، مع احتفاظهم بموقف عدائي تجاه الدين، لا سيما في الأوساط السياسية في صقلية فترة روجر الأول، كونت صقلية، إبان حكم النورمان؛ وكذلك مع الإمبراطور فريدريك الثاني. نذكر أن الجغرافي الإدريسي قد شغل سنوات في بلاط روجر الثاني مستشارا.

ولا شكّ أنّ دانتي أليغييري كان على دراية بالحركة الثقافية إبّان حكم الإمبراطور فريدريك الثاني، حتى وإن لم تطأ قدماه أرض صقلية. فقد حاز فريدريك الثاني تقديرا في كتاب "المأدبة" لدانتي، لكنّ ذلك التقدير شهد تراجعا في "الكوميديا الإلهية"، حيث حُشِر فريدريك الثاني في الجحيم مع الهراطقة.

وفي تقييمه لشخص دانتي بشأن موقفه من الإسلام كدين يقول كامبانيني: كرجل ينتمي إلى عصره، لا يستطيع دانتي أن يكون له موقف إيجابي من الإسلام كدين، وعلى غرار ذلك من اليهودية. فقد ظهر دانتي في عصر خيّم فيه عداء الكنيسة. وأمّا علاقة دانتي بالفلسفة الإسلامية، وبالثقافة العربية بوجه عام، فهي مدعاة إلى طرح عديد الأسئلة. إذ لا ينفي كامبانيني أنّ دانتي كان على دراية مهمّة بالفلسفة الإسلامية، وبالعلوم الإسلامية الصحيحة، كما يتجلّى ذلك من خلال مؤلّفاته الثلاثة الأساسية: "المأدبة" و"الكوميديا الإلهية" و"المملكة". تأتّت له تلك الحصيلة المعرفية بفعل التردّد على الأوساط الجامعية في مدينتيْ بولونيا وفلورنسا، ويُرجَّح كذلك أثناء رحلته إلى باريس. لكنّ التعمّق البارز لدانتي في الفلسفة الإسلامية جاء بالأساس جرّاء الاطّلاع على ابن سينا والفارابي وابن رشد وعلى جملة من علماء الفلك المسلمين. يذهب ماسيمو كامبانيني إلى أنّ الإلمام بالقرآن الكريم وبالعلوم الدينية الإسلامية، مثل الفقه والسيرة وعلوم القرآن، كان محدودا مع دانتي، وهو ما خلّف خلطًا في ذهنه ورسّخ أحكاما مسبَقة. تلك الحصيلة الهزيلة من ناحية دينية هي نتاج نفور عام ميّزَ الكتّاب المسيحيين في العصر الوسيط، وإن انبهروا بالمعارف العلمية المتأتّية من الحضارة الإسلامية سيما في مجالات الطبّ والفلك والحساب والكيمياء، خصوصا مع ابن سينا والزركلي والخوارزمي وجابر. فهناك حكمٌ رائج في الأوساط الدينية، كما يخلص كامبانيني، أنّ دين الإسلام زائف، وبالتالي غير جدير بالدراسة. ولعلّ المسألة أعمق من ذلك، فقد كانت الرقابة الكَنَسية على مراكز التدريس في الغرب لا تبيح عرض العلوم الإسلامية أو التعرّف عليها. كان كلّ من تحدّثه نفسه بتناول تلك المعارف الدينية عرضةً لتهمة الهرطقة، من هنا كان الاقتصار في الجامعات الأوروبية على تدريس العلوم الإسلامية الصحيحة واستبعاد كلّ ما يمتّ بصلة للإسلام كدين.

ومن البيّن أنّ الشذرات الواردة في "الكوميديا الإلهية" المتعلّقة بالدين الإسلامي، والتي تقف موقفا سلبيّا من رجالات الإسلام المبكّر دون تبرير مقنع في ذلك، هي نتاج اعتبار الإسلام دينا منشقّا عن المسيحية، وهو ما يكشف عن عمق الرقابة الإيديولوجية الشائعة في الأوساط المسيحية. بخلاف ذلك نال ابن رشد في "الكوميديا الإلهية" حفاوةً معتبَرة ضمنت له موضعا في "البرزخ" بين عظماء البشرية. انبنى ذلك لدى دانتي على تمييز بين ما هو ديني بحت وما هو علمي وعقلي حسب نظرته.

لا نوافق ماسيمو كامبانيني في رأيه أنّ اطّلاع دانتي على القرآن الكريم كان محدودا، أو شبه منعدم، والبناء الكوسمولوجي للكوميديا الإلهية يُفصِح عن أنّ دانتي كان على دراية بيّنة بقصة الإسراء والمعراج، أكان كما وردت في النصّ القرآني أو كما رُوِيت في الأحاديث النبوية وفي المدوّنات التاريخية. فقد شهدت الفترة رواج ترجمة "كتاب المعراج" للقشيري في الغرب المسيحي بترجمة لاتينية (يُنسَب إلى ألفونس العاشر ملك قشتالة أمره بترجمة الكتاب سنة 1264م)، وأَثَر "كتاب المعراج" في كوميديا دانتي مما لا يمكن نكرانه، فهناك شبهٌ بيّن على مستوى الشكل والصياغة. إذ لا ينبغي أن نغفل عن الضغوطات الكَنَسية الهائلة عبر الرقابة والتفتيش مع أيّ كاتب عمومي في ذلك العصر. وكان دانتي حذرا عند إيراد ما يمتّ للدين الإسلامي بصلة. في هذا الصدد، يمكن الاطّلاع على البحث القيّم حول عمق ترصّد الكنيسة لكلّ من تحدّثه نفسه بنشر فكر مغاير يخالف وجهة نظرها في الكتاب الصادر عن "مشروع كلمة" بالإمارات العربية بعنوان "الكتب الممنوعة" وهو من تأليف المؤرّخ الإيطالي ماريو إنفليزي.

السؤال الذي يُلخّص مضامين كتاب كامبانيني وهو ما معنى إسقاط المصدر التاريخي الذي استقى منه دانتي نص الكوميديا، أو لنقل البناء الكوسمولوجي للكوميديا بشكل أدقّ؟ ثمة نزوع في القراءة الإيطالية لإضفاء طابع الفرادة على نصّ دانتي، سيما وقد غدا الرجل العمدة والأساس الذي انبنت عليه الهوية اللّغوية الإيطالية. تفكيك الأسطورة الدانتية هو مسٌّ وانتهاك لتلك القداسة بحسب الموقف المحافظ. وقلّة من الكتّاب الإيطاليين ممّن تجرأوا، مثل ماسيمو كامبانيني، على إعادة اكتشاف دانتي، أي من حيث الإحاطة بمصادره وروافده في بناء نصّه. نشير أنّ مقاربة كامبانيني لدانتي لا تعني مسًّا من قيمة الرجل أو حطّا من إبداعه، بل بخلاف ذلك ثمّة إجلالٌ وتقديرٌ، وإنّما الشيء الذي أراد أن يصل إليه الرجل وهو ما يتلخّص في التساؤل التالي: ماذا سيتبقّى من دانتي بعد نزع الأسْطَرَة عنه؟ وذلك بعد كشف الأبعاد المستوحاة من فلسفة الفارابي وآراء ابن سينا وابن رشد بالخصوص. ففي نكران الأبعاد العميقة والجوهرية لنصّ دانتي، وهو ما يعني "التغافل" عن المخزون الفلسفي القوي الحاضر في نصّه، هو نزوع لفصل الارتباط الوثيق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية سيما إبّان فترة الانتقال من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.

هناك نقطة مهمّة يحوصل بها المؤلّف كتابه، وهي نابعة من إلمام كامبانيني المهمّ بالفلسفة الإسلامية جعلته يتنبّه إلى مصادر دانتي وإلى المسكوت عنه في مؤلفاته. في حديثه عن الروح العَقَدية الثالوثية لدى دانتي يقول: ليس الأمر مبنيّا على إثباتات "منطقية"، كما حاول أن يفعل ذلك القديس توما الأكويني، بل يقوم على أساس إيمانيّ أو على أساس الحقيقة المملاة من قِبل الكنيسة، وهو ما يتجلّى في نصّ الكوميديا في الكانتو الرابع والعشرين بخصوص الجنة. من جانب آخر يقول كامبانيني: جرى الاهتمام بالعلاقة الرابطة بين "الكوميديا الإلهية" والتراث الإسلامي، والواقع أنّ مختلف مؤلّفات دانتي، مثل "المملكة" و"المأدبة"، ترشح بهذا التأثّر الواضح.

عزالدين عناية، أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

أوائل آب/أغسطس، 2020

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: دانتي والإسلام.. سماوات الأنوار.

تأليف: ماسيمو كامبانيني.

الناشر: منشورات ستوديوم (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 176 ص.

POLICE ATTACKS ON PROTESTERS ARE ROOTED IN A VIOLENT IDEOLOGY OF REACTIONARY GRIEVANCE

THE SUN WAS HIGH as the protesters filled Grand Army Plaza. In normal times, it’s easy to forget that the gateway to Brooklyn’s largest park was once a battleground in the fight for American independence, or that its iconic “Soldiers and Sailors Arch” is a monument to those lost in the war to end slavery. But with a global pandemic having taken more than 100,000 American lives in a matter of months, more than 40 million others out of work, and protests against police violence sweeping the U.S., recent days have been far from normal, and as demonstrators took their places on Sunday, the plaza’s place in history felt unusually present.

Kenyatta Reid, a Brooklyn native, was among those gathered at the foot of the arch. Reid and her husband had come to the protest with their three young children, ages 11, 8, and 2. It was the family’s second day in the streets, joining the nationwide wave of demonstrations following the killing of George Floyd by Minneapolis police Officer Derek Chauvin. The previous night, near the Brooklyn Bridge, Reid and her family had watched as New York City police officers in riot gear beat and pepper-sprayed protesters. “That got really scary for the kids,” Reid told me. Still, her children woke up the next morning asking to go out again — they had even made their own signs. “Am I next?” her son’s read.

As an African American mother raising three kids in the United States in 2020, Reid said the conditions that sparked the protests are the subject of daily parental education, a process of “letting them know that they’re worthy, and the problem is other people, not them.” When asked if they would keep coming out, Reid did not hesitate. “This is their lives,” she said. “You have to.”

Hundreds of miles away, in Cincinnati, reaction to the protests was taking a different shape. While demonstrators were gathering in Brooklyn, a group of Hamilton County sheriff’s deputies dressed in tactical gear and body armor, many of them carrying rifles, hoisted a pro-police flag outside of their office. Ubiquitous in some parts of the country, the flag replaces the red of a traditional American flag with black. The banner incorporates a blue band to symbolize the “thin blue line” that some police officers believe they represent: society’s well-armed firewall, protecting an otherwise defenseless public from the forces of evil.

Sheriff Jim Neil later said that the flag replacement was only temporary, after an image of his deputies’ informal ceremony went viral. The office’s American flag had been lost to vandals, the sheriff tweeted, and the current one was meant to honor an officer whose helmet was struck with a bullet the previous night. “The flag has been removed and we will replace it with the American Flag in the morning,” Neil wrote.

Though minor in comparison to the acts of physical violence and outpourings of grief seen across the country, the episode in Cincinnati was significant. The “thin blue line” flag is the known symbol of a social, cultural, and political movement that is inextricably linked to the country’s current unrest. The flag is the centerpiece in a world of merchandise and policing philosophy, all built around the idea that the police are an embattled tribe of warriors, maligned and reviled by a nation that fails to appreciate their unique importance. The blue line is a reminder that much of the policing community sees itself as separate from the rest of society — and as the nation has witnessed in recent days, in video after shocking video, this well-armed population, imbued with the power to deprive citizens of life and liberty, does not take kindly to those who challenge its authority.

“What we’re talking about here is a worldview that says that police are the only force capable of holding society together,” Alex Vitale, a professor of sociology at Brooklyn College and author of “The End of Policing,” told me. The view turns on the notion that “without the constant threat of violent coercive intervention, society will unravel into a war of all against all,” he explained. Seen through this lens, “authoritarian solutions are not just necessary, they’re almost preferable.”

In the wake of Floyd’s killing, with protests in every state in the union and U.S. security forces at every level called to respond, the country is now witnessing what years of militarized conditioning, training, and culture have wrought: a nationwide protest movement running up against a nationwide police riot.

In New York City, where at least 2,500 people have been arrested in the past week, local officials have imposed an 8 p.m. curfew, which the New York Police Department has used as a pretext to arrest individuals whom it would otherwise have no justification to take into custody. In an emerging pattern that civil rights attorneys have documented in multiple boroughs throughout the city, a number of those individuals have been taken to local station houses where NYPD intelligence officers and FBI agents have interrogated them about their political beliefs, including their views on fascism. Word of the interrogations came just days after Attorney General William Barr released a statement describing the leaderless anti-fascist movement known as antifa as a domestic terrorist organization and announced that the federal government’s 56 Joint Terrorism Task Forces had been activated in a nationwide manhunt for “criminal organizers and instigators.”

In Washington, D.C., heavily armed tactical units took up positions in the nation’s capital, wearing no official insignia. Self-styled groups of mostly white men carrying military-grade weapons were also in the streets, and local police were spotted posing for photos with bat-wielding vigilantes. Far-right, white power groups seized on the unrest to accelerate the country toward a long-desired race war: In Las Vegas, three right-wing extremists with military experience, adherents to the so-called boogaloo movement, were arrested on terrorism charges for allegedly plotting attacks in Nevada.

Michael German, a fellow at the Brennan Center for Justice and former FBI agent specializing in domestic terrorism investigations, said the government’s actions in the past week reflect entrenched, longstanding problems in American policing. From a legal and logistical standpoint, Barr’s statement regarding antifa was “toothless,” German said: “It’s a way of signaling to Trump supporters, both in law enforcement and out, that this is the enemy.”

Time and again, American law enforcement’s response to dissent has followed a pattern, German explained, with police cracking down on movements for racial, social, and environmental justice, while giving violent white nationalists who beat people in the street a free pass. “We already see that there is this dynamic where the police officers view people who protest police violence as enemies they can use further violence against,” he said. “Particularly in protests, it’s not just that the police want to arrest somebody who’s a problem,” German said. “They want to mete out punishment.”

SACRAMENTO, CA - MARCH 02: Demonstrators burned Thin Blue Line flags outside Sacramento Police Department  on March 2, 2019, in Sacramento, California. Sacramento County District Attorney Anne Marie Schubert announced Saturday that officers did not break any laws when they shot Stephon Clark in 2018. (Photo by Mason Trinca/Getty Images)

 

 

Blue Lines Take Aim at Black Lives

Although the idea of the “thin blue line” has been around for decades, its branding and merchandising evolution began as effort to raise money for the families of slain police officers. The flag itself was created six years ago, when the U.S. was gripped with police brutality protests that gave rise to the Black Lives Matter movement. As those demands for justice picked up momentum, a countermovement, Blue Lives Matter, rose up under the newly created banner. In an article for Harper’s magazine, author Jeff Sharlet details how a white 19-year-old college student named Andrew Jacob came up with the idea for the flag. “The black above represents citizens,” Jacob, founder of the company Thin Blue Line USA, explained. “The black below represents criminals.”

The flag’s creation coincided with the December 2014 killing of two NYPD officers, Wenjian Liu and Rafael Ramos, in Brooklyn. The officers’ deaths sparked a rebellion among New York City cops against Mayor Bill de Blasio. It was a turning point for the recently elected mayor, who had capitalized on demands for police accountability in his run for office. While de Blasio has become a symbol of abject failure in the eyes of nearly all NYPD accountability advocates, the department’s powerful union has continued to publicly batter and berate the mayor on a daily basis in the years since the killings, and recently doxxed his daughter following her arrest while protesting in Manhattan.

The flag’s emergence in 2014 was but one element in a larger ecosystem of police propaganda. Like the weapons, vehicles, and training that flow from the military to police departments across the country, the Blue Lives Matter movement embraces imagery and ideology drawn from U.S. wars abroad.

The same month that the officers in Brooklyn were gunned down, Clint Eastwood’s film “American Sniper” hit theaters. The film, which swiftly became the highest-grossing war movie of all time, told the story of Chris Kyle, a Navy SEAL who, in addition to becoming a hero to many, once boasted about conducting dozens of extrajudicial killings on the streets of New Orleans in the wake of Hurricane Katrina. Though Kyle was already well known following the publication of his bestselling autobiography, the Hollywood blockbuster rocketed the sniper to conservative superstardom.

On the battlefields of Iraq, the calling card of Kyle’s platoon was an image of a skull worn by the comic book character known as the Punisher. In the Marvel series, Frank Castle, aka the Punisher, is a Marine veteran of the Vietnam War who murders people in a self-declared war on crime. In his book, Kyle, who was shot and killed by a fellow veteran in 2013, described his unit’s love for the character and his symbolic skull. “We spray-painted it on our Hummers and body armor, and our helmets and all our guns,” he wrote. “We spray-painted it on every building or wall we could. We wanted people to know, We’re here and we want to fuck with you. It was our version of psyops. You see us? We’re the people kicking your ass. Fear us. Because we will kill you, motherfucker. You are bad. We are badder. We are bad-ass.

Police officers across the country have developed a similar infatuation for the Punisher’s skull, plastering the vigilante killer’s symbol on T-shirts, squad cars, and other gear. In Milwaukee, a gang of officers adopted “the Punishers” as their namesake and tattooed the character’s logo on their skin. The artists and writers behind the Punisher comics have pushed back on law enforcement’s embrace, describing it as a total misreading of the character. Co-creator Gerry Conway has likened law enforcement’s use of the logo to placing a Confederate flag on a government building. “He is a criminal,” Conway has said. “If an officer of the law, representing the justice system, puts a criminal’s symbol on his police car, or shares challenge coins honoring a criminal, he or she is making a very ill-advised statement about their understanding of the law.”

The violent and militaristic view of policing reflected in the Punisher’s popularity is also present in the training officers receive. In “American Sniper,” the film’s star, Bradley Cooper, delivers a speech to his sons at the kitchen table, explaining that there are three types of people in the world: sheep, wolves, and sheepdogs. The wolves seek to prey on the sheep, and it’s up to the sheepdogs — a smaller yet critical population — to protect them. The lesson is drawn directly from the teachings of Lt. Dave Grossman, a former West Point psychology professor and self-proclaimed expert on killing who teaches courses for police departments and federal law enforcement agencies across the country. Grossman’s first book, “On Killing,” was at one point required reading for FBI cadets.

In his classes, Grossman sometimes tells attendees that police officers have told him that their first killing led to the best sex of their lives, and says that with the proper training, taking a human life is “just not that big of a deal.” In 2014, Jeronimo Yanez, a Minnesota police officer, attended one of Grossman’s “Bulletproof Warrior” classes, administered by Grossman’s business partner. Two years later, Yanez pulled over Philando Castile, a black 32-year-old father, in a traffic stop. Castile informed the officer that he was in possession of a licensed firearm. Yanez grew increasingly agitated and shot him five times. Castile died in the driver’s seat, with his girlfriend and 4-year-old daughter in the vehicle. Yanez was acquitted of all charges in the trial that followed.

In the aftermath of the killing, which prompted waves of protests, Minneapolis Mayor Jacob Frey banned the warrior policing courses. Lt. Bob Kroll, president of the Police Officers Federation of Minneapolis, bristled at the decision, calling Grossman’s trainings “excellent.”

In an interview earlier this year, just months before the killing of Floyd in his own city, Kroll said he had personally been involved in three shootings and that “not one of them has bothered me.” A 2015 profile by the Minneapolis Star Tribune noted Kroll’s membership in a police biker gang that included white supremacists (the former SWAT officer has denied the characterization), his role as a defendant in a racial discrimination lawsuit brought by five black officers, his targeting in nearly 20 internal affairs complaints (“all but three of which were closed without discipline”), and his suspension following an excessive force complaint.

In the past year alone, multiple investigations by many news organizations have uncovered police and other law enforcement officials sharing wildly racist and violent content in private social media groups. Amid the racism that swirls in these spaces are profound notes of aggrievement expressing the feeling that, in fact, it is the police who are under attack. Those sentiments can be traced, in part, to a theory promulgated in the final years of the Obama administration known as the Ferguson effect, which argued that in the wake of protests against police brutality, law enforcement was pulling back in its war on crime, thus damaging public safety.

The highest-profile proponent of the debunked theory was Barack Obama’s FBI director, James Comey. Addressing a group of law students in 2015, Comey described a “chill wind that has blown through law enforcement,” claiming that developments in the documentation of police violence were causing officers to change the way they worked, leading to a spike in murders. The claim was widely criticized, in part because it lacked evidence and in part because it was the extension of a long and racist history of “crime-fighting on a hunch.”

Ironically, considering the space Comey would come to occupy in the minds of many liberal Americans just a few years later, the former FBI director’s war-on-cops rhetoric complemented the worldview of the man who, at the time, was beginning a successful march to the White House.

The Trumpist Terror

A month after coming to office, Donald Trump signed three largely symbolic executive orders related to domestic law enforcement. While the policy impact the White House could make on the affairs of local police departments was minimal, the culture war messaging was not. Whether it was cops on the beat or immigration agents on the border, the president’s message was the same: Politically correct liberals have held you back for too long, but no more.

“From the get-go, Trump signaled his allegiance to the most reactionary parts of that movement,” Vitale, the Brooklyn College professor, explained. At the 2016 Republican National Convention, Trump received the full-throated endorsement of David Clarke, the former sheriff of Milwaukee County, Wisconsin. “Blue lives matter in America!” Clark shouted from the podium. Clarke has called Black Lives Matter a terrorist organization and compared the group to the Ku Klux Klan. His tenure as sheriff was riddled with controversy, particularly surrounding the deaths of people in his jail and the shackling of pregnant women. Once in the White House, Trump swiftly applied his powers as president to pardon Arizona Sheriff Joe Arapaio for his conviction for criminal contempt of court. Arapaio, who the Department of Justice concluded ran the largest racial-profiling scheme in U.S. history, used to refer to his notorious outdoor jails as a “concentration camp.”

“That’s the kind of people that Trump embraces because he has decided that the solution to all social problems is criminalization, and that how you make America great again is through authoritarianism,” Vitale said. It wasn’t long before Trump-Punisher gear began popping up online, with the president’s familiar hair plopped on the menacing Punisher skull. Trump’s support from the hard-right, politicized edge of American law enforcement was again on display in October, when the president was welcomed to a Minneapolis rally by Kroll, the police union chief, in defiance of a statement from the mayor’s office that president was not welcome. Kroll wore a red shirt emblazoned with the words “Cops for Trump” (available for $20 on the union’s website). Addressing the “patriots” in the crowd, Kroll said the shirts were a message against hypocrisy.

LAGUNA BEACH, CA - AUGUST 20: A flag with the thin blue line, which is used to honor the fallen and the courage of police officers, lies on the boardwalk near the feet of police keeping demonstrators and counter demonstrators apart during an 'America First' demonstration on August 20, 2017 in Laguna Beach, California. Organizers of the rally describe it as a vigil for victims of illegal immigrants and refugees. Opponents say the demonstration is steeped in racism.  (Photo by David McNew/Getty Images)

 

“The Obama administration and the handcuffing and oppression of police was despicable,” Kroll said. “The first thing President Trump did when he took office was turn that around, got rid of the Holder-Loretta Lynch regime and decided to start letting the cops do their job — put the handcuffs on the criminals instead of us.”

There is no daylight between Punisher-style policing and Trump’s vision of how American law enforcement should operate, Vitale argued. “They are one and the same,” he said. “This is a kind of proto-fascism. Maybe in the next week we’ll find out if it’s a full-throated fascism.” The contradictions in American society, drawn out by the devastation of the coronavirus pandemic followed by the protests, have brought the country to a tipping point. “Historically, when this happens, there is a rupture and it’s not pretty,” Vitale said. “Usually it involves a war. That’s how this fundamental contradiction gets resolved.” The days of police reform, the buzzword of the Obama era are through, Vitale argued. “That’s all done,” he said. “This is a war over the future of the country, and right now it is literally taking place with people fighting cops in the streets. And I think that the question is what does victory for our side start to look like?”

“This is not just about policing anymore,” he said. “This is about the grievances of a whole generation, about the direction of the country, the failure of both political parties, the economic crisis, the environmental crisis.” In the streets of Brooklyn, the familiar chants of “no justice, no peace” have been joined by an increasingly popular demand: defund the police. Starving the policing beast is precisely the solution Vitale has spent the past three years advocating for. “This did not come out of nowhere — we’ve been working,” Vitale said. “It’s not a revolutionary agenda, I know that, but you’ve got to build a movement that has victories and that in the process is dialing back the repressive capacity of the state.”

For now, the protests continue, despite attempts to stop them with curfews and escalating attacks by the police on a citizenry exercising its constitutional rights to free speech and assembly. Quin Johnson was among the thousands of demonstrators who returned to the streets of Brooklyn on Monday. She carried a small cardboard sign listing more than a dozen names: black men and boys beaten or killed by police or racist mobs, stretching back to 1931. “It’s very emotional,” she said, as the crowd marched west. “Today was the first day that I cried.”

Johnson described the traumatic cycle that pervades American life, particularly African American life, of people killed by police and the absence of consequence. “I’m just angry,” she said. “You remember every time, and it builds up and builds up.” The scale of the protests was no surprise, she added, “every community has been affected by this,” nor was the fact that they continue. “They persist because you go back home and you watch the news, and you see what the police are doing to the people,” she explained. “It is the exact reason why people are protesting.”

The present moment is a boiling point, Johnson said — where things go next is uncertain. “It has the potential to be different,” she said. “I hope it’s different.” But if that change does not come, “I will be very happy to watch it all fucking burn.”

 

June 6 2020, 1:00 p.m.

Source : 
https://theintercept.com/2020/06/06/police-brutality-protests-blue-lives-matter/?utm_medium=email&utm_source=The%20Intercept%20Newsletter

CONTACT THE AUTHOR:
Ryan Devereau

ryan.devereaux@​theintercept.com

@rdevro

رياض سلامة في ثلاثة عقود : نظرة شاملة على السياسات الكارثية لمصرف لبنان ؟

لا يتحمّل حاكم مصرف لبنان، وحده، المسؤولية عن «كوارث» السياسة النقدية، مع أنه المسؤول الأول عنها. لوزارة المالية حق الرقابة وواجبها على سياسة المصرف المركزي. تمارس وزارة المالية رقابتها على المصرف المركزي عبر مفوّض المراقبة، وعبر مدير عام وزارة المالية في المجلس المركزي للمصرف، كما عبر واجب حاكم مصرف لبنان رفع الموازنة السنوية للمصرف إلى وزير المالية، وحق وزير المالية في الرقابة اليومية على عمليات القطع لدى المصرف المركزي. كما لمجلس النواب حق وواجب الرقابة على سياسة المصرف المركزي وأعماله.
أما استقلالية مصرف لبنان، فهي نسبية ومحصورة في النطاق المهني، وهي سقطت مراراً على أكثر من صعيد: حين أجبرت حكومة الرئيس رشيد كرامي مصرف لبنان على شراء سندات الخزينة بفوائد تقلّ كثيراً عن معدّلات التضخّم (حُدِّدت الفائدة بـ20%، حين كان معدّل التضخّم يزيد عن 80%)، حين لم تكتتب المصارف بالمبالغ التي تحتاجها الخزينة. وسقطت هذه الاستقلالية والحصانة عندما دفع الرئيس رفيق الحريري، حال وصوله إلى السلطة عام 1992، حاكمية المصرف إلى الاستقالة، ليأتي بفريقه الخاص إلى حاكمية المصرف؛ وكان على رأس هذا الفريق مدير المحفظة الاستثمارية الخاصة لرفيق الحريري في مؤسسة التوظيف المالي «ميريل لينش»، رياض سلامة.
تصبح إقالة حاكم مصرف لبنان من منصبه «واجباً» عندما يخلّ بواجباته التي حدّدها قانون النقد والتسليف بشكل واضح. تنكّر حاكم مصرف لبنان لواجباته، وتجاوزها إلى سياساتٍ وأعمال لا علاقة للمصرف المركزي بها. لذلك، لا بد من محاسبته ومحاكمته، وإنزال أشدّ العقوبات بحقه، رغم ما يتمتّع به من «حصانة» أميركية.
تنصّ المادة 70 من قانون النقد والتسليف على الآتي:
«مهمة مصرف لبنان العامة هي المحافظة على النقد لتأمين أساس نموّ اقتصادي اجتماعي دائم. وتنصّ مهمة المصرف بشكل خاص ما يلي:
ـ «المحافظة على سلامة النقد اللبناني
ـ المحافظة على الاستقرار الاقتصادي
ـ المحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي.
ـ تطوير السوق النقدية والمالية»
كما تنصّ المادة 72 على الآتي:
«على المصرف أن يقترح على الحكومة التدابير التي يرى أنّ من شأنها التأثير المفيد على ميزان المدفوعات وحركة الأسعار والمالية العامة، وعلى النمو الاقتصادي بصورةٍ عامة… يُطلع المصرف الحكومة على الأمور التي يعتبرها مضرّة بالاقتصاد والنقد».
كما يشدّد قانون النقد والتسليف على دور المصرف في القيام بدراساتٍ اقتصادية، ويفرض على الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع العام ومؤسسات القطاع المشترك تقديم ما يحتاج إليه من إحصاءات ومعلومات، كما تنصّ المادة 73 من قانون النقد والتسليف.
ينصّ قانون النقد والتسليف في «القسم الثالث» منه على إنشاء لجنة استشارية من ستة أعضاء، «أربعة يُختارون بالنظر إلى خبراتهم في الحقول المصرفية والتجارية والصناعية والزراعية، ويُختار واحد من مجلس الإنماء والإعمار، والسادس من أساتذة الاقتصاد الجامعيين، من الجنسية اللبنانية». إنّ تكوين هذه اللجنة يدلّ على شمولية مهمة مصرف لبنان، أو على الأقلّ على تساند قطاعات الاقتصاد وترابطها، وإعطاء السياسة النقدية أبعادها الشاملة، الاقتصادية والاجتماعية. فما الذي حقّقه مصرف لبنان، طيلة 27 عاماً من تحكّم رياض سلامة، في إطار المهمّات التي حدّدها قانون النقد والتسليف؟

كتب | غالب أبو مصلح - أبجد

سياسة الفوائد، أو «كلفة الأموال»
كان من المتوقّع، من أجل تحقيق «نمو اقتصادي واجتماعي دائم»، وبعد سنوات عجاف طوال، أن يخفّض مصرف لبنان الفائدة الحقيقية (معدّل الفائدة الجارية ناقص معدّل التضخّم) إلى حوالي الصفر، كما يقول علم الاقتصاد، وأن لا يتعدّى الفرق بين الفائدتين الدائنة والمدينة 1%. ترفع المصارف المركزية في العالم الفائدة الحقيقية إلى حوالي 4% إذا استهدفت كبح معدّلات التضخّم؛ وتخفّضها إلى حوالي الصفر إذا استهدفت رفع معدّلات نمو الناتج المحلي القائم. إنّ خفض الفائدة الحقيقية على التسليف يشجّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج الحقيقي، ويرفع معدّل المردود الصافي لتوظيف الأموال المقترَضة من السوق المالية.
كان لبنان، سنة 1993، يعاني كثيراً من تفشّي البطالة وتوسّع نطاق الفقر ودمار مؤسسات الإنتاج والبنى التحتية. كان بأمسّ الحاجة إلى سياساتٍ نقديةٍ تنموية، إلى تشجيع ورفع معدّلات الإدّخار، وخفض معدّلات الفائدة الحقيقية على التمويل إلى حدود الصفر. لكن حاكم مصرف لبنان (مع ربط سعر صرف الليرة بالدولار وكبح معدلات التضخّم) رفع الفائدة الحقيقية على الاقتراض إلى حوالي 18%، بينما المردود المتوقَّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج السلعي لا يتعدّى 6% في أحسن الأحوال. بذلك، طُرِدت قطاعات الإنتاج الحقيقي من السوق المالية اللبنانية.
مَن الذي يحدّد معدّلات الفائدة في سوقٍ ماليةٍ حرّة؟ إنّ عاملَي العرض والطلب يحدّدان معدلات الفوائد في سوقٍ حرّةٍ منافسة. وبما أنّ المصرف المركزي هو الذي يخلق الأموال ويضخّ السيولة ويحدّد معدلات السيولة المطلوبة، وهو الملاذ الأخير للمصارف للاقتراض بالعملة اللبنانية، ويحدّد فائدة «الحسم وإعادة الشراء»؛ فهو الذي يتحكّم بمعدلات الفائدة بالليرة. ومع ربط سعر صرف الليرة بالدولار، فالمصرف المركزي يتحكّم أيضاً بفائدة الإقراض بالدولار، مع حرّية صرف الليرة بالعملات الأجنبية. لكن ما حدث في السوق المالية اللبنانية كان أمراً آخر. كانت معدلات الفائدة على سندات الخزينة، والمرتفعة بشكل مفتعل، تشكّل العمود الفقري لهيكليّة الفوائد في السوق المالية اللبنانية. ألغى ثالوث جمعية المصارف – مصرف لبنان – وزارة المالية دور «السوق» في تحديد معدلات الفائدة بالليرة، كما بالدولار، على الودائع والتسليف. شكّلت جمعية المصارف، والتي لا مثيل لها في دول العالم الرأسمالي، بنيةً احتكاريةً كبيرة، ألغت دور المنافسة بين المصارف في تحديد معدلات الفائدة؛ وأصبحت هذه الجمعية تحدّد معدلات الفائدة، الدائنة والمدينة، بالليرة كما بالدولار، عبر تعاميم علنية للمصارف التجارية، مع إعطاء المصارف حق رفع معدلات الفائدة المدينة على الليرة والدولار ببضع نقاطٍ مئوية، ورفعها على الودائع الكبيرة ببضع نقاطٍ مئوية أيضاً، إضافةً إلى ما تحدّده تعاميم الجمعية. أما الفوائد على سندات الخزينة، فلا يتمّ تحديدها بعروض «مزايدات» من المصارف، مقابل معدّلات متصاعدة من الفوائد، بل يتمّ التوافق على معدلات الفوائد للإصدارات المتفاوتة الأجل لسندات الخزينة بين جمعية المصارف ووزارة المال وحاكم مصرف لبنان، وبسرّية تامة. لجمعية المصارف السطوة والسيطرة على هذا الثالوث، لأسبابٍ «اقتصادية» وسياسية، داخلية وخارجية. بالتالي، كان يتمّ تحديد معدّلات الفائدة لمصلحة المصارف ولزيادة ربحيّتها، على حساب مصالح سائر قطاعات الاقتصاد، كما على حساب المالية العامة ومستوى معيشة الجمهور.
يتذرّع مصرف لبنان بالحاجة إلى تدفّقاتٍ خارجيةٍ بالقطع الأجنبي لرفع معدّلات الفائدة على الدولار بشكلٍ خاص. لكن استقطاب هذه الأموال، في ظلّ معدلات الفوائد الحقيقية المرتفعة، يستقطب الأموال الساخنة القصيرة الأجل، الصالحة لتمويلٍ قصير الأجل أيضاً، في المضاربات وتمويل التجارة، حيث دورة رؤوس الأموال لا تتعدّى عادةً ثلاثة أشهر. لهذه الأموال قصيرة الأجل والمتدنّية الكلفة في الخارج القدرة على تمويل الإستهلاك العام والخاص. لذلك، نما الدَّين العام بمعدلات كبيرة جداً، وشهد لبنان تدفّقاتٍ ماليةٍ كبيرة بالدولار. وارتفعت القروض للأفراد من 2% من مجمل إقراض المصارف، عند بداية الألفية الثالثة، إلى 29% من إقراض المصارف سنة 2018؛ كما ارتفع عجز حساب المدفوعات الجاري إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي القائم، وانخفضت معدلات الإدّخار إلى ما دون الصفر، بل إلى حوالي -10% (ناقص عشرة بالمئة)، كما يقدّر البعض. تقرّر معدلات الإدّخار، على المديين المتوسّط والطويل، معدلات التوظيف، والتي تقرّر بدورها معدّلات نمو الناتج المحلي. باختصارٍ شديد، إنّ سياسة الفوائد التي اتّبعها مصرف لبنان منذ سنة 1993 كانت لمصلحة المصارف والأثرياء، وضدّ مصالح قطاعات الإنتاج الحقيقي، وأيضاً ضدّ مصالح الخزينة اللبنانية وجمهور المواطنين. ساعدت هذه السياسة في تقويض مقوّمات الاقتصاد الوطني، وساهمت في دفع لبنان إلى فخّ المديونية وأحضان صندوق النقد الدولي ومشروطيّاته؛ وتسبّبت هذه السياسة في انهيار بنية قطاع المال، في نهاية المطاف. يتحمّل حاكم مصرف لبنان المسؤولية الأولى عن كلّ ذلك.

ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لليرة
خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كقوة اقتصادية هائلة. قُدِّر ناتجها القومي بما يقارب 45% من الناتج العالمي. مكّن هذا الواقع الولايات المتحدة من تنصيب عملتها، الدولار، كعملةٍ عالمية، ومكّنها من إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي ومؤسساته المالية والاقتصادية والتجارية لتكون تحت سيطرتها، ولخدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية. استُبدِل نظام النقد العائم الذي ساد في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية بنظام سعر الصرف الثابت للعملات، عبر ربط الأخير بالدولار، وربط الدولار بسعرٍ ثابتٍ بالذهب، الثابتة قيمته عبر التاريخ. جمعت الولايات المتحدة بذلك معظم ذهب العالم لديها. أخذ ميزان المدفوعات الجاري الأميركي في تحقيق عجوزاتٍ كبيرة منذ أواسط ستّينات القرن الماضي. نتيجة امتيازاتها المالية، استطاعت الولايات المتحدة سدّ عجز ميزان مدفوعاتها بعملتها الخاصة. بذلك، تراكمت لدى دول العالم كمّيات هائلة من الدولارات، بلغت أكثر من أربعة أضعاف ما تجمّع لدى الولايات المتحدة من الذهب. اتّضح خطر هذا الواقع على قيمة مدّخرات العديد من دول العالم عندما بدأت فرنسا ديغول باستبدال الدولارات التي لديها بالذهب من الولايات المتحدة. في سنة 1972، نتيجة عجز الولايات المتحدة عن تلبية طلبات استبدال الدولارات بالذهب، نكثت واشنطن بتعهّداتها لدول العالم، ورفضت الاستمرار باستبدال الدولار بالذهب بسعرٍ ثابت. بذلك، نقلت الولايات المتحدة نظام النقد العالمي من السعر الثابت إلى السعر العائم للعملات، وأصبح عاملَي العرض والطلب يحدّدان سعر صرف العملات كافة.
إنّ ربط سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي، المتغيّر سعر صرفه نسبةً لعملات معظم دول العالم، لم يعنِ تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، كما يقول حاكم مصرف لبنان، بل يعني تبدّل سعر الصرف الحقيقي لليرة مع تبدّل سعر الصرف الحقيقي للدولار في أسواق العالم. إنّ تثبيث سعر صرف عملةٍ ما يعني تثبيت قدرتها الشرائية والتسويقية مع شركائها التجاريين. يعني ذلك ربط سعر صرف هذه العملة بسلّةٍ من عملات الشركاء التجاريين للدولة المعنية، وتثقيل عملات هؤلاء الشركاء بنسبة تجارتهم مع عملة البلد المعني. فالقول إنّ حاكم مصرف لبنان ثبّت سعر صرف الليرة عبر ربطه بالدولار منذ سنة 1993، هو قولٌ مخادع، فيه تضليلٌ كبير. يعني هذا الربط تبعيّة السياسة النقدية لمصرف لبنان، ولو جزئياً، للسلطة النقدية الأميركية، والتي تحدّدها المصالح الاقتصادية والمالية والسياسية للولايات المتحدة. إنّ مصالح الولايات المتحدة هذه لا تتطابق مع مصالح لبنان، بل ربما تتناقض معها.
تخفّض دول العالم سعر الصرف الحقيقي لعملاتها إذا كان ميزان مدفوعاتها يعاني من عجزٍ كبير. إنّ تخفيض سعر الصرف الحقيقي للعملة يرفع من قدرتها التنافسية، فينمّي الصادرات ويخفّض الواردات غير الضرورية، والتي تتوفّر بدائل محلية لها. لا تسمح الدول عادةً، حتى تلك التي لديها فائضٌ كبير في ميزان مدفوعاتها، برفع سعر الصرف الحقيقي لعملتها لأكثر من نقاطٍ معدودة، لا تتجاوز خمس نقاطٍ مئوية، إذا لم تكن مرغمة على ذلك، كما كان حال اليابان وألمانيا في سبعينات القرن الماضي وحتى الألفية الثالثة. لكن مصرف لبنان، بقيادة رياض سلامة، سمح برفع سعر صرف الليرة خلال تسعينات القرن الماضي بنسبةٍ تقارب 100%، أيّ أنه سمح بمضاعفة سعر الصرف الحقيقي لليرة، حسب دراسةٍ أجراها خبراء لبنانيون في صندوق النقد الدولي. وأظهرت دراسة لسعر الصرف الحقيقي لليرة منذ مطلع عام 1993 وحتى عام 1998 ارتفاعاً بنسبة 73%. أدّى هذا الارتفاع الهائل في سعر الصرف الحقيقي لليرة إلى تفاقم عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات. تمّ استبدال الإنتاج المحلي بالمستوردات الزراعية والصناعية، حيث دُمِّرت صناعات الجلود والنسيج والمفروشات بشكلٍ خاص، كما أُغرِقت السوق اللبنانية بالإنتاج الزراعي الأوروبي المدعوم بنسبة 35% كمعدّل وسطي، والذي يدخل السوق اللبنانية برسوم جمركية لا تتعدّى الـ 5%.
كان للسياسة الكارثية في إدارة سعر صرف الليرة أن دفعت بالعديد من الصناعات اللبنانية إلى الدمار، فأفلست المؤسسات ووُرش الإنتاج الصغيرة، بينما رحلت مصانع كبيرة نسبياً ومتوسطة الحجم إلى مصر وجبل علي بشكلٍ خاص. كما أدّت هذه السياسة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي وفقدان قدرة الصادرات الزراعية على المنافسة في سوق الصادرات الخليجية والعربية، كما في السوق المحلية. أدّى ذلك إلى تقلّص المساحات المزروعة في لبنان إلى أقلّ من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة، وإلى هجراتٍ كثيفة من الريف إلى أحزمة الفقر حول المدن، وإلى ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع والبطالة، خاصةً في المناطق الريفية، مثل عكار والهرمل وبعلبك والنبطية، كما تدلّ بعض الإحصاءات. أدّت هذه السياسات إلى انخفاض حصّة القوى العاملة من الناتج المحلي، أو من القيمة المضافة، من حوالي 64% في سبعينات القرن الماضي، إلى أقلّ من 22% في سنة 2019، وإلى أقلّ من 10% اليوم، نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وثبات الأجور بالسعر الجاري لليرة. إنّ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، يتحمّل المسؤولية الأولى عن هذه السياسات الكارثية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويجب محاكمته على ذلك.

أزمة الاقتصاد اللبناني: الواقع والحلول - غالب أبو مصلح - Google Books

تخلّف السوق المالية اللبنانية
لم يعمل مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة، جدّياً، على تطوير السوق المالية اللبنانية، التي تقتصر في بنية مؤسّساتها الفاعلة على المصارف التجارية، دون غيرها من أنواع المصارف الأربعة. فبنوك التوظيف المالي التي تملكها بعض المصارف تعمل فقط على تهريب بعض ودائع البنوك التجارية من الاحتياطي الإلزامي. كما لم تعمل حاكمية مصرف لبنان على إعادة بناء السوق المالية (البورصة) على أسس حديثة. لم يعمل مصرف لبنان على إعادة إحياء المصارف المتخصّصة التي انبثقت في أواخر الستّينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، تلبيةً لحاجات الاقتصاد اللبناني من مؤسسات الاقتراض المتخصّص، المتوسّط والطويل الأجل، التي تحتاجه مؤسسات الإنتاج الحقيقي. بل مُنِعت هذه المصارف المتخصّصة، منذ ولادتها، من تلقّي الودائع التي تقلّ آجالها عن 4 سنوات. كان معدّل آجال الودائع في لبنان 40 يوماً فقط، أيّ أنّ هذه المصارف وُلِدت ميتة، وبرأسمال مشترك من المصارف والقطاع العام، أُجبرت المصارف على المساهمة به. أُفلِست هذه المصارف في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، نتيجة سياسات الإقراض المتّبعة فيها: الإقراض بالليرة اللبنانية، دون التحوّط لمخاطر تدهور سعر الصرف، وبفوائد ثابتة، دون التحوّط لإمكانية ارتفاع معدّلات التضخّم؛ بالتالي، لم يكن ثمة معدّل فائدة حقيقية ثابتة أو شبه ثابتة على الإقراض، يمكّن المصارف من الحفاظ على رأسمالها. إنّ اهيار سعر صرف الليرة في الثمانينات، والارتفاع الكبير في معدلات التضخّم، حوّلا إقراض هذه المصارف إلى شبه هبات للمقترضين، فخسرت هذه المصارف رؤوس أموالها، ومانعت المصارف التجارية إعادة تكوين رؤوس الأموال هذه. كان من المُفترض، ومن الحكمة، ربط قيمة القروض بسلّةٍ من العملات لتثبيت قيمتها الحقيقية، وإعطاء القروض بفائدة حقيقية ثابتة، أو بفائدةٍ عائمةٍ مرتبطةٍ بمعدلات التضخّم.
لم يعمل مصرف لبنان بجدّية على إعادة إحياء السوق المالية (البورصة) التي تزاحم المصارف في دور الوساطة المالية، والتي بإمكانها وضع المتموّل مباشرةً أمام المقترض، بكلفة وساطة متدنية جداً. تعارض المصارف التجارية قيام بورصة كهذه، لأنّ قيام بورصة حقيقية يدفع المصارف إلى تضييق الهوّة بين الفائدتين الدائنة والمدينة إلى حوالي 1%، بدل أكثر من 6%، كما هو الآن. إنّ البنية الإحتكارية للمصارف التجارية اللبنانية، والتي تشكّل قوةً سياسيةً ضاغطةً كبرى، نتيجة «تمويل» الأكثرية الساحقة من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعارض تطوير السوق المالية اللبنانية وتحريرها من هيمنتها.
يمكن القول إنّ حاكم مصرف لبنان لم يعمل على تنفيذ المهمّات التي حدّدها له قانون النقد والتسليف، وفقاً للمادة 70، بل عمد فعلياً على تخريب هذه المهمّات بوعي كامل، ولسنوات طوال جداً، تمتدّ إلى 27 عاماً، رغم تحذير الكثيرين من مخاطر هذه السياسات. وعمل الحاكم كذلك على خداع الرأي العام وإخفاء الوقائع عنه، واستعمال لغة موارِبة لتزوير الوقائع، واتخذ لنفسه وللمصرف المركزي أهدافاً أخرى بعيدةً عن ما نص عليه قانون النقد والتسليف، كما سنرى في الجزء الثاني من الدراسة.

في الوقت الذي تنكّر فيه حاكم مصرف لبنان لقانون النقد والتسليف واستهدافاته، وضع للمصرف المركزي استهدافاتٍ وأولويات أخرى، مثل زيادة ربحية المصارف التجارية، ثم “مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، وما تبِع ذلك من “مكافحة الفساد والتهرّب الضريبي”، وبطلبٍ وإلحاحٍ من السلطات الأميركية.
إنّ استهداف المصرف المركزي لزيادة ربحية المصارف التجارية، هو غريبٌ من نوعه، ولا سابقة له في دول العالم. وهو يتناقض مع سياسات المصارف المركزية، التي تستهدف عادةً خفض كلفة الوساطة المالية، خدمةً لقطاعات الإنتاج الحقيقي. لكن الاستهداف الأول ينسجم مع النظام اللبناني، ذي البُنى الاحتكارية الشاملة، حيث تمثّل المصارف التجارية بنيةً احتكاريةً مسيطرة، منذ عهد الاستعمار الفرنسي للبنان. كان سلوك رياض سلامة يمثّل فعلاً توجّهات النظام القائم، المنبثق عن مؤتمر الطائف، وينسجم مع نهج واستهدافات السلطتين التشريعية والتنفيذية.
عُقِد مؤتمر الطائف بعد هزيمة قوى العدوان الأطلسي الأميركي – الصهيوني، وقوى النظام اللبناني الرسمي وميليشياته الطائفية الملتحقة بقوى العدوان. هُزِم العدوان على يد المقاومات الشعبية في بيروت والجبل والجنوب، بدعمٍ سوري وسوفياتي، إذ تحوّل لبنان إثر العدوان إلى ساحة صراعٍ إقليميةٍ ودولية. سبق انعقاد مؤتمر الطائف انهيار الاتحاد السوفياتي، لأسبابٍ غير عسكرية؛ كان للحرب الاقتصادية والمالية والتجارية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضدّ الاتحاد السوفياتي دور في هذا الانهيار، وذلك بعد هزائم المغامرات العسكرية الأميركية في العديد من دول العالم.

هيئة التحقيق الخاصة وأخواتها
اتخذت الولايات المتحدة، منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، من قدراتها الاقتصادية والمالية، المدعومة بقدراتٍ عسكريةٍ طاغية (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، أدواتٍ أساسية في مشاريعها العدوانية التوسّعية، لبسط سيطرتها على العديد من دول العالم. جنّدت الولايات المتحدة مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الثلاث (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة الاتفاقية العامة حول الجمارك والتجارة GATT، التي أصبحت في ما بعد منظمة التجارة العالمية) وقطاع المال العالمي الذي تسيطر عليه وعلى مؤسساته (مثل بنك التسويات الدولية BIS ونظام التحويلات المالية SWIFT)، جنّدتها لشنّ حروبها الاقتصادية لإخضاع شعوب العالم ودوله.
منذ تسعينيات القرن الماضي، أنشأت الولايات المتحدة العديد من المنظّمات الإقليمية والدولية، بإشراف استخباراتها وخزينتها، خدمةً لمصالحها وسيطرتها. كان من أهمّ المنظّمات تلك مجموعة “اغمونت”، التي سارع النظام اللبناني للالتحاق بها. تمثّل مجموعة “اغمونت” المذكورة لـ “وحدات الإخبار المالي”، التي أُنشئت سنة 1995، والمرتبطة بالخزينة الأميركية، إحدى أدوات المراقبة وجمع المعلومات، للتدخّل في العديد من دول العالم. تحاول المجموعة هذه إخفاء هويّتها الحقيقية بالقول إنها:
“منتدى دولي غير سياسي لوحدات الإخبار المالي، لتفعيل التعاون في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (ولديها نظام إلكتروني للتواصل، يسمح بتبادل الرسائل الإلكترونية والمعلومات بشكلٍ آمن بين وحدات الإخبار المالي… وتوفّر سكرتارية مجموعة “اغمونت” الدعم الاستراتيجي والإداري لنشاطات المجموعة، ومركزها تورونتو، كندا”.
للمجموعة أربعة فروع عمل:
1 ـ فريق العمل المعني بتبادل المعلومات حول تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
2 ـ فريق العمل المعني بالعضوية والدعم و”الامتثال”.
3 ـ فريق العمل المعني بالسياسة والإجراءات.
4 ـ فريق العمل المعني بالمساعدة التقنية والتدريب.
ولدى «اغمونت» ثماني مجموعات إقليمية، منها مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي ساهم لبنان كثيراً في إنشائها(1).
أصدر مجلس النواب اللبناني القانون رقم 44 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بتاريخ 20/4/2001، بطلبٍ من حاكم مصرف لبنان، على الأرجح. عُدِّل هذا القانون وطُوِّر بتاريخ 24/5/2012.
ينصّ القانون 44/2001 على إنشاء «هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». ثم انضمّت الهيئة هذه إلى «مجموعة اغمونت» في سنة 2003، و»كانت بين الأوائل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا… وساعدت الهيئة عدداً من وحدات الإخبار المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الحصول على عضوية مجموعة اغمونت، وقدّمت مساعداتٍ تقنية إلى وحدات الإخبار المالي».(2)
أُنشئت بعدها «مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (الـ»مينافاتف»). تعني «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» الوطن العربي، الذي لا تعترف الولايات المتحدة به كوحدةٍ قومية أو حضارية أو حتى لغوية، وتحدّد هويته بموقعه الجغرافي. كان اسمه «الشرق الأدنى» في عهد الاستعمار الأوروبي، وأصبح اسمه «الشرق الأوسط» في عهد الإمبريالية الأميركية. أُنشئت الـ «مينافاتف» عام 2004، في اجتماعٍ عُقِد في «مملكة البحرين». يقول إعلام المجموعة إنها «مجموعة مستقلة عن أيّ هيئة أو منظمة دولية أخرى، وهي ذات طبيعة طوعيّة وتعاونيّة… (هدفها) العمل المشترك بالمواضيع المرتبطة بعمليّات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». تعمل المجموعة هذه تحت إشراف مجموعة من الدول والمؤسسات الدولية، مثل: الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة وإسبانيا وأستراليا وألمانيا وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة اغمونت. مركز سكرتارية هذه المجموعة البحرين، ويُعتبر لبنان من الدول المؤسِّسة للمجموعة، وهو عمل على «إقناع بعض الدول العربية بالانضمام إليها».
«أكّد رئيس مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محمد بعاصيري (الذي أصبح في ما بعد نائباً لحاكم مصرف لبنان)، أنّ المجموعة تسعى إلى تغيير الفكرة المأخوذة عن العالم العربي كمصدرٍ للإرهاب وتمويله». أوضح بعاصيري، الذي يشغل منصب رئيس هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، «أنّ طبيعة عمل المجموعة تطوعية وتعاونية»، مشيراً إلى أنّ المجموعة لم تؤسَّس بالاتفاق بين أعضائها؛ هي لا تنبثق من معاهدة دولية، وهي مستقلة عن أيّ هيئة أو مؤسسة دولية أخرى تحدِّد عملها ونُظُمها وإجراءاتها».(3)
يعطي القانون رقم 44 هيئة التحقيق الخاصة سلطاتٍ استثنائيةٍ واسعةٍ جداً، منها رفع السرّية المصرفية عن أموال أيّ مشتبه به بـجرم «تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، ولها الحق بالتجميد النهائي لحساباته، وإبقاء الحسابات المشتبه بها قيد المراقبة. توضَع إشارة على القيد والسجلّات العائدة إلى أموال منقولة وغير منقولة، تفيد بأن هذه الأموال هي موضوع تحقيق من قبل «الهيئة». للأخيرة أن تطلب من الأشخاص والجهات المعنية، الرسمية والخاصة، إتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التصرّف بالأموال المنقولة وغير المنقولة؛ وعلى الجهات الرسمية وغير الرسمية أن تستجيب دون أي تأخير لهذا الطلب. لا يخضع العاملون في الهيئة، أو المكلّفون بالعمل فيها، لأحكام القانون الصادر بتاريخ 3/9/1965، وموضوعه سرّية المصارف.
لرئيس الهيئة، أو من ينتدبه الأخير، أن يخابر مباشرةً السلطات اللبنانية أو الأجنبية كافةً (القضائية والإدارية والمالية والأمنية)، بغية طلب معلومات، أو الاطلاع على تفاصيل التحقيقات. على السلطات اللبنانية أن تستجيب فوراً، دون الاعتداد تجاه الهيئة، بأي موجبٍ للسرية.
«يتمتّع العاملون بالهيئة، أو المنتدبين من قبلها، بالحصانة ضمن نطاق عملهم، بحيث لا يجوز الادعاء عليهم أو ملاحقتهم بأي مسؤولية مدنية أو جزائية»، أيّ حتى ولو ألحقوا أضراراً فائقة بمن يجري تجميد أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ولو تبيّن في ما بعد بطلان اتهاماتهم.
«يتحمّل مصرف لبنان نفقات الهيئة والأجهزة التابعة لها من ضمن الموازنة التي تضعها، على أن تحظى بموافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان». يرأس هذه الهيئة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة.
عند إنشاء هذه الهيئة، تمّ استئجار مركز سرّي لها في منطقة الأشرفية في بيروت، ووُضِع هذه المركز تحت حراسة مشدّدة، خوفاً من ردّ فعل «المقاومة الإسلامية» على عمل الهيئة في «مكافحة تمويل الإرهاب». تصنّف الإدارة الأميركية المقاومة كمنظمة إرهابية، وتعتبر نضالها عملاً إرهابياً. لمّا لم تظهر «المقاومة الإسلامية» أيّ ردّ فعل عدواني ضدّ الهيئة، لسنوات عدة، نُقِل مقرّ الهيئة إلى داخل حرم مصرف لبنان. يقول تقرير الهيئة المذكور أعلاه، في مقدمته: «انطلقت هذه المسيرة (مسيرة الهيئة) بإنشاء مؤسسة غير معروفة… تضمّ بضعة موظفين يعملون في مكتب متواضع. حالياً، تشغل (الهيئة) مقراً خاصاً بها، مزوّد بأحدث التجهيزات ومستلزمات الأثاث، داخل حرم مصرف لبنان، وقد تضاعف حجمها خلال السنوات الماضية إلى حد كبير».
يقول أمين عام الهيئة، عبد الحفيظ منصور، «تمكنّا (في سنة 2018) من الإيفاء بكامل واجباتنا، وأثبتنا أننا جميعاً ملتزمون بالتعاون الدولي، وملتزمون أيضاً بتأمين الموارد اللازمة لنبقى دوماً في مرتبة متقدمة ضمن الجهود الدولية المبذولة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (stress added)”. ارتفع عدد موظفي الهيئة إلى 49 موظفاً، إلى جانب أمينها العام، واستطاعت الحصول على “الموارد اللازمة”، وقدرها 700 مليار ليرة (سبعمئة مليار ليرة) من مصرف لبنان، وفقاً لمصادر موثوقة في المصرف المركزي. إن هذا المبلغ الذي يتحمّله مصرف لبنان لتمويل “هيئة التحقيق الخاصة” يتجاوز الموازنات السنويّة للعديد من الوزارات، وتبقى هذه الكلفة محاطةً بالسرية المطلقة، إذ إن رياض سلامة يمتنع عن نشر الموازنة السنوية لمصرف لبنان، ولا يسمح لأحد بالاضطلاع عليها.
يقول رئيس هيئة التحقيق الخاصة، حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، في كلمةٍ قدّم بها تقرير الهيئة السنوي لعام 2018: “سنة 2018 كانت حافلة بالتحديات والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة أساساً عن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، والجمود السياسي… بالرغم من ذلك، نجحنا في صون الاستقرار المالي والنقدي بفضل عزمنا وقدرتنا على الصمود. تبقى مكافحة الجرائم المالية… وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”.
سبق لرياض سلامة أن شدّد على أولوية مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتي لا علاقة لها بمهمّات مصرف لبنان، كما يحدّدها قانون النقد والتسليف، إذ قال: “إن تطبيق المعايير الدولية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”، وذلك في سنة 2016.(4) 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البورصة العاملة حالياً في بيروت ليست رسمية، ولا مراقبة، ولا تقوم بأعمال البورصة المتعارف عليها في العالم؛ وهي ملك لبعض المصارف التجارية.
هوامش
1 ـ التقرير السنوي لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان لسنة 2018، ص 54.
2 ـ المصدر نفسه، ص 55.
3 ـ جريدة “السفير”، 22/4/2005.
4 ـ صحيفة “الحياة”، “مصرف لبنان شريك في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، 24/5/2016.

 

غالب أبو مصلح، مفكر سياسي وخبير اقتصادي ومناضل عربي من لبنان
عين كسور، الأول من حزيران، 2020