شؤون يهودية : حاخامات كلية “بني دافيد” يُشيدون بأدولف هتلر؟

أصدر حاخامان في كليّةٍ دينيّةٍ عسكريّةٍ في مستوطنةٍ بالضفّة الغربيّة المُحتلة في تسجيلاتٍ ملاحظاتٍ عنصريّةٍ وفاشيّةٍ ضدّ العرب، مدافعين عن وجهة نظر ادولف هتلر، ودعوا علنًا للفوقية اليهودية، وأظهرت تسجيلات معلمين، بثتها القناة الـ13 في التلفزيون الإسرائيليّ، في كليّةٍ داخل مستوطنةٍ يدعون صراحةً للفوقية اليهودية، وقال مدير الكلية إنّ العرب يُريدون العيش تحت الاحتلال الإسرائيليّ بسبب دونيتهم الوراثيّة.

وفي سلسلة تسجيلات نشرتها القناة 13 يمكن سماع الحاخام العيزر كاشتئيل، مدير كلية “بني دافيد” في مستوطنة عيلي، ينادي إلى استعباد غير اليهود الأغبياء والعنيفين بسبب دونيتهم الوراثية، وتابع: الأغيار يريدون أنْ يكونوا عبيدنا. أنْ تكون عبدًا ليهوديٍّ هو الأفضل. إنّهم سعداء بكونهم عبيدًا، إنّهم يريدون أنْ يكونوا عبيدًا، قال خلال درس في أحد الفيديوهات، وأردف: بدلاً من مجرد أنْ يمشوا في الشوارع، وأنْ يكونوا أغبياء وعنيفين وأنْ يؤذوا بعضهم البعض، عندما يكونوا عبيدًا، يُمكِن إنْ تبدأ حياتهم باتخاذ شكلٍ آخر، على حدّ تعبيره.

وساق قائلاً: في كلّ مكانٍ حولنا، نحن محاطون بأشخاصٍ مع مشاكل وراثيّةٍ. اسألوا عربيًا بسيطًا: أين تريد أنْ تكون؟، يريد أنْ يكون تحت الاحتلال. لماذا؟ لأنّ لديهم مشاكل وراثيّة، إنّهم لا يعلمون كيف يُديرون دولةً، إنّهم لا يعلمون كيف يفعلون أيّ شيءٍ. انظروا إليهم، وفي المحاضرة، يتابع كاشتئيل باحتضان العنصرية ضدّ غير اليهود.

وقال في هذا السياق: نعم، نحن عنصريون. نحن نؤمن بالعنصرية، هناك عروق في العالم والشعوب لديها ميزات وراثية، وهذا يتطلب منّا مساعدتهم، واليهود هم عرق انجح. وفي فيديو آخر من كلية بني دافيد نشرته القناة 13، يمكن سماع الحاخام غيورا ردلر يُشيد بفكر هتلر خلال درس حول المحرقة، حيث قال: دعونا نبدأ بأنّ هتلر كان على حق أمْ لا، قال لطلابه، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّه كان أكثر شخصًا على حقٍّ في التاريخ، وكان محقًا في كلّ كلمة قالها، لكنّه كان في الطرف الخاطئ، طبقًا لأقوال الحاخام.

وتابع ردلر إنّ التعددية هي الإبادة الحقيقية التي تُنفّذ بحقّ الشعب اليهوديّ، وليس الحلّ النهائيّ التابع لألمانيا النازية، مُشيرًا إلى أنّ المحرقة الحقيقيّة لم تكُن عندما قُتِل اليهود، كلّ هذه الحجج، إنْ كانت فكريّةً أوْ منهجيّةً هي هراء، وساق قائلاً إنّ الفكر الإنسانيّ، وثقافة نحن نؤمن بالإنسان العلمانية، هذه هي المحرقة، على حدّ قوله.

ولاقت الملاحظات إدانات شديدة من قبل مشرعي المعارضة الذين نادوا بسحب التمويل الحكوميّ للكلية بسبب تصريحات كاشتئيل وردلر. هذه ليس يهوديّةً وهذه ليست مبادئنا، قال عضو الكنيست من حزب “أزرق ابيض” يئير لبيد في بيانه وأضاف: الأشخاص الذين يتحدثون بهذا الشكل لا يستحقون بأنْ يلقبوا بالحاخامات. على الحكومة وقف تمويل هذا البرنامج حتى إزالة الحاخامات العنصريين.

وأرسلت رئيسة حزب “ميرتس” تمار زاندبرغ رسالة إلى وزارة التعليم تنادي فيها بوقف كل التمويل الحكوميّ نظرًا للشوفينية، الهوموفوبيا والكراهية الصادرة من هذه الكلية. ولفتت وسائل الإعلام العبريّة إلى أنّه بعد بث الفيديوهات، أقرّ كاشتئيل وردلر بإطلاق التصريحات في بيانٍ للقناة 13، ولكنهما ادعيا أنّها أُخرجت عن سياقها. وقال كاشتئيل إنّه يتألم من إساءة تفسير الدرس حول حقوق الإنسان، وقال للقناة إنّه قصد العكس تمامًا، وأنّه كان يُنادي إلى مسؤوليةٍ اجتماعيّةٍ والاهتمام بالضعفاء، مُشدّدًا في مزاعمه على أنّ حديثه عن العبودية والعنصرية مجرد تفسير اشتراكيّ حديث لهذه الأفكار.

وأضاف ردلر أنّه كان يحاول في درسه فقط تفسير منطق هيتلر المريض، واتهم الإعلام بتشهيرٍ ساخرٍ ضدّه قبل أيّامٍ من يوم ذكرى المحرقة. وقد اصدر حاخامات يُدرسون في كلية عيلي، المُفضلّة على المعسكر القوميّ الدينيّ لتقديمها آلاف الضباط المتدينين في مناصب حربية رفيعة في الجيش الإسرائيلي، ملاحظات جدلية وغير ليبرالية في الماضي.

وفي عام 2017، تعهد وزير الأمن حينها افيغدور ليبرمان بسحب تمويل الكلية، ولكن المستشار القضائي للحكومة رفض المصادقة على الخطوة لأسباب قانونية. وبدلاً عن ذلك، أعلن ليبرمان أنّه سوف يقيد عدد الطلاب عقابًا على التمييز الجنسيّ الدائم في الكلية.

الأول من أيار 2019
نقلاً عن جريدة راي اليوم

أي «منطلقات نظرية لبناء مستقبل سورية الاقتصادي»

يسلّط د. ألبر داغر في كتابه الجديد (1) الضوء على اتجاهات في التنمية لا تحظى، أو لم تعد تحظى، بعناية كافية في بلداننا، مثل المؤسّساتية والبنيوية وأفكار جون ماينارد كينز وما بعده، فيؤسّس بذلك لنقاش مُتجدّد بشأن دور الدولة وشروط نجاحها، من دون التورّط بالسرديات الجازمة والرطانات المكرّرة. ومع أنه كُتب على دفعات وفي تواريخ ومناسبات متعدّدة، فقد نجح صاحب الكتاب في أن يكسبه وحدة تأليفية، وسياقاً يدور حول إشكالية من فرعين: نقد من زوايا عدّة للنيوليبرالية، وتأكيد لدور القطاع العام بوصفه فاعلاً جماعياً لا «ساحة صراع بين القوى والمصالح الاجتماعية»، ولا نقيضاً للقطاع الخاص، مُمهداً بذلك السبيل أمام إعادة الشرعية إلى دور القطاع العام في إعادة الإعمار، الذي يتعرّض للاستبعاد والتهميش. 
يستمدّ داغر مقارباته من مصادر عدّة، فهو يأخذ من ألبرت هيرشمان رأيه، أن وظيفة الدولة في التنمية هي على وجه الخصوص «تعظيم قدرة النخب الاستثمارية على اتخاذ القرارات الاستثمارية»، ومن ألس أمسدن التشديد على التصنيع المتأخّر القائم على التعلّم التكنولوجي من خلال الممارسة والمحاكاة والتدرّج في طريق الابتكار، ومن بيتر إيفانز إعادة توصيف دور الإدارة العامّة المتماسكة والمستقلّة في التنمية، ومن جان ماينارد كينز والكينزيين الجُدد تصويب النظرة إلى الإنفاق الاستثماري، بوصفه عاملاً أساسياً في النموّ لا مزاحماً للقطاع الخاص على الموارد، ومن هنري بريتون وماديسون وغيرهما النقاش النظري لتجربة استبدال الواردات وربط فشلها بتركيز الدول التي تبنّتها على إنتاج سلع الاستهلاك، وليس آلات التجهيز والسلع الترسملية. كذلك وقف على مسافة غير بعيدة من نظرية التبعية، لكنه ربطها بدور النخب المحلّية المُستزلمة والمرتبطة بالخارج في التبادل غير المتكافئ مع الخارج.
القطاع العام: كيان اجتماعي أم بيروقراطي؟
في نقاشه لدور الدولة، يرسم الكاتب الصديق خطاً فاصلاً ما بين الرؤية البيروقراطية التقليدية التي تؤيّد هذا الدور أو ترفضه استناداً إلى معياري الكفاءة والفعالية، وبين الرؤية غير التقليدية التي ترى في القطاع العام كياناً جماعاتياً يتّسم بالتماسك الداخلي، ويمتلك عصبية إدارية تجعله مؤثراً في المجتمع ومتأثّراً به، ولا يمكن أن تُستبدل به أدوار أخرى. 
وفي نقده للنيوليبرالية يتعرّض داغر على نحو خاص للتيّار النفعي الجديد المناصر لدولة الحدّ الأدنى، التي تكون فيها قوى السوق كياناً مستقلاً عن المجتمع ومعزولاً عنه، ويتّسم بجدارة لا تملكها الحكومة، فهذه بنظر مناوئيها مرتع خصب للريوع السهلة والمنافع الناشئة عن السلطة. ويضيف أنصار هذا الاتجاه أن توسيع القطاع العام يعني زيادة الاعتماد على غير المنتخبين من الفنيين والاختصاصيين والبيروقراطيين في التخطيط وفي اتخاذ القرارات، مع أنهم لا يعبّرون عن الإرادة العامّة، ولا يردعهم رادع عن أن يقدّموا مصالحهم الخاصّة على ما عداها.
ركّز الكاتب على دروس التجربة الآسيوية، التي جسّدت النظرة الجديدة لدور القطاع العام في إطار ما يُعرف بالفيبرية المُعزّزة. كانت الإدارة العامّة الفعّالة في تجارب دول شرق آسيا، الأساس الاجتماعي لا البيروقراطي فحسب في نجاح التنمية، وعلى الرغم من وجود قطاع خاصّ وفاعل وشركات خارجية، لم تنشأ علاقة غير متوازنة بين الطرفين، ولم يظهر إلى الوجود نموذج الإدارة العامّة القائم على النهب. كان القطاع العام هو الأساس الذي ارتكزت عليه الدولة التنموية التي احتضنت تجارب التصنيع المتأخّر، القائمة على الاستثمار واكتساب التكنولوجيا وتوطينها بصفتها قاعدة الانطلاق نحو التنمية. وبخلاف ذلك، أعطت نظريات التحديث والتغيير الهيكلي أهمّية متقدّمة للتمويل ومراكمة رأس المال المادي. لكن نظريات النموّ الحديثة أو النموّ باطني المنشأ دمجت التقدّم التقني في نماذجها الرياضية ومعادلاتها، ووسّعت مفهوم الرأسمال ليشمل الرأسمالين البشري والاجتماعي إلى جانب رأس المال المادي .
إن النسج على منوال التجربة الآسيوية في مجال استراتيجيات التنمية، يتكامل مع الدعوة التي يتضمّنها الكتاب لاعتماد برنامج كينزي على مستوى السياسات المالية في بناء مستقبل سورية الاقتصادي، حيث يؤدّي الطلب الحكومي والخاص والخارجي دوراً أساسياً في النموّ. يمكن العثور على نقاط تلاقٍ عدّة بين الفكر الكينزي وما بعده، وتجارب دعم التصدير التي قامت بها دول آسيوية عدّة، ومن بين هذه النقاط، على سبيل الذكر، الأهمّية المُعطاة للاستثمار والتصدير بصفتهما مكوّنين أساسيين في الطلب، والدور الإيجابي في النموّ الذي يؤدّيه كلّ من التقدّم التقني، وإعادة توزيع الدخل لمصلحة المنتجين، على حساب أصحاب الريوع.
النيوليبرالية: تحليل الاقتصادي ودعوة سياسية
نوافق الكاتب، ولا شكّ، على فهمه للنيوليبرالية وتيّار النفعية الجديدة ونقده لهما، لكن لا يمكن إنكار امتلاكهما في بعض الأحيان أصولاً صارمة للتحليل، من اقتصاديات الرفاه لفلفريدو باريتو إلى تحليلات ميلتون فريدمان المُبكرة عن استقرار دالة الطلب على النقود على المدى الطويل، واهتمامه بخلاف كينز بالعرض النقدي، الأكثر تقلباً وتأثيراً في الإنفاق والأسعار. ولا يمكن التقليل أيضاً من شأن الأسس الفلسفية التي استند إليها فريدريتش فون هايك الذي أنكر من خلالها المبالغة في تقديس العقل، الباحث عن يوتوبيا متخيّلة، يفضي الاستغراق بها في كثير من الأحيان إلى قيام مجتمع شمولي مُغلق. كان هايك متشدّداً في ليبراليته، لكنه رفض المبالغة في التحليل الرياضي الذي يهواه النيوليبراليون، وهو عارض التخطيط لسببين: أوّلاً لأن اتساع نطاق الدولة يزيد من صعوبة تحقيق الإجماع على القواعد المُسبقة والمعروفة سلفاً التي يستند إليها حكم القانون، وثانياً لأن هذا التوسيع يعظّم من نفوذ الفئات غير المفوضة شعبياً في اتخاذ القرارات ووضع السياسات.
إلّا أن المفارقة هي أن الدعوات المناهضة لتدخّل الدولة أياً كان شكله، لم تستند إلى الأعمال العلمية والأكاديمية التي أنجزها هؤلاء، بل إلى أدبيّاتهم الفكرية ذات المرجعية السياسية، كما في كتابي هايك «الطريق إلى العبودية» و«الغرور القاتل»، وكتاب فريدمان «الرأسمالية والحرّية». كان الاعتقاد الرائج بين الليبراليين الجُدد في أواسط القرن الماضي وما بعده، هو أن الحرّيات السياسية تشجّع الحريات الاقتصادية وتحفز آليات السوق. أبرزت الوقائع عكس ذلك، ففي دول رأسمالية عدّة، ترافقت الحرّيات السياسية الواسعة مع ظهور دولة الرفاه القائمة وفق نسخة مخفّفة من التخطيط المركزي المُصاحب بتدخّل واسع النطاق من الدولة. وهذا ما عدّه هايك نكوصاً وتخاذلاً في وجه المنظومات الشمولية. وبسبب هذه الخيبة تمسّك مع مفكّرين ليبراليين آخرين بفكرة «المخاطر التي يحملها التنظيم المركزي على الفردانية»، وشدّدوا من ثمّ على أن الحرّية الاقتصادية هي المدخل إلى الديموقراطية والليبرالية السياسية ومخرج من طريق العبودية». وبرأي فريدمان تؤدّي النظم الاقتصادية دوراً مزدوجاً في الارتقاء بالمجتمعات الحرّة، فمن جهة تعدّ الحرّية في النظم الاقتصادية عاملاً لا غنى عنه لتحقيق الحرية السياسية، ومن جهة ثانية الحرّية الاقتصادية مطلوبة بحدّ ذاتها لتحقيق الحرّية السياسية. هذه الأفكار وغيرها هي التي رجّحت كفّة الليبرالية الجديدة وبشّرت بأفكارها، استناداً إلى حجج منطقية عامّة وليس بناءً على معارف دقيقة ومتخصّصة على ما يزعم أنصارها. 
كان إجماع واشنطن هو الترجمة الأيديولوجية لأعمال هؤلاء وسواهم. لكن التحليل الاقتصادي (العلمي) لا يكفي وحده، فالمطلوب وجود من يتّخذه حجّة في برنامج سياسي أوسع، لجعله أداة طيّعة في أيدي السلطة. وشكّل انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي والانتصار الذي ظُنّ أنه تاريخي وأبدي لليبرالية، فرصة لا بدّ من انتهازها لوضع هذه الأفكار موضع التطبيق.
مقاربات أخرى
لم يُولِ الكتاب عناية بارزة أيضاً، وربّما عن قصد، لمقاربات مفكّرين بارزين في نقدهم الجذري للرأسمالية الليبرالية، مثل كارل بولانيي الذي ذكره الكاتب من دون أن يشرح آراءه الرئيسية، ومن بينها أفكار لافتة يمكن البناء عليها في فهم العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، مثل قوله إن عوامل الإنتاج الثلاثة المعروفة هي موارد اقتصادية زائفة، إمّا بسبب تحكّم السلطات بها (الرأسمال النقدي) أو لصعوبة وضعها في قوالب نمطية وقابلة للقياس (العمل)، أو لأنها بكل بساطة الحياة مقسّمة إلى أجزاء (الأرض والثروات الطبيعية). ويقدّم بولانيي أيضاً في كتابه «التحوّل الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر»، محاججة نقدية قويّة ضدّ مبدأ أصالة الملكيّة من منظور تاريخي، وهو يرى أن السوق مؤسّسة مُندمجة في المجتمع وغير مفصولة عنه. لم يأتِ الكاتب أيضاً على ذكر جون كينيث جالبريت المعدود بين المؤسّساتيين، وهو ممن أعطوا أهمّية للمؤسّسات الاجتماعية في الاقتصاد، وأظهر على نحو فذّ تبعية الأفكار للمصالح الاقتصادية القومية والمراحل التاريخية. إلّا أن عدم استفاضة الكاتب في عرض أفكار هؤلاء يتّسق مع المنهج الذي اعتمده في هذا الكتاب، والذي يقوم على انتقاء الأدبيات والاقتباسات النظرية التي تحلّل التجارب التنموية الناجحة، وهذا ما وجده لدى باحثي التنمية ومفكّريها الذين حلّلوا على نحو خاص الدروس المستفادة من دول شرق آسيا (مثل أمسدن وبريتون وإيفانز وهيرشمان…).
التنمية وإعادة الإعمار
تضمّن الكتاب معالجات مستفيضة لمقاربات التنمية والنموّ، لكنّه لم يستكمل ذلك باستعراض مُتمّم لنظريات إعادة الإعمار وتجاربه وأدبيّاته، لكونه مدخلاً لا بدّ منه لبناء سورية وتنميتها.
لا شكّ في أن الدمار الواسع والتحوّل الاقتصادي الناتج من الحروب، يعدّ فرصة لا بديل لها من أجل القيام بالمراجعات الفكرية والسياسية اللازمة لمقاربات التنمية واستراتيجيات النموّ وما يرافقهما من سياسات، بشرط أن يأتي ذلك في سياق يلبّي الحاجات المُلحّة ويراعي القيود الواقعية التي لا مناص من مراعاتها في رسم خطوط المستقبل. فسورية الخارجة من الحرب أو تكاد، تواجه أربعة تحدّيات متزامنة، يمكن التعبير عنها بالأسئلة الآتية: أي مقاربة للتنمية في مرحلة ما بعد الحرب؟ وما هي سياسات إعادة الإعمار؟ وكيف تموّل برامجه وعمليّاته؟ وما دور الدولة في كلّ ذلك؟
يسلّط الكاتب كثيراً من الضوء على مسألتي الإدارة الحكومية ونموذج التنمية في مناقشته لمستقبل سورية الاقتصادي، فأيّد إعادة تأسيس القطاع العام وفق مبادئ الجدارة والاستحقاق والاستقلال، للقيام بدوره في رعاية تجربة التمرين التكنولوجي والتعلّم، وفي تنفيذ سياسات كينزية قائمة على تعزيز الطلب الاستثماري وتمكين المنتجين. وحلّل بإسهاب المدارس الجديدة في التنمية، مستخلصاً الدروس الناجحة للبلدان الآسيوية في التسعينيات من القرن الماضي والذي تحذو حذوه بعض بلدان غرب آسيا في الوقت الراهن، وتُنصح سورية بالنسج على منوالها.
ويمكن الانطلاق من مضمون الكتاب في التفكير بالمسألتين الأخريين غير المشمولتين بالتحليل فيه، أي مسألتي التمويل وإعادة الإعمار، واللتين تمثّلان امتداداً طبيعياً للرؤية التنموية والاقتصادية للدولة ودورها. 
تظهر الدراسات والتجارب أن الحروب الأهلية تسبّب انهياراً واسعاً في سلطة الدولة، وخصوصاً عندما تتعرّض أراضيها للتجزئة، وهذا على مساوئه، يوفّر فرصة لإعادة بناء الاقتصاد برمّته على قواعد جديدة، وعدم الاكتفاء بتعويض الخسائر المادية والاقتصادية الناتجة من الدمار الواسع. لكن السلطة الاقتصادية المركزية في الحالة السورية، حافظت على قدر مقبول من التماسك والحضور، بل كان نطاق انتشارها أثناء الحرب أوسع من دائرة نفوذ السلطة السياسية والأمنية للدولة. وهذا ما يفسّر صمود النموذج الاقتصادي الذي كان سائداً في سوريا قبل الحرب، بمزاياه وعيوبه، مع أن ذلك قد يعقّد مهمّة إطلاق التنمية وفق تصوّرات جديدة.
وعلى ما يبدو، لم تحدث الحرب تحولاً عميقاً في الاقتصاد السياسي للدولة التي تستأنف المسار الذي بدأته قبلها. ويردّد باحثون غربيون أن إعادة الإعمار التي تقودها الحكومة السورية تهدف إلى إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه الذي كان سائداً قبل الحرب، على أن «يخدم مصالح القوى الحليفة والمجموعات الداخلية التي وقفت إلى جانب النظام». لكن الآخرين يسعون إلى الأمر نفسه في اتجاه معاكس، أي إنّهم يخطّطون لأن تكون عمليّات الإعمار تمويلاً وإدارة المدخل إلى تغيير النظام أو تبديل اتجاهه، أو مصدر ضغط عليه وعلى حلفائه لتغيير سياساتهم على الأقل.
وعلى العموم، لم تكن سياسات إعادة الإعمار وأدبيّاته إلّا جزءاً من مسار يرتبط بالمصالح السياسية للدول وتصوّراتها الاقتصادية. فأطروحة السلام الليبرالي، على سبيل المثال، التي نفض الغبار عنها في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، عبّرت عن النزعة التدخّلية في النظام الدولي القائم على الهيمنة، وهي أيضاً صدى للطروحات النيوليبرالية المُدجّجة بأسلحة إجماع واشنطن وتوصيات المؤسّسات الدولية ذات الصلة. والأمر نفسه ينطبق على ما يُعرف برأسمالية المقاولين الموكل إليهم تنفيذ برامج إعادة الإعمار تحت إشراف الجيوش (الأميركية)، وبما يكفل تحقيق الأهداف التي شُنّت من أجلها الحرب. وهذا يقتضي القبول برأسمالية الفوضى (Messy Capitalism) التي تنطوي على أقصى تحرّر من القيود والضوابط، لكنها تُقيم من طرف خفي علاقة بين تقدم الإعمار وإتاحة التمويل من جهة، وتحقيق أهداف الحرب من جهة ثانية. وفي كلتا المقاربتين (السلام الليبرالي ورأسمالية المقاولين) يكون التمويل خارجياً، وتُرفض خطط الإعمار المُعدّة مسبقاً، وتُدان «عقلية التخطيط المركزي المُهيمنة في أسواق التنمية الدولية». أمّا أفضل النتائج، فيحقّقها القطاع الخاص بعد إطلاق يده بعيداً من سلطة الدولة وعين الرقابة. أي إن المطلوب من الجيوش التي تمارس الغزو والاحتلال أن ترعى تدخلاً اقتصادياً يُنفّذه روّاد الأعمال، من دون برامج ثقيلة الوطأة يتولّاها القطاع العام أو القطاع الخاص.
قدّم داغر في كتابه مقاربة نظرية شيّقة ومُتمرّسة في مسألتي التنمية وإدارة التنمية، وهو مدخل لا غنى عنه لاختيار نموذج إعادة الإعمار الذي نطمح إلى أن يكون على النقيض من أطروحات السلام الليبرالي وما يعادلها. لقد فشلت هذه الطروحات في إعمار ما هدمته الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، فيما نجح النموذج التضامني الذي طبّقته المقاومة بعد حرب 2006 في تحقيق أفضل النتائج، وهو الذي بُنِي على أساس فهم السكّان لمصالحهم، لا بناءً على إرادة الواهب أو رغبات المموّل، ومن دون أدنى شراكة من المؤسّسات الدولية في مراحل التخطيط والتصميم والتنفيذ كافة. 
وبالخلاصة، إن إعادة الإعمار في سورية مسألة متعدّدة الأوجه فكرياً وسياسياً وتقنياً. لا يكفي أن نختار بين اتجاهات التنمية وتيّاراتها، أو نرسم دور الدولة ووظائفها وسبل إصلاح أجهزتها، أو نحدّد طرق التنفيذ والبرمجة والتمويل. بل علينا أن نمتلك أيضاً، وربّما قبل ذلك كلّه، إجاباتنا عن الأسئلة المحورية: هل ينبغي مراجعة النموذج الاقتصادي لسورية جوهرياً؟ وهل هذا ممكن أصلاً؟ وكيف يمكن دمج القطاع الخاص في مقاربة تقودها الدولة للإعمار والتنمية والنموّ والتصنيع المتأخّر؟ وما حدود دوره؟ وما خيارات التمويل ونماذجه وبدائله؟ وما الصلة بين الجوانب المادية والبشرية والاجتماعية لإعادة الإعمار؟
بالخلاصة، يستمرّ د. ألبر داغر في كتابه في المسار الذي بدأه منذ أكثر من عقدين، في محاولته بناء مرجعية نظرية مُتعدّدة المصادر لنقد سياسات التنمية واقتراح البدائل، مستعيناً بثلاثة روافد اقتصادية وسياسية وإدارية، والتي يمتدّ مجراها من النظرية إلى التجربة. وهو على أي حال لا يلتمس طريقاً واحداً في تحليله، بل يغذّي مجراه بروافد فكرية متنوّعة، ممزوجة بقراءة متفحّصة للتجارب. وقد أحسن الكاتب قبل أي شيء آخر اختيار عنوان كتابه، من دون مبالغة أو تزيّد، ليكون «منطلقاً نظرياً» إلى قضية الكتاب الرئيسية التي هي: «بناء مستقبل سورية الاقتصادي».
وإلى كتاب آخر…

عبد الحليم فضل الله، باحث وأكاديمي، مدير المركز الإستشاري للدراسات ـ لبنان
20 نيسان / أبريل، 2019

(1) منطلقات نظرية لبناء مستقبل سورية الإقتصادي. منشورات "تجمع سورية الأم"، 2018. عدد الصفحات 224 من القطع الوسط.

حول “المسألة اليهودية” : الرئيس ترامب واليهود الأميركيون يتبادلون الإتهامات بالعداء !؟

يطلعنا هذا المقال على أحد الجوانب الداخلية لـ"الترامبية". فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعصبه الإجتماعي ـ السياسي، حسب بعض الخبراء، يطلقون على أنفسهم مسمى "اليمين البديل"، الذي يضم أكثرية من الحزب الجمهوري وأنصاراً من الحزب الديموقراطي أيضا. ويقوم هذا اليمين الجديد بقيادة ترامب نفسه، بتغيير النخبة التقليدية لنظام "ديموقراطية الحزبين" التي تسيطر على السلطة في الولايات المتحدة، بصورة محكمة، وطاغية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يركز المقال، وكاتبه من أنصار "إسرائيل"، على التوتر في علاقة ترامب بالأميركيين اليهود. هذه وجهة نظر يمكن أن تفيد القارئ العربي لسببين رئيسيين : الأول، أن متابعة هذا الجانب المغفل في الظاهرة الترامبية، مفيد في تحليلها، وفهم الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، وما يشهد من متغيرات عميقة، تؤثر في الوضع الدولي، بما يتناسب مع حجم قوة الولايات المتحدة، ومركزها المهيمن في النظام الرأسمالي العالمي. آخذين بعين الإعتبار، أن الإعلام العربي لا ينقل هذه "الصورة" لأسباب "خليجية" معروفة. في كل الأحوال، هذا التوتر "الترامبي" ـ اليهودي الأميركي، لا يؤثر بتاتاً، على "التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل"، كما أكد ترامب وأسلافه في البيت الأبيض. 
الثاني، أن المقال يصور بعض تفاصيل المواجهة بين الرأسماليين اليهود الأميركيين وإدارة ترامب، المحجوبة في الإعلام العربي، بعد أن ابتلع "طعماً" أيديولوجياً صهيونياً، هو مفهوم "معاداة السامية". وهذا المفهوم اللاتاريخي، يستغل بعض عقائد المسلمين والمسيحيين وإيمانهم الديني لصالحه. وقد تمكنت الحركة الصهيونية من بث هذا المفهوم ونشره، بدلاً من مفهوم العداء لليهود، بغية إخفاء الروابط العميقة التي توحدها مع رأس المال اليهودي الأوروـ أميركي، الذي اضطهد الشعوب واستضعفها ولم يزل يقوم بذلك. كما تشدد الصهيونية على هذا المفهوم، لكي تشوش الوعي السياسي ـ الثقافي، بشأن عبودية اليهود (الصهاينة) للصهيونية، وواجبهم في تحرير أنفسهم منها، من خلال تنظيم مقاومة يهودية للكيان الإستيطاني العنصري في فلسطين المحتلة.     
++++++++                      +++++++++              +++++++++
وقعت حادثتان إرهابيّتان في الولايات المتّحدة الأميركية، أواخر شهر تشرين الأول / أكتوبر الفائت. كانت الأول قاتلة، فيما الثانية، حمداً لله، لم تكن كذلك. أعني بالأولى، حادثة قتل 11 يهوديّاً أثناء أدائهم طقوسهم الدينية في كنيس في مدينة "بيتسبرغ"، صبيحة اليوم السابع والعشرين من ذلك الشهر. كما "أُرسِلت" قبلها بأيام، قنابل يدوية الصنع، ـ تبين لاحقاً أنها لم تجهز للتفجير ـ إلى زعماء سياسيين وشخصيات من الحزب الديمقراطي.
فما القواسم المشتركة بين تينك الحادثتين، وما مغزاهما؛ بالنسبة إلى الولايات المتّحدة وكل الشعوب والأمم الأخرى، التي تتطلع إلى الولايات المتّحدة كمصدر للحماية أو الإلهام أو كلا الأمرين معاً؟.
إن كلتاهما مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من حوادث الإرهاب الداخلي، بعضها استهدف تلامذة مدارس، والبعض الآخر كان ذو طابع سياسي أكثر وضوحاً، مثل مذبحة "تشارلوتسفيل" بولاية فيرجينيا في صيف عام 2017. كان مألوفاً من قبل أن تطال هكذا حوادث، مواطنين أميركيين مسلمين. لنتذكر مثلاً "فورت هود"، "سان برناردينو"،  أورلاندو، وماراثون بوسطن. لكن معظم الحوادث التي وقعت في السنوات القليلة الماضية ما كانت كذلك. 
يرجع الكثير من تلك الحوادث إلى الفترة السابقة على الصعود السياسي للرئيس دونالد ترامب. لكنها عرفت تصعيداً وانتشاراً، منذ بدء حملته الرئاسية الانتخابيّة وجولاته خلالها، ثم فوزه وتنصيبه رئيساً. وتركز ذلك في عبارات التعصّب ضد الأميركيّين الأفارقة؛ وكراهية المهاجرين الأجانب الذين أدانهم الرئيس ترامب بسفور، في خطاب تنصيبه، لكونهم مسؤولين عن "مجزرة"، والآن، حان دور اليهود.
عقب حادثتي تشرين الأول/ اكتوبر المنصرم، اللتان ارتُكِب كلاهما مستوحِدٌ عادي، حذّر جميع خبراء الإرهاب من إن الشخصية النمطية للمرتكبين سيزر سايوك وروبرت باورز، موجودة بكثرة في المجتمع. وقد عبر دونالد ترامب من البيت الأبيض، وكذلك نائبه مايك بِنْس، عن إدانات تقليديّة لتلك الحوادث، وقدما لأسر الضحابا تعازٍ سطحيّة. 
لم يُشِر الرئيس ولا نائبه إلى الحاجة الماسة للتشدد الصارم في قوانين حمل السلاح. وهذا الإغفال له دلالة في حال باورز. لأن ترامب أنحى باللائمة على كنيس "بيتسبرغ"، لأنه لم يكن يكتري حارساً مسلحاً لحمايته. كما أن كلاهما لم يُصَنّفا الحادثتين كإرهاب مسلّح، مع أن من المستحيل تعريفهما بدقة، بغير ذلك.
الأسوأ، كان تصريح بِنْس إلى برنامج "إن بي سي نيوز ساترداي"، الذي ضاعف الهـالة الأورويليّة[1] المحيطة بواشنطن. حيث رفض إلقاء اللوم على التطرّف أو على خطاب الاستفزاز السياسي المتطرّف، كدافع للتشجيع على العنف. قال نائب الرئيس : "لكلٍّ أسلوبه الخاص، وبصراحة، يستخدم الناس على الجانبين لغة قويّة بشأن خلافاتهم السياسيّة". وأضاف: "لكني لا أظن أنه من الممكن ربطها مع أعمال العنف أو التهديد به".
صحيح ما قاله بِنْس بشأن انخراط كلا الجانبين في استخدام لغة قويّة. مثلاً، ليس يكُ أمراً مجديّاً أن يعمد مشاهير هوليوود، من أمثال روبرت دي نيرو إلى إطلاق شتائم ضد رئيس الولايات المتّحدة الأميركية؛ في محافل عامة، على غرار ما جرى حصل في حفل "جوائز طوني" في حزيران / يونيو الماضي. لأن هكذا لغة ملتهبة تؤتي بنتائج مخالفة لغرض صاحبها. إذ أنها تستفز أنصار ترامب، كما تُظهِر لقاعدته الشعبيّة مدى تطرف اليسار وانفلاته. بمعنى أوضح، تفيد تلك الشتائم البيت الأبيض وقاعدته، ليظهرا، حسب أسلوبيهما، كل من يعارض ترامب بصورة راديكالي، انفعالي، ولا يحترم منصب الرئاسة. نعم، يحب كثيرٌ من الناس أن يرددوا القول المأثور : "حارب النار بالنار"، لكن الحكمة تُملي على الإطفائيّة أن تحارب النار بالماء!
رغم هذا النقد، فإن دي نيرو يبقى مجرد مواطن أميركي عادي. أما ترامب وبِنْس فهما الشخصان الوحيدان المنتخبان في السلطة التنفيذيّة لحكومة الولايات المتّحدة. ولذلك، ما إذا كانا يظنّان حقاً، بل يأملان أيضاً أن يقنعا الجميع، أنه لا يجدر بهما الارتقاء بسلوكهما إلى مستوى أعلى، يتناسب مع مسؤوليّات منصبيهما؟. في هذه الحال، لا يجدر بنا أن نساويٍ، أخلاقيّاً أو سوى ذلك، بين مسؤوليْنِ رفيعيْنِ منتَخَبَيْنِ، وبين مواطنين منتقِدينَ لهما تحركهم العواطف.
أضف إلى ذلك، فإن ما تفوه به بِنْس، وهو يشذ عن الوصف، يعاكس وجهة كل ما تعلمناه من السيكولوجيا الاجتماعيّة. فإن كان مقتنعاً، حقاً، بما قال، عندها يكون غبيّاً؛ بشكل صادم. أما إذا كان غير مقتنع بذلك، حقاً، فيكون مجرد كاذب، وجد تصريحاً ملائماً ليعتّم على العلاقة بين الكلام والأفعال.  ومن البديهي أن ينبئ الشر والكلام العنيف عن الشر والسلوك العنيف. فلطالما كان الأمر كذلك، بل إنه سيبقى كذلك أيضاً. فأينما تصاعد دخان الحقد غير المبرر تكون هنالك نار العنف المجنون.
ربما لا يستطيع بِنْس، أو لا يرغب في، وصل النقاط المتفرّقة. لكن أشخاصاً غيره لم يجدوا مشقة في القيام بذلك. لقد لاحظ أحد المراقبين بذكاء، أنه منذ ثلاث سنوات دأب ترامب على الصراخ بعبارة "أطلقوا النار" في مسرح حاشِد. في تلميح إلى قضية "شنِك ضد الولايات المتّحدة" التي ترجع إلى عام 1919 وتخص القاضي أوليفر ويندل هولمز جونيور. وهذه القضية أرست قيوداً معقولة على ممارسة الحق الأول في الدستور[2]. يشتكي دونالد ترامب من تكاثر الحقد، قائلاً : "إنه أمر رهيب، رهيب كل تلك الكراهية في بلادنا، وبصراحة، في العالم بأسره". وهذه أشبه بشكوى مزارع من ثمار زرعه. هذا محصوله.  لأن أسلوب عمل ترامب كمستثمر سياسي هو زرع الكراهية وحصاد ثمارها.
تصح صورة "صرخة "أطلقوا النار" في مسرح حاشد" تشبيهاً لوصف أسلوب خطاب ترامب، ولا يحتاج الأمر إلى خبير بارع ليفهم أن ذلك ما تتتجه صوبه الأوضاع منذ فترة طويلة. لقد حذرت في 14 آذار/ مارس 2016، قبل وقت طويل من ترشيح الحزب الجمهوري ترامب للرئاسة؛ بل توقّعتُ أيضاً كل ظاهرة "الأخبار الكاذبة":
"ترامب هو… سياسي يشبه سحرّة القبائل. إنّه بارع في السحر الاجتماعي، وتهييج العواطف وتغيير كل ما لا يحبه إلى شيء آخر يحبه. ولا يملك أتباعه المُنَوَّمين مغناطيسيّاً بواسطة عالَم دراماتيكي من القوى المتضاربة، سوى إحناء الرأس بالموافقة، ليس اقتناعاً بمنطقه، بل بتأثير سحره الشيطاني، الذي يروّج ترامب له بطريقة مُبسّطة".
"إذاً، ليس دونالد ترامب مجرد مرشح جمهوري آخر للرئاسة، ومسألة فوزه لا تقتصر على الاقتراع الرئاسي. إن ترامب هو إنذار بشأن الخيط العميق من اللاعقلانيّة المتصاعدة في الجسد السياسي للولايات المتّحدة.  كذلك هو حاضنة لعنف سياسي كامن.  إنّه لم يعمل بالطبع على تنظيم قوات مسلحة رديفة، لكنه في كل مرّة يهدّد فيها بأن يلطم أحداً ما على أنفه يكون بالنتيجة، قد أعطى الإذن لأتباعه بأن يكونوا عدوانيّين مع الآخرين، بما في ذلك العنف أيضاً"[3].
لم يوافق كثيرون على توقّعاتي، يومذاك، بشأن العنف المنتظر، مع إنّ مدَّهُ، فعلياً، كان يرتفع. وبنظرة استرجاعيّة، تأخذ بالحسبان مناخ عدم التسامح المتطرف الذي استبق وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فإن ذلك المدّ، كان حقاً، عنصراً رئيسياً في سياق نجاحه السياسي.
يمكن البدء في مراجعتنا الانتقائيّة بتذكّر أول مذبحة عنصريّة صريحة حدثت في الأزمنة القريبة، وهي قَتْلُ ديلان رووف 9 مُصَليّن سود في كنيسة في "تشارلستون" بولاية "كارولينا الجنوبيّة" في 2015.  وتلا ذلك في صيف 2016، اغتيال 5 ضباط شرطة في "دالاس" على يد ناشط أسود. إذاً، صحيح الإدعاء بأن العنف والإرهاب يصدران إلى حد ما، عن كلا الجانبيّن. ولكن بعد تنصيب ترامب رئيساً، تحديداً في أيار/ مايو 2017، وقع هجوم جسدي مباشر من قِبَل مرشح للكونغرس في ولاية "مونتانا"، على أحد مراسلي الصحف؛ وكان ذلك متوافقاً مع أجواء تلك الفترة. في 14 حزيران/ يونيو، أُطلِّق الرصاص على مجموعة من أعضاء الكونغرس الجمهوريّين، كانوا يلعبون كرة السلّة في بلدة "الاسكندرية" بولاية فيرجينيا، وجُرِح كثيراً منهم.  مرَّة اخرى، هناك عنف من الجانبين، مع افتراض أنّ كلَّ عنفٍ يُغذي الآخر. إبّان تلك الحوادث، جرت أعمال شغب انقساميّة في الجامعات ضد متحدثين من اليمين، وصدامات بين يساريّين ونازيّين جدد في شوارع "سكرامانتو"، وكاليفورنيا وغيرها؛ وتُوِّجَ ذلك كلّه بكارثة "تشارلوتسفيل" في 12 آب / أغسطس 2017. 
كأن تلك الحوادث كلها لم تكن كافية، حتى جاءت مجزرة "لاس فيغاس" في 1 تشرين الأول /أكتوبر 2018، التي أوت بحياة  58 شخصاً. لم يستطع أحد شرح أسبابها؛ لكنها من نمط الإرهاب اللاعقلاني، الذي يحدُث مُبَرِّراً نفسه بنفسه.
لقد تراكم كل ذلك العنف إلى حدّ، بات هو القاعدة الذي تحدد توقّعات الناس. ولنتذكر أن الضرر الرئيسي للإرهاب لا يتأتّى من عدد قتلاه، بل يحدث أكثره بفعل نسف الثقة الاجتماعيّة التي تُبقي على المجتمعات متفاعلة وموحَّدَة ومتفائلة[4]. وأن الحكومة الأميركيّة ساعدت، بغباء، الإرهابيّين في السنوات التي تلت عام تفجيرات أيلول/سبتمبر 2001. إذ أنها حولت البارانويا أي جنون الإرتياب والإضطهاد والعظمة إلى روتين بيروقراطي. وذلك بتذكير الأميركيّين، يوميّاً، تكراراً، بإمكان حدوث مذبحة جماعيّة. وكذلك بإغراق الأماكن العامة بشعار "إذا رأيت شيئاً ما، قُلْ شيئاً ما". لقد التهمنا نسيج الوضع الطبيعي للأمور، وهو ما يكون متضمّناً في توقّعات الجميع وتنبني عليه الثقة الاجتماعية، في نهاية الأمر.  عندما يصبح مجرد ركوب باص أو حافلة مترو أنفاق، عملاً محمّلاً بشحنة إدراكيّة، مهما كانت روتينيّة؛ تكون النتيجة اضطراباً نفسياً سيّئاً.
في هكذا أوقات، بعد وقوع حادثتي إرهاب في أسبوع واحد، يُتَوقّع من القيادة، إذا تصرفت بمسؤوليّة، دور الشافي من الانقسامات والنُصحَ بالخير على المستويات كلها. وبدلاً من ذلك، عمل ترامب والجمهوريون على تسعير الانقسامات، أملاً في نتيجة سياسية مستقبلية أكثر ملائمة لمصالحهم.
حتى بعد "تشارلوتسفيل"، حدثت إنكارات، وظهر أناس لا يريدون رؤية أو أقلّه الاعتراف، بوجود رابط بين التكاثر الواضح للغة العنف وبين السلوك العنيف؛ ورفضوا فهم ما فعلته حملة ترامب من بدايتها، ثم البيت الأبيض؛ بتعمّد شديد. لا أستطيع أن أفهم كيف يتمكن أي شخص من الإصرار على إنكار العنف السياسي في الولايات المتّحدة الأميركية، وكذلك التلاعب به، مثلما فعل ترامب وأنصاره، بعد حوادث الأسبوع الماضي.
ماذا عن اليهود؟
أسفر الهجوم على كنيس "بيتسبرغ" عن أكبر مجزرة ضد اليهود الأميركيّين. وقد جاء بعد تصاعد الحوادث المتسمة بمعاداة اليهود[5] خلال السنتين المنصرمتين. مع الحذر من أن المرجعيّة الأقدم للبيانات عن هذه الحوادث لا يمكن الوثوق بها. فالأعمال الجيّدة التي أنجزتها "رابطة معاداة التشهير" [وهي منظمة صهيونية تعمل في الولايات المتحدة، اسمها “بناي بريث” بالعبريّة، أي “أبناء العهد”] على مدى تاريخها اللامع، إلا أنّها منخرطة في تجارة اكتشاف معاداة اليهود. وتمثّل هذه التجارة سبب وجودها الوحيد، وهو سبيلها إلى تحصيل المال. لقد دأبت “رابطة معاداة التشهير”، ولسنوات طويلة، على تضخيم معاداة اليهود، على غرار ما تفعله بالضبط منظَّمَة “كير” [“مجلس العلاقات الأميركيّة ـ الإسلاميّة” الذي اخترقه “الإخوانيون” في عهد الرئيس السابق باراك أوباما] في تضخيم الحوادث المصنفة ضمن أعمال الـ"إسلاموفوبيا"، وللأسباب عينها تماماً، أي كسب المال.
إذا أخذنا بالحسبان كل ما قلناه، يغدو من غير المنطقي، أن ننكر انتشار حوادث معاداة اليهود اليوم، في الولايات المتّحدة، بأكثر مما كانت عليه في عام 2009. إذاك، انكشفت قِصّة الخداع المُنظّم الذي مارسه برنارد مادوف[6]. وكان من شأن قضية مادوف أن تشكّل عاصفة متكاملة من التوقعات بارتفاع معاداة اليهود: إذ كانت قضية يهوديّة كليّاً. كانت خداعاً عميقاً ومنحرفاً؛ وطاولت المال. وبدا كل من تورّطوا فيها "يهوداً".  لم يحدث شيء. لا شيء.  لم تظهر نأمة من معاداة اليهود في تلك القضية.
قارن ذلك الصمت المطبق في قضية مادوف مع هجمات الجمهوريّين التي تكاد لا تهدأ على جورج سورس، التي كانت صفارات إنذار واضحة عن معاداة اليهود. في أجواء هجوم وقع يوم سبت على كنيس، رفض مسؤول "لجنة الحزب الجمهوري لحملة انتخابات الكونغرس"، إدانة حملة إعلانيّة تربط مرشحاً ديمقراطيّاً مع جورج سورس وهو من الشخصيات التي تلقت بالبريد إحدى تلك القنابل.
أُطلِق الاعلان ضد المرشح الديمقراطي دان فيهان، الذي يتنافس مع المرشح الجمهوري جيم هيغدورن في تمثيل الدائرة الأولى في "مينوسوتا" في الكونغرس في 18 تشرين الأول / أكتوبر. كان يتضمن مشهداً مُمَنتَجاً يظهر فيه كولن كبيرنك راكعاً[7]، ومحذّراً من أنّه "دُفِعَ مال إلى غوغاء اليسار كي يتظاهروا في الشوارع". ثم يعقب ذلك صورة لسورس محاطاً بأكوام من النقود، بينما يكرّر الإعلان نغمة كلاسيكيّة في معاداة اليهود : "البليونير جورج سورس يموّل المقاومة"[8].
لم يكن إعلاناً واحداً. فقد ادعى عضو الكونغرس الجمهوري مات غايتس في فلوريدا، أن سورس موّل "قافلة" المهاجرين الآتين من هندوراس من دون أن يعرض أدلة. ربما التقط غايتس ذلك من برنامج "لو دوبس تونايت" الذي تبثّه قناة "فوكس نيوز بيزنس". حيث ظهر كريس فاريل من مجموعة "جوديسيال ووتش" [تعني حرفيّاً “مراقبة العدالة”]، في حلقة البرنامج بتاريخ 25 تشرين الأول /أكتوبر، وقال، من دون أدلة أيضاً، إن تلك القافلة مموّلة ومُوجَّهَة من "وزارة الخارجيّة التي يحتلها سورس".
هنالك المزيد. في الأسبوع الماضي، كتب كيفن ماكارثي، زعيم الأغلبية الجمهوريّة في مجلس النواب، تغريدة حذفها بعد الهجوم على الكنيس، جاء فيها : "لا نستطيع أن نترك سورس وستاير وبلومبرغ، يشترون هذه الانتخابات [النصفيّة للكونغرس، التي جرت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي]". والرجال الثلاثة المذكورين في تغريدة ماكارثي هم من الأميركيين اليهود.
كذلك، غرّد الرئيس ترامب في وقت مبكّر من شهر تشرين الأول / أكتوبر، خلال احتجاجات ضد بريت كافاناه الذي أضحى قاضياً في المحكمة العليا، بأن الناس الذين يحتجون ضد كافاناه "دُفِعَ لهم من قِبَل سورس وآخرين"، من دون أن يبرهن قوله بدليل. ثم أعاد رودي جولياني بثّ تغريدة تشير إلى سورس بأنه من "أعداء المسيح" وهم جزء من مؤامرة، ومُلمِّحاً أيضاً إلى أن سورس يدفع للمحتجين ضد كافاناه.
لكن من الأرجح أن تذهب جائزة التهوّر المطلق إلى النائب الجمهوري عن تكساس لوي غوهمرت، الذي شبه سورس بـ[الزعيم الألماني النازي أدولف] هتلر. وقال إن سورس يهيمن على سياسات الحزب الديموقراطي. وأضاف أثناء ظهوره على شاشة "فوكس نيوز" : "ربما رفعوا سواعدهم وفردوا أكفهم وهتفوا هايل سورس". أما زميله النائب الجمهوري عن آريزونا بول غوسار، فمكن الممكن منحه جائزة الجنون المؤامراتي. إذ صرح في مقابلة مع قناة "فايس نيوز" أنّ سورس ربما كان وراء تظاهرة "القوميين البيض" في شهر آب /أغسطس 2017 في "تشارلوتسفيل". وعندما سُئل إن كان يعتقد بأن سورس موّل تظاهرة "النازيّين الجدد" التي سارت في "تشارلوتسفيل". أجاب : "أليس مثيراً أن يتبيّن أنّ ذلك ما كان"؟. من شأن ذلك النوع من التخرّصات المؤامرتيّة التي تمثّل كذبة كبيرة محرّفة، أن يكون إشارة إلى وجود شيء ما يثير الاضطراب في ثقافة الناس، عندما يخترق الخطاب اليومي بعمق كافٍ. إنّه مؤشّر لا يُخطئ عن العنف.
بسبب الغرف المسمّمة على شبكات الـ"سوشال ميديا" التي تُكافئ أقوالاً صادِمَة، بأن تصفها كـ"سَبَق" سماوي، فقد وصلت الأمور الآن إلى حد أنه، وفق وصف رئيس "رابطة معاداة التشهير" جوناثان غرينبلات، "صار طبيعيّاً ومسموحاً الحديث عن مؤامرات اليهود للتلاعب بالحوادث، أو ممولين يهود يسيطرون بطريقة ما على مسارات الأمور". مرّة اخرى، كل مَنْ تُفاجئه هذه الأشياء أو يفكر أنّ دونالد ترامب لا يتحمّل مسؤوليّة عن ذلك التحوّل الدراماتيكي، يكون ببساطة غير متنبّه لما يجري، أو لديه ذاكرة ضعيفة.
إذاً، لنتذكّر أنه حملة ترامب الانتخابيّة وأثناء اجتماع معهم، علّق ترامب مازحاً عن امتناع "تحالف اليهود الجمهوريّين" عن تأييده، قائلاً: "السبب في ذلك هو أني لا أحتاج أموالكم". وتضمّنت حملة تغريدات ضد هيلاري كلينتون، وضع نجمة داوود على أوراق الدولار.  في نيسان / إبريل 2016، نشرت   جوليا لوف مقالاً نقديّاً في مجلة "جنتلمان" الفصليّة عن ميلينيا ترامب، فكان أن أغرقها اليمين المتطرّف بصور وإساءات معادية لليهود، تُوِّجَتْ بتهديدات بالموت على غرار إرسال صورة يهودي يقتل بطريقة الإعدام أو أشخاص يطلبون توابيت تحمل إسمها. عندما أُعطِيَ ترامب فرصة لإدانة تلك الهجمات التي يشنها أنصاره، قال: "ليس لدي رسالة" لهم[9]  وبالطبع، قال ترامب آنذاك أن تظاهرة تفوّق العرق الأبيض في "تشارلوتسفيل"، التي رفعت أعلاماً عليها شعار الصليب النازي المعكوف، ضمّت بعض "الناس الطيّبين".
التوجيه عبر عدم التوجيه
كان ترامب مؤيّداً للفرص المتساوية [في العمل]، ثم حاصداً لغلة كراهية الأجانب والتعصّب، على الرغم من أن لديه إبنة يهوديّة (تحوّلت الى تلك الديانة) وثلاثة أحفاد يهود [من جاريد كوشنر]. وبغض النظر عما يظنه بنفسه أو يفكر به، فإنه مُشَبع بلائحة طويلة من أفكار التنميط السلبيّ، ولم يرتفع عن مستوى إفلات أنصاره لممارسة تعصّبهم لمصلحته السياسية. يحضر إلى الذهن مشهداً كلاسيكياً من فيلم "بيكيت" الذي عرض عام 1964، والمستند افتراضاً إلى حوادث حقيقيّة حصلت عام 1170. في ذلك المشهد، يعطي الملك هنري الثاني التوجيه عبر عدم التوجيه، إذ يقول خلال جلسة استماع في محكمته: "ألا يخلصني أحد من هذا القسّ الذي يدسّ أنفه في ما لا يعنيه"؟.
كلا. لم يأمر ترامب بنقش نجمة داوود على أكوام من النقد، وكذلك لم يطلب من أحد إرسال قنابل يدوية الصنع إلى شخصيات دأب على انتقادها على "تويتر". كما لم يأمر مختل مستوّحد بكتابة تغريدة بأن قافلة المهاجرين من هندوراس يموّلها جورج سورس، قبل أن يهاجم هذا جمع المصلين في كنيس. لا يحتاج ترامب إلى ذلك. كل ما عليه فعله هو ترسيخ تلك النبرة في جمهوره، ثم الإلتفات إلى الناحية الاخرى [متظاهراً بالبراءة]. هناك أشخاص آخرون سيتولوا التخلّص ممن دسوا أنوفهم في ما لا يعنيهم، من يهود ومهاجرين ومعارضين. عندما وصف ترامب نفسه في 23 تشرين الأول /أكتوبر بأنه "قومي"، وهي صفة يمكن أن تعني عشرات الأشياء وفق السياق الذي توضع فيه، فهم اليمين المتطرف ذلك، بأن ترامب اعترف علانيّة، أخيراً، بكونه واحداً منهم. ووفق ما تقارير منشورة، فقد كانوا متأثرين، وشُحِنَتْ صفوفهم مجدداً. عندما يرتكبون مزيداً من أعمال العنف، سيولي ترامب وجهه عنهم، ويضحك في سرّه.
إذاً، لدينا تصاعد جدي في الإرهاب الداخلي، الآن، في الولايات المتّحدة. تدعمه موجة قاتمة من خطابات سياسيّة سامّة، ينسّقها جزئيّاً رئيس الولايات المتّحدة نفسه. على رغم أنه أمر صادم، لكنه يجب ألا يكون مفاجئاً أيضاً. في النهاية، عندما هنّأ ترامب في حزيران/يونيو المنصرم ماتيو سالفيني، رئيس "حزب رابطة الشمال" الإيطالي، وأعضاء آخرين في حكومة أقصى اليمين الجديد في إيطاليا، تعمد بوضوح أن يُضرّ بالاتحاد الأوروبي.
وإذ أثار قضيّة المهاجرين المشحونة سياسيّاً، فكّر ترامب في تجزئة الأوروبيّين داخل كل بلد على حِدَة، وكذلك ضمن الاتحاد الأوروبي ككل.  باختصار، بدا توجهه سياسيّاً غير متمايز عن سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين[10].
ما هي الدروس والتحذيرات التي يجب أن يأخذها حلفاء الولايات المتّحدة وأصدقائها القدامى في الخارج؟.  الدرس الأول هو أنّ الولايات المتّحدة تغيّرت، أقلّه في الوقت الراهن. فهي لم تعد تعمل وفق بوصلة أخلاقيّة كما لم تعد حليفاً موثوقاً، إلا بالمصادفة؛ أي عندما تتوافق المصالح مؤقتاً.
هل تتغيّر أميركا وتعود إلى سابق عهدها، وتمسك مجدداً بمهمّتها وحسّها البديهي الطبيعي، حينما يرحل ترامب؟. ربما؛ لكن يصعب أن تعود الأشياء تماماً، إلى ما كانت عليه. حدثت مشاكل، وظهرت مزاعم من نُخَبْ، مع يقين متزعزع. لقد هزّ ترامب القضبان بشدّة حقاً. وكما يعرف الجميع فإنّ ردّة ضد ترامب وما يمثّله، ربما تذهب بعيداً في الاتّجاه الآخر نحو أشكال مجنونة من الرؤى الطوباويّة لا تكون بحد ذاتها خالية من توجّهات نحو العنف. لا نحسب أننا نعلم بها. بمجرد أن يتلوث نظام سياسي بالعنف، تؤدّي التوقعات بمزيد من العنف إلى جعل ذلك العنف أكثر إمكاناً. وتتولّد دورة إنحدار إلى العنف يصعب الخلاص منها قبل أن يواجه الجسم السياسي حصاد زرعه. من يبادر إلى كَسْر تلك الدورة. كيف؟.

آدم غارفينكل، محرر فخري في "آميركان إنترست".
نقل النص إلى العربية : غسّان رزق.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الجمعة، 5 كانون الثاني/ يناير، 2019


[1]  يشير آدم غارفينكل إلى الكاتب الأميركي جورج أورويل (1903- 1950) في روايته الشهيرة "1984" التي وصف فيها نظاماً ديكتاتوريّاً شموليّاً (المترجم).

 

 

 

[2]  غابرييل شونفِلد، "صرخة " أطلقوا النار" في مسرح كثيف التسلّح: ذلك ما يفعله ترامب منذ ثلاث سنوات"، "نيويورك دايلي نيوز"، 27 أكتوبر 2018.

 

 

 

[3]  غارفينكل، "عن ترامبوبروليتاريا"، "أميركان إنترست"، 14 مارس 2016.

 

 

 

[4]  ناقَشْتُ تآكل الثقة الاجتماعيّة في الولايات المتّحدة في "بطريقة ما، نؤمن بالقليل جداً"، في "تي. إيه. آل. أون لاين"، 13 كانون الأول/ ديسمبر 2017.

 

 

 

[5]  يستخدم غارفينكل تعبير "معاداة السامية"، وهو مفهوم أيديولوجي صهيوني يحمل دلالات تاريخية ـ سياسية زائفة. نحن نستبدله بمفهوم معاداة اليهود أو العداء لليهود حيثما ورد في النص(المترجم).

 

 

 

[6]  برنارد مادوف (مواليد نيويورك، 1938)، هو أميركي يهودي، كان يدير أموال صناديق استثمار يهودية، وقام بعملية خداع كبيرة مزمنة لمالكيها. وتم كشفه في عام 2009، واعتقل وحوكم وسيق إلى السجن.

 

 

 

[7]  كولن كبيرنك هو لاعب بيسبيول أميركي شهير. التفتت الأنظار إليه في العام 2016، عندما ركع على ركبة واحدة أثناء أداء النشيد الوطني الأميركي، بدلاً من الوقوف، في حركة احتجاج ضد سياسة ترامب تجاه الأفارقة الأميركيّين. وانتشرت حركته في أوساط الرياضيّين الأميركيّين السود.

 

 

 

[8]  بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، شاع استعمال مصطلح "مقاومة" أميركيّاً في الإشارة إلى محتجين على رئاسته (المترجم).

 

 

 

[9]  جوليا لوف، "ما مدى مسؤولية ترامب عن حادث إطلاق النار في "بيتسبرغ"؟، "واشنطن بوست"، 28 أكتوبر 2018.

 

 

 

[10]  أنظر مقالي "الخوف والإرهاب"، في "عين أوروبيّة على التحوّل الراديكالي"، 25 يونيو 2018، وظهر أيضاً على الإنترنت بعنوان "انعدام الأمن القومي: الإرهاب والخوف"، "أميركان إنترست أون لاين"، 17 يوليو 2018.

 

 

وثائقي “اللوبي الإسرائيلي في أميركا” الذي لم تبُثُّه “الجزيرة” (فيديو 4 أجزاء)

نجح أحد صحافيي قناة «الجزيرة» في قطر، باختراق "اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية، وإعداد فيلم وثائقي هام عن عمل هذا "اللوبي" وأنشطته المتعددة فيها، التي يقع بعضها تحت طائلة الملاحقة القضائية الأميركية. مع انتهاء إعداد الفيلم وقبيل بثه، انفجرت الأزمة السعودية ـ القطرية في حزيران/يونيو عام 2017، وانحاز الرئيس دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر إلى السعودية. توجهت قطر إلى "اللوبي الإسرائيلي" طالبة دعمه للقيام بحملة سياسية وإعلامية لصالحها في أميركا، مقابل وقف بث الفيلم، ودفع مبالغ مالية معينة لعدد من منظمات هذا "اللوبي".
يكشف الفيلم توجس "اسرائيل" من تدهور صورتها وسمعتها في أوساط قطاعات متزايدة من الرأي العام الأميركي، خاصة بين طلبة الجامعات، بفعل نشاط حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS). فهذه الحركة التي تنشط في الجامعات، «مراكز صنع نخب الغد»، وبات لها فيها أنصار كثر، هي معقل التهديد الرئيسي بنظر حكومة العدو "الإسرائيلي".
لمواجهة هذا التهديد، أنشأت الحكومة "الإسرائيلية" وزارة جديدة، وزارة الشؤون الاستراتيجية، التي تتلخص وظيفتها في الإدارة والإشراف المباشر على حرب حقيقية سياسية وإعلامية ضد المتضامنين مع فلسطين. تستند هذه الحرب إلى قناعة القيّمين عليها بعدم جدوى اعتماد استراتيجية دفاعية عن "إسرائيل" في مواجهة خصومها، بل استراتيجية هجومية تستهدف تشويه سمعة من يجرؤ على نقد "إسرائيل" وسياساتها، وحتى تهديده في مصادر رزقه إن أمكن. 
أدوات الحرب شبكة من المنظمات الصهيونية الموجودة في أميركا ومراكز «أبحاث ودراسات» استُحدِثَت للمشاركة فيها، ومنها مثلاً معهد الدفاع عن الديمقراطية التي تقرّ مديرة الوزارة بأنه يعمل لحسابها، ومجموعات سرية تتجسس على المناضلين المؤيدين لفلسطين وعلى حياتهم المهنية والخاصة، ومن تنشر أسماءهم ومعلومات تفصيلية عنهم على مواقع على الإنترنت والاتصال بالشركات أو المؤسسات التي يعملون لديها للتحذير من مغبة بقائهم في وظائفهم. ويعترف عدد من العاملين في شبكات الحرب "الإسرائيلية" بأنهم يحصلون على مساعدة مباشرة من الحكومة "الإسرائيلية" في مجمل العمليات التي ينفذون، بما فيها تأمين حصولهم على أحدث تقنيات التنصت والحرب السبرانية والبرامج المعلوماتية. يتضمن الفيلم أيضاً معطيات مهمة عن كيفية شراء هذه الشبكة تأييد أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركيين لـ"إسرائيل"، عبر تمويل حملاتهم الانتخابية وأنشطتهم. 
حصلت جريدة «الأخبار» اللبنانية على الفيلم من جهات صديقة، وهي تبثّه على موقعها بالاشتراك مع موقع "شرق XXI" في فرنسا وموقع «إلكترونيك انتفاضة» في الولايات المتحدة.

ويقوم موقع الحقول ببث الفيلم بكامل أجزائه، طلباً للفائدة السياسية العامة :

 

"اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية : الجزء الأول

"اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية : الجزء الثاني

"اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية : الجزء الثالث

"اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية : الجزء الرابع

 

مركز الحقول للدراسات والنشر
6 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2018

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دمشق: «التحالف الأميركي» استخدم أسلحة محرمة دولياً ضد السوريين.. وموسكو تدعو إلى إجراء تحقيق دولي 

وجّهت وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية رسالتين إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن حول اقتراف «التحالف الدولي» غير الشرعي جريمة جديدة بحق سكان مدينة هجين في محافظة دير الزور، حيث استهدفهم بقنابل الفوسفور الأبيض المحظورة دولياً ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من المدنيين.

وقالت الوزارة في رسالتيها: أقدم «التحالف الدولي» غير الشرعي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية على اقتراف جريمة جديدة بحق المدنيين السوريين الأبرياء بعد أن قام طيرانه الحربي يومي الـ 13 و الـ 14 من تشرين الأول 2018 باستهداف المنازل السكنية في مدينة هجين في محافظة دير الدور بقنابل الفوسفور الأبيض المحظورة دولياً، حيث أسفرت هذه الجريمة النكراء عن استشهاد وإصابة عدد من المدنيين معظمهم من النساء والأطفال.

وأضافت الوزارة: أن استخدام «التحالف الدولي» أسلحة محرمة دولياً ضد الشعب السوري أصبح سلوكاً ممنهجاً ومتعمداً لهذا «التحالف» في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وصكوك حقوق الإنسان حيث تشكل هذه الجريمة حلقة في سلسلة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها بحق الشعب السوري ومنها استمراره بدعم الإرهاب واستخدامه الإرهابيين والميليشيات الانفصالية لتحقيق أغراضه ومخططاته العدوانية التي تستهدف سيادة ووحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية.

وتابعت الوزارة: إن الجمهورية السورية تطالب مجددا مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين وإجراء تحقيق دولي بهذه الجرائم وإدانتها والتحرك الفوري لوقفها ومنع تكرارها وإنهاء الوجود العدواني للقوات الأميركية والقوات الأجنبية الأخرى الموجودة بشكل غير شرعي على الأراضي السورية ومنعها من تنفيذ مخططاتها الرامية إلى تقويض وحدة وسلامة أراضي الجمهورية السورية.

وبينت الوزارة في رسالتيها أن الجمهورية السورية كانت أشارت في رسائلها العديدة السابقة ومنها رسائلها المؤرخة في الـ 6 والـ 17 من آب 2017/ والصادرة بالوثيقتين 684-2017/اس و 717-2017/اس إلى قيام «التحالف الدولي» بالاستخدام الممنهج لقنابل الفوسفور الأبيض المحظورة دولياً في قصف الأحياء السكنية في محافظات الرقة ودير الزور وحلب والحسكة وطالبت مجلس الأمن بالتحرك الفوري لوقف هذه الجرائم ومنع تكرارها.

من جهته، طالب نائب رئيس لجنة شؤون الدفاع في مجلس الدوما الروسي يوري شفيتكين بفتح تحقيق أممي يتعلق بقصف طيران «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن بحجة محاربة إرهابيي «داعش» في مناطق في ريف دير الزور بأسلحة محرمة دوليا.

وقال شفيتكين لوكالة سبوتنيك الروسية: «يجب على الفور إرسال طلب مناسب إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإجراء تحقيق رسمي حول هذا القصف وإحالة الأمر إلى مجلس الأمن الدولي».

وأضاف شفيتكين: إن «هذا العمل انتهاك صارخ لحقوق مواطني الجمهورية السورية ويجب بحث مثل هذه الأفعال في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومن ثم في الجمعية العامة للأمم المتحدة لأن هذه الأفعال تهدد ضمان الاستقرار والأمن بشكل عام في العالم».

كما أعرب رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد الروسي قسطنطين كوساتشوف عن عزم موسكو طرح مسألة استخدام قنابل الفوسفور الأبيض المحرمة دولياً من قبل تحالف واشنطن في سورية أمام الهيئات الدولية.

ولفت كوساتشوف إلى أن موسكو تنتظر المعطيات الجديدة وستطرح طبعا مسألة التحقيق في ذلك أمام الهيئات الدولية لأنه من المعروف بالطبع أن ما يسمى اصحاب الخوذ البيضاء لن يقوموا بأي تحقيق موضوعي لأنهم لن يحصلوا على أوامر كهذه أبدا.

وأكد كوساتشوف أن استخدام الفوسفور الأبيض محظور بموجب البروتوكول الاضافي الذي اقر عام 1977 لمعاهدة جنيف حول الدفاع عن ضحايا الحرب لعام 1949.

وفي السياق، رفض التحالف الدولي بقيادة واشنطن الكشف عن طبيعة الذخائر التي يستخدمها في ضرب سورية، ومع ذلك ادعى متحدث باسم البنتاغون لو
كالة نوفوستي الروسية، بأن هذه الذخائر تخضع للمعايير الدولية.

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية، أن «التحالف لن يناقش علناً استخدام أنواع محددة من الأسلحة والذخيرة في العمليات الجارية» في سورية.

وقال المصدر: «ومع ذلك فإن أي سلاح متاح للولايات المتحدة يتم تقييمه من وجهة نظر قانونية.. لمدى امتثاله لقواعد الحرب».

وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الائتلاف الأميركي ذخائر محظورة في سورية، حيث أفاد المركز الروسي للمصالحة في سورية مطلع سبتمبر الماضي، بأن طائرتين أميركيتين من طراز «إف-15» ضربتا بلدة هجين بالقذائف الفوسفورية المحظورة دولياً ما أدى إلى اشتعال حرائق واسعة في البلدة، فيما ادعى البنتاغون بأنه لا يمتلك أي ذخيرة من الفسفور الأبيض في الخدمة.

وتعتبر قنابل الفسفور أسلحة دمار شامل واستخدامها محظور بموجب البروتوكول الملحق باتفاقية جنيف لعام 1949.

استخدام هذه الذخيرة يؤدي إلى اندلاع الحرائق، التي تولد الغازات السامة، مما يمثل عامل ضرر إضافياً حتى على المدنيين في مناطق بعيدة عن أماكن سقوطها.
وكالات، 14 تشرين الأول/ أوكتوبر، 2018

“قانون القومية” : الأيديولوجيا الصهيونية واصطناع هوية يهودية

يمكن تعريف الأيديولوجيا السياسية بأنها منظومة من الاعتقادات المعبّرة عن مجموعة من الرؤى والمصالح والمشاعر لجماعات اجتماعية معينّة مقابل جماعات أخرى، وتتسم بقدر معيّن من الثبات النسبي عبر الزمن، وبالتزام قوي من طرف معتنقيها. بعبارة أخرى، إنها تمثل النظرية وقد انخرطت في الممارسة أو الحركة السياسية، وتبلور الصورة التي ترغب الجماعة في أن تنظر إلى نفسها وإلى الأغيار من خلالها، كمقدمة للفاعلية الحركية. أي أنها تبلور ما يعرف بالهوية.
وتتباين الأيديولوجيات من حيث القرب أو البعد عن تمثيل الحقيقة الموضوعية للكون والمجتمع، فقد تقترب، اقتراباً شديداً من تلك الحقيقة لدرجة التطابق النسبي؛ وقد تبتعد عن الحقيقة ابتعاداً تاماً لدرجة صيرورتها نوعاً من «الوهم». وهذا الأخير هو ما نجده منطبقاً على الأيديولوجية الصهيونية، على سبيل المثال الدالّ، كما سوف نرى.
ولقد بدأ شيوع مصطلح الأيديولوجيا خلال القرن التاسع عشر في خضم توسع المدى العقائدي للفكرة القومية في أوروبا. وكان لكارل ماركس (1818-1883) نوع من فضل الريادة في استخدام المصطلح بمنحى اجتماعي في كتابه «الأيديولوجية الألمانية» الصادر عام 1845. وبشكل عام كانت للأيديولوجيا دلالة سلبية أو «رجعية» إن شئت. وبهذا المعنى، فإن كارل مانهايم (1893-1947) رائد «علم اجتماع المعرفة»، في كتابه «من الأيديولوجيا إلى اليوتوبيا»، خصّ مصطلح اليوتوبيا بالمدلول الثوري القائم على التغيير ذي الطابع التقدمي، كنقيض للأيديولوجيا التي تميل، عنده، إلى إضفاء الشرعية على الوضع القائم.
ولكن «الأيديولوجيا» سرت مسرى النار في الهشيم في أتون توسع وتعمّق كل من الحركة الاشتراكية وحركة التحرر الوطني التنموية خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستخدمت في كليْهما بالمعنى الثوري العام.
ونحن نرى أن الأيديولوجيا يمكن أن تكون «ثورية» كما قد تكون «رجعية»، وهي في الحالين تطبع صورة الهوية القومية أو الطبقية أو «الجماعوية» على صفحة الفكر ذي الطابع الفلسفي، لتعبّر عن رؤى ومصالح ومشاعر مندمجة في كلٍ عقائدي ملتحم.
بهذا المعنى نرى أن الصهيونية هي أيديولوجية قبل أن تكون حقيقة تاريخية، وهي أيديولوجية رجعية بالتأكيد. وكذلك كانت منذ بلورتها في أعمال «المؤتمر اليهودي العالمي» بدورته الأولى المنعقدة في مدينة بال السويسرية عام 1897 بقيادة هرتزل، كتمظهر حديث للفكرة «اليهودية السياسية» الرافضة دائماً لفكرة الاندماج الأوروبي والساعية إلى «الانسلاخ» (انطلاقاً من الانعزال «الغيتوي»). وقد وقع ذلك عبر البحث عن «ملاذ وطني» للأقليات اليهودية، يكون خارج بلدانها الأصلية الواقعة في القارة الأوروبية بالذات، شرقاً وغرباً، (وليكن ذلك في أوغندا أو الأرجنتين أو فلسطين أو غيرها) هروباً مما يعتبرونه «الاضطهاد». وتفاعلت تلك الفكرة ببذورها وجذورها مع تطورات الأحداث في أوروبا على امتداد القرن التاسع عشر، على نحو ما تم تصويره بمناسبة الحادثة المعروفة بقضية «دريفوس» في فرنسا، لتصوغ فكرة «الانسلاخ» للتخلص من «الاضطهاد». وقد تمت محاولات من أجل نقد ونقض الفكرة اليهودية السياسية، كما ظهر، على سبيل المثال، في كتيّب «المسألة اليهودية» لكارل ماركس، المنشور عام 1843.
وتعتبر الأيديولوجيا الصهيونية الرجعية ردّ فعل إزاء ما سمّي بالمشكلة اليهودية في أوروبا خلال العصور الوسطى والشطر الأكبر من العصر الحديث وبخاصة خلال القرن التاسع عشر. ومنذ البداية شكلت مخرجاً لكل من العنصرية الأوروبية شرقيّها وغربيّها، ونظيرتها العنصرية اليهودية المتعلقة بأذيال رأس المال المالي الأوروبي والإقراض الربوي على المستويين العالمي والمحلي، وذلك عن طريق محاولة تحويل اليهود من أقلية مظلومة أو مسودة إلى أقلية سائدة أو ظالمة.
هكذا تخيلت الأيديولوجيا الصهيونية منذ بداياتها صورة الأقليات اليهودية في أوروبا كشعب يبحث عن «أرض وطنية مخصوصة» National Homeland. وفي هذا السياق تم التواصل بين قيادات «المؤتمر اليهودي العالمي» والسلطات البريطانية المنتدبة استعمارياً، من قبل «عصبة الأمم» على فلسطين، وذلك حتى تم صدور «وعد بلفور» (الإجرامي) البريطاني عام 1917 لمصلحة إقامة «سكن وطني» لليهود في فلسطين Establishment in Palestine of a National home for the Jewish People. وبعد ثلاثين عاماً تحول «السكن الوطني» المزعوم إلى «إقليم دوْلتيّ» عام 1948 وداخل فلسطين بالذات.
ومن ضمّ الإقليم المنتزع على امتداد ثلاثين عاماً، وبخاصة خلال «حرب النكبة»، ضمّه إلى ساكنة فلسطين الغزاة الجدد من المهاجرين اليهود المستوطنين، وإلى الحكومة التي كوّنتها «ميليشيات» المستوطنين الغازين. تتكون «الدولة» بمفهومها السائد في علم السياسة الغربي، ذات العناصر الثلاثة (حكومة وسكان وإقليم). هي إذن الدولة State ولكنها ليست أية دولة، وإنما هي «دولة يهودية» – وإن شئت فقل «دولة لليهود» – بمقتضى قرارات «الأمم المتحدة»، وبالتحديد «قرار تقسيم فلسطين» الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم 181 لعام 1947) إلى دولتين: يهودية وعربية. وقد ابتلعت الدولة اليهودية في ما بعد الدولة العربية المفترضة ابتلاعاً تاماً.
وغلّفت مقتضيات الأيديولوجيا وقائع التقسيم، فطوّرت مصطلح «الدولة اليهودية» إلى «دولة يهودية ديموقراطية» تسمى بالعربية إسرائيل، وهو ما ورد في وثيقة إعلان «قيام الدولة» المزعوم والمسمّى في الأيديولوجيا «إعلان الاستقلال»، وترتب عليه طلب الاعتراف من أعضاء المجتمع الدولي ثم طلب العضوية في «الأمم المتحدة». واستند قرار قبول العضوية تلك (رقم 273 لعام 1949) إلى قبولها «قرار التقسيم» آنف الذكر، المتضمن إقامة «دولة عربية»، والقرار 194 لعام 1948 للجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص قضية اللاجئين. 
اصطنعت الأيديولوجيا الرجعية إذن هوية ديموقراطية للدولة اليهودية، ولم تجد تناقضاً بين الهوية المؤدلجة هكذا وبين تطبيق «الحكم العسكري» إزاء أهل فلسطين لنحو ثلاثة عقود زمنية، معتبرة إياهم في أفضل الأحوال من قبيل السكان الأصليين Natives على غرار شعب الهنود الحمر في أميركا الشمالية قبل «إعلان الاستقلال» للولايات المتحدة الأميركية عام 1776.
وقد دلّت التجربة التاريخية للممارسة الصهيونية في فلسطين (أي تفاعل الأيديولوجية مع الواقع) على أن هوة التفارق بين الأيديولوجيا والواقع غير قابلة للردم أو التجسير. فالأيديولوجية ترسم صورة هوية «قومية» لشعب ليس بشعب (الطوائف اليهودية القادمة من أقطار الأرض الأربعة تحت مسمّى رمزي «الشتات» أو «الدياسبورا»). أما الواقع فمفعم بالمقاومة، سواء أثناء وبعد 1948، ثم على إثر توسيع رقعة الواقع الاحتلالي عام 1967 ليصبح اليهود هم العدوّ، من وجهة نظر العرب، بعد أن كان العرب – بمقتضى الأيديولوجيات والممارسة الصهيونية – هم «العدوّ» من قبل. تجسّم الاحتلال إذن ليصبح عدواً. ومن قلب «العداء الإسرائيلي»، نشأت منذ منتصف السبعينيات – بعد حرب أكتوبر 1973 مصرياً وسورياً – عملية «الأسرلة» أي العمل على تحويل العرب من أهل فلسطين الباقين في بلادهم إلى «مواطنين إسرائيليين» في دولة تزعم أنها «لكل المواطنين».
بعد اتفاق أوسلو 1993 تنامى الوعي الوطني- القومي لدى الفلسطينيين الواقعين في أسر الاحتلال منذ 1948، وهو الاتفاق القاضي بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على الأرض المحتلة بعد 1967 (الضفة الغربية وغزة). وتنامي الوعي مرات أخرى، على إثر «الانتفاضة الأولى» – انتفاضة الحجارة – لعام 1988، ثم في سياق «الانتفاضة الثانية» – للأقصى والاستقلال – منذ 2001 حتى 2004، وما تلاها.
وفي ظل تكثف الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية و«القدس الكبرى» بعد 1967، برزت صورة الواقع المعاندة للأيديولوجيا. وللمرة الأولى يتجسد الواقع في صورة مرآوية للهوية الفلسطينية على مرتكزات المقاومة متعددة الأشكال، والمتجددة في الضفة وغزة، بخاصة غزة، ومرتكزات الديموغرافيا المتحولة فلسطينياً عن طريق قلب المعادلة السكانية بين العرب واليهود ليتجه إلى تعادل تقريبي بعد اختلال (سبعة ملايين نسمة تقريباً داخل حدود فلسطين التاريخية). 
الهوية الفلسطينية، بادئةً بقدر متواضع من مساحات وأعماق الأيديولوجيا الثورية، امتدت وتجذرت عبر الزمن، لتصنع «واقعاً» مغايراً: حيث الاستيطان يبتلع الأرض، ولكن على العكس من ذلك يزيد كمّ ووعي البشر. سقطت إذن معادلة «الإبادة» الأميركية للهنود الحمر (من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر) حين تم إلغاء البشر مع الاستيلاء على الأرض.
هنا في فلسطين يحدث العكس: تنزع ملكية الأرض ويغزوها «العدوّ»، بينما أن «الآخر» (العدوّ أيضاً) لا يُنتزع ولا يتم تأثره سلبياً بصورة جوهرية بفعل الغزو، وإنما ينمو. في ظل هذا الواقع الذي تجسد على وقع الانتفاضة الثانية، ومن بعدها بنحو عشر سنين، بدأت الدوائر الأشدّ تأدلجاً في المعسكر الصهيوني تطرح، منذ 2013، مشروعاً لتحويل صورة الأيديولوجيا – الوهم إلى قانون مشرّع ذاتياً، يضعه يهود إسرائيل لأنفسهم، لحماية «الذات» من «الآخر – العدوّ». إنه مشروع القانون الذي طرح على برلمان «الدولة» ليؤكد اليهود في إسرائيل لأنفسهم هوية اصطنعتها الأيديولوجيا، أنهم يهود ويظلون كذلك، وكذا دولتهم: دولة يهودية بالذات، مع استبعاد كلمة «ديموقراطية» من تعريفها.
هذا هو فحوى مشروع القانون الذي تم إقراره – بغالبية ضئيلة مع ذلك – في «الكنيست» صبيحة يوم 19 يوليو/ تموز 2018 (إسرائيل كدولة قومية – دولة/ أمة Nation-State للشعب اليهودي).
بذلك تخيلت الأيديولوجيا هوية قومية قائمة على الانتماء الديني، أمة دينية، إن شئت، أمة يعلن قيامها بقانون. وهل تنشأ الأمم بقانون؟ أم أن «تكوّن الأمم» هي عملية تاريخية معقدة طويلة الأجل، لدرجة أن من المشكوك فيه أن يُعتبر «الأميركيون» «أمة» بالمعنى العلمي، من وجهة نظر العديد من دارسي الأمم والقوميات المعاصرة.
الأيديولوجيا إذن شرعت لنفسها صورة قانونية للهوية: إسرائيل كدولة – أمة للشعب اليهودي Israel as the Nation-State of The Jewish People دولة-أمة، لشعب يقيم على أرض غيره ويسميها «أرض إسرائيل» التي يعرفها صهيونيون كثر بأنها تشمل عبرياً «يهودا والسامرة» – كامل الضفة الغربية. أما «أهل فلسطين» فهم خارج «الدولة-الأمة» لأنهم خارج الأمة، وليسوا من الشعب في دولة ليست لكل مواطنيها. إنها إسرائيل التي لم تعد تعمل على تعميم «أسرلة» السكان وإنما تعمل على تقسيمهم إلى شعبين: شعب يهودى ليس بشعب ملتحم في الحقيقة بالمعنى السوسيولوجي- التاريخي، وشعب عربيّ هو عين الحقيقة. 
إسرائيل إذن لم تعد هي إسرائيل، إذ تقرر مصيرها طائفة من السكان من دون غيرهم، لهم لغتهم الرسمية وأعيادهم ورموزهم، من دون سواهم. وإسرائيل هذه (غير الإسرائيلية) أُعلنت، وشرعّت لنفسها من هو «الأنا» ومن هو «الآخر-العدو»، حين اصطنعت لنفسها أيديولوجيا تعكس على مرآة ذاتها هوية مخصوصة متطابقة مع النزعة «العدوانية» نحو الخارج.
فإلى أين تتجه تلك الأيديولوجيا بأصحابها؟ وإلى أين يذهب مسار الهوية التي اصطنعتها الأيديولوجية اصطناعاً، في تعارض كليّ مع الواقع ؟ هذه هي المسألة.

محمد عبد الشفيع عيسى، أستاذ في معهد التخطيط القومي في القاهرة
الإثنين 27 آب / أغسطس 2018

ما هي أطماع “إسرائيل” في القرم الروسية؟

في القرم نفسه، حيادية مطلقة، على الأقل بالنسبة للمستجمين. فيما يبقى وضع القرم ما وراء الكادر. فروسيا تعده روسيّاً، وأوكرانيا "أرضا محتلة"، وتتار القرم "موطنا أصليا". وها هم اليهود لا يمانعون العيش على أرض شبه الجزيرة هذه، كمواطنين بكامل الحقوق، وليس كسيّاح. فإضافة إلى 6-8 آلاف منهم يعيشون في القرم، توجّه حوالي 40 ألفا بطلب إلى رئيس روسيا فلاديمير بوتين لمنحهم الجنسية الروسية وإمكانية العيش في القرم.

لنعد إلى تاريخ المسألة. ففي العام 1919، رفض لينين فكرة إنشاء حكم ذاتي يهودي في القرم. وقد اقترحت قوميسارية اليهود ذلك، في عداد قوميسارية القوميات التي اشتغلت على البحث عن أراضي خالية لإسكان اليهود الذين كان عددهم في روسيا آنذاك قرابة 3 مليون. وإلى ذلك الحين، عاش في القرم أكثر من 50 ألف يهودي. وأرسل إلى هناك، حتى العام 1936، ما بلغ مجموعه 300 ألف يهودي. وتعرضوا للاضطهاد- كما يقول كاتب المقال- من تتار القرم الذين لم يعجبهم جيرانهم الجدد. وأعيد طرح فكرة إنشاء حكم ذاتي يهودي في القرم في وقت لاحق، في فبراير 1944، ولكن ستالين لم يقبل بها، فقد اعتبر أن مكان هذا الشعب هو فلسطين.

لكن الزمن يتغير. اليهود لا يحتلون القرم، ولكنهم ليسوا ضد أن يستقروا فيه. ويعبّرون، خلافا للولايات المتحدة وألمانيا، بتحفظ كاف عن موقفهم من عودة القرم إلى عداد روسيا.

وفي الصدد، قال نائب المدير العام لوزارة الخارجية "الإسرائيلية" أليكس بن زيفي، العام الماضي: "أي قرار سيتخذ على أساس الحوار الروسي ـ الأوكراني سوف يناسبنا.. فحتى يتم التوصل إلى إجماع، تعتزم "إسرائيل" الحفاظ على موقف محايد".

يمكن افتراض أي شيء، خاصة وأن ساحة الألعاب السياسية لا يمكن التنبؤ بها. وكخيار: سوف يتم تطوير شبه جزيرة القرم الروسية بمساعدة "إسرائيل"، التي على استعداد لتوظيف استثماراتها فيها وإعادة توطين يهود من أصل سوفيتي هناك. كييف في هذه الحالة سوف تغلق فمها تلقائيا حول "الضم"، وسوف تلغي واشنطن العقوبات، وسوف تحافظ موسكو على التفوق الإقليمي (في المقام الأول بفضل القواعد العسكرية). وبالنتيجة، فإن شبه جزيرة القرم لنا.. هي على أية حال لنا.

فيكتور سوكيركو،  جريدة "الصحافة الحرة" / "سفوبودنايا بريسا" الروسية
نقلاً عن موقع روسيا اليوم، 10 تموز / يوليو، 2018
محرر الحقول : عنوان المقال الأصلي : "إسرائيل تعلن عن حقوقها: القرم لنا"

شؤون يهودية : تراجع لجنة “ايباك” وبروز “مجموعات ضغط” أميركية جديدة

 

في الوقت الذي يجتمع فيه 20 ألف عضو في لجنة الشؤون العامة الاميركية- "الإسرائيلية"/””ايباك”” في واشنطن، لحضور مؤتمرها السنوي، فإن هذه اللجنة أصبحت أقل أهمية وأقل فعالية في مهمتها التي بدأت منذ 50 عاماً لتعزيز الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" ومحاربة الحقوق الشرعية للفلسطينيين.
المعطيات كلها واضحة لكن اللجنة تختار أن تتجاهلها بسبب سياستها المبنية على دعم أي حكومة "إسرائيلية" في السلطة، وأي إدارة أميركية تدعم "إسرائيل" بغض النظر عن أي حزب يحكم في الوايات المتحدة.
رغم التزايد الملحوظ في عدد المنتسبين إليها، ما يزيد عن مئة الف عضو، لم يعد نموها واسعًا بين اليهود الاميركيين، وينحصر فقط بين اليهود الاميركيين الذين يميلون إلى أقصى اليمين.

يميل أنصار “ايباك” إلى معارضة حل الدولتين، وتشجيع التوسع وحتى ضم المستوطنات "الإسرائيلية" إلى الأراضي الفلسطينية. إنهم يرعون كل تشريعات معادية للفلسطينيين في الكونغرس ويعاملون أعضاء الكونغرس ككلابهم الصغيرة، ويشترون ذممهم عبر المساهمات المباشرة وغير المباشرة.

تميل قاعدة عضوية” ايباك” الجديدة إلى أن تكون أقل ليبرالية في قضايا الحقوق المدنية وأقل تسامحاً مع يهود أميركيين موضوعيين سواء علمانيين أو دينيين. وفي ما يلي أعرض الحقائق والثوابت لـ “ايباك” الجديدة:

1- اليهود الاميركيون أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، ليس في ما يتعلق بحق إسرائيل في الوجود وكونهم أقوياء، بل يتساءلون عن سياسات الاستيطان المضللة لـ"إسرائيل"، والاستمرار في تجاهل الحقوق الإنسانية والسياسية للفلسطينيين تحت سيطرة "إسرائيل". لقد أصبحوا أكثر قبولاً بحل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد الذي يضمن “يهودية” دولة "إسرائيل" والطريق الوحيد المقبول أخلاقياً لحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.

2- لقد تغير المشهد السياسي الأميركي وفقاً لمسح أجراه مركز بيو للأبحاث في يناير من هذا العام ، فإن 79 في المئة من الجمهوريين يتعاطفون مع "إسرائيل" أكثر من الفلسطينيين، في حين أن الرقم بين الديمقراطيين (تاريخياً، الحزب الذي ينتمي إليه معظم اليهود الاميركيين)، فإن الأرقام تظهر بشكل كبير. فقط 27 في المئة من الديمقراطيين يتعاطفون مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين.

هل تحتاج “ايباك” إلى تذكير من الذي فاز في آخر انتخابات رئاسية، ترامب أم هيلاري؟ وماذا لو فاز الديمقراطيون في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بالكونغرس، وفي عام 2020، فازوا بالبيت الأبيض؟

3- العديد من اليهود الاميركيين ليسوا سعداء بمعاملة نتنياهو الخادعة لمخاوفهم الدينية. نتنياهو تجاهل “اتفاقية الحائط الغربي” التي مارسها من أجل الحصول عليها، وذلك للحفاظ على دعمه لليهود الأرثوذكس ولمساعدته على التمسك بالسلطة، فشل نتنياهو في الاعتراف بشرعية الإصلاحيين واليهود المحافظين.

4- احتضنت هذه اللجنة الرئيس ترامب، رغم تعصبه، واعتمدت سياسات الفاسدين، التي اتهمت تقريباً، بتأثير نفوذ بنيامين نتنياهو. ولقد أدارت ظهرها للحزب الديمقراطي وكانت غير مبالية بمخاوف الاميركيين واليهود الاميركيين الشباب الذين، في ضوء الدعم الذي قدموه إلى المرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز، أظهروا عدم ثقتهم في سياسات "إسرائيل" واتجاه السياسة العامة.

5- رغم احتضان ترامب لإسرائيل من خلال تعيين مؤيد قوي للمستوطنين كسفير للولايات المتحدة في "إسرائيل" ثم في ديسمبر/ كانون الأول من خلال الاعتراف بالقدس، وليس فقط القدس الغربية، كعاصمة لـ"إسرائيل"، فإن شخصية ترامب الأنانية المهووسة لا تزال تريد تنفيذ “نهاية المطاف”. بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين. مهما كانت هذه الصفقة النهائية فظيعة بالنسبة للفلسطينيين، ليس لدي أي شك في أنها ستضم عناصر سيجد كل من “ايباك” و"إسرائيل" أنها غير مقبولة على الإطلاق.

ماذا لو قامت القيادة الفلسطينية بخطوة ذكية لمرة واحدة واستخدمت الصفقة المعروضة عليها كخطوة إلى صفقة أفضل؟ سينتهي الأمر في نهاية الأمر بتأليب ترامب ضد كل من “ايباك” وحكومة "إسرائيل" اليمينية.

6- يعلم الجميع أن إدارة ترامب موجودة في خارطة "إسرائيل" وحول كل القضايا الأخرى التي تهم اليهود. نمت [ما يسمى مشاعر] معاداة السامية بشكل كبير خلال فترة ترامب. إن التزامه بتحقيق هدف "إسرائيل" بضم المستوطنات ليس مضموناً إلى حد بعيد ومتذبذب.

إن ترامب ومستشاريه الأكثر نفوذاً ليسوا غافلين عن حقيقة أن حتى اتفاقية غير كاملة أو اتفاقية سلام غير عادلة تتطلب من "إسرائيل" تقديم تضحيات، وحتى الآن، لا أحد يعرف كم هي مؤلمة.

7- في غياب التهديد الوجودي لبقاء "إسرائيل" من قبل أي مزيج من القوة العسكرية العربية أو الإيرانية، تبخر الإجماع الكبير الذي كان موجودًا من قبل بين اليهود الاميركيين على "إسرائيل". لماذا يجب أن يستمروا في دعم حكومة "إسرائيل" بشكل لا لبس فيه خصوصا تحت قيادة سياسي ينتهك السلطة وينتهي مثل نتنياهو؟

بالنسبة لكثير من اليهود الاميركيين الواعين، هناك مجموعات يهودية أفضل وأكثر اهتماما بشكل متزايد يمكن أن تتحول إلى مثل “JStreet”، وهي جماعة موالية لـ"إسرائيل" تستفيد من زوال “ايباك” بموقفها الوسطي والمؤيد للسلام. وصوت اليهود من أجل السلام “JVP” الذي يدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني ويعمل من أجل المساواة والأمان والحرية لكل من الفلسطينيين و"الإسرائيليين".

لقد ادت”JVP” دورًا بارزًا وبرزت في السلطة والنفوذ بعد دعمها القوي لرئاسة بيرني ساندرز وأجندته في "إسرائيل". وزاد نتنياهو غضب 200 الف جندي من انصاره وجيشه من خلال حرمان زعمائهم من دخول "إسرائيل".

 

لا يمكن إنكار أن “ايباك” صارت أقوى لوبي فعال في تاريخ الولايات المتحدة، ربما لا تنافسه سوى جمعية البنادق الوطنية “NRA”. ومع ذلك ، تغيرت واشنطن وتغيرت أميركا، والأهم من ذلك، أن موقف "إسرائيل"وإدراكها في أميركا قد تغير كذلك.

بشارة بحبح، أميركي من أصل فلسطيني.

13 آذار / مارس، 2018
المحرر : أعيد نشر المقال في موقع الحقول لأهميته التحليلية والتوثيقية، يوم 27 حزيران، 2018

شؤون يهودية : اغتيال بسام الشكعة وكريم خلف ودور الإرهاب الصهيوني “الحكومي” و”المدني”

كشفت صحيفة  “هآرتس” الصهيونية في عددها الصادر أمس الاحد، تفاصيل وثيقة / محضر اجتماع تم تصنيفه في "إسرائيل" كمواد سرية للغاية، ويجري كشفه للمرة الأولى. ويؤكد هذا المحضر أن الإرهاب الصهيوني الذي تديره الأجهزة الرسمية في كيان العدو ضد العرب الفلسطينيين، متكامل مع إرهاب المستوطنين.

وقالت الصحيفة إن “تنظيما سريا إسرائيليا متطرفا نفذ عمليات إرهابية، بحماية من أجهزة الدولة، عبر تفخيخ ثلاث سيارات لرؤساء بلديات في الضفة الغربية، في 2 حزيران/ يونيو 1980، ما أسفر عن إصابة رئيس بلدية نابلس حينها، بسام الشكعة، ورئيس بلدية رام الله كريم خلف، بجروح بالغة، في حين أجريت عملية تفكيك للعبوة التي زرعت في السيارة الثالثة، لكنها تسببت في فقدان خبير متفجرات إسرائيلي بصره”.

وأشارت الصحيفة الصادرة في فلسطين المحتلة إلى أنه "في اليوم التالي، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها مناحيم بيغن، اجتماعا مع كبار المسؤولين في الجهاز الأمني، وكان بينهم رئيس الأركان رفائيل إيتان، منسق أعمال الحكومة في المناطق، والجنرال داني ماط، ورئيس جهاز الأمن العام / شاباك أبراهام أحيطوف".  ووفق الصحيفة فإن “محضر الاجتماع كشف عن تخبط الجهاز الأمني بشأن كيفية التعامل مع عمليات التنظيم السرى الإسرائيلي”.

وأضافت أن “رئيس جهاز شاباك، أحيطوف رفض تقديم خلاصة معلومات للحضور خلال الاجتماع السري، بسبب الخوف من التسريبات”، وقالت أنه “اقترح قبل ذلك فرض الاعتقال الإداري على مواطنين إسرائيليين"، وردا على ذلك "وبخه رئيس الحكومة بيغن، وقال له: هذه الإمكانية ليست مطروحة”. وقال بيغن: “ليس من المستبعد أن تكون الجرائم التي وقعت (2 حزيران/ يونيو 1980) ارتكبها يهود، لكننا لن نعتقل الناس عبثا”. ثم مضى بيغن قائلاً  : “عندما وافقت على الاعتقال الإداري (في الحالات السابقة).. لم أكن مثل الأمس وأمس الأول..، وبالنسبة لي كمواطن هذه الأمور صعبة للغاية (اعتقال من قام بعملية التفجير من اليهود)”.

وخاطب بيغن المجتمعين: “يجب عدم اعتقال أي شخص، هذه هي أوامري ويجب التحلي بالصبر، وإذا تبين أنهم يهود، فسيتم مقاضاتهم حسب القانون”. ووذكرت  "هآرتس" أن "التقديرات التي عرضها رؤساء الجهاز الأمني الإسرائيلي على الإجتماع رجحت إمكانية اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية بعد التفجيرات" في 2 حزيران 1980. وقال رئيس جهاز شاباك : “ما حدث قد حدث والظروف مزعجة للغاية، والسؤال: كيف ستتطور السياسة في المستقبل القريب؟”.

وتقدم هذه الوثيقة دليلاً مفيداً على رعاية الحكومة الصهيونية للإرهاب "المدني"، الذي يرتكبه المستوطنون الصهاينة ضد الشعب العربي الفلسطيني، تحت حماية جيش الإحتلال الصهيوني، الذي ينشر الإرهاب الصهيوني "العسكري" ضده.  

مركز الحقول للدراسات والنشر
19 آذار / مارس، 2018

Augmentation du budget français de la Défense : quel sens stratégique ?

Le projet de loi de programmation militaire (LPM) 2019-2025 qui inscrit le financement de la stratégie de défense militaire de la France dans une logique pluriannuelle a été adopté en Conseil des ministres le 8 février dernier. Ce texte se démarque des lois précédentes par un « effort budgétaire inédit » (selon les termes du Président Macron) avec l’allocation de moyens substantiels à la Défense qui pourraient atteindre 295 milliards d’euros à l’horizon 2025 soit 2 % du PIB de la France.

Selon les prévisions de la LPM, le budget de la Défense estimé à 34 milliards d’euros en 2018 devrait connaitre une hausse d’1,7 milliard d’euro par an jusqu’en 2022, il reviendra ensuite au gouvernement issu de la prochaine élection présidentielle d’intensifier l’effort pour parvenir à 3 milliards par an. La LPM intègre les priorités stratégiques et les défis identifiés par la Revue stratégique de défense et de sécurité nationale publiée en octobre 2017 qui remplace les précédents livres blancs et actualise la réflexion de 2013 en prenant acte de la nouvelle donne stratégique mondiale.

Dans ce document l’accent est mis sur le danger auquel concourent la croissance des menaces asymétriques, la prolifération de systèmes d’armes conventionnels sophistiqués et le militarisme à outrance des Etats. Le ton général du texte est celui de la nécessaire remise à niveau sur le plan de la modernisation technologique face au constat d’une compétition acharnée entre grandes puissances pour la maitrise des systèmes de technologie de pointe. « L’émergence et la diffusion de nouvelles technologies, sources d’opportunités, remettent aussi en cause la supériorité technologique des armées occidentales et fragilisent leurs industries de défense » affirme la revue qui reflète la prise de conscience de l’impératif de réajustement de la France dans un contexte global de course à l’armement.

Pour Francois Géré, Historien, spécialiste en géostratégie et président fondateur de l'Institut français d'analyse stratégique (IFAS), l’objectif est celui « d’une remise à niveau d’une défense en déclin qui a perdu près de 60 mille effectifs et qui souffre à la fois d’une pénurie d’équipements et d’un retard de modernisation.

La LPM traduit la volonté de retrouver un niveau perdu en fournissant les moyens de régénérer l’armée et moderniser ses équipements ». Une partie significative du budget est affectée à la modernisation de la dissuasion nucléaire pour permettre à la France de maintenir son seuil de puissance. « La France a besoin de renouveler les sous-marins nucléaires et les missiles air-sol de moyenne portée, soit les deux vecteurs de la dissuasion qui coûtent extrêmement chers. Ces programmes de modernisation de la technologie nucléaire sont au coeur de la puissance de la France telle que l’a défini Charles de Gaulle » rappelle Pierre Conesa, agrégé d’histoire, énarque et ancien membre du Comité de réflexion stratégique du ministère de la Défense qui explique que ce besoin s’accompagne de la nécessité de moderniser les moyens de défense conventionnels (blindés, patrouilleurs de la marine etc).

Mais le spécialiste des questions stratégiques internationales et en particulier militaires note que l’augmentation des crédits alloués à la Défense n’est pour l’instant qu’un engagement moral et non budgétaire. La loi de programmation doit en effet être soumise au Parlement l’été prochain et présente de nombreux aspects hypothétiques. « En dehors de la première loi de programmation militaire, toutes les autres se sont heurtées aux contraintes budgétaires. Bien que Macron ai annoncé que les engagements sont “couverts de manière ferme” jusqu’en 2023, il n’y a aucune garantie que le prochain gouvernement pourra s’y conformer » précise Pierre Conesa.

Par ailleurs, dans un contexte géopolitique en mutation, les intérêts et les défis stratégiques sont en pleine phase de redéfinition. Si pour l’instant la représentation stratégique française est distanciée de l’approche américaine, il n’est pas exclu qu’à l’avenir elle puisse présenter davantage de convergences.

Comme le souligne Francois Géré «la perception des défis et des menaces est aujourd’hui sensiblement différente de celle des Etats-unis. Dans le Nuclear Poster Review 2018, le Pentagone présente la Chine et la Russie comme des concurrents stratégiques sur la scène internationale, et qualifie la Corée du Nord et l’Iran de « menaces ». Ceci est discutable et ne correspond pas à la perception française qui ne se reconnait pas d’ennemis en dehors de la menace terroriste et du programme balistique de Pyongyang ».

Ce constat rejoint en partie celui de Pierre Conesa qui relève un changement de posture stratégique de la France depuis l’arrivée au pouvoir du président Emanuel Macron qui a repris langue avec son homologue russe en dépit des antagonismes persistants sur la Crimée et l’Ukraine. L’expert dénonce au passage le deux poids deux mesures (au nom d’un discours stéréotypé initial sur la démocratie et les droits de l’homme) qui caractérise les relations de l’Europe avec Moscou. « La sécession de la Crimée voulue par Moscou est la même que celle que les Occidentaux ont reconnu avec le Kosovo rendu indépendant de la Serbie » note-t-il.

Dans la configuration actuelle revêtue par la globalité de la menace sécuritaire et la volatilité des alliances traditionnelles qui alimentent le constat de la ministre française des Armées Florence Parly selon lequel les Français ne peuvent « être certains de compter, partout et toujours » sur leurs « partenaires traditionnels », la Revue stratégique préconise le maintien d’un « modèle d'armée complète » et d’une double ambition, celle de  « préserver l’autonomie stratégique » de la France et d’« aider à construire une Europe plus forte, face à la multiplication des défis communs ».

Le retour spectaculaire à l’unilatéralisme américain a relancé le débat sur l’autonomie stratégique de l’Union. Francois Géré explique qu’il s’agit de l’objectif recherché par la France et l’Allemagne qui « souhaitent une coopération renforcée sur les plans économique et industriel pour développer des capacités de défense plus autonomes mais toujours dans le cadre de l’alliance atlantique ».

Pierre Conesa relève effectivement que l’autonomie stratégique renvoie exclusivement au développement des capacités stratégiques « d’évaluation » à travers les moyens satellitaires et de ciblage qui permettraient aux Européens de contester l’appréciation des crises portée par les Américains preuve à l’appui. En revanche, « s’agissant des moyens militaire de gestion des crises, les Européens restent totalement dépendant de l’Alliance atlantique dans la mesure où tous les pays réunis ne disposent pas du panel des forces du programme de défense du Pentagone ».

C’est pour réduire cette dépendance aux moyens Américains que la LPM a prévu des investissements importants en matière de renseignement avec l’acquisition d’un éventail de satellites d'imagerie de renseignement électromagnétique et d’écoute. Mais la construction de cette autonomie stratégique se heurte à l’absence d’une culture européenne de Défense unifiée. Il existe une « dissonance profonde entre des pays comme la France qui veulent neutraliser la menace en prenant part à des opérations extérieurs et les pays scandinaves qui à l’instar de la Suède appellent à la neutralité » conclut Pierre Conesa.

Lina Kennouche
lundi 19 février 2018