فشل “الناتو العربي” أم خرافات عرب “الناتو”؟

يستعيد الإعلام السعودي نوستالجيا "الحل العسكري" ضد إيران، كلما حَدَمَ الفاعلون الأوراسيون الكبار بيادق الشطرنج وقدحوا نيرانها ما بين سواحل اليمن وعمان وفي شبه الجزيرة العربية صعوداً إلى الهضبة الإيرانية. أحدث تعبير عن هذه النوستالجيا "الإستراتيجية"، يمكن أن يكون قد ورد في صحيفة "الشرق الأوسط"، في مقال لكاتب يدعى إميل أمين. كان "يعلق" على إعلان طهران عن نجاح عملية إطلاق القمر الصناعي العسكري "نور1"، على متن الصاروخ "قاصد".

لا مراء في أن الإعلام منصة الدول والكتَّاب أقلامها، لكي تعبر عن التأييد أو التهديد، بتمرير الرسائل للحلفاء والخصوم. لكن هذا المقال، وما يصدر في الإعلام السعودي مثله، تحديداً، هو أكثر من تهديد. هو رسالة نارية تختزل جوهر مشروع "الناتو العربي". رسالة جامحة عن طموح بعض الأوساط الحاكمة في المملكة العربية السعودية إلى تأسيس منظومة الأمن الإقليمي من دون إيران،  باستعمال وصفة حربية … بائسة. 

حسب هذه الوصفة، فإن الرئيس الأميركي دونالد "ترامب قد لا يكون في حاجة إلى حرب شاملة ضد التهور الإستراتيجي الإيراني، بل عملية نوعية بحرية، تُذكر بآخر عملية في الحرب العراقية ـ الإيرانية المعروفة بـ Operation Praying Mantis / "عملية فرس النبي". وكلنا نعلم أن ذلك الاعتداء الأميركي على السفن الإيرانية الذي وقع في 18 نيسان/ أبريل 1988، قد صنف في تاريخ البحرية العسكرية للولايات المتحدة، كـ"واحدة من خمسة عمليات حربية رئيسية نفذتها قواتها بعد الحرب العالمية الثانية".

ليست "النوستالجيا" الإستراتجية التي "تتخيّل" نهاية أحد المكونات الطبيعية في الإقليم، بسيف "الصداقة السعودية ـ الأميركية"، من اختراع إميل أمين، بقدر ما هي مشروع "الناتو العربي" بذاته. فالمقال، ومثله مئات التصريحات والمقالات والدراسات السعودية، باتت تشبه محاولة تأليف كتاب في قضايا السلم والحرب، يلخص هذه "النوستالجيا" ويبسطها، وربما يوزع تحت عنوان : "دليل الرجل العادي إلى العقيدة الأمنية ـ العسكرية لحلف الناتو العربي".  

حينما كان في منصب رئيس "وكالة الاستخبارات الدفاعية" الأميركية، في حزيران/ يونيو 2015، حثّ الجنرال مايك فلين السلطات التشريعية الأميركية، على إنشاء ودعم إطار هيكلي عربي شبيه بحلف "الناتو" لمواجهة إيران. وهناك محللون يرون بأن "لوبي" السعودية في واشنطن، كان يساند اقتراح فلين بتأسيس "الناتو العربي"، لأن المملكة باعتبارها من "الخصوم الرئيسيين لإيران" في الإقليم، تعمل على "توجيه أجندة أميركية مناهضة لإيران". مع العلم بأن "إسرائيل" هي "القوة الرئيسية في ـ ما يسمى ـ الشرق الأوسط المسؤولة" عن توجيه تلك "الأجندة".

ولكن قبل  فلين الذي طرد من منصبه بسبب كراهيته للإسلام وللمسلمين، كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قد اقترح على قمة حلف شمال الأطلسي في ويلز عام 2014، دعم مشروع إنشاء حلف عسكري من الدول العربية "السنية"، ليكوِّن تحدّياً حقيقياً لطموح إيران، ويوجّه ضد حلفائها في سوريا ولبنان واليمن والعراق وفي فلسطين أيضاً. وقد تم، بالفعل، إنشاء هذا الحلف، الذي سمي بـ"التحالف الأميركي ـ الدولي في سوريا والعراق".

ويتبين من خطة تقسيم الجمهورية العربية السورية، التي عرضتها مؤسسة راند في عام 2015، أن المقصود بالدول العربية "السنية"، كما قال أوباما، هم عرب "الناتو"، وتحديداً السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، التي أوكل لها مهمة "احتضان العرب السنة في سوريا". بالإضافة إلى قطر، المغرب، تونس. وقد وفرت هذه الدول، مع تركيا، غطاءً وسنداً عربياً ـ إسلامياً لخطة تقسيم سوريا، التي جهدت إدارة أوباما لتنفيذها مع تلك الدول، لكنها تقهقرت وخابت.

فقد وقعت إدارة أوباما في 14 تموز / يوليو 2014، على الإتفاق النووي مع إيران. وفيه اعتراف بشرعية القوة النووية الإيرانية، رغم أن بنوده تبقي طهران خارج عتبة "النادي النووي" الدولي. لكن الإتفاق، رغم شدة السخط السعودي على إدارة أوباما، أوضح، للمرة المليون وأكثر، أن مكانة دول عرب "الناتو" في بناء ميزان القوى الإقليمي، ضد إيران أو سوريا أو غيرهما، هي مكانة صفرية. كما أن تغير قيمة هذه المكانة، تقررها الولايات المتحدة بحسب مصالحها "الشرق أوسطية"، وأبرزها "إسرائيل".

لقد منحت إدارة أوباما دول عرب "الناتو" أدواراً معينة بأحجام محددة، خصوصاً في سياق الأقلمة العسكرية "الشرق أوسطية". وهذا ما يفسر دور هذه الدول، وكذلك تركيا، في حروب التوحش الرأسمالي / الإمبريالي ـ الصهيوني على سوريا وليبيا واليمن والعراق وعلى فلسطين. وهذه المنحة الأميركية تجددت مع مجيء دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، حيث "كان الإعلام الغربي هو المبادر الحقيقي إلى تعميم تسمية "الناتو العربي"، بدلاً من تسمية "الحلف العربي السني" الذي صاغه أوباما.

دعم الرئيس ترامب في خطابه أمام قمة الرياض عام 2017، تأسيس "الناتو العربي" وأمده بزخم جديد. إذ دعا في تلك القمة إلى "بناء شراكة أمنية" ضد "حكومة إيران التي تقوم بتمويل وتسليح وتدريب الإرهابيين والميليشيات المتطرفة التي تنشر الدمار والفوضى في المنطقة. إنها حكومة تتعهد بتدمير إسرائيل والموت لأمريكا". وأضاف ترامب : "يجب على جميع الدول أن تعمل معاً لعزل إيران"

وبعد عام أعلنت "الإدارة الترامبية" عزمها على إنشاء نسخة عربية من "حلف الناتو" الأورو ـ اميركي، أطلقت عليه مؤقتًا اسم "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي / MESA". وتمت دعوة دول عرب "الناتو" لمناقشة مشروع "التحالف" مع ترامب، في سياق التوتر التصاعدي، في حينه، بين طهران وواشنطن.

ووفق إعلان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، فإن أهم توجهات "التحالف" المقترح، كان إقامة درع من أنظمة الدفاع الجوي تحمي دول "التحالف" من الصواريخ الباليستية الإيرانية، ما يُفقد قدرات إيران الصاروخية فعاليتها الاستراتيجية إلى درجة كبيرة، ويشدد الحصار الإقتصادي عليها. كما أكد نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي، تيم لاندركينغ، أن الهدف من مشروع "التحالف" هو "التصدي للعدوان الإيراني والإرهاب والتطرف وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط".

تمت صياغة محتوى خطاب ترامب بشأن حلف "الناتو العربي" بالتنسيق مع السعودية واستجابة لمطالبها. لأنه قبل ثلاثة أيام من ذاك الخطاب أمام قمة الرياض، وجدنا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يدعو إلى : "تكثيف الجهود، لبناء مؤسسة أمنية في المنطقة، تستطيع أن تتصدّى لأي تحدّيات قد تظهر". لم يجاهر الجبير بهوية عدو الحلف العتيد، لكن ترامب كشفها في خطابه، كما رأينا، وحدد هدف "الناتو العربي" ومهمته بالإعداد للحرب الحاسمة ضد إيران.

لا تلحظ "النوستالجيا" الإستراتيجية السعودية أن مشروع حلف "الناتو العربي" قد تداعى. لا ترى أنه في مخاض ولادته، نزلت بـ"الناتو العربي" ثلاث ضربات استراتيجية حاسمة :

الأولى، جاءت من مصر التي أعلن عن "انسحابها" من المشروع، يوم 11 نيسان/ أبريل 2019، "فيما يمثل ضربة لمساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب لاحتواء نفوذ إيران".

الثانية، انطلقت من اليمن. حيث شنت قوات الحكومة اليمنية حملة جوية بالطائرات الحربية المسيرة، على منشآت شركة آرامكو في عمق الأراضي السعودية في بقيق وخريص، يوم 14 أيلول/سبتمبر 2019. ما أوقع باقتصاد المملكة ومصالحها أضراراً مادية واستراتيجية هائلة.

الثالثة، دفعتها رياح المناورات البحرية الكبرى بين إيران وروسيا والصين التي نظمت في شمال المحيط الهندي، ابتداء من يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2019. بغية "ترسيخ الأمن وأركانه في المنطقة" حسبما أعلنت القوات البحرية الإيرانية.

لكن ظهور مقال إميل أمين في "الشرق الأوسط"، الآن، بعد كل هذه الضربات، التي تبرهن عن ولادة منظومة أو منظومات الأقلمة العسكرية المضادة للمشروع الأميركي المسمى "الناتو العربي"، ليعني أن مرضى "النوستالجيا" الإستراتيجية في المملكة العربية السعودية، لا زالوا أسرى الحنين إلى أيام "التاريخ القديم" التي شهدت Operation Praying Mantis / "عملية فرس النبي" وغيرها من الحروب والمعارك العدوانية الأميركية.

يعيش هؤلاء المرضى وكل عرب "الناتو" أمثالهم، خارج حركة "التاريخ الجديد". ولذلك، أوحوا إلى كاتبهم وإعلامهم بالترويج لهذه الوصفة الهزلية والخرافية : "الحل العسكري" مع إيران. لا نعلم إذا كانت الضربة الرابعة التي سددتها إيران والفاعلون الأوراسيون الكبار، يوم أمس، لاستراتيجية العقوبات والحصار الأميركية، عبر المحيطين الهندي والأطلسي، ستشفي هؤلاء المرضى من دائهم المزمن. فحركة الناقلات الإيرانية نحو شواطئ الجمهورية البوليفارية الفنزويلية ربما تكون دواء ناجعاً لهم؟.
ربما؟.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الإثنين‏، 03‏ شوال‏، 1441 الموافق ‏25‏ أيار‏، 2020

“ما بعد كورونا” : “صفقة القرن” عند “نهاية العصر الأميركي”؟

فتحت "صفقة القرن" فصلاً جديداً من فصول الحل الإمبريالي/الصهيوني لـ"المسألة اليهودية". كان فيروس كورونا لا يزال كامناً في مهده، عندما تلا الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنود "صفقة القرن"، في مؤتمر صحفي في واشنطن (كانون الثاني2020)، حضره رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو. حيث زعم أن "الصفقة" هي "خطوة كبيرة باتجاه السلم". لكن هذا الزعم كان في صميم المخادعة السياسية الأميركية ـ "الإسرائيلية" للعرب، وللفلسطينيين بالذات.

فالـ"خطوة" كانت "كبيرة باتجاه" استكمال الإبادة السياسية للفلسطينيين، وتأمين المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. وقد استبق ترامب الـ"صفقة"، بأن وقع إعلان مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني (كانون الأول 2017). بخلاف أسلافه الذين ترددوا في الأمر، مع أن الكونغرس الأميركي أصدر "تشريع سفارة القدس 1995". بعد ذلك، اعترف الرئيس ترامب (آذار 2019)، بحضور نتنياهو أيضاً، بقرار "إسرائيل" ضم هضبة الجولان السورية المحتلة إلى الكيان.

هذه المخادعة الأميركية عن "السلم"، كللها ترامب بكلامه عن أن الشعب الفلسطيني يستحق فرصة لتحسين مستقبله. بيد أنه "حقاً" مشروطاً، قال ترامب : بـ "رؤيتي، [التي] تقدم فرصة رابحة للجانبين، حلاً واقعياً بدولتين، يعالج المخاطر التي تشكلها الدولة الفلسطينية على أمن إسرائيل".  

تناقض فرصة "تحسين المستقبل" الفلسطيني التي تلوح للرئيس الأميركي، تناقضاً تاماً، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. هذا التعريف الترامبي لـ"الدولة الفلسطينية" ككيان سياسي ضامنٍ لـ"أمن إسرائيل" وخادمٍ له، ليس غريباً ولا جديداً. فالإرهاب الصهيوني بقي لعشرات السنين، رافعة للدور الأميركي الإقليمي ـ الدولي. كما أن الأمن الإستراتيجي للكيان الصهيوني العنصري، لطالما ظلَّ عاملاً محورياً في تشكيل السياسة الخارجية الأميركية في الوطن العربي، خصوصاً في مشاريع التسوية السياسية للصراع العربي ـ الصهيوني وللقضية الفلسطينية، التي كان يطلقها أسلاف ترامب من "البيت الأبيض".

ما هي أهم بنود "صفقة القرن". للتذكير، فإن هذه البنود، هي :

1. "ستُضَم كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لإسرائيل.

2. سيكون وادي الأردن [الذي تقول إسرائيل إنه مهم لأمنها] تحت السيادة الإسرائيلية.

3. القدس غير مقسمة، وهي عاصمة لإسرائيل.

4. مسموحٌ الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس لجميع الديانات، أما المسجد الأقصى فإنه سيبقى تحت وصاية [المملكة] الأردنية.

5. ستكون عاصمة الفلسطينيين المستقبلية في منطقة تقع إلى الشرق والشمال من الجدار [“الإسرائيلي”] المحيط بأجزاء من القدس، ويمكن تسميتها بالقدس أو أي اسم آخر تحدده الدولة الفلسطينية المستقبلية.

6. نزع سلاح حركة المقاومة وأن تكون غزة وسائر الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح.

7. إنشاء رابط مواصلات سريع بين الضفة الغربية وغزة يمر فوق أو تحت الأراضي الخاضعة للسيادة الإسرائيلية.

8. اعتراف الطرفين [الفلسطيني و”الإسرائيلي”] بالدولة الفلسطينية بأنها دولة للشعب الفلسطيني والدولة الإسرائيلية بأنها دولة للشعب اليهودي.

9. لا تبني إسرائيل أي مستوطنات جديدة في المناطق التي تخضع لسيادتها في هذه الخطة لمدة 4 سنوات".

تعتبر "البيئة المحلية" الأميركية المحدد الأول لديناميات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، سواء في عهد الرئيس ترامب أو سواه من العهود الرئاسية السابقة. هذا العمق الداخلي لـ"إسرائيل" في المجتمع السياسي الأميركي، يشرح، ببساطة، لماذا "صفقة القرن" التي صنعتها تلك "البيئة"، تكاد أن تكون، بل هي في الواقع السياسي ـ التاريخي، نسخٌ حرفيٌ لمخطط "حل الدولتين" الصهيوني، الذي رسم خطوطه الأساسية ديفيد كيمحي ودان بابلي، الضابطين في جهاز الإستخبارات "الإسرائيلية"، بعد أيام على وقف نيران العدوان "الإسرائيلي" في حزيران عام 1967.

إن وثيقة ذاك المخطط التي سلمت إلى رئيس وزراء العدو الصهيوني ليفي إشكول، قبل نحو نصف قرن، تكاد تتطابق مع بنود "صفقة القرن" التي أعلنها ترامب بحضور رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو في واشنطن. إذ أن كيمحي ـ بابلي اقترحا، آنذاك : "ضم القدس" مع "وضع خاص للأماكن المقدسة" و"السيطرة على غور الأردن" وإخضاع "الدولة الفلسطينية" المقترحة لـ"إسرائيل" في المجال "الأمني ـ العسكري" و"الإقتصادي".

لقد أتى مشروع "صفقة القرن" الأميركي كاستثمار عملي في نتائج الحرب الهجينة الإستنزافية، لكسب المستقبل، وترميم الهيمنة الأميركية في العالم. إن هذا المشروع هو فصل آخر من فصول الحل الإمبريالي / الصهيوني للقضية الفلسطينية وللصراع العربي ـ الصهيوني. ولذا، نلاحظ أن "صفقة القرن" هي نسخة منقحة عن مشاريع "الأقلمة الشرق اوسطية" السابقة، التي صممت لإبقاء دول المشرق العربي "خواصر رخوة" للقارة الآسيوية إلى الأبد.

إن تقديم إدارة ترامب لهذا المشروع، بعد مضي نحو عقد على الإستباحة الشاملة للدول العربية بفوضى "الربيع العربي"، غايته أن تصبح الحرب الهجينة الإستنزافية المستمرة، حتى الآن، نمطاً من أنماط من حروب الإبادة السوسيوسياسية الأميركية الأطلسية للعرب، وخصوصاً لشعب فلسطين. لذلك، لم يجد ترامب فلسطينياً واحداً مستعداً للبحث في "الصفقة". رغم "الإستعداد الإسرائيلي للتفاوض المباشر على أساس رؤية ترامب"، ومحض دول عربية زهيدة تأييدها لـ"صفقة القرن". فلا هذا "الإستعداد" ولا ذاك "التأييد" قَدِرَا على دفع عربة الحل الإمبريالي/الصهيوني لـ"المسألة اليهودية"، التي يجرها ترامب.

قبل وباء كورنا بوقت غير قصير، توقفت عربة ترامب "الشرق أوسطية". فالمعارضة العربية والإقليمية والدولية، وكذلك المعارضة الفلسطينية، رغم كل "عوراتها"، حالت دون توفير المظلة السياسية اللازمة، لهذا "الحل" العنصري الإرهابي الذي تمتد أسسه، إلى أزمنة اندماج الرأسمالية الربوية اليهودية، والرأسمالية التجارية ـ الصناعية الأوروأميركية في القرن التاسع عشر. إلا أن قولنا أن "صفقة القرن" توقفت، فهذا يعني أنها ما انتهت ولا تلاشت.

يشير هذا التوقف إلى مدى التباطؤ الذي يقترب من الجمود في دينامية القوة الأميركية في الصراعات الإقليمية والدولية. ما يجعل السؤال عن مستقبل "صفقة القرن" في مرحلة "ما بعد كورونا"، سؤالاً في مستقبل الدور الإقليمي ـ الدولي للولايات المتحدة الأميركية؟.

في مرحلة كورونا الراهنة، رأينا كيف يُحْدِثُ هذا الفيروس الخطير تسلسلاً متواصلاً من الإنهيارات الإجتماعية والإقتصادية والمالية في الولايات المتحدة. تكشف التقارير الإخبارية عن موت زؤام، يزحف على مجتمعات الفقراء الأميركيين، حيث تسببت الطبقية ـ "العنصرية، بسوء الرعاية الصحية" و"نشرت الأمراض المزمنة بينهم"، فيما حرمت "الأحياء الفقيرة من الأطباء والمستشفيات" في معظم الولايات وكبرى المدن.

لقد شلَّ الوباء صناعة النفط. وهذا الإنهيار التاريخي، لأحد القطاعات الإقتصادية المهمة، ترافق مع تسارع ركود صناعة الفحم المتدهورة أصلاً. كما أغلقت شركة "بوينغ" مصانعها، وكثير من الشركات صرفت موظفيها، حتى زاد عدد طالبي مساعدات البطالة التي تقدمها الحكومة عن 20 مليون أو 22 أميركي.

بقيت أسواق الأسهم الأميركية تتجه نزولاً، لأن "الاجراءات التحفيزية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي فشلت في تهدئة الأسواق المالية والمخاوف الاقتصادية". فامتد هذا الفشل نحو أسواق أوروبا ودول "التعاون الخليجي" وصولاً إلى أستراليا.

تصادف مرحلة ما بعد كورونا، في الأجندة الأميركية، موعد الإنتخابات الرئاسية، التي ستجري في ظروف اضطراب اجتماعي ـ اقتصادي غير مسبوق. يذكر هذا الإنهيار بحال المجتمع الأميركي إبان أزمة الركود الكبير عام 1929، التي أرست ظروف حرب عالمية. 

ويميل بعض المحللين، إلى رهن بقاء "صفقة القرن" على الطاولة، ببقاء ترامب في منصبه، ليتابع تسويقها في الولاية الثانية. هذا تقدير صحيح، شكلاً. أما في الواقع، فثمة حاجة إلى التمعن في نتائج الأداء المرتبك لحكومة الرئيس دونالد ترامب من التفشي الوبائي لفيروس كورونا. لأنها نتائج ذات أبعاد عميقة وواسعة، في السياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

وسواء أعيد انتخاب ترامب في الخريف القادم أم خسر منصبه، فإن السؤال المطروح عن مآل "صفقة القرن" في مرحلة "ما بعد كورونا"، لا يمكن الإجابة عليه، إلا في إطار السؤال الكبير عن "نهاية العصر الأميركي"، وتراجع "قيادة أميركا لـ[ما يسمى] العالم الحر". أما "إسرائيل" فسوف تمضي في تنفيذ "الصفقة" على هواها، مثلما تبرهن تجربة "اتفاق أوسلو"، ولن تجد لطغيانها مصداً إلا بالمقاومة .. بكل أدوات المقاومة.  

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الخميس‏، 23‏ نيسان‏، 2020، الموافق ‏01‏ رمضان‏، 1441

تداعيات معركة سراقب : أطراف ثالثة تريد الإنضمام إلى تفاهم بوتين ـ اردوغان!؟

أصبحت حرب إدلب التي يخوضها الجيش العربي السوري وحلفائه، ضد جيش الإحتلال التركي وميليشيات المرتزقة التابعة له، نموذجاً للعمل العسكري الذي يتكامل مع العمل السياسي ـ الديبلوماسي. فنتائج هذه الحرب، لا سيما معركة تحرير مدينة سراقب، نبهت إلى قيمة وضرورة الردع المناسب، في تحجيم "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بائع الكلام وشريك الفتن المحدقة بالمنطقة"[1].      

جاءت رحلة أردوغان إلى موسكو يوم 5 آذار الماضي، بعد انصياع تركيا لمبدأ "الإحترام المتبادل" لوجهات النظر الذي تتمسك روسيا به. وقد بات من المعلوم، أن "التفاهم" المتجدد مع الرئيس فلاديمير بوتين، سبقه إزالة أردوغان ووزير دفاعه للافتات التهديد التي رفعاها ضد حكومة الجمهورية العربية السورية، بعد مقتلة الجنود الأتراك في المعركة الأخيرة من حرب إدلب[2].

كانت "مشاهد بكاء وصراخ الجنود الأتراك" بين أطلال مدينة سراقب الإستراتيجية ذات وقع شديد، على بعض المحللين، حتى بالغوا في التساؤل عما إذا كانت "معركة إدلب هي بداية النهاية لأردوغان في سوريا". فالجنود الأتراك الذين حصدتهم نيران الجيش العربي السوري وحلفائه، "كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون في نزهة استعراضية بسبب عنتريات وتصريحات أردوغان"[3].

شكلت معركة تحرير سراقب في محافظة إدلب، "نقطة تحوّل في الصراع حيث ظهر أنّ النفوذ التركيّ في تلك المحافظة ليس أمراً واقعاً"[4]. وهذا ما بدا من مقدمات اجتماع موسكو بين بوتين وأردوغان. إذ استبقه الأتراك بالإعلان عن أن "الدبلوماسية السياسية ستكون [خلاله] أكثر حسماً من الدبلوماسية العسكرية"[5]. وبالفعل، خرج الطرفان ليشددا على أن الحل الوحيد الممكن في سوريا هو الحل السياسي لا العسكري.

إن تعديل ميزان القوى بالردع القاهر، الذي فرضته القوات المسلحة السورية والقوات الحليفة لها، لا سيما القوات الروسية، على جيش الإحتلال التركي، هو ما قيَّد أردوغان وديبلوماسيته بمبدأ "الموقف البنَّاء" الذي تعتمده السياسة الروسية في سوريا. بل إن هذا المبدأ كان في أصل عملية ضم أنقرة إلى اتفاقات آستانة وسوتشي، ثم تفاهم موسكو يوم 5 آذار الماضي. كما أنه سيكون في أساس أي تعاقدات مشابهة قد يستوجبها الحل السياسي في سوريا لاحقاً.

في الوقت الراهن لا يزال الطريق شاقاً للوصول إلى هذا الحل. فالصور والمعلومات المنشورة على مواقع التواصل الإجتماعي، تبين أن أردوغان لم يتخلَّ عن دعم جبهة النصرة أي تنظيم القاعدة في بلاد الشام وبقية الميليشيات الإرهابية المتمركزة في إدلب[6] ومحافظات سورية أخرى. ويعود ذلك إلى أن النظام "الإخواني" الذي "حوَّل المواطنين الأتراك إلى رعايا"، وتشتد متاعبه الداخلية[7]، لا يزال يجاهر بأطماعه الإقليمية في سوريا وبقية الدول العربية[8].

إن تكيف أردوغان مع نتائج معركة إدلب، ورجوعه إلى التفاهم مع الرئيس الروسي، هو نتيجة الجهد العسكري الذي يبذله الجيش العربي السوري وحلفائه، من أجل دحر تحالف العدوان الأطلسي ـ الصهيوني ـ التركي، وصون مبدأ "الموقف البنَّاء" وتعزيز مرتكزاته الديبلوماسية والسياسية والإستراتيجية. فهذا المبدأ هو جزء من طبيعة الحل السياسي وأسسه وأهمها : حفظ وحدة وسلامة واستقلال سوريا وسيادة الشعب السوري على أراضيه وحقه في اختيار نظام الحكم المناسب له، بعيداً عن إملاءات قوى العدوان الخارجي.  

لقد أحدثت معركة إدلب آثاراً بالغة في الأجندة الديبلوماسية الإقليمية والدولية. إذ تبوح بعض الدول العربية والأجنبية بحاجتها إلى أن تكون "طرفاً ثالثاً" في تفاهم موسكو الأخير، أو في اتفاقات مماثلة، لكي تمحو الفشل الديبلوماسي الذي راكمته إبان الحرب التي شنتها هذه الدول على سوريا طيلة السنوات الماضية، ولا تترك معزولة عن عملية الحل السياسي في سوريا.

إن سعيها للدخول كطرف ثالث في التفاهم مع روسيا، يبين كم أن الدول المذكورة مجبرة، كالنظام الأردوغاني، على التلاؤم مع تغير ميزان الردع في مرحلة ما بعد سراقب لصالح محور المقاومة وروسيا. وهي تتوزع بين من كان حتى الأمس القريب جزءاً من قوى العدوان، وبين من لا يزال، بالفعل، شريكاً في العدوان على سوريا. لكن حقائق الميدان ودواعي المصالح تحتم عليها التوجه شرقاً. حيث تؤكد موسكو أنها مستعدة للإصغاء إلى هذه الدول، كما فعلت مع تركيا، بشرط التزامها بمبدأ "الموقف البناء" تجاه سوريا.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الأحد‏، 19‏ شعبان‏، 1441، الموافق ‏12‏ نيسان‏، 2020

 


[1]  "أردوغان.. أجندة عثمانية بوصفة جينية". مقال الصحفي السعودي عمر علي البدوي. منشور يوم 28 شباط/فبراير 2020، في صحيفة "العرب" البريطانية.

[2]  “النصرة” أم “حراس الدين” ضحية التفاهم الروسي التركي؟. مقال الباحث والأكاديمي التركي سمير صالحة. منشور يوم 2 نيسان/أبريل 2020، على موقع بوست 180.

[3]  معركة إدلب: هل هذه "بداية النهاية لأردوغان في سوريا"؟. تقرير منشور يوم 28 شباط / فبراير 2020، على موقع الراديو البريطاني.

[4]  ما الذي يحدّد مسار نتائج قمّة بوتين وإردوغان؟. مقال جورج عيسى. منشور يوم 5 آذار / مارس 2020، في جريدة النهار البيروتية.

[5]  "رويترز" نقلاً عن مسؤول تركي كبير. تقرير منشور يوم 5 آذار/ مارس 2020، في جريدة الخليج أون لاين.

[6]  "الحرب في سوريا وخيارات تركيا المحدودة". تقرير منشور يوم 28 شباط / فبراير 2020، على موقع الراديو البريطاني. وقد جاء في هذا التقرير، تحت عنوان "دعم المتطرفين" ما يلي :

"أظهرت الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي مقاتلين سوريين موالين لتركيا وهو يستخدمون مدرعات تركية، بينما قدم الجيش التركي الدعم الناري لعمليات المعارضة السورية عبر القصف المدفعي والبري لمواقع القوات الحكومية" السورية.

[7]  "تركيا..الوباء الطبقي". مقال للكاتبة التركية عائشة كربات، منشور يوم الأول من نيسان 2020، على موقع "المدن" المدعوم من قطر.

[8]  "أردوغان يعلن سقوط قتلى من قواته في ليبيا ويؤكد: سياستنا في سوريا ليست عبثية". تقرير منشور يوم 22 شباط / فبراير 2020، على موقع محطة سي أن أن. وينقل التقرير عن وكالة الأناضول الرسمية، تصريحاً للرئيس التركي، جاء فيه : أنه "إذا تهربنا من خوض النضال في سوريا وليبيا والبحر المتوسط وعموم المنطقة، فإن الثمن سيكون باهظا مستقبلا".

 

الحراك الشعبي الوطني وأخطار المناورة الأميركية حول بيروت وجبل لبنان

وجَّهَ الحراك الشعبي في لبنان دفة الإحتجاج ضد الولايات المتحدة. تُعَدُّ "شهادة" السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان أمام كونغرس بلاده يوم 19 الشهر الجاري، استفزازاً خطيراً استدعت من الحراك تعديل جدول أعماله، والتظاهر أمام سفارة واشنطن في بيروت. فمنذ يوم 17 تشرين الأول / أوكتوبر الماضي، تتوالى الإستفزازات الديبلوماسية الأميركية للحراك. لكن "شهادة فيلتمان" كشفت "الرؤية الأميركية" إلى الحراك وأعلنت الرغبة بـ"توظيفه".

يمكن للقارئ أن يطلع على نص "الشهادة الفيلتمانية" ليعلم بنفسه، أن هذه "الرؤية" تبخس الحراك اللبناني الراهن. إذ لا تُقَيِّمُه كتمرد اجتماعي ـ سياسي ضد النظام الطائفي، يهدف إلى تغييره أو إصلاحه في جذوره، ما يثبت استقرار المجتمع والدولة داخلياً وخارجياً. بل تُعَرِّفُهُ كأداة سياسية يمكن استغلالها. تراهُ "أناساً في الشوارع"، يمكن للأميركيين و"إسرائيل"، الإنتفاع بآلامهم، ومن غضبهم وسخطهم على أوليغارشيه النظام الحاكم.

منذ بدء الحراك الشعبي ومناورة التدخل الأميركي في شؤون لبنان متتابعة. مساحة المناورة تشمل كل اراضي الدولة. لكن ثقل المناورة يتمحور بمحيط بيروت وجبل لبنان بشقيه الشمالي والجنوبي. تتم المناورة الأميركية بثلاث "أسلحة رئيسية" :

ـ بحركة الحشود المندفعة إلى الشوارع لقطعها، وخنق المواطنين في بيوتهم وأحيائهم ومناطقهم، وعزل العاصمة عن بقية المحافظات. وشل محاور الحركة الرئيسية الشمالية والجنوبية والشرقية مع العاصمة والمحاور الفرعية في المحافظات. وهذه الحركة التي انتهكت حق المواطنين بالتنقل في اراضي الدولة، نصبت حواجز نفسية في وشائج الوحدة الوطنية.

ـ بالإعلام والميديا، بكل الأدوات التقليدية المكتوبة والمرئية والمسموعة الجماعية. كما عبر أدوات الإعلام الجديد، الذي يغزو هواتف وحواسيب الأفراد، بـ"الخطاب الثوري" لليمين اللبناني. فلا نجد شعارات سياسية بل تظلُّم فردي، أو رأي شخصي. ويصبح مراسلو محطات التلفزيون و"الضيوف المختارون" ضباط الإرتباط بين الجمهور و"القيادة الثورية" السرية.      

ـ بالمصارف، وبحاكمية مصرف لبنان، التي نصبت الحواجز المالية والنقدية والإقتصادية في السوق الوطنية. وبهذه الحواجز يتم شل حركة المواطنين الناشطين في قطاعات الإنتاج والخدمات. وهذا الضغط المعيشي والمهني، يُدخل الأزمة الإجتماعية إلى كل منزل، ما يسهِّل على اليمين تعليق الجمهور بأهدافه السياسية، مثل "حكومة تكنوقراط" وغيرها. 

تتخذ أساليب التدخل الأميركي في الحراك، أو في "الثورة اللبنانية" كما يصفها بعض رموز اليمين المحلي، شكلين : الأول مباشر، والثاني غير مباشر. أما أدوات التدخل عبر كلا الشكلين فإنها متعددة، متنوعة، نذكر منها : 

ـ بيانات وتحركات رئيس الجامعة الأميركية فضلو خوري وتنظيمه مع الكادر التعليمي والإداري، كوَّنت "دينامو حراكي" للتدخل، شمل الأساتذة والطلاب والخريجين ومجتمعهم المقيم والمهاجر. وهذا التدخل كان استيلائياً، على الحراك، وأوحى بأنه يفيض من "الطبقة الوسطى" ـ المزعومة ـ لا من "قاع المجتمع". هنا نفهم مغزى الإحصاء المضلل الذي وزعته "وكالة رويترز"، عن مشاركة 2 مليون لبناني في الحراك. بينما لم يكد يبلغ اسبوعه الثاني.

ـ بث "الخبراء" الأميركيين والأجانب، وبعضهم وصل تواً من الولايات المتحدة، بين المتظاهرين والمحتجين وتحويلهم إلى مادة دراسية للبحث الإجتماعي ـ السياسي، والنفسي وربما الأمني. وقد لزم هؤلاء "الخبراء" ساحات الإعتصام وخيم المعتصمين في كل لبنان، حتى رأينا خبيرة أميركية تتولى "دراسة" الحراك الشعبي في مدينة الهرمل. كما فُتحت "عيادات نفسية"، وانتشرت "وحدات بحثية" في ميدان الحراك، تحت ستائر أكاديمية، كما أنشئت "أطر مدنية" على عجل.     

ـ إصدار "بيانات تهديد أو إغراء" من واشنطن للقوات المسلحة اللبنانية ، حتى تترك "حشود الشارع" سائبة، وإن تعدت على النظام العام. وكذلك، نشر "بيانات تأييد" للمحتجين ومطالبهم التي كان "سلاح الإعلام والميديا" يحتكر حق ترويجها، بما يتفق وبرنامج "القيادة الثورية" الخفية للحراك. وقد أطلق هذا "الوعيد" و"الوعد" مسؤولون أميركيون كبار.    

ـ فتح مختبر دولي يمتص تجربة الحراك وخبرته المتراكمة، تديره منظمات سياسية كوزموبوليتية. وهنا، نشير خصوصاً، إلى تمركز "منظمة المجتمع المدني المفتوح" في ساحة الشهداء في بيروت. ويملك الملياردير اليهودي الأميركي جورج سوروس هذه المنظمة. وهي "دماغ" لشبكة "منظمات محلية غير حكومية" عبر العالم. وهذا المختبر يمثل نافذة إنعاش لـ"السوروسية" الكوزموبوليتية، بعد الضربات القوية التي وجهها إليها القوميون الأميركيون والأوروبيون.

ـ يمكن أن ندرج أدوات محلية كوسائل للتدخل الأميركي في شؤون الحراك الشعبي. هناك الأحزاب الطائفية التقليدية، والمنظمات غير الحكومية، والإعلام المحلي الموَجَّه، كما قطاع المصارف الموَجَّه وحاكمية مصرف لبنان. كل هذه الأدوات، هي ما يؤلف "اليمين الثوري الجديد" في لبنان. لكن المنظمات غير الحكومية، وعلى نحو ما بعض اركان قطاع المصارف، وحتى "نجوم الإستعراض السياسي"، مثل النائبة بولا يعقوبيان أو "ضرتها" الكاتبة جمانة حداد وغيرهم، يؤدون أدوارهم المحلية بقيمة مضافة، لأنهم "يخدمون" في عديد الفوج الدولي للحرب الهجينة الأميركية.

ـ برزت "الرواية الإجتماعية ـ السياسية" عن الحراك الشعبي الجاري، أداة فعالة من أدوات التدخل الأميركي. يمكن أن نقرأ الرواية الأميركية في ما نشرته قناة الحرة . وهي تعيد تأويل الواقع السياسي اللبناني في الوعي الجماعي والفردي. فيتم حجب صور وأسباب الصراع الإجتماعي وتناقضاته ويضلل "ناس في الشوارع" بكل عناصر "الرواية الأميركية". لتنحصر أهداف الحراك الشعبي الوطني وشعاراته، وفق هذه "الرواية" في "تسريع إستشارات التكليف"، وإخراج المقاومة الوطنية، وخاصة حزب الله، من السلطة التنفيذية ("حكومة تكنوقراط")، وتفكيك الأغلبية النيابية التي ملكها محور المقاومة منذ انتخابات أيار 2018 ("انتخابات نيابية مبكرة")، … إلخ.

في تقدير الموقف الذي يتقدم افتتاحيات الصحف، وينشر في موقع الحقول، كل يوم تقريباً، اوضحنا قبل نهاية الأسبوع الأول على انطلاق الحراك الشعبي، أن التدخل الأميركي يسعى إلى هدفين أساسيين :

ـ الأول، ضرب قوى الحراك الشعبي الوطني وتحجيمها سياسياً وشعبياً. لأن هذا الحراك قادر على توليد دينامية تغيير جذري للنظام الطائفي الذي ترعاه واشنطن وحلفائها. كما أنه حاضن طبيعي للمقاومة الوطنية، ورافعة اجتماعية وسياسية لها. ولذلك، أرادت واشنطن التخلص منه بسرعة، من سبيل وضع قوى الحراك الطائفي السياسي بمواجهته ودعمها، لكي تنافس ثم لكي تطغى على الحراك الشعبي الوطني، وتواصل نشر الفوضى السياسية في كامل النسيج المجتمعي.   

ـ الثاني، نفخ الأدوات المحلية التي تؤلف الحراك الطائفي السياسي، بقوة مادية ومعنوية، تسمح للولايات المتحدة بركوب الحراك، ذاته، وجرجرته، لتأزيم الوضع اللبناني، والبحث في ثقوبه الواسعة عن منافذ لتحويل الحراك إلى فرصة استراتيجية لواشنطن (وتل أبيب أيضاً). ما قد يضع حداً لفشلهما المزمن في كسب الصراع الإقليمي والصراع الدولي، الذي يخوضانه ضد محور المقاومة وكتلة الدول المستقلة.

في تقدير الموقف العام أن التدخل الأميركي في لبنان، بكل الأساليب والأدوات التي أشرنا إليها، وما قد يظهر لاحقاً، زاد من منسوب التوتر الداخلي والإقليمي. فهل تكتفي واشنطن بهذه "الجولة"، وتمتنع عن نشر الفوضى، وتوقف ضغوطها حتى يستمر الحراك الشعبي الوطني ضد النظام الطائفي، وحتى يتمكن اللبنانيون من تشكيل حكومتهم بأنفسهم، وليدمغوها بعبارة "صنع في لبنان". وهذا يتطلب تدخلاً عربياً وأوروبياً وروسياً وصينياً جدياً وعاجلاً مع الأميركيين. أم يتغلب الحمق والوهم، بدل التبصر الواقعي، على أذهان أركان "الدولة العميقة" في واشنطن، فتنتهي المناورة الأميركية الجارية بالصدام الداخلي ـ الإقليمي الكبير؟.
نظن أن التظاهرة الطلابية والشبابية، هذا الصباح، أمام السفارة الأميركية في بيروت، يجب أن تقرأ بعناية مضاعفة. فالكرة في ملعب واشنطن.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الأحد‏، 27‏ ربيع الأول‏، 1441، الموافق ‏24‏ تشرين الثاني‏، 2019

… عندما حاولنا “إصلاح” رؤية “أكراد قسد”!

عاد "أكراد قسد" إلى الجمهورية العربية السورية. فروا إلى حضن دمشق. لأن لا مفر أمامهم سواه. صحيح، أن الروسي توسط، والإيراني شجع. ولكن إلى أين كان سيذهب هؤلاء، بعد رحيل جيش الإحتلال الأميركي والأطلسيين الغربيين من شمال شرق سوريا. التواصل الجغرافي مع "إسرائيل" مقطوع. "المنطقة الصديقة" لهم في شمال العراق، باتت شبه "كولوني تركية" يديرها آل برزاني. لقد ولوا وجههم شطر دمشق، مرغمين، لا حكمةً ولا دهاء.  

الذي رأى وحدات الجيش العربي السوري تدخل إلى مدن منبج وعين عيسى وعين العرب وتعيد السيطرة على الحسكة والقامشلي، يفهم أن "أكراد قسد" قد هربوا من أمام جيش الإحتلال التركي. لقد زعموا أن شمال وشرق سوريا هو مجرد "روج آفا" : "غرب كردستان". هو ناحية في "كردستان الكبرى". وعندما حضر الغزاة الأتراك، لم يثبت "القسديون" زعمهم. ألم تصورهم الدعاية الأطلسية و"الإسرائيلية" بأنهم مقاتلون ذوو شكيمة. أين الشكيمة. لقد تصرفت ميليشيا "أكراد قسد" بـ"وطنها" مثل قطاع طرق، سطوا على حمل ثقيل ثم تخلصوا منه لينفذوا بجلدهم.

مراسلنا: الجيش السوري يدخل عين العرب (كوباني)

مدت ميليشيا "أكراد قسد" يدها طيلة السنوات الماضية، على أجزاء عزيزة من الأراضي السيادية للشعب العربي السوري. عندما كان هذا الشعب في ذروة ثباته، وصبره في ميدان الحرب الإمبريالية التي شنت عليه. تنفيذ مخططات حلف شمال الأطلسي ـ "إسرائيل"، استوجب هدر الحقوق الوطنية التاريخية للسوريين. وهذا الهدر تجلى باستخدام كل أنواع وأدوات الحرب، لـ : تفتيت المجتمع السوري، تقسيم الأرض السورية وتدمير الدولة السورية. وقد شاركت هذه الميليشيا الرجعية في التنفيذ الخرابي، وكانت جزءاً من قوى وأدوات الحرب على سوريا، أسوة بالذَنَب التركي والذَنَب "الخليجي".

يعرب البعض عن خشية، صادقة أو كاذبة، على حقوق (وواجبات) الموَاطَنَة لكل السوريين، بغض النظر عن خصائصهم الدينية ومميزاتهم الثقافية. ويشيرون بالذات، إلى المتحدثين بالسريانية، الكردية، الشركسية، الأرمنية، التركية. لكن هذه الخشية في غير محلها. لأن مورفولوجيا/ مراحل تشكل الدولة الحديثة في سوريا، وخصوصاً الحفاظ على الإستقلال واعتماد برنامج التنمية الشاملة، قد ساهم في حفظ وحماية تلك الخصائص والمميزات.

يمكن أن نرد أيضاً، بأن السياق الدولتي لسوريا الحديثة، كان مفتوحاً أمام ذوي تلك الخصائص والمميزات. وعلى سبيل المثل، كان رئيس الأركان ووزير الدفاع السوري "تركمانياً". ومفتي الجمهورية "كردياً". لقد حاولنا، بالفعل، "إصلاح" رؤية ممثلي "أكراد قسد" خلال جلسات حوار عقدت بيننا في بيروت عام2017. وخلالها، ذَكَّرناهم بهكذا حقائق تاريخية معاصرة، بل راهنة. وقلنا أنه إذا كان هناك مظلومية كردية في تركيا، تبرر مواجهاتهم مع حكومة أنقرة، فإن الأمر في سوريا مختلف كلياً. لقد آوت سوريا، دولة ومجتمعاً، الأكراد، مثلما آوت الأرمن والشركس، وكذلك اللاجئين والنازحين العرب من الجزائر وفلسطين ولبنان والعراق. وهذا تقليد إمبراطوري بيزنطي وعربي. ولكن الذي تعلق عقله بـ"اللوبي الإسرائيلي" في واشنطن لن يلتفت إلى نصيحة تأتيه من حريصين على المصالح الوطنية لكل السوريين، وكذلك للعرب والأكراد. 

بعد كل ذلك، تأتي، اليوم، تفسيرات قادة "أكراد قسد" للإتفاق الذي عقدوه مع الحكومة السورية برعاية روسيا. تفسيرات تنطوي على تذلل أحمق للولايات المتحدة والدول الغربية. نفهم منها، أنهم يجربون تطبيق الإتفاق "بالمفرق"، على إيقاع الوسوسات السياسية التي تردهم من واشنطن ولندن وباريس. لا يزال "أكراد قسد" مشبعين بوهم التدخل الخارجي الغربي ـ "الإسرائيلي". لا يريدون أن يصدقوا أن هذه العواصم استهلكتهم و"لفظتهم"، من أجل مصالحها. سؤال "قائدهم" للأميركيين عن "الأخلاق" سخيف. وهو على الأرجح، "ضَحِكٌ على لحى" مرؤوسيه.         

لا نريد تحليل مستقبل ميليشيا "أكراد قسد" وما إذا بوسعهم أن يعودوا جزءاً من أكراد سوريا. الإجابة على هذا السؤال مرهونة بعوامل كثيرة. أولاً، لأنهم خانوا الوطن وتعرضوا للدولة. ثانياً، لأنهم قسموا أكراد سوريا، وقد لا يقبل هؤلاء بمنح "أكراد قسد" حقوق المواطنة بعد كل الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبوها. لقد نفذت ميليشيا "قسد" هندسات ديموغرافية، ضد المواطنين العرب في كل المناطق التي احتلها الأميركيون والأطلسيون، في شمال وشرق سوريا، وجعلوا من هذه الميليشيا أداة محلية لإدارة المناطق السورية المحتلة. والأسوأ، أنهم سهلوا وجود شبكات العدو "الإسرائيلي" في تلك المناطق.

يلاحق "أكراد قسد" عار الجبن والتخاذل في الدفاع عن أنفسهم أمام الأتراك، ناهيك عن حماية "وطنهم" المزعوم. كيف ننسى أنهم رفضوا تسليم مدينة عفرين بريف حلب، إلى الجيش العربي السوري، ثم تركوها لقمة سائغة تسقط بفمِ أردوغان (عام 2017)؟. يقولون الآن، أن على الجيش الإنتشار عند الحدود مع تركيا، وأنهم سيبقون على "الإدارة الذاتية" التي شيدوها في المدن والأرياف السورية بحماية الإحتلال الأميركي ودعمه. وهذا قولٌ ليس مهماً. 

ليقل "أكراد قسد" ما يريدون. قولهم ليس مهماً، لأننا تعلمنا من تاريخ حركات المقاومة الوطنية في بلادنا أن فلول العملاء ترحل مع الإحتلال الأجنبي.

ميليشيا "قسد" ليست استثاء.

 

هيئة تحرير موقع الحقول
الخميس‏، 18‏ صفر‏، 1441، الموافق ‏17‏ تشرين الأول‏، 2019

“صفقة القرن” و… “موت الغرب”

يدرك أنصار فلسطين في العرب والعالم، أن الولايات المتحدة الأميركية و"حلفائها" يريدون تصفية القضية الفلسطينية. يعملون في كل يوم لإنجاز هذا الهدف. يبذلون ما استطاعوا لإزالة فلسطين من خرائط الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة والثقافة البشرية المعاصرة. إخراج فلسطين من التاريخ العالمي هو هدف أميركي ـ "إسرائيلي" مُشهَرٌ ومعلن. فمن قبل "صفقة القرن"، تمحورت كل مشاريع "الأقلمة الشرق أوسطية" التي طرحها الأميركيون، منذ سبعين سنة ونيِّف، حول هذا الهدف الإمبريالي / الصهيوني الممتاز. ابتداءً من "حلف بغداد" أو "حلف السنتو" فـ"مبدأ أيزنهاور"، حتى "الشرق الأوسط الجديد". ثم "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، ومن بعده، أو من ضمنه "مشروع الربيع العربي".

لقد نُفِّذَت بعض "البنود" من مشروع "صفقة القرن" : الإعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني. ضم هضبة الجولان السورية إلى الكيان الصهيوني. عقد مؤتمر الرياض لتشكيل "الناتو العربي". جمع "ورشة المنامة الإقتصادية" في البحرين. لكن ما أعلن وما خفي من "صفقة القرن" يبين أنها تتكامل مع المشاريع الإمبريالية / الصهيونية السابقة. بـ"استثناء" أنها مشروع القوميين الإمبرياليين بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لتدمير قضية فلسطين. فمن خلال مشاريع "الأقلمة الشرق أوسطية"، وآخرها "صفقة القرن"، يسعى الأميركيون ـ "الإسرائيليون" إلى إعادة ترميم "مستقبل" الهيمنة الأميركية في النظام الدولي، على جماجم العرب ودمائهم وخرابهم.

وقفت المقاومة العربية للمشاريع الأميركية ـ "الإسرائيلية"، وفي قلبها المقاومة الفلسطينية، عقبة كأداء تعثرت بها وما زالت تتعثر بها تلك المشاريع. لأن المقاومة تشق، بدورها، طريق المستقبل العربي المتحرر من نظام الهيمنة الإمبريالية / الصهيونية والمستقل عنه. في هذه المواجهة المصيرية المستمرة منذ عشرات السنين، حققت المقاومة ثلاثة إنجازات قومية كبرى :

ـ الأول، أن المقاومة منعت اكتمال المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين. لأنها لا تزال تنازع الصهيونية الإستيطانية في وجودها الكياني المادي، بالذات، على أرض فلسطين. كما أنها تحمي حقوق الشعب العربي الفلسطيني ومستقبله من الضياع والإندثار.

ـ الثاني، أن المقاومة حافظت على قضية فلسطين حية في الوجدان العربي باعتبارها أعلى الأهداف القومية للأمة العربية. فلا هدفاً مركزياً عربياً يعلو على تحرير فلسطين من الإحتلال الصهيوني. وهذا الإنجاز، يعزز الوعي القومي والهوية القومية والوجود القومي.

ـ ثالثاً، إن المقاومة تؤلف جبهة متقدمة على خطوط الصراع الطبقي العالمي. وهذا الدور العالمي للكفاح العربي ضد المشاريع الإمبريالية / الصهيونية، حفز ويحفز الشعوب والأمم المضطهدة على كسر نظام الهيمنة الإمبريالي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.

نقترح أن يتم إغناء التحليل الإجتماعي ـ السياسي لقضايا التحرر الوطني والقومي من النظام الإمبريالي، بمسألة "موت الغرب". يجب أن يتلازم تحليل مشروع "صفقة القرن" والتخطيط لمواجهته، مع النقاش المتجدد، في الوقت الراهن، بين النخب الفكرية ـ السياسية الإمبريالية / الصهيونية لهذه "المسألة".

لا نريد أن نكرر أو نستعير أوهام "نهاية التاريخ" التي طرحها الإمبرياليون النيوليبراليون قبل ثلاثة عقود. لأن "موت الغرب" الذي تكثر الكتابات بشأنه في المجال الفكري الأورو ـ أطلسي، حالياً، يعني لنا، تراجع هيمنة الدول الرأسمالية المركزية على الدول الرأسمالية الطرفية، ولا سيما هيمنة الولايات المتحدة. وهذا التراجع هو مظهر من مظاهر الأزمة العامة الشاملة للنظام الرأسمالي، كما هو متغير جيوبوليتيكي في النظام الرأسمالي الدولي، ذو أبعاد تكنو اقتصادية وعسكرية وديموغرافية وثقافية. ولذلك، في تحليل مشروع إدارة ترامب لـ"الأقلمة الشرق أوسطية" المسمى "صفقة القرن"، يجب أن نهتم بـ"موت الغرب" لسببين مركزيين :

ـ الأول، أن "موت الغرب" يعني تراجع القوة المادية الأميركية. والمقصود أن الولايات المتحدة لم تعد تنفرد بالقدرات الإنتاجية الهائلة التي تميزت بها بعد الحرب العالمية الثانية. وهي باتت عرضة للمنافسة من دول أوراسيا، حتى إن الصين باتت تتفوق عليها في مجال الذكاء الإصطناعي. وهو ما ينعكس على فاعلية القوة "الإسرائيلية".

ـ الثاني، أن "موت الغرب" يشكل ظرفاً موضوعياً يضاعف من قوة المقاومة العربية على ردع الهيمنة الإمبريالية / الصهيونية. وهو ظرف تاريخي يجعل المقاومة فاعلاً إقليمياً ـ عالمياً، يؤثر بشدة ملموسة، في تفاعلات النظام العالمي الإنتقالي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. ما يرسي مشاريع التنمية المستقلة على قواعد أصلب وأرسخ.   

يكره أكاديميو وكتَّاب وإعلاميو الزُّور والبهتان والإستسلام والخيانة، الحديث عن "موت الغرب" وتراجع الولايات المتحدة. ما زالوا يعرضون مشروع "صفقة القرن" كأنه قَدَرٌ إلهيٌ، أتت به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما علينا سوى تلقفه. لكن الشعب العربي، مع كل أنصار فلسطين في العالم، الذين انصرفوا لدحر مشروع "صفقة القرن"، يساهمون بأيديهم في "موت الغرب"، وفي "موت اتباع الغرب". العالم يتغيَّر.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الأربعاء‏، 15‏ ذو القعدة‏، 1440، الموافق ‏17‏ تموز/يوليو‏، 2019

تحدث عن إيران “بنفسٍ حربي” : هل يجهل الأمير محمد بن سلمان أم يتجاهل متغيرات النظام الدولي؟.

نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" مقابلة دسمة صباح أمس، مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وقد حملت الكثير من "الرسائل" الداخلية والخارجية، كما أوضحت جانباً أساسياً من التفكير الإستراتيجي السعودي بشأن الإقليم والعالم. وهذا ما يهم، الآن، حيث يسعّر القوميون الإمبرياليون من قوى الفاشية الجديدة الحاكمة في الولايات المتحدة، شرر المواجهة العسكرية مع جمهورية إيران الإسلامية المستقلة.

عرض بن سلمان مقاربة إقليمية لمعادلة الأمن الإقليمي في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، مركبة من بعدين متقابلين ومتناقضين :

في البعد الأول، ينطلق من أن الرياض "تنظر بأهمية كبيرة للعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة"، لأنها "أسهمت في دحر العديد من التحديات"، وهي "محورية، وعامل أساسي في تحقيق أمن المنطقة واستقرارها".

في البعد الثاني، يشدد على أن "المشكلة في طهران وليست في أي مكان آخر". ويتهم إيران بأنها "هي الطرف الذي يصعّد دائماً في المنطقة، ويقوم بالهجمات الإرهابية بشكل مباشر أو عبر الميليشيات التابعة" له، مثلما حدث للناقلتين، أو ما جرى في مطار أبها. وأن إيران "تستهدف أمن المنطقة واستقرارها".

تنم هذه المقاربة عن سطحية الحسابات الإستراتيجية السعودية بشأن الإقليم والعالم، وخاصة فيما يتصل بإيران. وتبين أن بن سلمان يرى إلى دولة الولايات المتحدة من خارج الواقع الإقليمي ـ العالمي. يحسب أميركا، وكأن ميزان القوى الإقليمي ـ العالمي لا زال خارجاً لتوه من آتون الحرب العالمية الأولى والثانية. بينما واقع السياسة العالمية المتحرك، المتقلب، بفعل ديناميات موازين القوى الإقليمية والدولية، يختلف عن هذه الصورة الذهنية ـ الأيديولوجية.

موازين القوى هي التي تحكم الحسابات الإستراتيجية المختلفة، وتحدد المعايير الوطنية لتكوين الإستراتيجية الشاملة للدولة في الدول المستقلة. نقف على هذه المعايير الفاصلة لأمور الحرب والسلم، حتى لدى دول عربية، مثل سوريا ومصر والجزائر، ناهيك عن لبنان الذي يعد دولة إقليمية فاعلة، رغم تصنيفه في قائمة "الدول المجهرية" / Microscopique. بينما تفتقر السعودية، كما يتبين من مقابلة بن سلمان أمس، إلى هذه المعايير الدولتية ـ السياسية الحيوية.

إذا عرضنا مقاربة الأمير بن سلمان على الواقع الإقليمي ـ العالمي، لسوف نجد أنه تصور ذاتي نوعاً ما. لتأكيد رأينا التحليلي، نشير إلى أربع متغيرات رئيسية، يجهلها أو تجاهلها ولي العهد السعودي، تؤثر في مصير النظام الدولي الراهن :

1. "موت الغرب". يتخذ هذا الموت هيئة الإنحطاط الإجتماعي ـ المادي أساسأ. أنه موت القوة الرأسمالية الغربية. موت "النموذج الغربي". نستطيع أن نذكر عوامل أخلاقية أو ثقافية أو دينية تسببت به. لكنها، على أهميتها، تبقى دون العوامل المادية النابعة من طبيعة النظام الرأسمالي نفسه. تماهي الحكم السعودي مع الولايات المتحدة، والآن، مع "الترامبية"، وقوى الفاشية الجديدة، كما يفعل بن سلمان، يكرس مظاهر هذا الإنحطاط الإجتماعي ـ المادي ويفشيه في السعودية ذاتها. يمكننا أن نعرض الأدلة الموثقة على هول التهتك الإجتماعي والمعنوي، ومبلغ الضرر العقلي والنفسي، الذي أحدثه هذا التماهي "التاريخي" في الشعب العربي السعودي. للأسف.   

2. إن النظام الدولي إنتقالي. نزلت الولايات المتحدة عن رأس هرم القوة العالمية. ليس مهماً كم درجة. لكنها نازلة، وتنزل في كل يوم. هذه الأزمة الوجودية للقوة الأميركية هي التي جلبت "الترامبية" إلى رئاسة أميركا. لا تعرض هذه الفاشية الجديدة على شعوب أوراسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، سوى خيار الإستسلام الطبقي ـ القومي أو الحرب. من حق بن سلمان أن يطمح للإنضمام إلى هذه الموجة الظلامية، لكن هل بمقدوره تحمل ما هو أهم من التبعات المالية لذلك؟.

3. استشرف منظرو الحرب والمؤرخين العسكريين، منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، نهاية مرحلة الحروب النظامية التي عرفها تاريخ الدول الحديثة. خصوصاً بين الدول العظمى والكبرى والإقليمية الكبرى. لكن خيمة السلم لن تفيء على دول العالم. فالقوى الهابطة في سلم القوة العالمية، الولايات المتحدة وحلفائها "الإنغلوساكسون"، يوسعون نطاق "الحرب الهجينة الإستنزافية" لتشمل دولاً عدوة ودولاً، كانت حتى الأمس القريب، صديقة لواشنطن. فهل يكفي المال لحماية السعودية من نيران هذه الحرب، طالما أنها اختارت أن تكون في جانب "الحلف الأنغلوساكسوني". فالسؤال الصائب، هو : متى يأكل هذا "الحلف" السعودية؟.

4. قطعت أوراسيا أشواطاً متقدمة في فك الطوق الغربي عنها. أولاً، من خلال تصدير روسيا السوفياتية وروسيا البوتينية التكنولوجيا المدنية والعسكرية إلى الدول ـ الكولوني/ colonies السابقة لدعم رغبة شعوبها بالتحرر من السيطرة الإمبريالية وتمكينها من اكتساب القدرة على الحياة. ثانياً، من خلال بناء الصين "مبادرة الطريق والحزام" عبر أوراسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. وقد دخلت في اركان هذا المشروع العالمي كثير من الدول المستقلة، التي ترغب في التنمية الإجتماعية ـ الإقتصادية ـ التقنية لدولها وابنائها، من بين هذه الدول إيران. فهل ترغب السعودية بإيذاء إيران تماهياً مع رغبة أو استجابة لشروط أميركية بقطع أو عرقلة السعودية "مبادرة الطريق والحزام"؟. وهل تحتمل السعودية نتائج هذا الإيذاء؟.               

تنقض المقاربة "الحربية" التي قدمها الأمير السعودي في مقابلة الأمس، قوله، بأن بلاده "لا تريد حرباً في المنطقة". أبداً. رغبة بن سلمان بالحل العسكري لأمن الخليج العربي واضحة. "النفس الحربي" في المقابلة كان طاغياً. لكنه ليس مفاجئاً. لأن صحف الرياض باتت تنسخ، بابتهاج تفاؤلي غبي، مواقف الفاشيين الجدد في واشنطن من أمثال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو السناتور الأميركي ليندسي غراهام. كما تمتلئ صفحاتها بالدعوات إلى "الحل العسكري" و"المواجهة المباشرة" مع إيران. فـ"الإيرانيون لو تمت مواجهتهم في الخليج مثل ما تواجههم إسرائيل في سوريا، فلن يتجرؤوا على التصعيد والمواجهة".   

لا يلتزم هذا التحليل كلياً بالرأي القائل بأن السياسة "السعودية مسيَّرة وليست مخيَّرة". لأن السياسة موازين قوى، كما أشرنا. فإدارة ترامب في واشنطن ترسل وفوداً ورسائل إلى طهران. وهناك إمكانية حدوث تغير دراماتيكي في موقف السعودية تجاه إيران، يشبه ما جرى يوم أدار أوباما ظهره لـ"العرب" ووقع على "النووي" مع "الفُرس".

‏هيئة تحرير موقع الحقول

الإثنين‏، 14‏ شوال‏، 1440، الموافق ‏17‏ حزيران‏، 2019   

السعودية : قمم مكة الثلاث ومأزق “انفصام القوة”؟

استقبلت مدينة مكة المكرمة ثلاث "قمم" سياسية : الأولى، قمة "التعاون الخليجي"، وقد جمعت ملوك وأمراء وشيوخ دول الخليج العربي. الثانية، القمة العربية الإستثنائية، وتضم قادة الدول العربية. ما عدا سوريا. الثالثة، قمة قادة دول رابطة التعاون الإسلامي. كل هذه كانت القمم طارئة. إستثنائية. وقد دعت السعودية إلى انعقادها بسرعة، كأن الوفود القادمة إلى هذه القمم، ستنزل بجيوشها لنصب كمائن القتال وأشْرَاك الموت، على خطوط المواجهة مع إيران، فوراً، دونما إبطاء. إلا أن حقائق الواقع المعاش تبقى بعيدة عن خَدَرِ الوهم … الخادع!.   

الوهم، لأن القمة "الخليجية" عرجاء. أصلاً، "مجلس التعاون الخليجي" لم يعد متعاوناً. في ظروف تدهور مركز الولايات المتحدة الدولي، "الزعل البدوي" أَزَم "المجلس" إلى حد التفكك بين "جبهتين". جبهة قطر وجبهة السعودية ـ الإمارات، والبحرين. الجبهة الأولى ذات العمق التركي ـ "الإخواني"، تدير علاقة نفعية مع إيران. والجبهة الثانية تتشبث بـ مصر كجناح توازن عربي ـ إقليمي، رغم أن الحسابات المصرية الدقيقة حيال إيران لا تتطابق مع الحاجات السعودية. وكلا "الجبهتين" تتصارعان على تزعم "التعاون الخليجي" وترسيم مستقبله. كما تبعثان بكُتُبِ المصالحة إلى سوريا. فيما هما تتنافسان على التطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني.

الوهم، لأن جلب "القمة العربية" إلى مكة، ليس مؤشراً على إعادة تشغيل نظام "جامعة الدول العربية" الإقليمي ضد إيران. فانتقال النظام الدولي من مرحلة الأحادية القطبية إلى مرحلة تعدد القطبية، ولّد تحولات داخلية وخارجية عصفت بـ"الدول العربية" وقَسَمَتْها. والآن، هناك محور المقاومة والإستقلال العربي، الذي تتصدره سوريا. يقابله محور التبعية العربي لنظام الأحادية القطبية الذي تتصدره السعودية. ومأزق محور التبعية، أنه عجز عن التشكل في "ناتو سني" عربي، بمقتضى خطة الولايات المتحدة ـ "إسرائيل"، لأن مصر رفضتها.

الوهم، لأن فشل "القمة الإسلامية" في مكة المكرمة بدعم السعودية ضد إيران كان أمراً متوقعاً. العامل الرئيسي في فشل "مؤتمر التعاون الإسلامي" ليس الأوضاع "الخليجية" أو "العربية" وحسب. وإنما، أولاً، وأساساً، تأثير النظام الدولي الإنتقالي على السياسات الخارجية للدول "الإسلامية" الكبرى. إندونيسيا بين خياري "الحزام والطريق" الصيني و"الناتو الآسيوي" الأميركي. باكستان اختارت التموضع تحت الجناح الصيني. إيران قوة إقليمية مستقلة صاعدة في الكتلة الأوراسية. تركيا تكاد تنشق بين البناء الجيوسياسي الأورو ـ أطلسي والتكامل الجيوسياسي الأوراسي. مصر تُبلور الملامح المستقلة في السياسة الخارجية، خصوصاً على المحور الأوراسي.       

هذه أوهام "القيادة" لدى المملكة العربية السعودية. كانت القمم الثلاث في مكة المكرمة زاخرة بالحفاوة والصور والكلمات. لكن تقارير اليوم التالي، كشفت عن أنها قمم فارغة. اجتماعات فارغة. فليس من إنجاز سياسي عملي، حققته هذه القمم ضد إيران و"أدواتها" أو "أذرعها"، سوى البيانات السياسية. سوى الحكي. هذه النتائج البعيدة عن طموح السعودية بحشد "الخليجيين" والعرب، والمسلمين، لكي يسعوا بين يديها إلى قتال إيران، كشفت مبلغ الضعف البنيوي في الوزن الجيوسياسي للمملكة العربية السعودية. فقد انتظرت المملكة أن يؤدي جمع هذه "القمم" في مهد الإسلام، إلى تحسن شعورها بثقل الوزن الجيوسياسي الذاتي، فتتضاعف الثقة الداخلية والخارجية بـ"شكل" القوة السعودية، ويتناقص التشكيك بـ"مضمون" القوة السعودية!.

لكن ما حدث هو العكس. فقد تأكد الإنفصام بين "شكل" و"مضمون" القوة السعودية، من بعد القمم "الخليجية" والعربية و"الإسلامية" في مكة المكرمة، وصار أكبر وأوضح. في "الشكل"، تبدو السعودية قوية، لما عندها من موازنات عسكرية هائلة. ترسانة حربية هائلة. موارد نفطية هائلة. موارد مالية هائلة. موارد "روحية" هائلة. في "المضمون" تبدو السعودية ضعيفة أمام الصراعات الجيوسياسية التي تخوض أو ستخوض فيها. وكأن هذه الموارد "قليلة" لكي تقدر السعودية على حسم هذه الصراعات لصالحها. طبعاً، هذا الضعف لا يصدر عن "قلة موارد"، بل عن "تبديد موارد" في خدمة محور التبعية. وعن "تسخير موارد" في ركاب الولايات المتحدة ـ "إسرائيل" وخططهم التدميرية.

انفصام القوة السعودية في ظل النظام الدولي الإنتقالي، ما بين "الشكل" القوي و"المضمون" الهزيل، مؤشر على المأزق الوجودي الذي تعيشه السعودية. دليل على "حدود القوة" السعودية رغم كل الموارد الهائلة التي تتوفر لها. فلا أميركا ـ "إسرائيل" سارعت إلى شن الحرب على إيران "كرمى لعيون" السعودية. ولا "الخليجيين" والعرب والمسلمين، قدموا للسعودية أكثر من البيانات السياسية. ولذلك، نرى أن القمم الثلاث كانت حشداً في "الشكل" لم تؤثر بتاتاً في "المضمون". قوة "الشكل" وهزال "المضمون" هو ما يعبر عن طبيعة "القوة الشاملة" للدولة السعودية المعاصرة.

لقد أرادت السعودية أن تعالج مأزق "انفصام القوة" لديها، بعقد القمم الثلاث. لكنها معالجة بأدوية الوهم الخادعة. معالجة تشبه وصف "المكملات الغذائية" لمرضى سوء التغذية.

هيئة تحرير موقع الحقول
‏الإثنين‏، 30‏ رمضان‏، 1440، الموافق في ‏03‏ حزيران‏، 2019

ما بعد “الفجيرة” و”الشرقية”: الإمارات والسعودية على عتبة “الجبهة الأنكلوساكسونية” المتداعية!؟

اهتز أمن دول الخليج العربي في اليومين الأخيرين. الإمارات العربية المتحدة والسعودية، تحديداً، اعترفتا باختراق الأمن العميق لكلتيهما. في ابو ظبي، أعلنت وزارة الخارجية عن وقوع "عمليات تخريبية" ضد اربع ناقلات نفط، في ساحل مدينة الفجيرة على بحر عمان. وفي الرياض، أعلن وزير الطاقة السعودي عن وقوع غارة جوية بطائرات من دون طيار، على محطتي ضخ لخط أنابيب نقل النفط من حقول الإنتاج في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية إلى ميناء ينبع في غرب المملكة على البحر الأحمر.   

تشرح خريطة أنابيب نقل النفط عمق الإختراق ومدى خطورته على مصالح كلتا الدولتين العربيتين. فقد نفذت الرياض وأبو ظبي في العقدين الأخيرين، خطة طوارئ تسمح لهما بتصدير النفط من داخل منطقة الخليج العربي إلى الأسواق الخارجية، من دون العبور في مضيق هرمز. وهذه الأنابيب هي العنصر الأهم في الخطة. فالنفط الإماراتي يسيل عبرها من حقول استخراجه في بحر أبو ظبي، في الخليج، إلى ميناء الفجيرة. كذلك، ينقل النفط السعودي من خلالها، من المنطقة الشرقية على ضفة الخليج، إلى ساحل البحر الأحمر.

جاءت "العمليات التخريبية" في الإمارات والغارة الجوية اليمنية في السعودية لتطيح بهذه الخطة. إذ برهنت أن أمن الصادرات النفطية الإماراتية أو السعودية، لا بد خاضعٌ للمعادلات الأمنية ـ الإستراتيجية الناشئة في الخليج العربي وفي شبه الجزيرة العربية. بحيث لا يمكن ضمان هذا الأمن، وفي الوقت نفسه، حض الولايات المتحدة ـ "إسرائيل"، على شن الحرب ضد إيران. فأمن الصادرات النفطية العربية والإيرانية، يبقى أمناً متبادلاً، سواءٌ نقل النفط عبر مضيق هرمز، أم بالإلتفاف البري عليه. هذا هو مغزى الإختراق العميق للأمن النفطي.

اصيب هيكل الأمن السيادي للإمارات والسعودية، بقوة. فالحادثتين، رغم طابعهما التكتيكي المحدود، حملتا رسائل استراتيجية بددت متانة الإستقرار الأمني ـ العسكري في كلتا الدولتين. فلا الإمارات تمكنت من إحباط الجهات "الغامضة" التي نفذت "العمليات التخريبية" في مياه الفجيرة السيادية، ناهيك عن التصدي لها. ولا الرياض نجحت في إسقاط طائرات من دون طيار، اقتحمت أجواءها السيادية، لمسافة تزيد عن 1000 كلم، وتخطت شبكات الدفاع الصاروخي الأميركية، قبل أن تدمر منشآت سعودية حيوية.  

ظهرت الإمارات والسعودية كمن فوجئ بهاتين الحادثتين المحدودتين، فعلاً. هذا ما يمكن "قراءته"، على الأقل، من التصريحات الرسمية التي أصدرتها كل من ابو ظبي والرياض في أعقابهما. نعرف من الأرشيف حجم التسلح العسكري والتجهيز الأمني للقوات المسلحة الإماراتية والسعودية. ونعرف من وقائع عدوان التحالف السعودي ـ الأميركي على اليمن، أن هذه القوات مستنفرة، و"تصول وتجول" في معظم الأنحاء السيادية البرية والبحرية والجوية لـ"الجمهورية اليمنية"، منذ عام 2015، فلِمَ فوجئت العاصمتان العربيتان؟.

تثير الحادثتان، مجدداً، مسألة السيادة الناقصة لدول الخليج العربي. ولكن قبل وقوعهما، بأيام قليلة، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أثار مسالة السيادة الناقصة لهذه الدول. فقد خطب في محضر لفيفٍ من ناخبيه الشبان، الذين بدوا كالحمقى، قائلاً لهم : إن السعودية هي تحت الحماية الأميركية. ومن المفترض أن ترامب قصد بـ"الدول ـ المحمية" بقية دول "التعاون الخليجي" أيضاً. ثم جاءت بيانات الإمارات والسعودية بعد الحادثتين لتؤكد ذلك. فأدخلت "المجتمع الدولي"، وهو الإسم المستتر للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، طرفاً في المسؤولية عن "التحقيق" بشأنهما و"الرد" عليهما.

إن وقف مصير الأمن الوطني للإمارات والسعودية على الأميركيين وحلفائهم، بعد حادثتين أمنيتين محدودتين، سيفتح باب الطمع الأميركي، لابتزاز أبو ظبي والرياض بأموالهما السيادية حتى آخر درهم وريـال. يعلم كل المهتمين بقضايا التبعية في النظام الرأسمالي الدولي، أن اقتصادات دول "التعاون الخليجي"، وخصوصاً أكبرها في الإمارات والسعودية، وقطر، هي إحدى ديناميات الإقتصاد الرأسمالي الغربي وفُرْجَةُ أزماته. ولكن اليوم، تبرز مخاطر التبعية "الخليجية" الأمنية ـ العسكرية للرأسمالية الأميركية والغربية.

فاستدعاء "المجتمع الدولي"، عقب هاتين الحادثتين، إلى سواحل الفجيرة الإماراتية لـ"يحقق" وإلى المنطقة الشرقية السعودية لـ"يحمي"، يشبه "رمي الخراف بين فكي الذئاب". بحيث تنقلب مسألة نقص السيادة المألوفة في دول "التعاون الخليجي"، إلى معضلة استراتيجية للحكم في أبو ظبي والرياض. لقد دخلت العاصمتان حلبة المواجهة الإقليمية ـ الدولية بين أصدقاء وأعداء جمهورية إيران الإسلامية، وهما عاجزتان عن تعديل "زاوية الدفة" الجيوسياسية. من ناحية، للسير باتجاه مصر وسوريا (غصباً عن بومبيو وسيده الطمَّاع)، وروسيا والصين، لكي تُفْتَحْ خطوط التصالح مع إيران. ومن ناحية أخرى، للسير باتجاه اليمن، لإطلاق تسوية سياسية توقف العدوان السعودي ـ الأميركي عليه وتزيل آثاره الرهيبة.

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان ممكنان، حتى الآن، يعوضان نقص السيادة لدى أبو ظبي والرياض. لأن ترجيحات الحرب والسلم في الخليج العربي متفاوتة. فلا أحد، بتاتاً، يملك الجواب القاطع، بشأن مسار العدوان الذي تسلكه إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران : الضغط للشروع بالتفاوض أم للشروع بالحرب. ويجب أن تأخذ كلا العاصمتين بهذين الخيارين، وأن تحذرا من التعامل مع هذا العدوان الأميركي، بذهنية الكاتب الصحفي السعودي الذي تحدث، أمس، عن "سحل إيران"!؟.

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان ضروريان، لتخفيف تبعية الأمن الوطني للإمارات والسعودية لمصالح الأمن القومي الأميركي. فإلغاء الإتفاق النووي مع إيران، و"صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، ودعم الإرهاب في سوريا والعراق ومصر، والإنسحاب من معاهدة الصواريخ مع روسيا، وحصار فنزويلا، والحرب التجارية مع الصين، هي حرب هجينة أميركية ـ أنجلوساكسونية واحدة، تضم "إسرائيل"، وتجري على جبهات متعددة، وهي تشكل مرحلة كاملة في تحولات النظام الدولي الإنتقالي. وإحدى عِبَر حادثتي الفجيرة والمنطقة الشرقية، هي أن واشنطن وحلفاءها، لا يمانعون في جعل دول "التعاون الخليجي"، لا سيما الإمارات والسعودية، عتبة ""الجبهة الأنكلوساكسونية" المتداعية.    

إن التصالح والتسوية هما خياران استراتيجيان لازمان، لكلٍ من أبو ظبي والرياض. ومن مصلحتهما أن تأخذا بهذين الخيارين، لتنتفع منهما في حالتي السلم والحرب. فإذا بقي العدوان الأميركي على إيران، يراوح ضمن حالة السلم الراهنة، تكون هوامش المناورة الإستراتيجية للإمارات والسعودية قد توسعت في مواجهة طمع الرئيس الأميركي وابتزازه المالي والمعنوي. أما إذا أشعلت إدارة ترامب نيران الحرب  ضد إيران، فلن تكون هاتين الدولتين "عتبة للحرب"، ولا حقلاً يابساً لنيرانها الرهيبة.

ما بعد حادثتي "الفجيرة" و"الشرقية" يجب على الأقلام العربية، لا سيما "الخليجية" التي تمتدح مسار الحرب ضد إيران، أن تلوذ بالصمت. 

هيئة تحرير موقع الحقول
الأربعاء‏، 11‏ رمضان‏، 1440، الموافق ‏15‏ أيار/ مايو‏، 2019

 

تفجيرات كولومبو: من حرّك ارهابيي “داعش” في جوار “الحزام والطريق”؟

أعلن تنظيم "الدولة الإسلامية"/ "داعش" الإرهابي مسؤوليته عن مجازر يوم عيد الفصح في جزيرة سريلانكا. التحقيق الجاري، كشف بالفعل، عن مهاجمة انتحاريين سريلانكيين وأجانب من أعضائه، كنائس وفنادق في كولومبو. كما ذكر الباحث الهندي Brahma Chellaney أسماء تنظيمات وهابية محلية قامت بدور تنفيذي في "غزوة كولومبو"، التي قتلت نحو 250 مدنياً. ويشكل البعد المحلي في الجرائم الإرهابية التي عكرت سلام هذه الجزيرة، عاملاً أساسياً في تقدير الأهداف الإستراتيجية للمخططين. لكن فهم أسباب توسع الإرهاب التكفيري ودوافع انتشاره المتوقع في بلدان جنوب وشرق آسيا، يتطلب أن ندرج هذا البعد في السياق التحليلي، مع البعد الإقليمي والبعد الدولي لـ"غزوة كولومبو".

في البعد المحلي، يمر Chellaney / تْشلَّاني على جذور الصراع الطائفي الدامي في سريلانكا بين أغلبية المواطنين السنهالية البوذية، وبين أقلية المواطنين التاميلية المسلمة. لكنه يذكر عاملين سهّلا على إرهابيي "داعش" ارتكاب جرائمهم. الأول، سياسي ـ بيروقراطي والثاني، جيوثقافي ـ سياسي.

في العامل الأول، يتبين أن الحكومة السريلانكية عجزت عن التدخل الإستباقي لإحباط المهاجمين بسبب الخلافات السياسية بين الرئيس السريلانكي Maithripala Sirisena / ميثريبالا سيريسينا الذي يشرف على الأجهزة الأمنية، وبين رئيس الحكومة Ranil Wickremesinghe  / رانيل ويكرميسينجه. مع أن الإستخبارات الهندية، بحسب تْشلَّاني، أطلعت أجهزة الأمن السريلانكية على "مؤامرة تفجير عيد الفصح، حتى أنها حددت العقل المدبر لها". وهذه المعلومات تأكدت تقريباً، بلسان سيريسينا نفسه، يوم أمس. 

في العامل الثاني، يتمركز المسلمون في المنطقة الشرقية من سريلانكا. ويقول تْشلَّاني إن التمويل السعودي و"الخليجي" قد غذّى صعود جماعات وهابية منظمة تسعى إلى تطبيق "الشريعة الإسلامية" في تلك المنطقة. ويذكر بالتحديد Sri Lanka Thawheed Jama’ath /"جماعة التوحيد في سريلانكا"، التي ازدهر نفوذها هناك. وهذه "الجماعة" يُشتبه بأنها الذراع المحلي لـ "داعش" الذي قوَّض سلام كولومبو. وهي ترتبط بعلاقات عقدية وتنظيمية وسياسية مع Tamil Nadu Thoweed Jamath / "جماعة التوحيد في وطن التاميل" المنتشرة في أقصى جنوب الهند.

في البعد الإقليمي، لم تكشف التحقيقات بعد عن وجود انتحاريين سعوديين أو "خليجيين" بين إرهابيي "غزوة كولومبو". ولكن لفت انتباه المراقبين إلى أنه بتاريخ الإثنين 22 نيسان / ابريل 2019، أي في اليوم التالي على تفجيرات الكنائس والفنادق في سريلانكا، نشرت صحيفة الرياض السعودية، تقريراً إحصائياً يكشف عن "1006 سائحين سعوديين مختفين في تركيا". كما يتهم التقرير "الشرطة التركية بمضايقة وابتزاز السائحين" السعوديين. فمن ذا الذي أخفى هؤلاء السائحين. في أي ظروفٍ تم ذلك وأين. لا ترد "الرياض" على هذه الأسئلة ولا أنقرة.     

إذا تجاوزنا الملمح الطائفي في تحليل تْشلَّاني لمسؤولية الوهابيين عن هجمات "داعش" على أمن الجزيرة الآسيوية الجميلة، فإنه يجب بالفعل، استقصاء مسؤولية المنظومة الوهابية ـ "الإخوانية" في السعودية وقطر عن زرع البنى التحتية والحواضن السوسيوثقافية لجماعات الإرهاب في آسيا الجنوبية والشرقية وتمدد فعاليتها وصولاً إلى الصين وروسيا.

لا يخفف من هذه المسؤولية ولا من خطورتها، النزاع المتصاعد بين شيوخ الوهابية وقطب الحكم الجديد في السعودية، أو صراع النفوذ بين الرياض الوهابية والدوحة "الإخوانية". فقد لعب "دعاة الوهابية" الذين ترسلهم السعودية وقطر، دوراً كبيراً في نشر الدين الوهابي في المجتمعات الإسلامية شرقاً وغرباً.

إن "غزوة كولومبو" تذكرنا مرة أخرى بالطابع العالمي للوهابية، الذي ما كانت لتصل إليه، لولا تكامل تنظيم "الإخوان" سياسياً، وعقدياً بدرجة ما، مع الشروط التاريخية السياسية والدينية التي فرضتها المملكة العربية السعودية في الواقع الجيوثقافي العربي والإسلامي.

إن السياق التحليلي للتغير الجيوثقافي التخريبي المدمر، الذي أحدثته الوهابية في بلاد المسلمين وفي أماكن إقامتهم، بما في ذلك الإندماج البنيوي في البعد المحلي العقدي والسياسي لعموم مجتمعات المسلمين، إلى حد طغيانه فيها، يجب أن يبين دور ومكانة شبكات "الإخوان" وجمعياتهم ودعاتهم في حدوث ذلك التغير. هناك الكثير من الشواهد الفكرية والسياسية القوية على أن جذور التكاملية الوهابية ـ "الإخوانية"، تمتد إلى "أفكار" اللبناني محمد رشيد رضا، بالذات، وهو المؤسس الأول لتنظيم "الإخوان".

في البعد الدولي، يجب أن نقرأ التفجيرات الإرهابية في سريلانكا، كإحدى العمليات الحربية التي تستهدف إعاقة "مبادرة الحزام والطريق" التي تنفذها الصين حول العالم. ويتضح هذا البعد أكثر، عندما نعلم، أولاً، أن سريلانكا قد دخلت في "المبادرة" واصبح ميناء هامبانتوتا الإستراتيجي على المحيط الهندي جزءا من البنى التحتية لـ"الحزام والطريق". ثانياً، وهذا الأهم، أن هناك استراتيجية أميركية ـ أنغلوساكسونية تامة لمواجهة الصين والكتلة الأوراسية. لا نتحدث عن ترامب ولا عن أوباما وكذا، بل عن نظام الهيمنة الذي ركبته الولايات المتحدة وقادته منذ الحرب العالمية الثانية. فاستمرار تدهور الإمبريالية الأميركية وتفرعاتها النَّهِمة في بريطانيا، كندا، أوستراليا ونيوزيلند أو وقفه، بات متوقفاً على تقدم أو تعطيل "مبادرة الحزام والطريق".

إنه صراع بين خطتين رؤيويتين عالميتين لمستقبل اقتصاد العالم. رؤية تنموية تقدمية، ورؤية استئثارية رجعية. لقد بات الصراع الراهن، بين هاتين الخطتين ـ الرؤيتين، أي بين كتلة أوراسيا وقطبيها روسيا والصين، وبين تحالف "العيون الخمسة" الأنكلوساكسوني، من أهم ديناميات النظام الدولي الإنتقالي من الأحادية إلى التعددية القطبية.       

لقد "تصادف" هجوم تنظيم "الدولة الإسلامية" على الكنائس والفنادق في سريلانكا، قبل خمسة أيام من موعد "افتتاح أعمال الدورة الثانية لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في بكين" الذي تغيب الولايات المتحدة عنه. ولم تشارك فيه بفعالية لا السعودية ولا تركيا وتابعتها قطر. وإذا كانت تركيا قد بدأت بوضع "رِجْلٍ في فلاحة روسيا ورِجْلٍ في بور أميركا"، فإن مصائر السعودية وقطر معلقتان بـ"البور" الأميركية. إن هذا التوازن الجيوسياسي للدول الثلاث، المتورطة في تشكيل وتحريك المنظومات الوهابية ـ "الإخوانية"، يمنع  تراصف هذه الدول ضمن الكتلة الأوراسية والتشكل داخل حلقاتها الإقليمية والدولية.      

لن نقف عند استذكار تْشلَّاني لـ"الحرب الأميركية على الإرهاب" في ختام مقاله الهام. لكننا نرى أن تْشلَّاني قد أتى بعنوانٍ نصف صحيح لمقاله :  Asia Is the New Ground Zero for Islamist Terror / آسيا  البؤرة الجديدة للإرهاب الإسلامي. في النصف الصحيح، أنه رسم في متن المقال مساحة هذه البؤرة على قوس جيوسياسي يمتد من جزر المالديف جنوب شرق سريلانكا حتى أرخبيل الفلبين. وهي مساحة شاسعة تشمل كامل شمال وشرق المحيط الهندي، وتحوي قسماً هاماً من البنى التحتية لـ"المبادرة".

إن هذا التحديد الجيوسياسي للمسارح الجديدة للإرهاب دقيق. إذ يتوافق مع معلومات تداولت بها عواصم عربية وإسلامية، منذ أكثر من سنة عن تعمد الأجهزة الأميركية نقل إرهابيي "داعش" من سوريا عبر تركيا إلى أماكن مجهولة، يُرجح أن تكون باتجاه الأرخبيل الفلبيني والأرخبيل الأندونيسي، وكذلك جنوب ميانمار. وذلك ضمن استعدادات الولايات المتحدة لإشعال حروب بؤرية تشمل عدداً من الدول الآسيوية، خصوصاً في جوار الصين، وباتجاه آسيا الوسطى.

"النصف الصحيح" في عنوان مقال السيد تْشلَّاني، الذي يعين آسيا كميدان للإرهاب التكفيري، معاكس لمضمون "النصف غير الصحيح" في العنوان الذي يتهم فيه المسلمين بالارهاب، من خلال إشارته الى "الإرهاب الإسلامي".

هيئة تحرير موقع الحقول ‏‏
السبت‏، 22‏ شعبان‏، 1440، الموافق ‏27‏ نيسان/ أبريل‏، 2019