الوحدة المالية توسع الفجوة الطبقية في الإتحاد الأوروبي : التضامن العمالي يواجه تحديات صعبة؟

أثناء أسوأ الصدامات التي وقعت بين الحكومتين اليونانية والألمانية وسط أزمة اليورو، حاول مسؤول ألماني إثنائي عن الإصرار على تخفيف عبء الديون عن اليونان بحجة أن ألمانيا قد تكون غنية، لكن غالبية سكانها فقراء. في هذه النقطة الأخيرة، كان محقا.

أكدت دراسة حديثة أن نصف سكان ألمانيا يمتلكون 1.5% فقط من ثروة البلاد، في حين يمتلك أعلى 0.1% دخلا 20% من ثروة ألمانيا. وتزداد فجوة التفاوت اتساعا. خلال العقدين الأخيرين، كان الدخل الصافي الحقيقي الذي يحصل عليه أفقر 50% في انخفاض في حين كان دخل أعلى 1% في ارتفاع سريع، إلى جانب أسعار المساكن والأسهم.

على هذه الخلفية من التفاوت المتزايد الاتساع، يجب أن نحاول فهم مزاج الشعب الألماني، وخاصة المقاومة الشعبية لفكرة الاتحاد المالي لمنطقة اليورو.

من المفهوم أن يرفض العمال الألمان، الذين يواجهون صعوبة متزايدة في محاولة تدبير أمورهم، تأييد فكرة توجيه مبالغ كبيرة من المال على نحو ثابت إلى مواطني دول أخرى. فلا يعود ثراء ألمانيا المتزايد عليهم بشيء. وهم يعلمون من خلال خبرتهم أن أي أموال ترسل إلى إيطاليا أو اليونان، تأتي منهم في الأرجح، وليس من أكثر 0.1% ثراء ــ ناهيك عن أن هذه الأموال ستنتهي بها الحال على الأرجح إلى جيوب الـقِـلة اليونانية الفاسدة، أو الشركات الألمانية الخاصة التي اشترت الأصول اليونانية دون مقابل تقريبا.

نتيجة لهذا، نجد أن صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من الجائحة الذي نال الموافقة مؤخرا بقيمة 750 مليار يورو (880 مليار دولار أميركي)، والمسمى "جيل الاتحاد الأوروبي التالي"، يهدد بتعميق الانقسامات عبر أوروبا، بدلا من كونه العلاج الشافي الموحد الذي حلم به العديد من المعلقين. بعيدا عن عدم أهمية المخطط على مستوى الاقتصاد الكلي، من الأهمية بمكان أن نلقي عليه نظرة جديدة من منظور عامل ألماني عادي ضمن فئة أدنى 50% على جدول توزيع الثروة في ألمانيا.

يُـقـال لعاملة ألمانية عادية إن حكومتها ستكون مسؤولة عن 100 مليار يورو من الديون الجديدة التي سيستخدمها الاتحاد الأوروبي لمساعدة أجانب على التعافي من تداعيات الجائحة الاقتصادية. وتسمع أن "الإيطاليين سيحصلون على 80 مليار يورو من صندوق التعافي الأوروبي في حين يحصل الإسبان على 78 مليار يورو، ويحصل اليونانيون على 23 مليار يورو".

ولكن علام ستحصل هي؟ أقل من لا شيء. ولأن حكومتها تتخذ وضع تقليص العجز المالي والديون، في محاولة لإعادة ميزانيتها إلى الفائض الصغير بحلول عام 2021، فبوسعها أن تتوقع فقط أجورا راكدة والمزيد من التقشف في الإنفاق على المستشفيات والمدارس والطرق المحلية وغير ذلك من أشكال البنية الأساسية.

ورغم أنها ربما تتعاطف مع الإيطاليين والإسبان، الذين فقدوا أعدادا كبيرة من مواطنيهم بسبب جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، فإنها لن تقبل أبدا تكرار هذه الممارسة في تبادلية الديون نيابة عن الأوروبيين في الجنوب أو الشرق. من الواضح أن تضامن العمال الألمان، الذين لا يظهر أحد أي تضامن معهم، ليس بلا حدود ــ وهو أمر طبيعي.

مع ذلك، ما إن حظي صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي بالموافقة أشيد به بوصفه خطوة أوروبا الأولى نحو الاتحاد المالي. لقد فشل الداعمون في تحسس نبض الأغلبية في ألمانيا، وهو خطأ من غير المحتمل أن ترتكبه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو خليفتها. إذا كان أي شيء مؤكد فهو أن الطريقة التي جرى بها إدماج تبادلية الديون في تمويل صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي سيتبين في الأرجح أنها ربما كانت بمثابة ضربة قاتلة موجهة إلى الاتحاد المالي اللائق.

ليس من الصعب أن نفهم السبب. لا شك أن تبادلية الديون شرط ضروري (وإن لم يكن كافيا) لتحويل منطقة اليورو إلى منطقة من الازدهار المشترك، ولصالح العمال الألمان أيضا. لكن تنفيذها يجب أن يجري على النحو اللائق كما يجب الترويح لها بين الناس بطريقة مقنعة. لنتأمل هنا الاتحاد المالي الذي هو جمهورية ألمانيا الاتحادية، قبل مقارنته بما أنشأه المجلس الأوروبي للتو.

عندما تدخل الرأسمالية الألمانية في أزمة، لأي سبب من الأسباب، يرتفع عجز ميزانية الحكومة الفيدرالية تلقائيا مع تدفق الفوائد على نحو غير متناسب نحو الولايات المتضررة بسبب أكبر ارتفاع في معدلات البطالة والانحدار الأكثر حدة في العائدات. مكمن الجمال في هذا الاتحاد المالي اللائق هو عدم اضطرار أي سياسي ألماني إلى اتخاذ القرار بشأن أي الولايات الألمانية تحصل على أي تحويل.

تخيل كم الرعب إذا اضطر مجلس العموم الألماني (البوندستاج)، أو منتدى رؤساء وزارات الولايات، إلى التفاوض على مقدار الأموال التي ستحولها كل من الولايات الأكثر ثراء، مثل بافاريا، وشمال الراين وستفاليا، وبادن فورتمبرج، إلى كل من الولايات الأكثر فقرا، مثل تورينجيا، وساكسونيا أنهالت، وميكلنبورج فوربومرن. وتخيل لو أنه، قبل توزيع الأموال مباشرة، كان بوسع رئيس وزراء بافاريا أن يمنع تحويل المال إلى تورينجيا لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر من أجل التدقيق في حسابات تورينجيا العامة. إن كل هذا من شأنه أن يحطم الوحدة الألمانية، ويصيب البلاد بالشلل.

لقد وصفت للتو الانقسام القاتل الذي أدمج في صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي. وكما كتبت في مكان آخر، تكاد الحال تبدو وكأن الأمر برمته جرى تصميمه من قِـبَـل أحد الماكرين من المتشككين في أوروبا.

خلال السنوات القادمة، مع تفعيل صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي، ستتولى نخب ألمانيا فحص حسابات إيطاليا وإسبانيا واليونان. وهذا من شأنه أن يساعد في تحويل غضب العمال الألمان من التقشف الذي يعانون منه (إلى جانب العمال الإيطاليين، واليونانيين، والإسبان) نحو نظرائهم الإيطاليين والإسبان واليونانيين ــ الذين سيردون العداء بطبيعة الحال. هذه ليست وصفة لتوحيد أوروبا، بل هي مخطط لتقسيم الناس الذين تتوافق مصالحهم في واقع الأمر.

إن من يريد توحيد أوروبا حقا يملي عليه واجبه أن يبدأ بإظهار التضامن مع نصف ألمانيا الذي يملك 1.5% من ثروتها. وقبل حتى أن نذكر سندات اليورو، يتعين علينا أن نطالب أولا برفع أجور الألمان، وحظر إعادة شراء الأسهم، وتقليص مكافآت الشركات بشكل حاد.

بعد ذلك، يتعين علينا أن نثبت لأصدقائنا الألمان أن سياسات الاتحاد الأوروبي الحالية تغذي التفاوت في الثروة الألمانية، مما يضيف إلى ثروات أعلى 0.1% دخلا ويزيد من الصعوبات التي يواجهها الأغلبية. أخيرا، يتعين علينا أن نوضح لهم ماذا يعني الاتحاد المالي الحقيقي: تحويل الثروة، ليس من ألمانيا إلى اليونان أو من هولندا إلى إيطاليا، بل من هامبورج، ولومباردي، وشمال أثينا، إلى تورينجيا، وكالابريا، وتراقيا.

يانيس فاروكيس / ANIS VAROUFAKIS، وزير مالية سابق، وأكاديمي من اليونان

ترجمة: مايسة كامل / Maysa Kamel

3 آب/ أغسطس،2020

المصدر : 
موقع بروجكت سانديكيت

ردّاً على بيان «لوبوان»: أبواق «إسرائيل» فلتخرس!

ما وراء الخرائط
سبق أن أشرنا مرّات عدّة في موقعنا prochetmoyen-orient.ch، إلى أن جائحة «كورونا» ستؤدي إلى إحياء وتعاظم أوبئة عديدة، سياسية وجيوسياسية، كامنة منذ سنوات طويلة في الشرق الأوسط. قُضِي الأمر! ها هي أسبوعية «لوبوان» تنشر في 11 أيار / مايو عريضة تنحو في هذا الاتجاه بعنوان: «فلنحم العرب الذين يحاورون إسرائيل». وقد ورد في التقديم، أنّ «لوبوان» تنشر العريضة الموقّعة من قبل أكثر من ستين نائباً وعضو مجلس شيوخ فرنسي، ينتمون إلى أحزاب اليمين والوسط واليسار، وكذلك من قبل رؤساء حكومات ووزراء سابقين، ومثقّفين، يساهمون في مواجهة فيروس الكراهية، عبر دعمهم لمبادرة ممثلين عن المجتمع المدني في 16 بلداً عربياً، لتشكيل المجلس العربي للاندماج الإقليمي. هدف هذا الأخير، هو المصالحة مع إسرائيل والتصدّي للأفكار المسبقة، عبر تنظيم حوار حقيقي عربي ـ إسرائيلي لتطبيع العلاقات وإنهاء أي شكل من المقاطعة.
تتمّة هذه العريضة / البيان تتمحور حول سبع خدع بمنتهى الحقارة، كونها تمثل إهانة للذكاء والضمير الإنساني الجمعي وللتاريخ في الآن نفسه. خديعة: «هي باللاتينية مفردة مستنبطة من فعل فرض. تفرض الأكاذيب على الناس بالأفعال وبالأقوال. نفرضها على الآخرين وعلى أنفسنا. جميع سبل استغلال ثقة وغباء البشر هي أنماط مختلفة من الخداع. لكن موضوع الخداع يكون دائماً أمراً غير معلوم من العامة. غرابة الموضوع وغموضه هما ما يعطيانه الصدقية»، موسوعة دوني ديدرو.

أولاً: نصيحة عجيبة
العودة إلى ديدرو ضرورية، لأنّ بداية البيان تذكر «مبادرة تاريخية» لمجلسٍ عربي للاندماج الإقليمي، من المفترض أنه يضم 30 شخصاً من «صنّاع الرأي». بعد التدقيق، اتضح أنّ ولادة هذه البنية الهلامية هي نتاج للتعاون بين أجهزة أمنية غربية وإسرائيلية. غالبية أعضاء المجلس العتيد من المرذولين أو المجهولين بين أنتلجنسيا بلادهم، والباحثين عن موقع اجتماعي ومورد للرزق.

ثانياّ: «ثقافة الكراهية»
المطلوب، بحسب البيان، هو مناهضة «ثقافة الكراهية»، الخاصة حصراً بـ«العرب» كما يعلم الجميع. إضافة إلى العنصرية الفجّة التي تنضح بها هذه الفرضية، هي تناقض الحدود الدنيا للمنطق بالنسبة إلى من قام بجهد تقصّي الحقائق على الأرض. عندما نفعل ذلك، يسهل فهم أسباب «الكراهية» وهوية الجهة المسؤولة عنها…
يشكّل هذا البيان بذاته عملاً استفزازياً، لأنّه يصدر في توقيت متزامن مع إعلان نتنياهو عن عمليات ضمّ جديدة في الضفة

«أنا أتحدث يومياً مع جنود؛ قال لي أحدهم البارحة إنّ أوامره هي إطلاق النار على ركب الأطفال إن شعر بالتهديد؛ سألته: لماذا الركب؟ أجابني: لا يؤدي هذا الفعل إلى مقتلهم، وبالتالي لا يتحوّلون إلى شهداء بنظر أصدقائهم، لكنّهم لن يتمكّنوا من السير مجدداً، ما سيردع الآخرين عن رمي الحجارة. ولكن، هل يعقل إطلاق النار على ركب الأطفال؟ نعم، هؤلاء عرب». مصدر هذا الكلام الرهيب، هو كتاب الزوجين لوران وكورين ميرير. لقد أمضيا 3 أشهر في فلسطين بين شباط / فبراير وأيار / مايو 2016، في إطار البرنامج الدولي للمجلس المسكوني للكنائس، الذي انطلق بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. تعالوا لمشاركتنا العيش لفترة وعودوا إلى بلادكم للشهادة حول ما رأيتم. هذه هي المهمة التي حدّدها البرنامج. لقد أنجز الزوجان ميرير المهمّة على أكمل وجه، فقدّما تقريراً تفصيلياً عن الحياة اليومية للفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي، مع ما يعنيه من قمع وعنصرية واستيطان ونظام للفصل العنصري قرّر الرئيس الأميركي أن يشرعنه ويسانده. هذه الخلاصات الحاسمة ليست ناتجة عن انحيازات أيديولوجية. لوران ميرير ضابط في البحرية الفرنسية، وكان قائداً لقواتها في المحيط الهندي. زوجته أديبة ولها مؤلفات عدّة حازت على جوائز أدبية بينها جائزة الأكاديمية الفرنسية.

ثالثاً: «التعلّم من دروس الماضي»
من أجل «دحر ثقافة الكراهية والخروج من المأزق الحالي»، يرى البيان أنّه حان الوقت «للتعلم من دروس إخفاقات الماضي عبر الأخذ بخيار الحوار مع المجتمع الإسرائيلي بدلاً من القطيعة، وبالتعايش اليهودي ـــــ العربي بدلاً من رفض الآخر وإقصائه». من المسؤول عن «إخفاقات الماضي»؟ وما هي هذه الإخفاقات بالضبط؟ منذ وعد بلفور، القضية الفلسطينية سياسية بامتياز وليست مسألة إنسانية تُحلّ إذا تحلّى الطرفان بحسن النية.

رابعاً: «حوار صريح»
دعا الموقّعون على البيان، إلى حوار صريح. أية مهزلة هذه؟ هل ينبغي تذكيرهم بأنّه لم تعد هناك مفاوضات سلام منذ بداية الألفية الثانية، عندما قام المجرم أرييل شارون بزيارته الاستفزازية إلى باحات المسجد الأقصى، مُعلناً أنّ القدس الموحّدة ستكون عاصمة إسرائيل. منذ إنشائها عام 1948، لم تتوقّف إسرائيل عن انتهاكها الفاضح للقانون الدولي، ولمئات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومفوّضية حقوق الإنسان التابعة لها. لقد تمّ التصويت على القرار 2334 في 23 كانون الأول / ديسمبر 2016، الخاص بقضية فلسطين، والذي يذكّر بالقرارات 242و 338 و 446 و 452 و465 و476 و478 و1397 و1515 و1850، ويطالب بأن «توقف إسرائيل فوراً جميع أنشطتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما فيها القدس الشرقية». قدّم النص للتصويت من قبل نيوزيلندا والسنغال وماليزيا وفنزويلا، بعد اقتراح مصر ـــــ التي طرحته بداية ـــــ تأجيل التصويت عليه إثر لقاء بين رئيسها عبد الفتاح السيسي وبنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.

خامساً: لنُقاطع «إسرائيل»
يعتبر البيان أنّ «مقاطعة إسرائيل كان لها وقعٌ سلبيٌّ على الديناميكية الإسرائيلية ـ الفلسطينية، عبر منع العرب من التأثير الإيجابي على الصراع، وعزل المجتمع المدني الفلسطيني عن محيطه العربي». مرة أخرى، تُنسب الخطيئة إلى العرب. سوء النية العنصري والخديعة التي عرفها دوني ديدرو يبرزان بجلاء. بكل تأكيد، يجب مقاطعة إسرائيل التي تدوس على القانون الدولي وحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة. هذا واجب إنساني غير قابل للمساومة.

سادساً: «تصدير الكراهية إلينا»
يصل البيان إلى الذروة، عندما يزعم بأنّ «منطق الكراهية والإقصاء إياه، الذي يزعزع شمال أفريقيا والشرق الأوسط، يصدر للأسف إلينا». إلينا نحن الأبرياء. يا للهول!!! عبر احتلالها العسكري وعمليات الضم المتتالية للأراضي الفلسطينية والبناء المستمر للمستوطنات والجدران العازلة والطرق الالتفافية وتقطيع أواصل القرى والمنازل والمناطق الزراعية الفلسطينية، تنتج تل أبيب عن سابق إصرار وتصميم اليأس والعنف، وتتجرّأ على وصمهم بالإرهاب ومقارنتهم بالعمليات التي وقعت في باريس وغيرها من العواصم الأوروبية!.
سياسة الكيل بمكيالين حيال القضية الفلسطينية، وغياب أية عقوبات دولية على انتهاك إسرائيل المتكرّر للقانون الدولي، هما بين أبرز العوامل التي ساهمت في صعود الأصولية الإسلامية المتطرّفة. أسامة بن لادن هو الابن الطبيعي للأجهزة الأميركية وللأوليغارشية السعودية. «القاعدة» و«داعش»، هما الابنان الطبيعيان للحروب الأميركية ولغزو العراق عام 2003. منذ عقود، سمحت واشنطن للديكتاتورية الوهابية بتمويل وتسليح التنظيمات الإرهابية المتنوّعة، وشجّعتها على ذلك، ليس في الشرق الأوسط وحده، بل كذلك في آسيا وأفريقيا وأوروبا. إذا أردنا الحديث عن «الكراهية التي تصدر إلينا»، علينا بالهدوء أولاً، والعودة إلى الأسباب كما قال سبينوزا.

سابعاً: «كورونا» ذريعة ملائمة
لم يكن لجوء مثل هذا البيان إلى خطاب إنسانوي أجوَف أمر مستغرب: «التعاون العربي ـ الإسرائيلي لمكافحة جائحة كورونا واجب أخلاقي وعملي». لقد أظهرت الجائحة أنّ الفيروسات لا تعرف الحدود، وأننا جميعاً إخوة، إلخ… جميعاً؟ حقاً؟ عند تحليلي عام 2002، للاستراتيجية العامّة الإسرائيلية ـ بالاستناد بين مراجع أخرى إلى كتاب ميشيل فوكو المهم «المراقبة والعقاب» ـ والقائمة على حشر الفلسطينيين في فضاء مسيّج وخاضع للرقابة، أشرت إلى أنّ «سياسة أرييل شارون تعمل بلا كلل على تشييد يوتوبيا سيطرة مطلقة تتيح آلياتها بالتخلص من الكتل السكانية الفلسطينية غير المرغوب بها، عبر تهجيرها إلى غزة أو الأردن أو أي مكان آخر».

من الذي وقّع البيان؟
يشكّل هذا البيان، بذاته، عملاً استفزازياً، لأنّه يصدر في توقيت متزامن مع إعلان نتنياهو عن عمليات ضمّ جديدة في الضفة، لكنّنا لن نفاجأ أن يقدم الأشخاص الواردة أسماؤهم في ما يلي على التوقيع عليه: آن هيدالغو (التي تمجّد نظام الفصل العنصري الصهيوني)، باسكال بروكنير (مؤلّف أجوف)، دانييل كوهين بنديت (يساري سابق)، برنارد كوشنير (عمولات بلا حدود)، جان ماري لوغوين (طبيب رغماً عنه)، مانويل فالس (عائد من برشلونة)، بوعلام صنصال (الذريعة العربية وخبير كره الذات)، جيرار لونغيه (عضو سابق في تنظيم الغرب اليميني المتطرّف)، فرنسوا ليوتار (تاجر سلاح سابق)، إديت كريسون (الفارّة من متحف غريفان). الإشارة إلى أنّ أياً من هؤلاء لم تطأ قدماه الأراضي الفلسطينية المحتلّة غير ضرورية. ختاماً، فإن هيئة تحرير prochetmoyen-orient.ch تجدّد دعوتها لقرائها وأصدقائها، إلى مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وكذلك مجلّة «لوبوان».

ريشار لابفيير
خبير استراتيجي ومدير موقع prochetmoyen-orient.ch
الأربعاء، 20 أيار/ مايو 2020

التمييز السياسي والثقافي في الولايات المتحدة بحق الأميركيين من اصل عربي

تمكنت العديد من الجماعات الإثنية والعرقية في أمريكا من التغلب علي التمييز الذي ظلت تعاني منه كثيرا. و من بين تلك الجماعات ( الأيرلنديين) ،  فقد ذكر المرشح لمنصب حاكم ولاية إلينوي ، كريس كينيدي، ابن السيناتور الأمريكي الذي اغتيل منذ سنوات روبرت كينيدي، مؤخرا بأن الأيرلنديين في أمريكا لا يتمتعون دائما بالسلطة. ولسنوات عديدة، واجه الايرلندي التمييزحيث كان يتم تعليق لائحات تحمل الحروف المختصرة ( NINA ) تعبيرا عن عدم استقبال الأيرلنديين.

ويواجه الأمريكيون العرب تمييزا واضحا ،. فالناس الذين يكرهوننا لا يظهروا اي علامات تحمل حروفا مختصرة  مثل ( NANS ) و التي توضح عدم الترحيب بالعرب . فالنظام يمارس الكراهية بطريقة غير ملموسة ، من خلال استبعاد الأمريكيين العرب من الحياة السياسية ووسائل الإعلام ، و على الرغم من أننا نواصل القتال لتغيير كل ذلك ، الا ان أصواتنا لا تسمع.

ومثل جميع العرب في أمريكا واجهت أنا شخصيا التمييز ، فبعد أن خدمت بكل فخر في الجيش الأمريكي خلال حرب فيتنام ، ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدة عامين يحقق في تفاصيل حياتي تحت ذريعة أنني ربما أكون “إرهابيا”. وقد خلص التحقيق إلى أنني كنت مهتما فقط بتحسين مجتمعي . اليوم  و بعد 43 عاما، تغيرت أشياء كثيرة، ولكن ظلت أشياء أخري كما هي.

لم يمض وقت طويل منذ ان كان المسئولون الحكوميون الذين يتم انتخابهم في أمريكا يرفضون ان يستجيبوا الي مكالمات العرب الهاتفية. و لا يزال البعض يرفضون الاجتماع معنا حتي اليوم مثل عمدة شيكاغو رحم إيمانويل وسيناتور نيويورك تشاك شومر. الأسوأ من ذلك، اننا أصبحنا أهدافا للعملية الانتخابية، فبعض المرشحين يحتاجون دعم العرب المالي من اجل حملاتهم. و لكن يتهم المعارضون هؤلاء المرشحين ” بالفساد ” فقط لانهم حصلوا علي تمويل حملاتهم الانتخابية من أموال  “العرب”  ، و كأن أموال العرب التي اجتهدوا للحصول عليها ” فاسدة” .

وما أن بدأ هذا المنظور في التغير في التسعينيات ، حتي وقعت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول / سبتمبر 2001، فتخلي المرشحون عنا مرة أخرى. و بدأ السياسيون في أمريكا التمييز بين المسلمين العرب وغير العرب،  فغالبية المسلمين في أمريكا من أصول غير عربية، ومعظمهم، بما في ذلك الباكستانيون والهنود والآسيويون والمسلمون الأفارقة، واصلوا المشاركة في الحياة السياسية الأمريكية في ظل إقصاء تام للعرب. لكن الرمال تتحرك مرة أخرى لصالح الأميركيين العرب. ولعل أكبر المكاسب كانت في ميشيغان حيث انتخب العرب العديد من المرشحين للمناصب العامة. و بدأ هذا الاتجاه في الانتشار إلى مناطق أخرى مثل شيكاغو في ولاية إلينوي.

ظل النادي العربي الأمريكي الديمقراطي في شيكاجو ( AADC ) يقاتل من أجل حقوق الناخبين الأمريكيين العرب منذ تأسيسه في عام 1983. أقام هذا الأسبوع منتدى سياسيا  حضره أكثر من 500 أميركي عربي لإظهار دعمهم للمشاركة السياسية. ولكن الأهم من ذلك هو أن هذا الحدث كان فرصة  لكل مرشح عن كل مكتب في إلينوي تقريبا – قضاة، مشرعون ، رؤساء بلديات ، مفوضون  وأمناء المقاطعة – لطلب الدعم المالي من العرب الأمريكيين و التحدث علنا لدعم حقوق هؤلاء العرب. وعلى الرغم من رفض مكتب التعداد الأمريكي حصر العرب ضمن عدد السكان ، استمرارا لقمع نفوذنا المتزايد في أمريكا، ألا ان تصويت الجالية العربية الامريكية في ازدياد و هي طريقة اخري لقياس مدي تمكيننا كعرب.

وتتضح الإثنية عند استجداء اصوات الناخبين الامريكيين، فأنا لدي قائمة الناخبين في الولايات المتحدة. فعدد الناخبين العرب ، وفقا للاحصائيات،  لا يزيد عن 83.000 ناخب في ولاية إيلينوي علي سبيل المثال و 1.3 مليون في ولايات أمريكا بوجه عام . ومع ذلك، فإن عملية تحديد الهوية تلك ليست صحيحة ، لأن العديد من الناخبين العرب اما ليست لديهم ملامح تميزهم كعرب أو انهم يتجنبون اعلان هويتهم العربية الاصلية ، فلقد تعرضنا للاضطهاد طويلا في أمريكا، ولذلك  قام الكثير من العرب  بتغيير أسمائهم من محمد إلى “مايك”، ومن فاريد إلى “فريد” خشية ان يكونوا ضحايا للتمييز . أعتقد أن احصائيات مكتب التعداد الخاطئة و احصاء هوية و عدد الناخبين و التي تصل نسبة صحتها الي 50 % فقط ، من الممكن ان تضع امامنا ارقاما مختلفة تماما ، مما يعني ان هناك 166 الف ناخب عربي فى ولاية ايلينوى و 2.6 مليون ناخب عربي فى امريكا.

ويمكننا ان نستنتج فقط ومن خلال العمليات الحسابية التالية الحجم الحقيقي للجالية العربية في امريكا.

يقول التعداد ان 22 فى المائة من الامريكيين الذين يمكنهم التسجيل للتصويت لا يفعلون ذلك. واذا قمنا بتطبيق ذلك علي العرب الأمريكيين ، فهذا يعني أن العدد الفعلي للناخبين العرب هو 3.2 مليون و ليس 2.6 مليون ناخب. كما يشير التعداد أيضا أن 25 في المئة أي 75 مليون من الأميركيين البالغ عددهم 300 مليون أمريكي لا يمكنهم التصويت لأنهم أقل من 18 عاما، وبالتالي فإن عدد السكان العرب في أمريكا هو 4 ملايين شخص. و هناك عامل مهم اخر و هو ان معظم  الأسر العربية لديها أطفال أكثر من الأميركيين وهذا يجعل العدد النهائي يزيد عن 4 ملايين .

في أمريكا، لا يحتاج الأيرلنديون والإيطاليون والسود والإسبانيون إلى القيام بكل تلك العمليات الحسابية  لقياس مدي تمكينهم . و لهذا السبب كان من المدهش أن نرى عشرات المرشحين الأمريكيين من مختلف الخلفيات العرقية بما في ذلك الايرلنديون والسود والبولندية والإيطاليون والهسبانيون يطلبون التصويت العربي الأمريكي في الحدث الذي أقامه النادي العربي الأمريكي الديمقراطي في شيكاجو ( AADC ) بالتعاون مع المعهد العربي الأمريكي في العاصمة واشنطن. هذا يوضح انه حتي لو لم يتم احتسابنا كعرب في التعداد السكاني ، فان المسئولين الأمريكيين يعترفون بأهميتنا كدائرة انتخابية.

وفي النهاية ، كان هناك جانب آخر مهم من التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي بخصوصي عليّ ان اذكره . فقد أوصي عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي  بعدم اجراء اي مقابلة شخصية معي لأنها لن تكون مثمرة. وأنه بالنظر إلى منصبي كمحرر لجريدة صوت الشرق الأوسط ،  قد تؤدي المقابلة معي إلى صعوبات في اجراء مقابلات مع شخصيات عربية أخري في المستقبل. وقتها ادركت ان هناك قوي أكبر تفوق حق التصويت. كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يخاف  مني لأنني نشرت صحيفة صغيرة باللغة الإنجليزية في منتصف السبعينات من أجل الأمريكيين العرب. ومن الواضح أن الاتصالات والصحافة قوى حقيقية في أمريكا.

راي حنانيا، صحفي فلسطيني أميركي ، مؤلف و كاتب مقال في الموقع الاخباري Arab News
الموقع الرسمي للكاتب  :  http://www.thedailyhookah.com/
البريد الألكتروني rghanania@gmail.com

المقال ترجمته مروة مقبول، نشر في موقع يو أس آراب راديو، صوت العرب من أمريكا، يوم 24 شباط / فبراير 2018
العنوان الأصلي للمقال :
قوة التمكين العربي تزداد رغما عن أمريكا

كيف وقعت المواجهة بين المواطنين السوريين والإحتلال الأميركي في خربة عمو بالحسكة

كشف جنرال روسي أن قوة أمريكية تورطت في تحدي مواطنين سوريين في شمال البلاد، طلبت المساعدة من القوات الروسية لإخراجها من ورطتها، وتقديم طوق النجاة لها بعدما حاصرها سكان إحدى القرى.

وقال الجنرال ياكوف ريزانتسيف، رئيس مركز التنسيق في القوات الروسية في سوريا: "وقع الحادث نتيجة أعمال غير قانونية قام بها عناصر التحالف الدولي".. "في المرحلة الأولى، عندما بدأ العسكريون الأمريكيون بتحدي السكان المحليين، لم يكن هناك سوى نساء وأطفال وشيوخ، ولم يكن لدى أي منهم أسلحة".

وأكد أن الأمريكيين لجأوا إلى الروس للحصول على مساعدات طارئة.

وأوضح: "لقد طلبوا منا المساعدة من أجل مغادرة القرية. ولإنهاء هذا النزاع، وصل الجنود الروس إلى منطقة الحادث".

وأضاف الجنرال الروسي: الأمريكيون كانوا محظوظين لأنهم توقفوا عند مدخل القرية، "لأنه كان من الصعب إخراجهم من القرية لو توغلوا إلى داخلها". "لندع قادتهم يقيّمون أعمال جنودهم، لكننا نرى نتيجة ما تؤدي إليه هذه الاستفزازات على الأرض. أعتقد أنهم تصرفوا بشكل غير صحيح" على الإطلاق.

وعن التفاصيل روى الجنرال الروسي أنه عند نقطة تفتيش سورية بالقرب من قرية خربة حمو، الواقعة شرق مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، أوقف الجيش السوري قافلة للقوات الأمريكية انحرفت عن خط مسارها. ونشب نزاع بين الجيش الأمريكي والسكان المحليين، ونتيجة ذلك فتح الأمريكيون النار على المدنيين، فقتلوا صبيا في الرابعة عشرة من عمره وأصابوا أحد السكان المحليين.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية أنه أمكن وقف النزاع بين الجيش الأمريكي والمواطنين المحليين في سوريا فقط بفضل تدخل الجيش الروسي.

ووفقا له، تم إيقاف الأمريكيين عند نقطة التفتيش من قبل الجيش السوري، الذي حاول منعهم من المرور عبر  خربة حمو "ومع ذلك، وفي انتهاك لجميع الاتفاقات، قرر الأمريكيون دخول القرية، ما تسبب في استياء السكان المحليين".

وكشف أن الأمريكيين "أظهروا ازدراء للسكان المحليين". وقال الجنرال ريزانتسيف: "كانت إحدى سيارات التحالف عالقة على جانب الطريق، وتعطلت الثانية. وبعد مشاحنات كلامية مع السكان المحليين، بدأوا بإطلاق النار العشوائي" عندما حاصرهم نحو ألف شخص من المواطنين الذين تجمعوا في مسيرة مرتجلة وعفوية ضد زيارة الضيوف غير المدعوين في ذلك اليوم. 

وكالة "إنترفاكس" الروسية
16 شباط 2020

قضايا «الثورة اللبنانية» : البحث مستمرّ عن «نقابة الصحافة البديلة»؟ (7)

تعقد «نقابة الصحافة البديلة» اجتماعها الموسّع الأول اليوم، للبحث في مصيرها كتحرّك بديل نشأ عن موقف مغاير – بالمعنى السياسي- كانت أعلنته مجموعة من الصحافيين مطلع الشهر الجاري، تزامناً مع الانتفاضة الشعبيّة. هؤلاء ضاقوا ذرعاً بنقابة المحرّرين «غير الفاعلة»، مثل صحافيين كثر لا يكترثون أصلاً بالانتساب إلى النقابة، ويبحثون عن «بديل» نقابي حقيقيّ يحميهم. في حين أنهم علموا أنّ نقابتهم «نسّبت إليها 400 صحافي جديد من دون شفافيّة!» (تقرير إيلده الغصين).
التصوّر البديل يتراوح بين الضغط من داخل النقابة الحاليّة وتكثيف الانتساب إليها بهدف «استردادها»، أو تشكيل جسم نقابي جديد يحتاج مخرجاً قانونياً – وهو التحدّي الأكبر – في ظلّ «حصريّة» القانون حيال ترخيص النقابات. غير أن الخطوة بمجرّد الإعلان عنها، بزخم من الانتفاضة، ستفتح كوّة في جدار «موت العمل النقابي» وتراجع حقوق الصحافيين وارتفاع أعداد المصروفين وتعسّف المؤسّسات. هذا كلّه، يُضاف إلى «قبض» رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري على مشروع إنشاء نقابة المحرّرين، بتعديلات كانت ستسمح بضمّ جميع العاملين في الإعلام إلى النقابة وتلغي وصاية نقابة الصحافة (مالكو المؤسسات الإعلامية) وإلزاميّة موافقتها على طلبات انتساب المحرّرين إلى نقابتهم.
بالمقارنة مع تجارب سابقة «أُجهضت»، تدرك الصحافيّة كارول الحاج حجم المعركة التي أطلقتها مع زملاء لها لتشكيل تجمّع باسم «نقابة الصحافة البديلة». إلى اجتماع اليوم، «نعقد السبت نقاشاً مفتوحاً في موقف اللعازريّة (ساحة الشهداء)، وورشة عملٍ نهاية الجاري لنقاش التجارب السابقة والبدائل الممكنة قانوناً». نقابة المحرّرين، أو نقابة محرري الصحافة اللبنانية (تأسّست عام 1942)، هي «نقابة ذات سيادة مطلقة وكيان مميّز مستقل على مستوى سلك مهني (ORDRE)» وفق نظامها الداخلي. التفسير العملي يجعل منها «نقابة لتنظيم المهنة وليس للدفاع عن العاملين فيها» وفق الحاج، فيما تبرز الحاجة «إلى نقابة عمّالية تدافع عن مصالحنا، وتضمّ أيضاً العاملين في الأونلاين والديجيتال والمرئي والمسموع، وغيرها من الوظائف المستحدثة في الإعلام». لذا بدأ التواصل مع مختلف النقابات ومنها نقابة العاملين في الاعلام المرئي والمسموع ونقابة المصورين الصحافيين وسواهما.
انبثقت «نقابة الصحافة البديلة» عن «تجمّع مهنيّات ومهنيّين» الذي قاد التظاهرة الكبرى من أمام المصرف المركزي نهاية الشهر الماضي، وقد بدأت بلجنة تنسيقيّة مصغّرة ثم لجان فرعيّة تهتمّ بالشقّ القانوني والتحرّكات. التجمّع يحتضن صحافيين من توجّهات مختلفة، وسقفه من «سقف الانتفاضة، مع التأكيد على رفض الارتهان المشبوه للصحافيين أو المؤسسات». الارتهان الذي ينبذه المتحمّسون للبديل، كان ضرَب نقابتهم لسنوات، وجعلها تفتح جدول الانتساب إليها قبيل كل انتخابات داخليّة من ثم تعود إلى إقفاله. أولئك يبرزون ملفّات انتساب تقدّم بها صحافيّون إلى النقابة، منذ سنتين أو أكثر، ولم يلقوا جواباً حتى الآن بالرغم من مراجعاتهم. كما يطرحون السؤال حول «تنسيب» النقابة لـ400 صحافي جديد «وهو رقم كبير يوازي نصف عدد الناخبين في النقابة».
مسألة التنسيب، يردّ عليها عضو مجلس نقابة المحرّرين علي يوسف، من دون أن ينفيها، قائلاً «الـ400 منتسب دخلوا خلال الـ4 أو 5 سنوات الماضية وهم صحافيّون تقدّموا من داخل مؤسّساتهم ومنهم من وردت أسماؤهم في جدول انتخابات 2018». ما هو عدد الموجودين على الجدول حالياً؟ وهل يمكن الاطلاع عليه؟ «ليس سرياً بل اطلعوا عليه في انتخابات العام الماضي، وحينها شمل الجدول 729 ناخباً ممن سدّدوا اشتراكاتهم، فيما الجدول الأساسي كان يضمّ 1200 منتسبا». بين العامين الماضي والجاري أضيف إلى الجدول «نحو 15 اسماً فقط، مقابل 20 طلباً لم يبتّ بها وننتظر أول اجتماع للجنة الجدول للبتّ بها!». كما شطبت النقابة «260 منتسباً، كانوا أُدخلوا بطرق ملتوية وليسوا محرّرين، والبيانات موجودة بمحاضر الاجتماع وتبلّغت بها وزارة العمل بكتب رسميّة».
تقصير النقابة بحقّ المصروفين، ينفيه يوسف معتبراً أنها «وقفت إلى جانب عدد كبير منهم وضغطت لتحسين تعويضاتهم، وصلنا إلى تسوية مع وزارة العمل بموضوع مصروفي تلفزيون المستقبل، والتزمنا بقرار مصروفي دار الحياة بتأجيل البحث إلى حين إنهاء مفاوضاتهم الداخلية».
عدم قدرة النقابة على جذب عشرات الشباب من الصحافيّين الجدد للانتساب إليها، يراه يوسف «أفكاراً مسبقة»، وأنه «عليهم المحاولة من داخل نقابتهم، ونحن نقوم بتسهيلات لتنسيبهم إذ نلتفّ على معوقات القانون خاصة لناحية شرط إفادة الضمان». علماً أن شرط إفادة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يفرضه نظام النقابة على كل منتسب جديد، في حين يطلب من غير حملة ليسانس الصحافة التدرّج بين سنة وأربع سنوات وهو ما لا يتيح لهم حيازة إفادة الضمان، مما يؤكّد الحاجة الملحّة إلى تعديل قانون النقابة. وهو ما يعتبره يوسف مدعاةً «للضغط من أجل إخراج مشروع قانون إنشاء نقابة المحررين من درج الرئيس الحريري بعدما أقنعته نقابة الصحافة بعدم إحالته إلى مجلس النواب». عن الطرح البديل، يقول يوسف «ترخيص نقابة المحررين صادر بقانون وثمة حصريّة بتراخيص وزارة العمل، مع أنني ضدّ الحصريّة»، من دون أن ينفي «الالتباس بالتعريف القانوني لنقابة المحرّرين إذ لا هي ordre تماماً ولا هي syndicat».
منشور في الأخبار، يوم الخميس 21 تشرين الثاني، 2019

قضايا “الثورة اللبنانية” : “استعادة الأموال المنهوبة” والتحرر من “إجماع واشنطن” (1)

طرح الحراك الشعبي الوطني شعار "استعادة الأموال المنهوبة" بأيدي الأوليغارشيه المستحكمة بالبلاد. يخدم هذا الشعار المطلبي والإصلاحي، حاجة الحراك إلى بلورة أهدافه الإجتماعية ـ السياسية. حتى يستقل بجدول أعماله، عن "الثوريين الجدد" اليمينيين، الذين يطرحون هذا الشعار بصور استعراضية، كأنه ملف تقني وإداري. في هذا المقال يقدم الرفيق الدكتور غالب أبو مصلح، وهو خبير اقتصادي لبناني بارز، تمريناً تطبيقياً لتقدير "الأموال المنهوية"، وتعريف منظومة "النهب"، وكيف يمكن للحراك أن يتصدى لها، لكي يحقق هدفه بـ"استعادة" هذا الأموال إلى خزينة الشعب اللبناني. هنا نص المقال : 
  
إن الحد الأدنى لأموال الشعب اللبناني المنهوبة في سنة 2019 ستصل إلى أكثر من 28 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الناتج المحلي القائم والمقدّر. والسؤال، كيف يتم نهب نصف الناتج اللبناني ومن ينهبّ شعب لبنان؟ سنحدد أدوات النهب هذه وسنركز على أهمها ونقدر حجم نهب بعضها.

1.    البُنى الاحتكارية للنظام
يمتاز لبنان عن بقية دول العالم بأن ليس لديه قوانين تمنع الاحتكار، بل لديه قوانين تحمي الاحتكار ـ حماية الوكالات الحصرية. تم بناء احتكارات جديدة منذ مؤتمر الطائف (1989) عبر خصخصة مؤسسات عامة، كما عبر قوانين جديدة، مثل قطاع النفط وتجارة المشتقات النفطية التي كانت امتيازاً للقطاع العام فتحولت الى احتكار خاص للتجارة في المشتقات النفطية والغاز المنزلي، بعد تعطيل وتدمير مصفاتي الزهراني وطرابلس ومنع اصلاحهما او إعادة بنائهما. تم بناء احتكار ضخم من شركات نفط اجنبية أُضيف اليها شركتين واحدة تابعة للرئيس نبيه بري، الذي سيطر على البنى النفطية في الزهراني، وأخرى للرئيس وليد جنبلاط في الجية. تم تخصيص البريد وإنشاء شركة "ليبان بوست" بعد مضاعفة رسوم البريد عدة اضعاف وأُعطيت امتيازات وصلاحيات خاصة برعاية الرئيس فؤاد السنيورة. تتحكم البنى الاحتكارية بسوق الدواء والمستشفيات، واستيراد المواد الغذائية ومدخلات قطاع البناء بما فيها تجارة الحديد والأخشاب الخ… . أما صناعة الإسمنت فتشكل احتكاراً ثلاثياً، يمنع إقامة مصانع جديدة في لبنان وينتج أكثر من حاجة السوق اللبنانية ويصدر قسماً كبيراً من إنتاجه إلى السوق العالمية. يبيع طن الإسمنت الأسمر في السوق المحلية بـ 120$ للطن الواحد، ويصدر إلى السوق العالمية بسعر يتراوح بين 50$ و60$ للطن الواحد. ورفع هذا الاحتكار انتاجه في العقود الثلاثة السابقة من 1.6 مليون طن إلى 10 ملايين طن حتى سنة 2016. 
هناك البنية الاحتكارية المميزة لقطاع المصارف، وهو القطاع الأكثر نفوذاً في لبنان. ليس في دول العالم ما يشبه "جمعية المصارف" اللبنانية، حيث يُمنع في تلك الدول "التنسيق" و"التشاور" بين المصارف كي تحدد آليات السوق مستوى الفوائد، وبإشراف البنوك المركزية، من أجل ضبط كلفة الأموال، وخدمة القطاعات الاقتصاد كافة. كما تشكل المصارف التجارية جزءاً من بنية الأسواق المالية وليس كل السوق المالي كما هو الحال في لبنان. تمنع القوانين المعمول بها في العالم "التنسيق بين المصارف". أما في لبنان فقد تم الاعتراف رسمياً بـ"جمعية المصارف" بعد مؤتمر الطائف، وأصبحت صنوا لمصرف لبنان، وأخذت في إصدار التعاميم التي تحدد معدلات الفائدة بدل تركها لآليات السوق، وتساوم مع مصرف لبنان ووزارة المالية حول معدلات الفائدة على سندات الخزين، وهو أمر غريب عن أداء أسواق المال في العالم. تتحكم جمعية المصارف بالتشريع في القضايا المالية وذلك عبر نفوذها الواسع في مجلس النواب والوزراء، حيث يتلقى أكثرية النواب والوزراء الحاليين والسابقين "رواتب" من المصارف التجارية بحجة عملهم لدى المصارف كأعضاء في مجلس إدارتها أو كمستشارين لديها. وتمنع جمعية المصارف إقامة مصارف متخصصة للإقراض المتوسط والطويل الأجل، وقيام مؤسسات مالية للوساطة، كما تمنع إعادة قيام سوق مالية رسمية (بورصة) تقوم بمنافسة المصارف في إطار الوساطة المالية وتمويل الشركات. كذلك، ينام قانون "البورصة" الذي وضعه مصرف لبنان في أدراج وزير المالية منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. كما تحبط جمعية المصارف مشروع إقامة سوق مالية ثانوية فعلية وعميقة. وتتوسع كلفة الوساطة المالية في لبنان إلى أكثر من خمس نقاط مئوية، بينما لا تتعدى كلفة الوساطة في العالم واحد في المئة عادةً (أي الهوة بين الفائدتين الدائنة والمدينة) 
تشمل البنى الاحتكارية قطاع المطاحن المحمي جداً والذي ينهب المال العام وقطاع التعليم بكل مراحله، وهو يعيق تطوير المدارس الرسمية كما الجامعة اللبنانية، وذلك لمصلحة التعليم الخاص التابع بمعظمه للطوائف، وبشكل خاص للجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، على صعيد التعليم الجامعي. 
تطول قائمة البنى الاحتكارية الشاملة التي تتحكم بجميع قطاعات الاقتصاد اللبناني. اشترطت السوق الأوروبية إلغاء حماية الوكالات الحصرية عندما عقدت المعاهدة الاقتصادية مع لبنان. أقرَّ المجلس النيابي هذا القانون، وتأجل العمل بموجبه "لبضعة أشهر" حتى يتسنى للاحتكارات التجارية "تصفية" أوضاعها. ولم تنته الـ "بضعة أشهر" منذ تسعينات القرن الماضي. تم إقفال صندوق الدواء دون مرسوم أو قانون، وكان قد أُنشئ لتأمين الدواء للقطاع العام وبنصف كلفة شرائه من القطاع الخاص، وذلك في سنة 1972.
باختصار شديد، يمكننا القول أن نظام الاحتكارات يرفع كلفة المعيشة للشعب اللبناني بنسبة 35% على الأقل، ويستنزف الاقتصاد اللبناني بمبلغ لا يقل عن 14 مليار دولار في السنة، ويرفع إسقاط البنى الاحتكارية الدخل الحقيقي لكافة اللبنانيين بنسبة لا تقل عن 35%. فلماذا لا يتكلم أرباب الحكم عن هذا النهب الكبير والفساد العظيم في النظام اللبناني؟ البنية الاحتكارية تمول رجال السياسة وتشتري ولاءهم.

2.    قطاع المال
يتولى مصرف لبنان مهمة السياسة النقدية والإشراف على السوق المالية، وبشكل خاص على قطاع المصارف، الذي يتكون من مصارف تجارية فقط، بعدما جرى دفع المصارف المتخصصة الى الإفلاس في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وبعد إلغاء "البورصة" وعدم سماح القطاع المصرفي بتجديدها وإعادة العمل بها. فقانون البورصة، كما قلنا، ينام في ادراج وزير المالية منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. 
لم يقم المصرف المركزي بدوره في تنمية الاقتصاد اللبناني، وانحصرت استهدافاته ـ بعد مؤتمر الطائف ـ بربط سعر صرف الليرة بالدولار، الذي تحدد السياسات الأميركية سعر صرفه بالنسبة للعملات العالمية، ويتذبذب سعر صرفه الحقيقي بمعدلات واسعة. كما قام بزيادة ربحية المصارف ورفع ملاءتها وزيادة رؤوس أموالها، وهو هدف غريب في حقل السياسات النقدية في العالم. نتج عن هذه السياسة رفع سعر الصرف الحقيقي لليرة إبان تسعينات القرن الماضي بما يقارب 100%، وتم طرد القطاع الخاص من سوق الإقراض بسبب ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية على سندات الخزينة الى حوالي 18% كمعدل سنوي. 
أدّت هذه السياسات النقدية الى الحاق أضرار فادحة بقطاعات الإنتاج وتدني قدرة السلع والخدمات اللبنانية على المنافسة داخل لبنان وخارجه، وإقفال آلاف المصانع أو تهجيرها إلى أسواق سورية ومصر والخليج. كما أن هذه السياسات النقدية ساهمت في تراجع نصيب قطاع الصناعة الى ما لا يزيد عن الـ 4 % من الناتج المحلي القائم بعد ان كان في حدود الـ 16% في السبعينات. وكذلك انهار إنتاج القطاع الزراعي الى حوالي 4% من الناتج المحلي القائم.
أدت هذه السياسات الى ارتفاع ربحية المصارف وثروات الأثرياء، وإلى تدفقات نقدية كبيرة إلى السوق المالية اللبنانية، ليس للتوظيف المنتج بل للمضاربات والاستفادة من الفوائد الحقيقية الفاحشة على سندات الدين اللبنانية. أدّى ذلك أيضا الى تسارع نمو الدين العام، والذي ارتفع من 1.75 مليار دولار في أواخر سنة 1992 الى ما يقارب ال 100 مليار دولار اليوم (أرقام الدين العام الرسمية لا تحتسب الديون غير المسنّدة، وتطرح من قيمة سندات الدين كل ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، ومنه ودائع الضمان الاجتماعي). إن امتناع المصارف عن زيادة اقراضها للخزينة ودفع مصرف لبنان الى زيادة نصيبه من اقراض الخزينة حتى قارب الـ 50% من مجمل الدين المسنّد، والى ضخ كميات كبيرة من السيولة في السوق وإعادة سحب السيولة الفائضة عبر شهادات إيداع بفوائد تفوق الفوائد المماثلة على سندات الخزينة بواحد في المئة، وكذلك دفع فوائد مرتفعة على ودائع المصارف بالعملات الأجنبية خاصة لدى مصرف لبنان. بجانب كل ذلك ابتدع مصرف لبنان "الهندسة المالية" التي يوزع عبرها الفوائد غير المستحقة على المصارف، وعلى حساب المال العام.
إن مجمل هذه الآليات تؤدي الى ضخ أرباح فاحشة الى المصارف وجيوب الأثرياء في لبنان والخارج. أصبحت السيولة الفائضة عن حاجة السوق في لبنان ضخمة جداً وتشكل عبئاً كبيرا على الاقتصاد. من المعترف به عالمياً أنه إذا زاد حجم الكتلة النقدية لأي بلد عن 90% من الناتج المحلي على الأكثر، تتحول الى عبء على الاقتصاد. في لبنان نمت الكتلة النقدية الى 400% من حجم الناتج المحلي وشكلت عبئاً كبيرا تستنزف المال العام وتقعد الاقتصاد وتحول مردود الديون الى الخارج. فقرار المصارف تمسك به المصارف الكبرى وقرارها بيد أكبر المساهمين فيها. وأكبر المساهمين يتمثل بالبنوك الأجنبية. فــ "بنك اوف نيويورك" يمتلك وحده 34.37% من أسهم بنك لبنان والمهجر، بينما تمتلك عائلة الأزهري 2.82% من أسهمه. ويمتلك "دويتش بانك" 29.3% من أسهم بنك عوده، بينما تمتلك عائلة عوده 7% منه. في إطار الشركات الكبرى، من المعروف ان من يمتلك أكثر من 15% من أسهم الشركات يسيطر على إدارتها وتوجيهها. فالمصارف اللبنانية تهتم فقط بتعظيم أرباحها وتفرض سياسات مناقضة للمصلحة الوطنية اللبنانية في السوق المالية، وعلى مصرف لبنان ووزارة المالية. تقول جمعية المصارف أن "النظام المصرفي اللبناني هو جزء من هذا النظام المصرفي العالمي" والذي تسيطر عليه الخزينة الأميركية أو "إجماع واشنطن" لمصلحة الولايات المتحدة واستهدافاتها، وتتعاون السلطات المالية والنقدية في لبنان مع الإدارة الأميركية "من أجل حماية لبنان ونظامه المالي". (السفير 16/05/2016).
عبر هذه التركيبة اللبنانية التابعة تم بناء آليات يتم عبرها ضخّ كامل أرباح مصرف لبنان، والتي تقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً إلى المصارف، بجانب ما تضخّه الهندسات المالية التي بلغت سنة 2016 أكثر من 5.5 مليار دولار، ناهيك عن الفوائد الحقيقية الفاحشة على الدين العام، وكميات سندات الدين التي كانت تقدّم للمصارف بما يفيض كثيراً عن حاجة الخزينة، وذلك تلبية لمصالح المصارف والمضاربين. 
نتيجة مجمل السياسات النقدية والمالية والاقتصادية تم إفقار الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، منذ وصول الرئيس رفيق الحريري الى السلطة. تشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ـ بيروت ـ لسنوات 92 – 99 الآتي:
i.    ارتفاع دخل الطبقة العليا بمعدل 4.8% سنوياً
ii.    تراجع دخل الطبقة الوسطى بمعدل 8.4% سنوياً
iii.    تراجع دخل الطبقة الدنيا بمعدل 4.6% سنوياً
أدّت مسيرة الإفقار هذه ونمو الفروقات الطبقية للمداخيل حسب تقرير للإسكوا في أواسط سنة 2016، إلى تراجع الأمن الغذائي لدى السكان في لبنان، بحيث أصبح "31% منهم غير قادرين على تناول طعام صحّي ومغذّ على مدار سنة". دفعت هذه الحاجة أعداداً متزايدة من الشعب للاستدانة من المصارف لتلبية احتياجاتها الملحّة، وقال مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني في 20/11/2015 أن "864 ألف فرد ومؤسسة أفادوا من تسهيلات مصرفية بحلول حزيران". وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "ارتفع عدد الأفراد المدينين للمصارف اللبنانية من حوالي 70,000 عام 1993 إلى أكثر من 700,000 حالياً" (الاخبار 16/09/2015). وارتفعت تسليفات المصارف للأفراد الى 27,060 مليار ليرة في سنة 2015، أي الى 29.17% من مجمل تسليفات المصارف لقطاعات الاقتصاد، مقارنة بنسبة 1.15% للزراعة و0.19 % للصناعة. 
يمكننا القول أن ما يتم نهبه من المال العام والخاص، نتيجة الفوائد الفاحشة ونتيجة آليات تحويل أرباح مصرف لبنان وحقوق الخزينة، ونتيجة الأرباح والفوائد غير العادلة للأفراد والقطاع الخاص، تفوق سنوياً الـ 9 مليارات دولار. يمثل هذا الرقم حوالى 3.8% من حجم الكتلة النقدية في لبنان.

3.    نهب حقوق وأموال الخزينة
تبلغ واردات الخزينة من ضريبة الأرباح على أصحاب العمل 7% من واردات الموازنة، وضريبة الدخل على الأفراد 8%، كما تبلغ واردات الخزينة من الضرائب غير المباشرة 85%. في معظم دول العالم، تبلغ الضرائب على الأرباح والمداخيل 80% من الضخّ الضريبي (ضرائب تصاعدية على شرائح الدخل الموحّد). أي أن على السلطة في لبنان رفع واردات الضرائب المباشرة نسبة 65% عبر تشريعات جديدة كما عبر كشف حسابات المكلفين من قبل وزارة المالية، ورفع السرّيّة المصرفيّة عن هذه الحسابات حتى لا يتمكن المكلفون الأثرياء وأصحاب المداخيل المرتفعة والمصارف والشركات والمؤسسات من التهرب من ضريبة الدخل، كما يفعلون بحماية السرّيّة المصرفيّة. كما تم التشريع لإعفاء الأثرياء من ضريبة الإرث، عبر نقل ملكية الأموال في المصارف تحت غطاء السرّيّة المصرفيّة، و"الحسابات المشتركة". تم تشريع قوانين تتيح تأليف "شركات عقارية" يتم تداول أسهمها وموجوداتها دون الخضوع لضريبة نقل الملكيّة. ولكن هذا الحق محصور بالنافذين فقط، حيث يحتاج تأليف شركة عقارية لقرار وزاري!  ومن هم القادرون على الحصول على قرار وزاري؟.
يتم ضبط هدر المال العام أيضاً عبر إلغاء إعفاء العديد من المؤسسات والقطاعات من الضرائب، مثل المستشفيات والمدارس والكليّات والأوقاف ومؤسساتها، وكلها يبغي الربح ويحقق ارباحاً ضخمة غير خاضعة للضريبة. ومنع تهريب المستوردات من الجمارك عبر المنافذ الرسمية وغير الرسمية التي تقع تحت هيمنة الميليشيات الطائفية، أو عبر الرشوة والاحتيال.
يضاف إلى كل هذا الهدر للمال العام هدر الإنفاق العام عبر الوزارات وعبر مخصصات المساعدات التي توزعها رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء.
يمكن تقدير أموال الخزينة المنهوبة عبر قوانين وتشريعات رسمية أو عبر آليات الفساد بأكثر من 7 مليارات دولار في السنة. وإذا ما جمعنا تقديراتنا لنهب المال العام والخاص في هذا النظام، كما ورد أعلاه، فإن مجمل الأموال المنهوبة تصل الى حدود 30 مليار دولار سنوياً اليوم.
إن حل مشكلة لبنان المالية والاقتصادية تكمن في لبنان وليس في باريس أو واشنطن. وبإمكان حكم نظيف حقاً وغير خاضع لديكتاتورية رؤوس الأموال ولإجماع واشنطن أن يستعيد ولو ثلث الأموال المنهوبة من جيوش الفاسدين والمحتكرين، وأن يؤمن وفراً مرتفعاً للموازنة تمكن الحكم من رفع نسبة التوظيف المنتج في الإنفاق العام الى أكثر من 50% بدل الصفر في المئة في مشروع موازنة 2020، وبإمكان حكم الشعب أن يضاعف المداخيل الحقيقية لأوسع الجماهير، عبر إسقاط نظام الاحتكارات وتطهير الفاسدين في الإدارة، وعبر الإنفاق الاجتماعي الضروري مثل تأمين التعليم والتطبيب اللائق والنقل العام عبر مؤسسات القطاع العام.
     

غالب أبو مصلح
عين كسور، الإثنين 11 تشرين الثاني، 2019

ندوة في القاهرة : ”الحراك الشعبي العربي ودعم خيار المقاومة”

عقد "التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة (فرع مصر)" ندوة بعنوان” الحراك الشعبي العربي ودعم خيار المقاومة”، وفي بداية الندوة أكد الدكتور جمال زهران الأمين العام المساعد ومنسق عام التجمع بالقاهرة على أن الحراك الشعبي في مرحلته الثالثة، والذي انطلق في كل من بيروت وبغداد، هو حراك شعبي يعبر عن مطالب حقيقية تتلخص في الاطاحة بالنظام الطائفي الذي أفرز نظاما ظالما يعصف بالعدالة الاجتماعية، وكذلك المطالبة بحلول عادلة وعاجلة للاقتصاد ومحاسبة الفاسدين ومصادرة أموالهم وإزاحة القيادات السياسية الفاسدة والتي تعبر عن زمن ولى وانتهى… كما أن هذا الحراك يتحدث عن دعم خيار المقاومة والحفاظ عليه بوجود أصوات تنادي بتحرير فلسطين ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.

وأكد زهران أنه في الوقت الذي تتحرك فيه الشعوب العربية من أجل مطالب عادلة، فإننا نحذر من انخراط المتآمرين داخل صفوف الحراك ومحاولة إخراجه عن مضمونه لتحقيق أهداف خارجية، لذلك نحيي الشعب العربي في لبنان والعراق، ونسانده من أجل تحقيق مطالبه المشروعة والعادلة، كما نهيب بكل طوائف الشعب وقواه السياسية الحية أن تبذل كل الجهود لتفويت الفرصة على المتربصين بالوطن من أجل تحقيق حياة حرة كريمة للشعب في لبنان والعراق، مع نظام سياسي عادل بعيد عن التمايزات الطائفية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بسياسات اقتصادية اجتماعية، والقصاص من الفاسدين بمصادرة أموالهم ومحاكمتهم.

ثم تحدث أ. محمد رفعت (رئيس حزب الوفاق القومي وعضو مجلس أمناء التجمع بالقاهرة)، مشيرا الى أن ما يحدث الآن في وطننا العربي هو من تداعيات اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة، حيث أصبح هناك نظم حاكمة، وشعوب عربية. فالحكام لم يعودوا يعبرون عن مطامح الشعوب العربية .

ولفت الى أننا كنا نعيش بمستويات اقتصادية أقل لكننا كنا راضين، لأن حكامنا كانوا يعبرون عن الشعوب المناضلة، وفي المقدمة الزعيم جمال عبد الناصر… أما ما يحدث في لبنان الان فهو حراك شعبي غير واضح المعالم، ويحكمه التضارب في الشعارات، فيما المقاومة يقظة تماما تفاديا للسقوط الذي يمكن ان ينتج نتيجة غياب الأهداف الواضحة، وكذلك الأمر في العراق .

ونبّه الاستاذ رفعت إلى أن المقاومة هي المستهدفة، ولن نسمح بسقوطها كما يتم التخطيط له، ونحن مع الحراك الشعبي في ظل الحفاظ على المقاومة حفاظا على الأمن القومي العربي .

بدوره، تحدث أ. أحمد عز الدين (المفكر القومي العروبي)، وقال: “أستطيع أن أرصد المؤامرة الشاملة ضد الوطن العربي، والتي بدأت بكامب ديفيد، ثم تدمير العراق، فسوريا، ومحاولة توظيف “الثورات” العربية والحراك الشعبي العربي من أجل تحقيق مؤامرة ضرب فكرة القومية العربية والوحدة العربية.”

وأشار الى أن الأمن القومي العربي هو المستهدف عن طريق المشروع الأمريكي الصهيوني، فالصهيونية ليست بعيدة عن كل ما يحدث في الوطن العربي من تفتيت وتدمير، مدعومة من أمريكا الاستعمارية. مشيرا إلى أن معهدا اسرائيليا قد أصدر في عام 2017 م تقريرا يشير إلى التحديات التي ستواجه “إسرائيل” في عام 2021، وفي مقدمتها فرص استحواذ “إسرائيل” على تحسين موقفها، وكسب التميز الاستراتيجي، إضافة الى فرص القيام باختراق في العمق العربي، مستندا في ذلك إلى:

– استمرار الصراع السني الشيعي واندماج “إسرائيل” فيه.
– انحدار القومية العربية ومحاولة تدميرها.
– الفوضى الإقليمية في المنطقة ومحاولة نشرها وتعميق آثارها.
– كسب شركاء مؤقتين أو وكلاء أمن إقليمي “لإسرائيل”.

وقال عز الدين: إن الليبرالية الجديدة تتفكك وتتراجع عالميا، وتواجه مأزقا وفشلا في الواقع العلمي، لكنها تجد سبيلا لها في وطننا العربي على خلفية الصراعات المذهبية، تفعيلا للمشروع الأمريكي الصهيوني، كما يلاحظ أنه يجري التعتيم على الأوضاع الداخلية المتردية على خلفية الدور القذر الذي يلعبه البنك الدولي وصندوق النقد في دعم سوء الأوضاع وترديها في المنطقة العربية، الأمر الذي يقود إلى وجود مفجر للأوضاع وتحريك للشعوب بلا سقف. لافتا الى أن هذا الحراك الشعبي بات أقرب الى إعلان أن الشعب يريد إسقاط البنك الدولي، وهي إشارة الى تأكيد سقوط الليبرالية الجديدة المتوحشة.

ثم أشار عز الدين إلى تقرير الخارجية الفرنسية الذي يرصد ما يمكن أن يحدث وسيحدث في منطقة الشرق الأوسط، ويؤكد أن الحالة ستشهد عدم استقرار وصراعا بلا سقف. كما لفت الى أن التقدير الأمريكي يؤكد تراجع فكرة القومية العربية، ويضع الاستراتيجية الأمريكية على أساس وضع دول اقليمية خارج المنطقة العربية، قد تحتل المشهد، وهي “إسرائيل” وتركيا وإيران. وأن الأمر في سبيله الى الفوضى، وفي ظل ذلك تدار أحداث لبنان والعراق.

وفي المقابل هناك استراتيجية الرعب من محور المقاومة، لتدمير “إسرائيل” التي تسعى جاهدة لاستثمار ما يحدث في لبنان للضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله، وهو الأمر المستحيل وغير القابل للتنفيذ. كما أن الاتجاه سيكون في دعم الحراك الثوري والأفعال الثورية دعما للمقاومة، ومحورها وحزب الله في المقدمة بطبيعة الحال.

وفي مداخلة للدكتور مصطفى السعيد (المحلل السياسي والكاتب بالأهرام)، قال إن الظروف التي جعلت الأوضاع تنفجر في كل من لبنان والعراق كثيرة ولابد أن نضع أيدينا عليها حتى نعرف ما يحدث ونفهم ما يمكن أن يحدث… فلا يمكن فصل ما يحدث في البلدين عما حدث ويحدث في اليمن من انتصار لمحور المقاومة سيغير من أحداث المنطقة، وكذلك افتتاح معبر بو كمال بين العراق وسوريا، والذي يمكن من وصول ايران والعراق الى البحر المتوسط.

ولفت الى ان هذين الحدثين لا يمكن أن تتم مواجهتهما بالخيار العسكري، فهذه الأحداث ليست بسيطة كما يتصور البعض… ولذلك لا يمكن مواجهة التطورات الكبرى بالعامل العسكري. والحل لدى “إسرائيل” وأمريكا هو خيار الفوضى… ولو لاحظنا إصرار بومبيو وزير الخارجية الأمريكي على اتهام الحشد الشعبي بأنه وراء ضرب حقول وآبار البترول وشركاتها في أرامكو، لهو اشارة إلى ضرب العراق قريبا وهو ما حدث ويحدث حاليا.

وأكد أن السبب المباشر وراء الحراك الشعبي في لبنان هو اعلان حكومة الحريري فرض ضرائب كبيرة على الشعب، الأمر الذي دفع الشعب اللبناني الى الحراك العاجل لإلغاء الضرائب، ثم تحولت إلى الغاء التمييز الطائفي، والفساد المستشري.. الخ. أي أن الحريري بتصرفاته الفجة، دفع الشعب إلى الحراك الشعبي السريع، ولذلك كانت استقالته هي احدى الحلول السريعة.

وأشار الى انه لا يمكن أن يقود جنبلاط وجعجع، والحريري الحراك الشعبي للدفاع عن اللبنانيين؟! فهؤلاء هم العملاء للصهاينة والأمريكان، ويعملون في خدمتهم بالتعاون مع الرجعية العربية… فالاستهداف للمقاومة وحزب الله واضح للغاية، وهو ما لا يمكن أن يتحقق مهما حدث.

وأوضح أن هدف المتآمرين هو دعم “إسرائيل” وإنقاذها من الدمار المتوقع، كما أن المتظاهرين في لبنان، بعضهم صادق في شعاراته ضد الفساد، وضد الطائفية، وضد الصندوق والبنك الدولي، دون تجاهل أن هناك من يسعي لتوظيف هذا الحراك ضد مطالب الشعب اللبناني نفسه، وضد مصالحه، وحفاظا على مصالح شبكات الفساد والطائفية. فالجمهور اللبناني متنوع، وليس جمهوراً واحداً، وعلينا أن ندرك ذلك.

فهناك محاولة لجر حزب الله المقاوم للداخل لفض اشتباك محتمل، فيسهل ضرب الحزب والانقضاض عليه، وهو سيناريو مستهدف، لكنه غير قابل للتنفيذ في الواقع العلمي. وأخيرا فأمريكا لم تعد قادرة على تحمل نفقات جيوشها المتعددة، وبالتالي هي في طريقها للانسحاب، وفي المرحلة الأخيرة لوجودها كقطب دولي.

وأضاف: “لكل تلك الأسباب لن ينجح سيناريو تفكيك لبنان، وضرب المقاومة في العراق وفي لبنان، الأمر الذي يؤكد انتصار محور المقاومة، فموازين القوى لن تسمح بالتغيير ضد المقاومة، وكذلك سوريا لن تسمح بسقوط المقاومة في لبنان، وبرأيي فإن لبنان وجمهور المقاومة ليسوا في خطر ولن يكونوا”.

وفي الختام، أكد أن المشكلة هي أن اقتصاد لبنان هو اقتصاد ريعي يحتاج إلى مجهود ضخم لإنقاذه، كما أن وضع العراق يماثل المشهد اللبناني، وأن إشاعة الفوضى في العراق ستتوقف، لأن المقاومة في العراق مستهدفة متمثلة بالحشد الشعبي الذي يدعم الدولة العراقية القوية وهو ما لا يروق لصناع الفوضى في داخل العراق وخارجه… ومن هنا فإن الوضع ليس في صالح أمريكا، والمقاومة لا تواجه خطرا كبيرا، بل إننا مطمئنون لتفادي هذه الحراكات رغم ما يمكن أن ينتج عنها بعض الخسائر في الأحوال والأرواح، ولكن مكاسبها ستكون في صالح دعم المقاومة. فالخطر في أمريكا وفي السعودية وفي دول الخليج، وليس على المقاومة في لبنان والعراق ولا على سوريا…

وشهد اللقاء مداخلات لكل من:

1- أ. محمد الشافعي ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
2- أ.ابراهيم حسن ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
3- أ.آمال كمال ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
4- أ. بسمة صلاح ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
5- أ. فاروق العشري ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
6- أ.ثريا عبدون (منسق حركة رائدات ورواد المستقبل /اسوان ).
7- أ.محمد حسان (من الجمهورية العربية السورية – وعضو التجمع ).
8- أ.طارق مدحت (عضو لجنة الشباب بالتجمع ).

القاهرة، 12 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2019

المقاومة اللبنانية وقضية التغيير السياسي والاجتماعي الداخلي

الانفجار الشعبي الذي شهده لبنان في الاسبوعين الأخيرين وضع جميع القوى السياسية الفاعلة، بما فيها المقاومة، في مأزق صعب. من المفيد التذكير بداية أن الأسباب العميقة والبنيوية التي أفضت الى هذا الانفجار هي السياسات النيوليبرالية التي اعتمدتها الفئات الحاكمة في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية، وبعضها اليوم يؤيد من دون خجل «مطالب الشعب»، وأن المقاومة لا تتحمّل مسؤوليتها. وبما أن الانفجار الشعبي، أو الحراك كما يحلو للبعض تسميته، يضمّ كتلاً وقوى اجتماعية واسعة ومتعددة، لها مصالح وتطلعات مختلفة وأحيانا متناقضة، كان من الطبيعي أن تتعدد الآراء حول خلفياته ومآلاته المرجوة.

Résultat de recherche d'images pour "تظاهرة أمام مصرف لبنان"

تجمع هذه الآراء على أن الفساد والنهب المنظم للثروة الوطنية هما بين أبرز العوامل التي أوصلت البلاد الى حافة الانهيار المالي والاقتصادي، لكنها تختلف على تحديد هوية الأطراف الرئيسية والسياسات التي سمحت بتعاظم الفساد والنهب، وعلى دور العوامل الخارجية في انتاج الوضع الحالي. بعض «الثوريين الجدد» يسارعون الى ابداء «مللهم» من التذكير بما يدور في الاقليم من صراع مستعر بين محور المقاومة والتحالف الأميركي – الاسرائيلي – السعودي، وضرورة الالتفات الى ان هذا الصراع، وما يتخلله من استهداف متعدد الأوجه للمقاومة في لبنان، هو جزء من السياق العام الذي يحكم التطورات الدائرة في لبنان، بما فيها الحراك الاجتماعي. الواقع واحد ولا يمكن تجزئته الى أحد ابعاده دون الآخر. لكن هذه الحقيقة، أي وحدة الواقع، تصح ايضا بالنسبة للمقاومة وحلفائها الفعليين الذين ركزوا على المسألة الوطنية والتناقض الرئيسي مع العدو الخارجي، مع ما يترتب على هذا التركيز من أعباء ضخمة، فجاء الانفجار الشعبي ليفرض المسألة الاقتصادية والاجتماعية على جدول أعمالهم.

معظم حركات التحرر الوطني كانت تربط بين انجاز الاستقلال الوطني والتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمصلحة الأغلبيات الشعبية، وكان شعار «الأرض لمن يحررها» أوضح تعبير عن هذا الأمر. لا حاجة للتذكير بالظروف والتعقيدات التاريخية والسياسية – الاجتماعية والجيوسياسية التي منعت التلازم في لبنان بين مقاومة الاحتلال والتغيير السياسي الداخلي وقادت الى تسوية بين المقاومة وأقطاب نظام المحاصصة الطائفية اللبناني، أتاحت للأولى التفرغ لمعركتها الرئيسية ضد العدو الاسرائيلي. لا شك أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من انسحاب سوري قد أدى الى مزيد من «تورط» المقاومة في الشأن الداخلي، ولكن على قاعدة منطق التسوية اياه. استند هذا المنطق الى تسليم المقاومة بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية، مع بعض الاعتراضات التي اعتمدتها الفئات الحاكمة في البلاد مقابل تأمين الأخيرة لمظلة سياسية لدور الأولى كقوة رادعة لاسرائيل ولمراكمتها للمقدرات في مواجهتها. عملية مراكمة القدرات العسكرية والصاروخية من قبل المقاومة والمحور الذي تنتمي اليه في الاقليم هي جوهر المواجهة المستعرة الآن بينه وبين التحالف الأميركي – الاسرائيلي – السعودي. لا مبالغة في القول أن مآلات هذه المواجهة ستحدد مصائر ومستقبل شعوب المنطقة، ومنهم الشعب اللبناني، لأن نجاح محور المقاومة في الاستمرار بتطوير قدراته العسكرية والصاروخية وما ينجم عنه من تحول في موازين القوى لغير مصلحة اسرائيل سيعزز القدرة على الحد من دور العامل الخارجي الذي كان العقبة الأساسية في وجه استقلال دول المنطقة وتحكمها بمقدراتها ونهضتها في العقود الماضية. وتحاول اسرائيل اليوم، حسب ما كشفه باراك رافيد، مراسل قناة 13 الاسرائيلية، استغلال الوضع الحالي في لبنان والطلب من الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى تجميد مساعداتها لحكومته اذا لم تقم بتفكيك مصانع الصواريخ الدقيقة المزعومة التي بناها حزب الله.
لكن هذه المواجهة المصيرية تدور في ظل دخول الدول القطرية في الاقليم، ومنها الدولة اللبنانية، في طور متقدم من الأزمة الوجودية بفعل تضافر جملة من العوامل الخارجية والداخلية بينها طبيعة الفئات التي «سطت» عليها. الانفجار الشعبي في لبنان ناجم عن استشعار قطاعات واسعة من الشعب لهذه الأزمة الوجودية وما سيترتب عليها من آثار كارثية بالنسبة لها. هز هذا الانفجار أسس التسوية التي ساهمت المقاومة بصياغتها منذ ثلاث سنوات واستقالت الحكومة التي نتجت عنها. المقاومة تجد نفسها أمام تحد شاق وهو التوفيق بين تبني المطالب الرئيسية للحراك الشعبي والمشاركة في انتاج تسوية جديدة تفضي الى تشكيل حكومة في البلاد. قدرتها على الاستمرار بالقيام بدورها الاستراتيجي مشروطة لدرجة كبيرة بنجاحها في التوفيق المذكور. لكن القوى السياسية الوطنية والقطاعات الشعبية المشاركة في الحراك هي من جهتها ايضا صاحبة مصلحة في نجاح المقاومة بهذه المهمة. ليس للقوى والقطاعات المشار اليها اليوم القدرة على احداث تغيير سياسي واقتصادي – اجتماعي جذري في لبنان بسبب ميزان القوى الداخلي والسياق الاقليمي. لكن قيام شكل من أشكال التحالف وتقسيم الأدوار بينها وبين المقاومة، الحراك يضغط في الشارع والمقاومة تضغط من داخل مؤسسات الدولة لتلبية المطالب الشعبية، قد يسمح بانتزاع القدر الأعلى من المكاسب من الفئات المسيطرة. مصلحة المقاومة والحراك تقتضي بناء جبهة وطنية عريضة لانفاذ مطالب الشعب من جهة، والحفاظ على السلاح الذي يحمي لبنان من جهة أخرى.

وليد شرارة، كاتب ومفكر عربي من لبنان
الإثنين، 4 تشرين الثاني/نوفمبر، 2019

المهدي بن بركة .. هذا المَيِّتُ سيعيش طويلاً!

في مثل هذا اليوم من عام 1965، نفّذت إحدى أكبر الجرائم في تاريخ المغرب الحديث: خطف المهدي بن بركة أمام "براسري ليب" في باريس. أكثر من نصف قرن مرت ومصير الجثة مازال مجهولا. أربعة وخمسون عاما ولا جديد: المناسبة صارت تشبه "عيدا وطنيا" باهتا، بعد أن تخلى الرفاق عن القضية، وقلبوا المعاطف وغيروا العواطف، وقايضوا المبادئ بالكراسي والحقائب، وضاعوا في دروب السياسة الضيقة… المهدي أصبح مجرد شارع في الرباط، وساحة في باريس، وصورة على صفحات الجرائد ومقرات الحزب، و"براسري ليب" تحولت الى معلمة سياحية، يضعها المغاربة في برنامج زيارتهم عندما يذهبون الى عاصمة الأنوار، جنبا لجنب مع "لاتور ايفل" و"ديزني لاند" وساكري كور" و"نوتردام"… يلتقطون الصور بالقرب منها وهم يبتسمون. هذا كل ما تبقى من "الاختيار الثوري". وقريبا سيأتي يوم تسأل فيه الشباب عن المهدي بن بركة فيقولون لك انه شارع في حي الرياض أو مركب ثقافي في حي المحيط، والأكثر اطلاعا سيشرح لك انها ساحة صغيرة في سان-جيرمان-دي-بري، تحاذي ساحة جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار… لا أحد سيتذكر أن الرجل، قبل كل شيء، جثة بلا قبر وجريمة بلا عقاب !

لم يتاجر السماسرة والسياسيون والمشعوذون والحقراء في جثة مثلما تاجروا بجثمان المهدي بن بركة. على امتداد هذه العقود الطويلة، كان كل مرة يخرج دجال كي "يكشف عن مصير الجثة": ذوبوها في حوض الأسيد، طمروها في الإسمنت المسلح، دفنوها في فيلا بضواحي باريس، حرقوا الجسد ولفوا الراس في ورق الألومنيوم… دون الحديث عمن ظلوا يرفعون صوره في التجمعات الانتخابية، وبمجرد وصولهم إلى السلطة، رموها مع المتلاشيات.

وإذا كان أقسى ما يمكن ان يتعرض له الشهيد هو ان يتحول الى ميت تبكيه أسرته الصغيرة فحسب، فإن أكبر جريمة ارتكبت في حق بن بركة، بعد الاختطاف، هي التخلي عنه من طرف رفاقه. كثيرون اعتقدوا ان وصول عبد الرحمان اليوسفي الى السلطة، نهاية القرن الماضي، سيفك اللغز ويكشف المستور، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، رغم محاولات القضاء الفرنسي اعادة فتح التحقيق، ورغم ان وزارة العدل كانت لمدة طويلة بيد الاتحاديين. بل ان عبد الواحد الراضي، حين كان وزيرا للعدل قبل عشر سنوات، بذل جهدًا جبارا كي يعرقل المذكرة التي اصدرها قاضي التحقيق الفرنسي پاتريك راماييل للاستماع الى بعض الأطراف المعنية بالقضية. اليوسفي وأصحابه لم يفعلوا شيئًا للكشف عن مصير رفيقهم القديم، ايّام كان في يدهم القرار السياسي، وعندما تقاعدوا خلدوا الذكرى الخمسين لاختفائه، على سبيل إراحة الضمير، هذا ما سيذكره التاريخ !

لن أنسى نقاشا قديما مع أحد الوزراء الاتحاديين، الذين وصلوا الى الحكومة بضربة حظ مجنونة عام 1998. استضفناه وقتها في لقاء تنظمه "الشبيبة الاتحادية"، أيام كان هناك "حزب" و"شبيبة"، وبعد ان ألقى عرضه، جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وكم كانت صدمتنا كبيرة عندما سمعناه يعبر عن استغرابه، لأن جيلنا "ما زال يتغنى بمارسيل خليفة والشيخ إمام"، قبل ان يضيف انه "من غير المعقول ان تظل صور بنبركة وبنجلون تتصدر لقاءات الحزب بعدما اصبح يسيّر الشأن العام"، وأوصانا بالانفتاح "على شرائح اجتماعية جديدة، خصوصا منهم الشباب الذين يدرسون في ديكارت وليوطي"… رغم ان الكلام صعقنا فقد ضحكنا من الوزير الذي سقط في غرام ديكارت وليوطي رغم فرنسيته الرقيعة، حتى انه اضطر لأخذ دروس مكثفة بعد تعيينه وزيرا، لاتقان حد ادنى من لغة موليير، يجنبه بعض المواقف الحرجة اثناء تأدية مهامه!

بعد عشرين سنة تحقق مخطط الوزير المتسلق: كُنست صور بن بركة وبنجلون ودهكون وگرينة من مقرات حزب القوات الشعبية، ولم نعد نسمع أغاني مارسيل خليفة والشيخ امام وسعيد المغربي وصلاح الطويل في مؤتمرات "الاتحاد"، حلت مكانها أغاني "البيگ الخاسر"… وخسر الحزب كل شيء: تاريخه وشهداءه وهويته ومبادئه وحاضره ومستقبله!

عندما تفجرت قضية المهدي بن بركة عام 1965، كتب اليساري الفرنسي دانيال غيران: "هذا الميت سيعيش طويلا، هذا الميت ستكون له الكلمة الاخيرة". الشق الاول من النبوءة تحقق تقريبا: بنبركة مازال حيا، في الوقت الذي مات فيه كل مجايليه من الوطنيين والسياسيين والتقدميين والرجعيين والأمنيين والرفاق والمخبرين والمناضلين والجلادين… والشطر الثاني من النبوءة سيتحقق آجلا ام عاجلا، لان رسالة بنبركة مازالت تتناقلها الأجيال، إلى أن تسمع البلاد "كلمته الاخيرة". في انتظار ذلك سنظل نردد مع الشاعر الرائع عبد الرفيع جواهري هذه الأبيات الرفيعة:

السلام على قامةٍ ما انحنتْ

عندما ركعتْ جوقةُ الراكعينْ

السلامُ على صرخة علّمتْ قولَ "لا"

أمَّة الرافضين

السلام على جمرةٍ

مانزال على نارها قابضينْ

السلام على فكرة لاتزال إذا ذُكِرتْ

تُفزِع الحاقدينْ

 

ما طوينا الكتابْ

صفحةً، صفحةً

لانزال لها حافظينْ

ما طوينا الكتابْ

كيف نطوي دماً

لانزال على هدره شاهدينْ؟

دمُه بيننا

كيف ننسى دماً

كيف ننسى دم الرائعينْ؟

ما طوينا الكتاب

والسطور دمٌ

خَطَّها خنجرُ الغادرين!

 

جمال بودومة، صحفي وكاتب عربي من المغرب
منشور على موقع فايسبوك، يوم الثلاثاء 29
 تشرين الأول/أوكتوبر، 2019

 

“حماس” تؤيد العدوان التركي على سوريا وناشطون يردون!

أصدرت "حركة المقاومة الإسلامية" في فلسطين / "حماس" بياناً رسمياً، أيدت فيه العدوان العسكري التركي على الجمهورية العربية السورية. وجاء البيان بعد أيام قليلة، من "تغريدات" نشرها الناطق الرسمي لهذه الحركة "الإخوانية"، سامي أبو زهري، وقال فيها : "إن تركيا هي مهوى قلوب المسلمين في العالم".

وقالت مصادر سياسية عربية، إن بيان "حماس" قد فاجأ بعض الأوساط في "محور المقاومة" التي راهنت على تغييرات في موقف التنظيم "الإخواني" الفلسطيني من سوريا. واضافت إن البيان يؤكد أن نفوذ نظام اردوغان "الإخواني" على قيادة التنظيم لا زال قوياً. كما أن تمويل قطر للتنظيم الدولي "الإخواني" المتمركز، ودعمها لوجستياً وإعلامياً، يعزز نفوذ تركيا عليه. 

وتراجعت "حماس" عن تأييدها لقوى إرهابية وتكفيرية سورية وأجنبية قاتلت الجيش العربي السوري، وذلك تحت ضغط قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران. لكن قيادة "حماس" امتنعت عن اتخاذ موقف واضح يدعم نضال سوريا لحفظ سيادتها واستقلالها. وقال بيان "حماس" إنها تتفهم "حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي"، وذلك في اليوم الثالث على الغزو التوسعي الذي ينفذه الجيش التركي في الأراضي السيادية السورية.

وقال قطب سياسي قومي، إن الرئيس بشار الأسد ابلغ وفداً قومياً عربياً زاره أواخر عام 2017، بأن "الشعب السوري يسمي ما فعلته حركة حماس خيانة كبرى". وهذه "الخيانة" بلغت أوجها برفع خالد مشعل وقادة حماس علم الجماعات الإرهابية في المهرجان السياسي الذي نظمته "حماس" في غزة/ فلسطين المحتلة، في الذكرى الـ 25 لتأسيسها.

 

وأكد هذا القطب أن عودة "حماس" لدعم تركيا في عدوانها على سوريا، يقوض الجهود التي بذلتها إيران وفصائل فلسطينية، بل وحتى بعض قيادات في "حماس"، لـ"إصلاح" علاقاتهم بالقيادة السورية. مشدداً على أن اصطفاف "حماس" بجانب أنقرة ضد دمشق، لا يعزى إلى التزاماتها "الإخوانية" وحدها. وأضاف : إن قادة في "حماس" باتوا جزءا من "مليارديرية الحركة الإسلامية" المنتشرين في الوطن العربي والعالم. 

ويخالف موقف "حماس" مواقف قوى المقاومة الفلسطينية التي أجمعت على رفض العدوان التركي على سوريا. كما يأتي هذا الموقف منسجماً مع تأييد قطر للغزو التركي لسوريا. بينما نددت بهذا العدوان ورفضته كل الدول العربية، حيث أصدرت جامعة الدول العربية بياناً سياسياً حازماً يدعم سوريا ضد المعتدين الأتراك. 

ومن شأن الموقف الجديد المعادي لسوريا الذي أعلنته "حماس" زيادة الغضب والإستياء في دمشق وعواصم وقوى "محور المقاومة". ويضيف مصدر متابع إن التنظيم "الإخواني" الفلسطيني يخذل الشعب العربي السوري مرة جديدة. وصدرت ردود فعل عن ناشطين سياسيين في مختلف الدول العربية. أعربوا فيها عن استيائهم ورفضهم لموقف "حماس".
وقال المفكر والناشط السياسي إبراهيم أحنصال على صفحته في موقع فايسبوك : إن "حركة المساومة الاستسلامية المعروفة اختصارا بـ(حماس) تساند الغزو الاخونجي- التركي الأطلسي لشمال سوريا، وتعتبره "حق" (كذا!) تركيا في "إزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد الإسرائيلي في المنطقة"!!! حماس لا ترى في الاتفاقيات والتنسيقات العسكرية والاستخبارية والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين خليفتهم أردوغان والعدو الصهيوني أي خطر على فلسطين، بل الخطر هو في صمود الدولة السورية والجيش العربي السوري وانتصاراته بعد سبع سنوات من المقاومة، وسحقه لإمارات وجيوش" الإرهابيين. 
واعتبر أحنصال أن "بيان حركة المساومة الاستسلامية هو صرخة وجع من انهيار وسقوط الاخوان المجرمين على أكثر من جبهة". وقال مراد سالم إن قادة "حماس" 
هم "كالثعالب الماكره بل اشد من ذلك". ورأى أحمد غدّوي إن "التنظيم العالمي للإخوان متضامن مع حزب العدالة والتنمية التركي في عدوانه على سوريا، والجزيرة والقنوات القطرية تقدم للجيش التركي الدعم الإعلامي". 

مركز الحقول للدراسات والنشر
الثلاثاء، 15 تشرين الأول / أوكتوبر، 2019