التمييز السياسي والثقافي في الولايات المتحدة بحق الأميركيين من اصل عربي

تمكنت العديد من الجماعات الإثنية والعرقية في أمريكا من التغلب علي التمييز الذي ظلت تعاني منه كثيرا. و من بين تلك الجماعات ( الأيرلنديين) ،  فقد ذكر المرشح لمنصب حاكم ولاية إلينوي ، كريس كينيدي، ابن السيناتور الأمريكي الذي اغتيل منذ سنوات روبرت كينيدي، مؤخرا بأن الأيرلنديين في أمريكا لا يتمتعون دائما بالسلطة. ولسنوات عديدة، واجه الايرلندي التمييزحيث كان يتم تعليق لائحات تحمل الحروف المختصرة ( NINA ) تعبيرا عن عدم استقبال الأيرلنديين.

ويواجه الأمريكيون العرب تمييزا واضحا ،. فالناس الذين يكرهوننا لا يظهروا اي علامات تحمل حروفا مختصرة  مثل ( NANS ) و التي توضح عدم الترحيب بالعرب . فالنظام يمارس الكراهية بطريقة غير ملموسة ، من خلال استبعاد الأمريكيين العرب من الحياة السياسية ووسائل الإعلام ، و على الرغم من أننا نواصل القتال لتغيير كل ذلك ، الا ان أصواتنا لا تسمع.

ومثل جميع العرب في أمريكا واجهت أنا شخصيا التمييز ، فبعد أن خدمت بكل فخر في الجيش الأمريكي خلال حرب فيتنام ، ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدة عامين يحقق في تفاصيل حياتي تحت ذريعة أنني ربما أكون “إرهابيا”. وقد خلص التحقيق إلى أنني كنت مهتما فقط بتحسين مجتمعي . اليوم  و بعد 43 عاما، تغيرت أشياء كثيرة، ولكن ظلت أشياء أخري كما هي.

لم يمض وقت طويل منذ ان كان المسئولون الحكوميون الذين يتم انتخابهم في أمريكا يرفضون ان يستجيبوا الي مكالمات العرب الهاتفية. و لا يزال البعض يرفضون الاجتماع معنا حتي اليوم مثل عمدة شيكاغو رحم إيمانويل وسيناتور نيويورك تشاك شومر. الأسوأ من ذلك، اننا أصبحنا أهدافا للعملية الانتخابية، فبعض المرشحين يحتاجون دعم العرب المالي من اجل حملاتهم. و لكن يتهم المعارضون هؤلاء المرشحين ” بالفساد ” فقط لانهم حصلوا علي تمويل حملاتهم الانتخابية من أموال  “العرب”  ، و كأن أموال العرب التي اجتهدوا للحصول عليها ” فاسدة” .

وما أن بدأ هذا المنظور في التغير في التسعينيات ، حتي وقعت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول / سبتمبر 2001، فتخلي المرشحون عنا مرة أخرى. و بدأ السياسيون في أمريكا التمييز بين المسلمين العرب وغير العرب،  فغالبية المسلمين في أمريكا من أصول غير عربية، ومعظمهم، بما في ذلك الباكستانيون والهنود والآسيويون والمسلمون الأفارقة، واصلوا المشاركة في الحياة السياسية الأمريكية في ظل إقصاء تام للعرب. لكن الرمال تتحرك مرة أخرى لصالح الأميركيين العرب. ولعل أكبر المكاسب كانت في ميشيغان حيث انتخب العرب العديد من المرشحين للمناصب العامة. و بدأ هذا الاتجاه في الانتشار إلى مناطق أخرى مثل شيكاغو في ولاية إلينوي.

ظل النادي العربي الأمريكي الديمقراطي في شيكاجو ( AADC ) يقاتل من أجل حقوق الناخبين الأمريكيين العرب منذ تأسيسه في عام 1983. أقام هذا الأسبوع منتدى سياسيا  حضره أكثر من 500 أميركي عربي لإظهار دعمهم للمشاركة السياسية. ولكن الأهم من ذلك هو أن هذا الحدث كان فرصة  لكل مرشح عن كل مكتب في إلينوي تقريبا – قضاة، مشرعون ، رؤساء بلديات ، مفوضون  وأمناء المقاطعة – لطلب الدعم المالي من العرب الأمريكيين و التحدث علنا لدعم حقوق هؤلاء العرب. وعلى الرغم من رفض مكتب التعداد الأمريكي حصر العرب ضمن عدد السكان ، استمرارا لقمع نفوذنا المتزايد في أمريكا، ألا ان تصويت الجالية العربية الامريكية في ازدياد و هي طريقة اخري لقياس مدي تمكيننا كعرب.

وتتضح الإثنية عند استجداء اصوات الناخبين الامريكيين، فأنا لدي قائمة الناخبين في الولايات المتحدة. فعدد الناخبين العرب ، وفقا للاحصائيات،  لا يزيد عن 83.000 ناخب في ولاية إيلينوي علي سبيل المثال و 1.3 مليون في ولايات أمريكا بوجه عام . ومع ذلك، فإن عملية تحديد الهوية تلك ليست صحيحة ، لأن العديد من الناخبين العرب اما ليست لديهم ملامح تميزهم كعرب أو انهم يتجنبون اعلان هويتهم العربية الاصلية ، فلقد تعرضنا للاضطهاد طويلا في أمريكا، ولذلك  قام الكثير من العرب  بتغيير أسمائهم من محمد إلى “مايك”، ومن فاريد إلى “فريد” خشية ان يكونوا ضحايا للتمييز . أعتقد أن احصائيات مكتب التعداد الخاطئة و احصاء هوية و عدد الناخبين و التي تصل نسبة صحتها الي 50 % فقط ، من الممكن ان تضع امامنا ارقاما مختلفة تماما ، مما يعني ان هناك 166 الف ناخب عربي فى ولاية ايلينوى و 2.6 مليون ناخب عربي فى امريكا.

ويمكننا ان نستنتج فقط ومن خلال العمليات الحسابية التالية الحجم الحقيقي للجالية العربية في امريكا.

يقول التعداد ان 22 فى المائة من الامريكيين الذين يمكنهم التسجيل للتصويت لا يفعلون ذلك. واذا قمنا بتطبيق ذلك علي العرب الأمريكيين ، فهذا يعني أن العدد الفعلي للناخبين العرب هو 3.2 مليون و ليس 2.6 مليون ناخب. كما يشير التعداد أيضا أن 25 في المئة أي 75 مليون من الأميركيين البالغ عددهم 300 مليون أمريكي لا يمكنهم التصويت لأنهم أقل من 18 عاما، وبالتالي فإن عدد السكان العرب في أمريكا هو 4 ملايين شخص. و هناك عامل مهم اخر و هو ان معظم  الأسر العربية لديها أطفال أكثر من الأميركيين وهذا يجعل العدد النهائي يزيد عن 4 ملايين .

في أمريكا، لا يحتاج الأيرلنديون والإيطاليون والسود والإسبانيون إلى القيام بكل تلك العمليات الحسابية  لقياس مدي تمكينهم . و لهذا السبب كان من المدهش أن نرى عشرات المرشحين الأمريكيين من مختلف الخلفيات العرقية بما في ذلك الايرلنديون والسود والبولندية والإيطاليون والهسبانيون يطلبون التصويت العربي الأمريكي في الحدث الذي أقامه النادي العربي الأمريكي الديمقراطي في شيكاجو ( AADC ) بالتعاون مع المعهد العربي الأمريكي في العاصمة واشنطن. هذا يوضح انه حتي لو لم يتم احتسابنا كعرب في التعداد السكاني ، فان المسئولين الأمريكيين يعترفون بأهميتنا كدائرة انتخابية.

وفي النهاية ، كان هناك جانب آخر مهم من التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي بخصوصي عليّ ان اذكره . فقد أوصي عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي  بعدم اجراء اي مقابلة شخصية معي لأنها لن تكون مثمرة. وأنه بالنظر إلى منصبي كمحرر لجريدة صوت الشرق الأوسط ،  قد تؤدي المقابلة معي إلى صعوبات في اجراء مقابلات مع شخصيات عربية أخري في المستقبل. وقتها ادركت ان هناك قوي أكبر تفوق حق التصويت. كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يخاف  مني لأنني نشرت صحيفة صغيرة باللغة الإنجليزية في منتصف السبعينات من أجل الأمريكيين العرب. ومن الواضح أن الاتصالات والصحافة قوى حقيقية في أمريكا.

راي حنانيا، صحفي فلسطيني أميركي ، مؤلف و كاتب مقال في الموقع الاخباري Arab News
الموقع الرسمي للكاتب  :  http://www.thedailyhookah.com/
البريد الألكتروني rghanania@gmail.com

المقال ترجمته مروة مقبول، نشر في موقع يو أس آراب راديو، صوت العرب من أمريكا، يوم 24 شباط / فبراير 2018
العنوان الأصلي للمقال :
قوة التمكين العربي تزداد رغما عن أمريكا

قضايا “الثورة اللبنانية” : “استعادة الأموال المنهوبة” والتحرر من “إجماع واشنطن” (1)

طرح الحراك الشعبي الوطني شعار "استعادة الأموال المنهوبة" بأيدي الأوليغارشيه المستحكمة بالبلاد. يخدم هذا الشعار المطلبي والإصلاحي، حاجة الحراك إلى بلورة أهدافه الإجتماعية ـ السياسية. حتى يستقل بجدول أعماله، عن "الثوريين الجدد" اليمينيين، الذين يطرحون هذا الشعار بصور استعراضية، كأنه ملف تقني وإداري. في هذا المقال يقدم الرفيق الدكتور غالب أبو مصلح، وهو خبير اقتصادي لبناني بارز، تمريناً تطبيقياً لتقدير "الأموال المنهوية"، وتعريف منظومة "النهب"، وكيف يمكن للحراك أن يتصدى لها، لكي يحقق هدفه بـ"استعادة" هذا الأموال إلى خزينة الشعب اللبناني. هنا نص المقال : 
  
إن الحد الأدنى لأموال الشعب اللبناني المنهوبة في سنة 2019 ستصل إلى أكثر من 28 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الناتج المحلي القائم والمقدّر. والسؤال، كيف يتم نهب نصف الناتج اللبناني ومن ينهبّ شعب لبنان؟ سنحدد أدوات النهب هذه وسنركز على أهمها ونقدر حجم نهب بعضها.

1.    البُنى الاحتكارية للنظام
يمتاز لبنان عن بقية دول العالم بأن ليس لديه قوانين تمنع الاحتكار، بل لديه قوانين تحمي الاحتكار ـ حماية الوكالات الحصرية. تم بناء احتكارات جديدة منذ مؤتمر الطائف (1989) عبر خصخصة مؤسسات عامة، كما عبر قوانين جديدة، مثل قطاع النفط وتجارة المشتقات النفطية التي كانت امتيازاً للقطاع العام فتحولت الى احتكار خاص للتجارة في المشتقات النفطية والغاز المنزلي، بعد تعطيل وتدمير مصفاتي الزهراني وطرابلس ومنع اصلاحهما او إعادة بنائهما. تم بناء احتكار ضخم من شركات نفط اجنبية أُضيف اليها شركتين واحدة تابعة للرئيس نبيه بري، الذي سيطر على البنى النفطية في الزهراني، وأخرى للرئيس وليد جنبلاط في الجية. تم تخصيص البريد وإنشاء شركة "ليبان بوست" بعد مضاعفة رسوم البريد عدة اضعاف وأُعطيت امتيازات وصلاحيات خاصة برعاية الرئيس فؤاد السنيورة. تتحكم البنى الاحتكارية بسوق الدواء والمستشفيات، واستيراد المواد الغذائية ومدخلات قطاع البناء بما فيها تجارة الحديد والأخشاب الخ… . أما صناعة الإسمنت فتشكل احتكاراً ثلاثياً، يمنع إقامة مصانع جديدة في لبنان وينتج أكثر من حاجة السوق اللبنانية ويصدر قسماً كبيراً من إنتاجه إلى السوق العالمية. يبيع طن الإسمنت الأسمر في السوق المحلية بـ 120$ للطن الواحد، ويصدر إلى السوق العالمية بسعر يتراوح بين 50$ و60$ للطن الواحد. ورفع هذا الاحتكار انتاجه في العقود الثلاثة السابقة من 1.6 مليون طن إلى 10 ملايين طن حتى سنة 2016. 
هناك البنية الاحتكارية المميزة لقطاع المصارف، وهو القطاع الأكثر نفوذاً في لبنان. ليس في دول العالم ما يشبه "جمعية المصارف" اللبنانية، حيث يُمنع في تلك الدول "التنسيق" و"التشاور" بين المصارف كي تحدد آليات السوق مستوى الفوائد، وبإشراف البنوك المركزية، من أجل ضبط كلفة الأموال، وخدمة القطاعات الاقتصاد كافة. كما تشكل المصارف التجارية جزءاً من بنية الأسواق المالية وليس كل السوق المالي كما هو الحال في لبنان. تمنع القوانين المعمول بها في العالم "التنسيق بين المصارف". أما في لبنان فقد تم الاعتراف رسمياً بـ"جمعية المصارف" بعد مؤتمر الطائف، وأصبحت صنوا لمصرف لبنان، وأخذت في إصدار التعاميم التي تحدد معدلات الفائدة بدل تركها لآليات السوق، وتساوم مع مصرف لبنان ووزارة المالية حول معدلات الفائدة على سندات الخزين، وهو أمر غريب عن أداء أسواق المال في العالم. تتحكم جمعية المصارف بالتشريع في القضايا المالية وذلك عبر نفوذها الواسع في مجلس النواب والوزراء، حيث يتلقى أكثرية النواب والوزراء الحاليين والسابقين "رواتب" من المصارف التجارية بحجة عملهم لدى المصارف كأعضاء في مجلس إدارتها أو كمستشارين لديها. وتمنع جمعية المصارف إقامة مصارف متخصصة للإقراض المتوسط والطويل الأجل، وقيام مؤسسات مالية للوساطة، كما تمنع إعادة قيام سوق مالية رسمية (بورصة) تقوم بمنافسة المصارف في إطار الوساطة المالية وتمويل الشركات. كذلك، ينام قانون "البورصة" الذي وضعه مصرف لبنان في أدراج وزير المالية منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. كما تحبط جمعية المصارف مشروع إقامة سوق مالية ثانوية فعلية وعميقة. وتتوسع كلفة الوساطة المالية في لبنان إلى أكثر من خمس نقاط مئوية، بينما لا تتعدى كلفة الوساطة في العالم واحد في المئة عادةً (أي الهوة بين الفائدتين الدائنة والمدينة) 
تشمل البنى الاحتكارية قطاع المطاحن المحمي جداً والذي ينهب المال العام وقطاع التعليم بكل مراحله، وهو يعيق تطوير المدارس الرسمية كما الجامعة اللبنانية، وذلك لمصلحة التعليم الخاص التابع بمعظمه للطوائف، وبشكل خاص للجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، على صعيد التعليم الجامعي. 
تطول قائمة البنى الاحتكارية الشاملة التي تتحكم بجميع قطاعات الاقتصاد اللبناني. اشترطت السوق الأوروبية إلغاء حماية الوكالات الحصرية عندما عقدت المعاهدة الاقتصادية مع لبنان. أقرَّ المجلس النيابي هذا القانون، وتأجل العمل بموجبه "لبضعة أشهر" حتى يتسنى للاحتكارات التجارية "تصفية" أوضاعها. ولم تنته الـ "بضعة أشهر" منذ تسعينات القرن الماضي. تم إقفال صندوق الدواء دون مرسوم أو قانون، وكان قد أُنشئ لتأمين الدواء للقطاع العام وبنصف كلفة شرائه من القطاع الخاص، وذلك في سنة 1972.
باختصار شديد، يمكننا القول أن نظام الاحتكارات يرفع كلفة المعيشة للشعب اللبناني بنسبة 35% على الأقل، ويستنزف الاقتصاد اللبناني بمبلغ لا يقل عن 14 مليار دولار في السنة، ويرفع إسقاط البنى الاحتكارية الدخل الحقيقي لكافة اللبنانيين بنسبة لا تقل عن 35%. فلماذا لا يتكلم أرباب الحكم عن هذا النهب الكبير والفساد العظيم في النظام اللبناني؟ البنية الاحتكارية تمول رجال السياسة وتشتري ولاءهم.

2.    قطاع المال
يتولى مصرف لبنان مهمة السياسة النقدية والإشراف على السوق المالية، وبشكل خاص على قطاع المصارف، الذي يتكون من مصارف تجارية فقط، بعدما جرى دفع المصارف المتخصصة الى الإفلاس في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وبعد إلغاء "البورصة" وعدم سماح القطاع المصرفي بتجديدها وإعادة العمل بها. فقانون البورصة، كما قلنا، ينام في ادراج وزير المالية منذ أواسط تسعينات القرن الماضي. 
لم يقم المصرف المركزي بدوره في تنمية الاقتصاد اللبناني، وانحصرت استهدافاته ـ بعد مؤتمر الطائف ـ بربط سعر صرف الليرة بالدولار، الذي تحدد السياسات الأميركية سعر صرفه بالنسبة للعملات العالمية، ويتذبذب سعر صرفه الحقيقي بمعدلات واسعة. كما قام بزيادة ربحية المصارف ورفع ملاءتها وزيادة رؤوس أموالها، وهو هدف غريب في حقل السياسات النقدية في العالم. نتج عن هذه السياسة رفع سعر الصرف الحقيقي لليرة إبان تسعينات القرن الماضي بما يقارب 100%، وتم طرد القطاع الخاص من سوق الإقراض بسبب ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية على سندات الخزينة الى حوالي 18% كمعدل سنوي. 
أدّت هذه السياسات النقدية الى الحاق أضرار فادحة بقطاعات الإنتاج وتدني قدرة السلع والخدمات اللبنانية على المنافسة داخل لبنان وخارجه، وإقفال آلاف المصانع أو تهجيرها إلى أسواق سورية ومصر والخليج. كما أن هذه السياسات النقدية ساهمت في تراجع نصيب قطاع الصناعة الى ما لا يزيد عن الـ 4 % من الناتج المحلي القائم بعد ان كان في حدود الـ 16% في السبعينات. وكذلك انهار إنتاج القطاع الزراعي الى حوالي 4% من الناتج المحلي القائم.
أدت هذه السياسات الى ارتفاع ربحية المصارف وثروات الأثرياء، وإلى تدفقات نقدية كبيرة إلى السوق المالية اللبنانية، ليس للتوظيف المنتج بل للمضاربات والاستفادة من الفوائد الحقيقية الفاحشة على سندات الدين اللبنانية. أدّى ذلك أيضا الى تسارع نمو الدين العام، والذي ارتفع من 1.75 مليار دولار في أواخر سنة 1992 الى ما يقارب ال 100 مليار دولار اليوم (أرقام الدين العام الرسمية لا تحتسب الديون غير المسنّدة، وتطرح من قيمة سندات الدين كل ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، ومنه ودائع الضمان الاجتماعي). إن امتناع المصارف عن زيادة اقراضها للخزينة ودفع مصرف لبنان الى زيادة نصيبه من اقراض الخزينة حتى قارب الـ 50% من مجمل الدين المسنّد، والى ضخ كميات كبيرة من السيولة في السوق وإعادة سحب السيولة الفائضة عبر شهادات إيداع بفوائد تفوق الفوائد المماثلة على سندات الخزينة بواحد في المئة، وكذلك دفع فوائد مرتفعة على ودائع المصارف بالعملات الأجنبية خاصة لدى مصرف لبنان. بجانب كل ذلك ابتدع مصرف لبنان "الهندسة المالية" التي يوزع عبرها الفوائد غير المستحقة على المصارف، وعلى حساب المال العام.
إن مجمل هذه الآليات تؤدي الى ضخ أرباح فاحشة الى المصارف وجيوب الأثرياء في لبنان والخارج. أصبحت السيولة الفائضة عن حاجة السوق في لبنان ضخمة جداً وتشكل عبئاً كبيرا على الاقتصاد. من المعترف به عالمياً أنه إذا زاد حجم الكتلة النقدية لأي بلد عن 90% من الناتج المحلي على الأكثر، تتحول الى عبء على الاقتصاد. في لبنان نمت الكتلة النقدية الى 400% من حجم الناتج المحلي وشكلت عبئاً كبيرا تستنزف المال العام وتقعد الاقتصاد وتحول مردود الديون الى الخارج. فقرار المصارف تمسك به المصارف الكبرى وقرارها بيد أكبر المساهمين فيها. وأكبر المساهمين يتمثل بالبنوك الأجنبية. فــ "بنك اوف نيويورك" يمتلك وحده 34.37% من أسهم بنك لبنان والمهجر، بينما تمتلك عائلة الأزهري 2.82% من أسهمه. ويمتلك "دويتش بانك" 29.3% من أسهم بنك عوده، بينما تمتلك عائلة عوده 7% منه. في إطار الشركات الكبرى، من المعروف ان من يمتلك أكثر من 15% من أسهم الشركات يسيطر على إدارتها وتوجيهها. فالمصارف اللبنانية تهتم فقط بتعظيم أرباحها وتفرض سياسات مناقضة للمصلحة الوطنية اللبنانية في السوق المالية، وعلى مصرف لبنان ووزارة المالية. تقول جمعية المصارف أن "النظام المصرفي اللبناني هو جزء من هذا النظام المصرفي العالمي" والذي تسيطر عليه الخزينة الأميركية أو "إجماع واشنطن" لمصلحة الولايات المتحدة واستهدافاتها، وتتعاون السلطات المالية والنقدية في لبنان مع الإدارة الأميركية "من أجل حماية لبنان ونظامه المالي". (السفير 16/05/2016).
عبر هذه التركيبة اللبنانية التابعة تم بناء آليات يتم عبرها ضخّ كامل أرباح مصرف لبنان، والتي تقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً إلى المصارف، بجانب ما تضخّه الهندسات المالية التي بلغت سنة 2016 أكثر من 5.5 مليار دولار، ناهيك عن الفوائد الحقيقية الفاحشة على الدين العام، وكميات سندات الدين التي كانت تقدّم للمصارف بما يفيض كثيراً عن حاجة الخزينة، وذلك تلبية لمصالح المصارف والمضاربين. 
نتيجة مجمل السياسات النقدية والمالية والاقتصادية تم إفقار الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، منذ وصول الرئيس رفيق الحريري الى السلطة. تشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ـ بيروت ـ لسنوات 92 – 99 الآتي:
i.    ارتفاع دخل الطبقة العليا بمعدل 4.8% سنوياً
ii.    تراجع دخل الطبقة الوسطى بمعدل 8.4% سنوياً
iii.    تراجع دخل الطبقة الدنيا بمعدل 4.6% سنوياً
أدّت مسيرة الإفقار هذه ونمو الفروقات الطبقية للمداخيل حسب تقرير للإسكوا في أواسط سنة 2016، إلى تراجع الأمن الغذائي لدى السكان في لبنان، بحيث أصبح "31% منهم غير قادرين على تناول طعام صحّي ومغذّ على مدار سنة". دفعت هذه الحاجة أعداداً متزايدة من الشعب للاستدانة من المصارف لتلبية احتياجاتها الملحّة، وقال مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني في 20/11/2015 أن "864 ألف فرد ومؤسسة أفادوا من تسهيلات مصرفية بحلول حزيران". وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "ارتفع عدد الأفراد المدينين للمصارف اللبنانية من حوالي 70,000 عام 1993 إلى أكثر من 700,000 حالياً" (الاخبار 16/09/2015). وارتفعت تسليفات المصارف للأفراد الى 27,060 مليار ليرة في سنة 2015، أي الى 29.17% من مجمل تسليفات المصارف لقطاعات الاقتصاد، مقارنة بنسبة 1.15% للزراعة و0.19 % للصناعة. 
يمكننا القول أن ما يتم نهبه من المال العام والخاص، نتيجة الفوائد الفاحشة ونتيجة آليات تحويل أرباح مصرف لبنان وحقوق الخزينة، ونتيجة الأرباح والفوائد غير العادلة للأفراد والقطاع الخاص، تفوق سنوياً الـ 9 مليارات دولار. يمثل هذا الرقم حوالى 3.8% من حجم الكتلة النقدية في لبنان.

3.    نهب حقوق وأموال الخزينة
تبلغ واردات الخزينة من ضريبة الأرباح على أصحاب العمل 7% من واردات الموازنة، وضريبة الدخل على الأفراد 8%، كما تبلغ واردات الخزينة من الضرائب غير المباشرة 85%. في معظم دول العالم، تبلغ الضرائب على الأرباح والمداخيل 80% من الضخّ الضريبي (ضرائب تصاعدية على شرائح الدخل الموحّد). أي أن على السلطة في لبنان رفع واردات الضرائب المباشرة نسبة 65% عبر تشريعات جديدة كما عبر كشف حسابات المكلفين من قبل وزارة المالية، ورفع السرّيّة المصرفيّة عن هذه الحسابات حتى لا يتمكن المكلفون الأثرياء وأصحاب المداخيل المرتفعة والمصارف والشركات والمؤسسات من التهرب من ضريبة الدخل، كما يفعلون بحماية السرّيّة المصرفيّة. كما تم التشريع لإعفاء الأثرياء من ضريبة الإرث، عبر نقل ملكية الأموال في المصارف تحت غطاء السرّيّة المصرفيّة، و"الحسابات المشتركة". تم تشريع قوانين تتيح تأليف "شركات عقارية" يتم تداول أسهمها وموجوداتها دون الخضوع لضريبة نقل الملكيّة. ولكن هذا الحق محصور بالنافذين فقط، حيث يحتاج تأليف شركة عقارية لقرار وزاري!  ومن هم القادرون على الحصول على قرار وزاري؟.
يتم ضبط هدر المال العام أيضاً عبر إلغاء إعفاء العديد من المؤسسات والقطاعات من الضرائب، مثل المستشفيات والمدارس والكليّات والأوقاف ومؤسساتها، وكلها يبغي الربح ويحقق ارباحاً ضخمة غير خاضعة للضريبة. ومنع تهريب المستوردات من الجمارك عبر المنافذ الرسمية وغير الرسمية التي تقع تحت هيمنة الميليشيات الطائفية، أو عبر الرشوة والاحتيال.
يضاف إلى كل هذا الهدر للمال العام هدر الإنفاق العام عبر الوزارات وعبر مخصصات المساعدات التي توزعها رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء.
يمكن تقدير أموال الخزينة المنهوبة عبر قوانين وتشريعات رسمية أو عبر آليات الفساد بأكثر من 7 مليارات دولار في السنة. وإذا ما جمعنا تقديراتنا لنهب المال العام والخاص في هذا النظام، كما ورد أعلاه، فإن مجمل الأموال المنهوبة تصل الى حدود 30 مليار دولار سنوياً اليوم.
إن حل مشكلة لبنان المالية والاقتصادية تكمن في لبنان وليس في باريس أو واشنطن. وبإمكان حكم نظيف حقاً وغير خاضع لديكتاتورية رؤوس الأموال ولإجماع واشنطن أن يستعيد ولو ثلث الأموال المنهوبة من جيوش الفاسدين والمحتكرين، وأن يؤمن وفراً مرتفعاً للموازنة تمكن الحكم من رفع نسبة التوظيف المنتج في الإنفاق العام الى أكثر من 50% بدل الصفر في المئة في مشروع موازنة 2020، وبإمكان حكم الشعب أن يضاعف المداخيل الحقيقية لأوسع الجماهير، عبر إسقاط نظام الاحتكارات وتطهير الفاسدين في الإدارة، وعبر الإنفاق الاجتماعي الضروري مثل تأمين التعليم والتطبيب اللائق والنقل العام عبر مؤسسات القطاع العام.
     

غالب أبو مصلح
عين كسور، الإثنين 11 تشرين الثاني، 2019

ندوة في القاهرة : ”الحراك الشعبي العربي ودعم خيار المقاومة”

عقد "التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة (فرع مصر)" ندوة بعنوان” الحراك الشعبي العربي ودعم خيار المقاومة”، وفي بداية الندوة أكد الدكتور جمال زهران الأمين العام المساعد ومنسق عام التجمع بالقاهرة على أن الحراك الشعبي في مرحلته الثالثة، والذي انطلق في كل من بيروت وبغداد، هو حراك شعبي يعبر عن مطالب حقيقية تتلخص في الاطاحة بالنظام الطائفي الذي أفرز نظاما ظالما يعصف بالعدالة الاجتماعية، وكذلك المطالبة بحلول عادلة وعاجلة للاقتصاد ومحاسبة الفاسدين ومصادرة أموالهم وإزاحة القيادات السياسية الفاسدة والتي تعبر عن زمن ولى وانتهى… كما أن هذا الحراك يتحدث عن دعم خيار المقاومة والحفاظ عليه بوجود أصوات تنادي بتحرير فلسطين ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.

وأكد زهران أنه في الوقت الذي تتحرك فيه الشعوب العربية من أجل مطالب عادلة، فإننا نحذر من انخراط المتآمرين داخل صفوف الحراك ومحاولة إخراجه عن مضمونه لتحقيق أهداف خارجية، لذلك نحيي الشعب العربي في لبنان والعراق، ونسانده من أجل تحقيق مطالبه المشروعة والعادلة، كما نهيب بكل طوائف الشعب وقواه السياسية الحية أن تبذل كل الجهود لتفويت الفرصة على المتربصين بالوطن من أجل تحقيق حياة حرة كريمة للشعب في لبنان والعراق، مع نظام سياسي عادل بعيد عن التمايزات الطائفية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بسياسات اقتصادية اجتماعية، والقصاص من الفاسدين بمصادرة أموالهم ومحاكمتهم.

ثم تحدث أ. محمد رفعت (رئيس حزب الوفاق القومي وعضو مجلس أمناء التجمع بالقاهرة)، مشيرا الى أن ما يحدث الآن في وطننا العربي هو من تداعيات اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة، حيث أصبح هناك نظم حاكمة، وشعوب عربية. فالحكام لم يعودوا يعبرون عن مطامح الشعوب العربية .

ولفت الى أننا كنا نعيش بمستويات اقتصادية أقل لكننا كنا راضين، لأن حكامنا كانوا يعبرون عن الشعوب المناضلة، وفي المقدمة الزعيم جمال عبد الناصر… أما ما يحدث في لبنان الان فهو حراك شعبي غير واضح المعالم، ويحكمه التضارب في الشعارات، فيما المقاومة يقظة تماما تفاديا للسقوط الذي يمكن ان ينتج نتيجة غياب الأهداف الواضحة، وكذلك الأمر في العراق .

ونبّه الاستاذ رفعت إلى أن المقاومة هي المستهدفة، ولن نسمح بسقوطها كما يتم التخطيط له، ونحن مع الحراك الشعبي في ظل الحفاظ على المقاومة حفاظا على الأمن القومي العربي .

بدوره، تحدث أ. أحمد عز الدين (المفكر القومي العروبي)، وقال: “أستطيع أن أرصد المؤامرة الشاملة ضد الوطن العربي، والتي بدأت بكامب ديفيد، ثم تدمير العراق، فسوريا، ومحاولة توظيف “الثورات” العربية والحراك الشعبي العربي من أجل تحقيق مؤامرة ضرب فكرة القومية العربية والوحدة العربية.”

وأشار الى أن الأمن القومي العربي هو المستهدف عن طريق المشروع الأمريكي الصهيوني، فالصهيونية ليست بعيدة عن كل ما يحدث في الوطن العربي من تفتيت وتدمير، مدعومة من أمريكا الاستعمارية. مشيرا إلى أن معهدا اسرائيليا قد أصدر في عام 2017 م تقريرا يشير إلى التحديات التي ستواجه “إسرائيل” في عام 2021، وفي مقدمتها فرص استحواذ “إسرائيل” على تحسين موقفها، وكسب التميز الاستراتيجي، إضافة الى فرص القيام باختراق في العمق العربي، مستندا في ذلك إلى:

– استمرار الصراع السني الشيعي واندماج “إسرائيل” فيه.
– انحدار القومية العربية ومحاولة تدميرها.
– الفوضى الإقليمية في المنطقة ومحاولة نشرها وتعميق آثارها.
– كسب شركاء مؤقتين أو وكلاء أمن إقليمي “لإسرائيل”.

وقال عز الدين: إن الليبرالية الجديدة تتفكك وتتراجع عالميا، وتواجه مأزقا وفشلا في الواقع العلمي، لكنها تجد سبيلا لها في وطننا العربي على خلفية الصراعات المذهبية، تفعيلا للمشروع الأمريكي الصهيوني، كما يلاحظ أنه يجري التعتيم على الأوضاع الداخلية المتردية على خلفية الدور القذر الذي يلعبه البنك الدولي وصندوق النقد في دعم سوء الأوضاع وترديها في المنطقة العربية، الأمر الذي يقود إلى وجود مفجر للأوضاع وتحريك للشعوب بلا سقف. لافتا الى أن هذا الحراك الشعبي بات أقرب الى إعلان أن الشعب يريد إسقاط البنك الدولي، وهي إشارة الى تأكيد سقوط الليبرالية الجديدة المتوحشة.

ثم أشار عز الدين إلى تقرير الخارجية الفرنسية الذي يرصد ما يمكن أن يحدث وسيحدث في منطقة الشرق الأوسط، ويؤكد أن الحالة ستشهد عدم استقرار وصراعا بلا سقف. كما لفت الى أن التقدير الأمريكي يؤكد تراجع فكرة القومية العربية، ويضع الاستراتيجية الأمريكية على أساس وضع دول اقليمية خارج المنطقة العربية، قد تحتل المشهد، وهي “إسرائيل” وتركيا وإيران. وأن الأمر في سبيله الى الفوضى، وفي ظل ذلك تدار أحداث لبنان والعراق.

وفي المقابل هناك استراتيجية الرعب من محور المقاومة، لتدمير “إسرائيل” التي تسعى جاهدة لاستثمار ما يحدث في لبنان للضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله، وهو الأمر المستحيل وغير القابل للتنفيذ. كما أن الاتجاه سيكون في دعم الحراك الثوري والأفعال الثورية دعما للمقاومة، ومحورها وحزب الله في المقدمة بطبيعة الحال.

وفي مداخلة للدكتور مصطفى السعيد (المحلل السياسي والكاتب بالأهرام)، قال إن الظروف التي جعلت الأوضاع تنفجر في كل من لبنان والعراق كثيرة ولابد أن نضع أيدينا عليها حتى نعرف ما يحدث ونفهم ما يمكن أن يحدث… فلا يمكن فصل ما يحدث في البلدين عما حدث ويحدث في اليمن من انتصار لمحور المقاومة سيغير من أحداث المنطقة، وكذلك افتتاح معبر بو كمال بين العراق وسوريا، والذي يمكن من وصول ايران والعراق الى البحر المتوسط.

ولفت الى ان هذين الحدثين لا يمكن أن تتم مواجهتهما بالخيار العسكري، فهذه الأحداث ليست بسيطة كما يتصور البعض… ولذلك لا يمكن مواجهة التطورات الكبرى بالعامل العسكري. والحل لدى “إسرائيل” وأمريكا هو خيار الفوضى… ولو لاحظنا إصرار بومبيو وزير الخارجية الأمريكي على اتهام الحشد الشعبي بأنه وراء ضرب حقول وآبار البترول وشركاتها في أرامكو، لهو اشارة إلى ضرب العراق قريبا وهو ما حدث ويحدث حاليا.

وأكد أن السبب المباشر وراء الحراك الشعبي في لبنان هو اعلان حكومة الحريري فرض ضرائب كبيرة على الشعب، الأمر الذي دفع الشعب اللبناني الى الحراك العاجل لإلغاء الضرائب، ثم تحولت إلى الغاء التمييز الطائفي، والفساد المستشري.. الخ. أي أن الحريري بتصرفاته الفجة، دفع الشعب إلى الحراك الشعبي السريع، ولذلك كانت استقالته هي احدى الحلول السريعة.

وأشار الى انه لا يمكن أن يقود جنبلاط وجعجع، والحريري الحراك الشعبي للدفاع عن اللبنانيين؟! فهؤلاء هم العملاء للصهاينة والأمريكان، ويعملون في خدمتهم بالتعاون مع الرجعية العربية… فالاستهداف للمقاومة وحزب الله واضح للغاية، وهو ما لا يمكن أن يتحقق مهما حدث.

وأوضح أن هدف المتآمرين هو دعم “إسرائيل” وإنقاذها من الدمار المتوقع، كما أن المتظاهرين في لبنان، بعضهم صادق في شعاراته ضد الفساد، وضد الطائفية، وضد الصندوق والبنك الدولي، دون تجاهل أن هناك من يسعي لتوظيف هذا الحراك ضد مطالب الشعب اللبناني نفسه، وضد مصالحه، وحفاظا على مصالح شبكات الفساد والطائفية. فالجمهور اللبناني متنوع، وليس جمهوراً واحداً، وعلينا أن ندرك ذلك.

فهناك محاولة لجر حزب الله المقاوم للداخل لفض اشتباك محتمل، فيسهل ضرب الحزب والانقضاض عليه، وهو سيناريو مستهدف، لكنه غير قابل للتنفيذ في الواقع العلمي. وأخيرا فأمريكا لم تعد قادرة على تحمل نفقات جيوشها المتعددة، وبالتالي هي في طريقها للانسحاب، وفي المرحلة الأخيرة لوجودها كقطب دولي.

وأضاف: “لكل تلك الأسباب لن ينجح سيناريو تفكيك لبنان، وضرب المقاومة في العراق وفي لبنان، الأمر الذي يؤكد انتصار محور المقاومة، فموازين القوى لن تسمح بالتغيير ضد المقاومة، وكذلك سوريا لن تسمح بسقوط المقاومة في لبنان، وبرأيي فإن لبنان وجمهور المقاومة ليسوا في خطر ولن يكونوا”.

وفي الختام، أكد أن المشكلة هي أن اقتصاد لبنان هو اقتصاد ريعي يحتاج إلى مجهود ضخم لإنقاذه، كما أن وضع العراق يماثل المشهد اللبناني، وأن إشاعة الفوضى في العراق ستتوقف، لأن المقاومة في العراق مستهدفة متمثلة بالحشد الشعبي الذي يدعم الدولة العراقية القوية وهو ما لا يروق لصناع الفوضى في داخل العراق وخارجه… ومن هنا فإن الوضع ليس في صالح أمريكا، والمقاومة لا تواجه خطرا كبيرا، بل إننا مطمئنون لتفادي هذه الحراكات رغم ما يمكن أن ينتج عنها بعض الخسائر في الأحوال والأرواح، ولكن مكاسبها ستكون في صالح دعم المقاومة. فالخطر في أمريكا وفي السعودية وفي دول الخليج، وليس على المقاومة في لبنان والعراق ولا على سوريا…

وشهد اللقاء مداخلات لكل من:

1- أ. محمد الشافعي ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
2- أ.ابراهيم حسن ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
3- أ.آمال كمال ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
4- أ. بسمة صلاح ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
5- أ. فاروق العشري ( عضو مجلس الأمناء بالقاهرة ).
6- أ.ثريا عبدون (منسق حركة رائدات ورواد المستقبل /اسوان ).
7- أ.محمد حسان (من الجمهورية العربية السورية – وعضو التجمع ).
8- أ.طارق مدحت (عضو لجنة الشباب بالتجمع ).

القاهرة، 12 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2019

المهدي بن بركة .. هذا المَيِّتُ سيعيش طويلاً!

في مثل هذا اليوم من عام 1965، نفّذت إحدى أكبر الجرائم في تاريخ المغرب الحديث: خطف المهدي بن بركة أمام "براسري ليب" في باريس. أكثر من نصف قرن مرت ومصير الجثة مازال مجهولا. أربعة وخمسون عاما ولا جديد: المناسبة صارت تشبه "عيدا وطنيا" باهتا، بعد أن تخلى الرفاق عن القضية، وقلبوا المعاطف وغيروا العواطف، وقايضوا المبادئ بالكراسي والحقائب، وضاعوا في دروب السياسة الضيقة… المهدي أصبح مجرد شارع في الرباط، وساحة في باريس، وصورة على صفحات الجرائد ومقرات الحزب، و"براسري ليب" تحولت الى معلمة سياحية، يضعها المغاربة في برنامج زيارتهم عندما يذهبون الى عاصمة الأنوار، جنبا لجنب مع "لاتور ايفل" و"ديزني لاند" وساكري كور" و"نوتردام"… يلتقطون الصور بالقرب منها وهم يبتسمون. هذا كل ما تبقى من "الاختيار الثوري". وقريبا سيأتي يوم تسأل فيه الشباب عن المهدي بن بركة فيقولون لك انه شارع في حي الرياض أو مركب ثقافي في حي المحيط، والأكثر اطلاعا سيشرح لك انها ساحة صغيرة في سان-جيرمان-دي-بري، تحاذي ساحة جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار… لا أحد سيتذكر أن الرجل، قبل كل شيء، جثة بلا قبر وجريمة بلا عقاب !

لم يتاجر السماسرة والسياسيون والمشعوذون والحقراء في جثة مثلما تاجروا بجثمان المهدي بن بركة. على امتداد هذه العقود الطويلة، كان كل مرة يخرج دجال كي "يكشف عن مصير الجثة": ذوبوها في حوض الأسيد، طمروها في الإسمنت المسلح، دفنوها في فيلا بضواحي باريس، حرقوا الجسد ولفوا الراس في ورق الألومنيوم… دون الحديث عمن ظلوا يرفعون صوره في التجمعات الانتخابية، وبمجرد وصولهم إلى السلطة، رموها مع المتلاشيات.

وإذا كان أقسى ما يمكن ان يتعرض له الشهيد هو ان يتحول الى ميت تبكيه أسرته الصغيرة فحسب، فإن أكبر جريمة ارتكبت في حق بن بركة، بعد الاختطاف، هي التخلي عنه من طرف رفاقه. كثيرون اعتقدوا ان وصول عبد الرحمان اليوسفي الى السلطة، نهاية القرن الماضي، سيفك اللغز ويكشف المستور، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، رغم محاولات القضاء الفرنسي اعادة فتح التحقيق، ورغم ان وزارة العدل كانت لمدة طويلة بيد الاتحاديين. بل ان عبد الواحد الراضي، حين كان وزيرا للعدل قبل عشر سنوات، بذل جهدًا جبارا كي يعرقل المذكرة التي اصدرها قاضي التحقيق الفرنسي پاتريك راماييل للاستماع الى بعض الأطراف المعنية بالقضية. اليوسفي وأصحابه لم يفعلوا شيئًا للكشف عن مصير رفيقهم القديم، ايّام كان في يدهم القرار السياسي، وعندما تقاعدوا خلدوا الذكرى الخمسين لاختفائه، على سبيل إراحة الضمير، هذا ما سيذكره التاريخ !

لن أنسى نقاشا قديما مع أحد الوزراء الاتحاديين، الذين وصلوا الى الحكومة بضربة حظ مجنونة عام 1998. استضفناه وقتها في لقاء تنظمه "الشبيبة الاتحادية"، أيام كان هناك "حزب" و"شبيبة"، وبعد ان ألقى عرضه، جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وكم كانت صدمتنا كبيرة عندما سمعناه يعبر عن استغرابه، لأن جيلنا "ما زال يتغنى بمارسيل خليفة والشيخ إمام"، قبل ان يضيف انه "من غير المعقول ان تظل صور بنبركة وبنجلون تتصدر لقاءات الحزب بعدما اصبح يسيّر الشأن العام"، وأوصانا بالانفتاح "على شرائح اجتماعية جديدة، خصوصا منهم الشباب الذين يدرسون في ديكارت وليوطي"… رغم ان الكلام صعقنا فقد ضحكنا من الوزير الذي سقط في غرام ديكارت وليوطي رغم فرنسيته الرقيعة، حتى انه اضطر لأخذ دروس مكثفة بعد تعيينه وزيرا، لاتقان حد ادنى من لغة موليير، يجنبه بعض المواقف الحرجة اثناء تأدية مهامه!

بعد عشرين سنة تحقق مخطط الوزير المتسلق: كُنست صور بن بركة وبنجلون ودهكون وگرينة من مقرات حزب القوات الشعبية، ولم نعد نسمع أغاني مارسيل خليفة والشيخ امام وسعيد المغربي وصلاح الطويل في مؤتمرات "الاتحاد"، حلت مكانها أغاني "البيگ الخاسر"… وخسر الحزب كل شيء: تاريخه وشهداءه وهويته ومبادئه وحاضره ومستقبله!

عندما تفجرت قضية المهدي بن بركة عام 1965، كتب اليساري الفرنسي دانيال غيران: "هذا الميت سيعيش طويلا، هذا الميت ستكون له الكلمة الاخيرة". الشق الاول من النبوءة تحقق تقريبا: بنبركة مازال حيا، في الوقت الذي مات فيه كل مجايليه من الوطنيين والسياسيين والتقدميين والرجعيين والأمنيين والرفاق والمخبرين والمناضلين والجلادين… والشطر الثاني من النبوءة سيتحقق آجلا ام عاجلا، لان رسالة بنبركة مازالت تتناقلها الأجيال، إلى أن تسمع البلاد "كلمته الاخيرة". في انتظار ذلك سنظل نردد مع الشاعر الرائع عبد الرفيع جواهري هذه الأبيات الرفيعة:

السلام على قامةٍ ما انحنتْ

عندما ركعتْ جوقةُ الراكعينْ

السلامُ على صرخة علّمتْ قولَ "لا"

أمَّة الرافضين

السلام على جمرةٍ

مانزال على نارها قابضينْ

السلام على فكرة لاتزال إذا ذُكِرتْ

تُفزِع الحاقدينْ

 

ما طوينا الكتابْ

صفحةً، صفحةً

لانزال لها حافظينْ

ما طوينا الكتابْ

كيف نطوي دماً

لانزال على هدره شاهدينْ؟

دمُه بيننا

كيف ننسى دماً

كيف ننسى دم الرائعينْ؟

ما طوينا الكتاب

والسطور دمٌ

خَطَّها خنجرُ الغادرين!

 

جمال بودومة، صحفي وكاتب عربي من المغرب
منشور على موقع فايسبوك، يوم الثلاثاء 29
 تشرين الأول/أوكتوبر، 2019

 

“حماس” تؤيد العدوان التركي على سوريا وناشطون يردون!

أصدرت "حركة المقاومة الإسلامية" في فلسطين / "حماس" بياناً رسمياً، أيدت فيه العدوان العسكري التركي على الجمهورية العربية السورية. وجاء البيان بعد أيام قليلة، من "تغريدات" نشرها الناطق الرسمي لهذه الحركة "الإخوانية"، سامي أبو زهري، وقال فيها : "إن تركيا هي مهوى قلوب المسلمين في العالم".

وقالت مصادر سياسية عربية، إن بيان "حماس" قد فاجأ بعض الأوساط في "محور المقاومة" التي راهنت على تغييرات في موقف التنظيم "الإخواني" الفلسطيني من سوريا. واضافت إن البيان يؤكد أن نفوذ نظام اردوغان "الإخواني" على قيادة التنظيم لا زال قوياً. كما أن تمويل قطر للتنظيم الدولي "الإخواني" المتمركز، ودعمها لوجستياً وإعلامياً، يعزز نفوذ تركيا عليه. 

وتراجعت "حماس" عن تأييدها لقوى إرهابية وتكفيرية سورية وأجنبية قاتلت الجيش العربي السوري، وذلك تحت ضغط قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران. لكن قيادة "حماس" امتنعت عن اتخاذ موقف واضح يدعم نضال سوريا لحفظ سيادتها واستقلالها. وقال بيان "حماس" إنها تتفهم "حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي"، وذلك في اليوم الثالث على الغزو التوسعي الذي ينفذه الجيش التركي في الأراضي السيادية السورية.

وقال قطب سياسي قومي، إن الرئيس بشار الأسد ابلغ وفداً قومياً عربياً زاره أواخر عام 2017، بأن "الشعب السوري يسمي ما فعلته حركة حماس خيانة كبرى". وهذه "الخيانة" بلغت أوجها برفع خالد مشعل وقادة حماس علم الجماعات الإرهابية في المهرجان السياسي الذي نظمته "حماس" في غزة/ فلسطين المحتلة، في الذكرى الـ 25 لتأسيسها.

 

وأكد هذا القطب أن عودة "حماس" لدعم تركيا في عدوانها على سوريا، يقوض الجهود التي بذلتها إيران وفصائل فلسطينية، بل وحتى بعض قيادات في "حماس"، لـ"إصلاح" علاقاتهم بالقيادة السورية. مشدداً على أن اصطفاف "حماس" بجانب أنقرة ضد دمشق، لا يعزى إلى التزاماتها "الإخوانية" وحدها. وأضاف : إن قادة في "حماس" باتوا جزءا من "مليارديرية الحركة الإسلامية" المنتشرين في الوطن العربي والعالم. 

ويخالف موقف "حماس" مواقف قوى المقاومة الفلسطينية التي أجمعت على رفض العدوان التركي على سوريا. كما يأتي هذا الموقف منسجماً مع تأييد قطر للغزو التركي لسوريا. بينما نددت بهذا العدوان ورفضته كل الدول العربية، حيث أصدرت جامعة الدول العربية بياناً سياسياً حازماً يدعم سوريا ضد المعتدين الأتراك. 

ومن شأن الموقف الجديد المعادي لسوريا الذي أعلنته "حماس" زيادة الغضب والإستياء في دمشق وعواصم وقوى "محور المقاومة". ويضيف مصدر متابع إن التنظيم "الإخواني" الفلسطيني يخذل الشعب العربي السوري مرة جديدة. وصدرت ردود فعل عن ناشطين سياسيين في مختلف الدول العربية. أعربوا فيها عن استيائهم ورفضهم لموقف "حماس".
وقال المفكر والناشط السياسي إبراهيم أحنصال على صفحته في موقع فايسبوك : إن "حركة المساومة الاستسلامية المعروفة اختصارا بـ(حماس) تساند الغزو الاخونجي- التركي الأطلسي لشمال سوريا، وتعتبره "حق" (كذا!) تركيا في "إزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد الإسرائيلي في المنطقة"!!! حماس لا ترى في الاتفاقيات والتنسيقات العسكرية والاستخبارية والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين خليفتهم أردوغان والعدو الصهيوني أي خطر على فلسطين، بل الخطر هو في صمود الدولة السورية والجيش العربي السوري وانتصاراته بعد سبع سنوات من المقاومة، وسحقه لإمارات وجيوش" الإرهابيين. 
واعتبر أحنصال أن "بيان حركة المساومة الاستسلامية هو صرخة وجع من انهيار وسقوط الاخوان المجرمين على أكثر من جبهة". وقال مراد سالم إن قادة "حماس" 
هم "كالثعالب الماكره بل اشد من ذلك". ورأى أحمد غدّوي إن "التنظيم العالمي للإخوان متضامن مع حزب العدالة والتنمية التركي في عدوانه على سوريا، والجزيرة والقنوات القطرية تقدم للجيش التركي الدعم الإعلامي". 

مركز الحقول للدراسات والنشر
الثلاثاء، 15 تشرين الأول / أوكتوبر، 2019

بالأسماء.. جمعياتٌ يُتوهَّم أنّها غير وهميّة (عن الفساد “الجمعياتي” في لبنان)  

تصف هنادي عملها الذي غادرته بعد أسبوع فقط من بدئه، بأنّه «أبشع تجربة مهنية» مرّت بها، كونه كان عبارة عن متاجرة بمعاناة الأطفال لتحقيق الربح غير المشروع… في جمعيةٍ يصعب عليها تذكّر اسمها بشكل دقيق، كون الحادثة وقعت قبل سنوات، لكن تتذكّر جيداً أنّها تحمل اسماً دينياً روحياً. كانت هنادي تجلس الى جانب إحداهن في غرفة داخل شقة سكنية في سدّ البوشرية تداومان على الاتصال بالمواطنين، بالاعتماد على لوائح بأرقام هواتف تترأسها أرقام مشاهير وسياسيين ورجال أعمال لطلب المساعدة للجمعية، التي تدّعي أنها تُعنى بأطفال من ذوي الإعاقة…أطفال لم ترهم هنادي يوماً، وكانت كلّما سألت عنهم، يضحك من عيّن نفسه مديراً للجمعية ويقول لها «أيّا ولاد»، لحين اكتشافها الحقيقة.
هذه الجمعية وغيرها… تجعل المعاناة التي ابتلي بها البعض، جسر عبور لتحصيل الأموال، وأحياناً عبر عقود مشبوهة تشرّع بطريقة غير مباشرة هذه المتاجرة وتكون شريكة معها بطبيعة الحال.

198 جمعية
تكلّف الجمعيات المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية وعددها 198 جمعية، 13 مليار ليرة سنوياً بحسب آخر إحصاء صادر عن الدولية للمعلومات، تمّ تخفيضها الى ما يقارب الـ11 ملياراً أخيراً، وتتوزع على الجمعيات الموزعة بدورها على المناطق اللبنانية المختلفة بمعدل يتراوح بين 10 و100 مليون ليرة لبنانية.
وتستمر وزارة الشؤون الاجتماعية باعتماد السياسة نفسها في التعاقد مع الجمعيات الأهلية والهيئات الدينية بمعزل عن الانتماء السياسي أو الطائفي للوزير، وهي خطة لا يحيد عنها أي وزير بالرغم من إبداء الملاحظات على عمل هذه الجمعيات وفعاليتها ما يسبّب هدراً للمال العام. 
ولا تشهد هذه العقود تعديلات جوهرية تُذكر بحسب متابعة جداولها، بل "تتكاثر" بشكل طفيلي عاماً بعد عام، وتطور عددها من 85 جمعية في العام 2015 إلى 198 جمعية في العام المنصرم. وهي لا تخضع للرقابة الدورية، "فحجّة وزارة الشؤون التي تعاقب عليها الوزراء من كافة الانتماءات والطوائف، أنها توقّع على عقود سبق ونظرَ فيها ديوان المحاسبة، تشمل عقود إيجار، كشوفات مالية، ورُخص لدور حضانة أو مسنين، أو لمستوصفات، إلّا أنّ ديوان المحاسبة ليس لديه القدرة ولا يريد حتى أن يراقب هذه الجمعيات بعددها الكبير ميدانياً على الأرض، لأنّ معظمها تنفيعات سياسية وطائفية"، بحسب ما ينقل مصدر مطلع على واقع هذه الجمعيات لـ"الجمهورية".
"لكن الأوراق سابقة الذكر يمكن تحصيلها بسهولة، من دون وجود جمعية حقيقية بنشاط فعلي"، تبعاً للمصدر نفسه، ما يجعل هامش الخداع كبيراً "يرتفع معه المبلغ ويتقلّص تبعاً لسلطة المنتفع" بحسب المصدر.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الجمعيات تختلف عن الجمعيات الاهلية الكبيرة التي تهتم برعاية الايتام وتأهيل المعوقين والأحداث المعرّضين للخطر، وهي العقود التي بلغت بحسب الإحصاء نفسه من الدولية للمعلومات 610 عقود يستفيد منها 175,265شخصاً بكلفة 165 مليار ليرة.

"كبْسات" من الوزارة
ترفض مصادر "الشؤون الاجتماعية" التصريح عن أسماء الجمعيات الـ20 التي تمّ إلغاء العقود المشتركة معها كونها لم تلتزم الشروط والانشطة المطلوبة منها، أو الاخرى التي تمّ توجيه إنذارات لها "لتفعيل انشطتها ضمن ما هو منصوص عنه في العقود المشتركة تحت طائلة إلغاء هذه العقود في نهاية عام 2019". وتكتفي بالكشف عن القيام بزيارات استطلاعية أو "كبْسات" كما سمّتها المصادر، على عدد من الجمعيات، والتحرّي عن نشاطاتها لقطع الشك باليقين، من دون أي تفاصيلٍ أخرى.
"الجمهورية" أخذت المبادرة وقررت الاستطلاع على طريقتها، وكانت البداية من حمل أسماء عينة عشوائية من الجمعيات غير المألوفة على السمع، والتحرّي عنها عبر محرّك البحث "غوغل" ومواقع التواصل الاجتماعي، كثيرٌ من الجمعيات لم يسمع بها "غوغل" ولم تمرّ من جنبها مواقع التواصل، ما جعل منها هدفاً للبحث أكثر وأكثر.

لا نادٍ ولا مسنين
على سبيل المثال لا الحصر، تفاجأنا على الورق بوجود نادٍ للمسنين تابع للأبرشية البطريركية المارونية، نيابة صربا، يتقاضى سنوياً 8 ملايين ليرة من وزارة الشؤون. لم تجد الأبحاث الالكترونية نفعاً، فاتصلنا بأبرشية نيابة صربا، مدّعين أن لدينا مسنّاً في حاجة للإعالة، فبادر أحد موظفيها لإبداء النصيحة لنا بالتوجّه لدير مار مخايل في سهيلة. 
عند الاتصال بالدير وطلب الرقم صفر للمساعدة ردّت سكرتيرة الدير، أخذت بعض التفاصيل السطحية عن المسنّ، وأبلغتنا أن في سهيلة يوجد دار راحة ومأوى للمسنين، فادّعينا مجدداً أننا نسكن في محيط صربا ونبحث عن نادٍ للمسنين في هذه المنطقة، فكان الجواب أنّ "المنطقة كلها لا يوجد فيها دار للمسنين"، وهو الأمر الذي أكّد عليه في الدير نفسه الأب "ن.ش"، ونصحنا بمعاودة الاتصال بالرعية في صربا.
اتصلنا بالرعية فكان جواب أحد الموظفين هناك متقاطعاً مع الأجوبة السابقة "أنا إلي عمر بشتغل هون، لا يوجد مأوى ولا نادٍ للمسنين في صربا".

جمعية "مجهولة الهوية"
أيضاً، "رفيقنا" في البحث "غوغل" لا يعترف باسم "جمعية البشرى الخيرية للإنماء" وهي عبارة عن مركز خدمات اجتماعية بحسب العقود تتقاضى 13 مليون ليرة سنوياً، إلّا عبر العلم والخبر الخاص بها، والذي يخبرنا بمكان مركزها في الهرمل – حيّ المعالّي، ويخبرنا عن مهامها التي تبدأ بمساعدة العائلات الفقيرة والمرضى والمعوقين جسدياً وذوي الحاجات الخاصة وصعوبات النطق والأيتام ورعايتهم وإعانتهم وتأمين مستلزمات الحياة الكريمة، ولا تنتهي عند التعاون مع الجمعيات والمنظمات الأهلية والمدنية المحلية والدولية… كما يفيدنا برقم العقار 5231 الذي تقوم عليه الجمعية، وهو ملك علي عبد الأمير جانبيه، بتأسيس عددٍ من الأشخاص بينهم ممثل الجمعية تجاه الحكومة المدعو (أ.ع)، وهو بحسب المعلومات مدير إحدى المدارس في المنطقة نفسها (الهرمل) يقوم بتغيير مكان واسم مدرسته بشكل دوري من وقت لآخر لأسباب غير معروفة.
حملت "الجمهورية" اسم الجمعية، قصدت الحيّ المذكور، وبحثت عن الجمعية، فكان سكان الحيّ يضحكون عندما يسمعون باسمها، ويعقّبون على السؤال بقولهم: "هيدي بالهرمل… ايه بتكون وهمية". لم نترك زاوية من الحي ولا دُكاناً ولا مطعماً ولا حتى مارّاً، لكن دون جدوى، فلا شيء يدل الى وجود جمعية بهذا الاسم، ولا حتّى لافتة قديمة تفيد بوجود جمعيةً.
بعد أكثر من ساعتين وصلنا الى صاحب "دُكّان" في آخر الحيّ من عائلة جانبيه (عائلة صاحب العقار نفسه)، قفزت سنوات عمره فوق السبعين، سألناه عن صاحب العقار، خانته ذاكرته في التعرّف اليه، فاستعان بمن سمّاه "مختار العيلة" ليتبين أنّ الرجل (صاحب العقار) معروفٌ بلقبه أكثر من اسمه الثنائي، فأرشدَنا إلى حي آل جانبيه في البيادر – الهرمل حيث منزل "أبو حيدر" أي علي عبد الأمير جانبيه .
قصدنا منزل الأخير، رجلٌ ثمانينيّ، أكّد لنا أن لا جمعية بهذا الاسم في العقار الخاص به في حيّ المعالّي، وعند طرح اسم ممثل الجمعية لدى الحكومة أمامه
تذكّر أنه قام بتأجير عقاره لهذا الشخص قبل سنواتٍ لم يستطِع تحديد عددها واكتفى بالقول: "من زمان كتـيـر ما بتذكر من أيمتى".
تضع "الجمهورية" هذه المعطيات برسم المعنيين، مع الإشارة إلى أننا لسنا بمعرض اتهام هذه الجمعيات أو استهداف أصحابها، بقدر ما نقلنا مشاهدات وآراء عامة تثير الشبهات حولها… وما على الجهات المعنية إلّا التحقّق من وضعها وإعادة النظر في عقودها، ونحن ما علينا… إلا البلاغ!.

نهلا ناصر الدين، الإثنين، 29 تموز 2019
المقال منشور في جريدة الجمهورية الصادرة في بيروت

بيان ختامي : إعلاميون في مواجهة “صفقة القرن” يعقدون “لقاء بيروت”

تداعى إعلاميون عرب إلى "لقاء بيروت" لمواجهة المخاطر الكبرى لـ"صفقة القرن" على القضية الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع مؤتمر البحرين التطبيعي مع الكيان الصهيوني. وهذا اللقاء الذي انعقد، أمس، في فندق رامادا في العاصمة اللبنانية، هو بداية تحرّك إعلامي سيواكب المرحلة المقبلة في مواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية"، وقد أصدر البيان الختامي التالي : 


إن هذه الصفقة تمثل أقصى حالات الإذلال، لطيّ حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وجعله ومن يقف معه في العالم العربي، أمام أمر واقع يقضي بتهويد الأرض و"أسرلتها"، والقضاء على كل بارقة أمل بالتحرير، وذلك عبر إقامة شبه كيان فلسطيني ذليل ومخنوق في قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية، لا حول له ولا قوة، وتقديم رشوة بائسة بدولارات عربية وغطاء من دول عربية بدل ذلك، وترك القدس واللاجئين لمصير مفاوضات لاحقة مجهولة الوقت والمصير، وجرّ دول الإقليم إلى مفاوضات استسلام، ولأن الحق في الأرض الفلسطينية ملك للفلسطينيين ولجميع من قاتل من أجلها منذ أكثر من سبعين عاماً، ولأن الأرض ليست للبيع رغم كل الخيانات، ولأنها ملك من استشهد أو رحل ومن بقي وهي حق للأجيال الآتية، من النهر إلى البحر، ولأن فلسطين تضمّ مقدسات الأمة، وهي بوصلة الحرية والتحرر، ولأن أبناء هذه المنطقة دفعوا دماء أبنائهم ومالهم ومستقبلهم في سبيل تحريرها، ولأن فلسطين هي الراية والعز والمسعى والمآل والرمز لبلادنا، فإن المجتمعين اليوم يرفضون هذه الصفقة/العار، ويسعون ويطالبون بإسقاطها بكل السبل المتاحة. إننا نعتبر كل من يشارك في هذه الصفقة خائناً مهما ارتفع كعبه، وكل دولة تشترك فيها علانية أو مداورة دولة خائنة للحق الفلسطيني والعربي، ونعتبر كل وسيلة إعلامية تهلّل لها، وسيلة إعلام "إسرائيلية" عبرية، ونطالب وسائل الإعلام المقاومة بفضحها وفضح الأشخاص الداعين إليها، والدول والهيئات المروّجة لها، والقيام بحملة تجييش مستمرة ضدها. إن الوقت داهم، والموقف واجب، والساعة تتطلب لاءات: لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف، وإن التفاوض على الحق هو الباطل عينه، ما يستدعي استنفار جميع الإعلاميين الوطنيين والمؤمنين بحق الفلسطينيين في أرضهم والساعين إلى كشف الكذب "الإسرائيلي" – الأميركي – الأعرابي، ولا يزال التاريخ يثبت أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. إننا ندعو لتكثيف اللقاءات والجهود والمبادرات عبر كل الوسائل الإعلامية ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمؤسسات الفكرية ومراكز الدراسات والابحات لتأكيد أن فلسطين لأهلها وللمدافعين عن حقوقهم وستبقى ولفضح صفقة القرن وكل المشاريع المرتبطة بها.


إعلاميون في مواجهة صفقة القرن
بيروت في 21/6/2019

 

كمال الدين فخار ومشروع تفكيك الجزائر

وفاة الرئيس السابق لـ«الحركة من أجل تقرير مصير المزاب»، كمال الدين فخار، في المعتقل، أثارت موجة غضب واستنكار لدى قطاعات واسعة من الشعب الجزائري. وفخار، الطبيب، وأحد أبرز المطالبين بـ«الحكم الذاتي» في المزاب، والذي تقدّمه الصحافة الجزائرية ناشطاً مدافعاً عن حقوق الإنسان، كان قد اعتُقل لمرة أخيرة في 31 آذار/ مارس الماضي بتهمتَي «التحريض على الكراهية» و«المساس بأمن الدولة»، وقد أدان محاميه اعتقاله، واصفاً إياه بالتعسّفي، وأشاد بجسارة فخار «المستعد للموت من أجل قناعاته». وهو بات اليوم، في نظر مؤيديه، شهيداً للحرية، وكبش محرقة سلطة مستبدة. لكن الوقائع تبدو مخالفة لهذه السردية؛ ففخار الذي عانى من دون شكّ من الاختلالات في عمل النظام القضائي، هو أولاً وأساساً شهيد خياره الانفصالي.


لا أحد يستطيع إنكار تبعية القضاء الجزائري للسلطة التنفيذية، فهو خاضع لها بحسب الدستور. من تداعيات هذا الأمر أن العديد من الأحكام القضائية تضمّنت مخالفات قانونية صريحة. فاللجوء المبالَغ فيه للاعتقال الاحتياطي، والتغيرات المفاجئة في مجرى المحاكمات، كما حصل خلال محاكمة شكيب خليل، إحدى الشخصيات المقرّبة من بوتفليقة، والذي حذا حذو رئيس الوزراء الأسبق أحمد أويحيا في إبداء أسفه لاستغلال القضاء من قِبَل الأجهزة الأمنية، أثارت كذلك امتعاضاً كبيراً في أوساط الرأي العام.


لكن، إذا كان التوظيف السياسي للقضاء من أجل إسكات المناضلين النقابيين ومنع الإضرابات يسيء إلى صدقيّته كسلطة مضادة مستقلة ونزيهة، فإن المعارضة المسمّاة ديمقراطية تستغلّ هذا التوظيف لشلّ دوره تماماً. فالدعوات من قِبَلها إلى إطلاق سراح رجال أعمال أو سياسيين أو ناشطين يخضعون لإجراءات قضائية قبل بدء المحاكمة، تعني عملياً رفض الاعتراف بأي سلطة للقضاء، ودعوة إلى الفوضى قد تقضي على إمكانية الانتقال السياسي السلمي. ويأتي التعاطي الإعلامي مع قضية فخار وتحويله شهيداً ليظهر غياباً للحسّ بالمسؤولية في سياق الأزمة الحالية والمشاعر المتأجّجة. فأصدقاء فخار يتناسون أن أفكاره التي ضحّى بنفسه من أجلها، جزء من مشروع لتفكيك الجزائر.


وللتذكير فقط، فإن «الحركة من أجل تقرير مصير المزاب» التي رأسها، وهي عضو في «المؤتمر الأمازيغي العالمي» المتهم بالارتباط بالمغرب وإسرائيل، أصدرت بياناً يوضح موقفها الأيديولوجي المستند إلى الأساطير الاستعمارية عن إثنية بربرية متناقضة مع الهوية العربية. يقول البيان: «قبل استقلال الجزائر، تمتّع المزابيون بسيادة كاملة داخل مدنهم وعلى أراضيهم، بما فيه أيام الاستعمار الفرنسي، حين كانوا يدفعون سنوياً ثمن حكمهم الذاتي. ولكن، منذ عام 1962 والاستقلال المزعوم للجزائر، يتعرّض الشعب الأمازيغي في المزاب لسياسة استعمار بلا رحمة، متلازمة مع سياسة تعريب تهدف إلى خلق عقدة نقص للبربري حيال العربي وللإباضي حيال السني». كان فخار يرى أن الهوية الإباضية مهددة، ويروّج للانفصال تحت غطاء مطلب الحكم الذاتي. ينطلق خطاب فخار وأنصاره حول الصراع الإثني في المزاب من مخيال سياسي يفترض أن الأغلبية العربية، بدعم من السلطة، تسعى إلى تعديل التوازن الإثني في المنطقة عبر التوسّع على حساب المزابيين.


فخار عمل باستمرار لتأكيد فكرة أن الهوية الإباضية مهددة. فالرئيس السابق للحركة، الذي اعتُقل مرات عدة وأعيد إطلاق سراحه منذ عام 2004، هو من مقاوِلي الهوية الذين لم يتوقفوا عن السعي إلى تقسيم التراب الوطني بذريعة المطالبة بالحكم الذاتي. وعلى الرغم من أن فشل السياسات التنموية للدولة الجزائرية قد أسهم في ديمومة التوترات في المزاب، إلا أن الانقسام الوهمي بين العرب والبربر تُكذّبه الوقائع يومياً. الجذور التاريخية للصراعات بين الجماعتين المزابية والعربية مرتبطة بالعلاقات الطبقية، وبالشرخ بين العرب القادمين من أقاصي الجنوب وغير المندمجين في الشبكات الاقتصادية والمؤسساتية من جهة، وبين التنظيم الاجتماعي الممتدّ زمنياً للمزابيين من جهة أخرى. لقد سمح هذا الأخير للمزابيين بالحفاظ على موقعهم الاقتصادي المهيمن، بسبب اندماجهم المبكر في التشكيلات الاقتصادية الجديدة في منطقة التل، ومتانة نسيجهم الاجتماعي التقليدي القبلي والعائلي.


وفاة فخار أتاحت فرصة للتيار الهويّاتي البربري للترويج لخطابه الأسطوري وللخيار الانفصالي. ففي يوم حدوثها، أدانت «جبهة القوى الاشتراكية» القمع الذي تتعرّض له «الأقلية المزابية»، في محاولة لإعادة إشعال نار العنف الإثني بعد عودة الهدوء إلى مدينة غرداية، وتغلّب العيش المشترك على مساعي الفتنة منذ 22 شباط/ فبراير الماضي، حيث لم يتجاوب أهل المزاب مع دعوات العنف والفرقة.


الشعب الجزائري الذي بدأ ثورة للتحرّر من السلطوية، عليه التحوّط من المتطرفين الدينيين والهويّاتيين. وإذا كانت مثل هذه التيارات هامشية حتى الآن، فإن قدرتها على الإيذاء قد تُلحق أضراراً بالغة بالوحدة والوطنية والسيادة التي يحرص الشعب عليها. الذين يبكون فخار اليوم، الذي لم يُكفّن بالعلم الوطني بل بالراية الأمازيغية، عليهم إدراك أن إتاحة الفرصة للحركات الهويّاتية البربرية المطالِبة بالحكم الذاتي أو بالانفصال، باستغلال سياق الأزمة الراهن، لا تقلّ خطورة عن بقاء النظام السياسي السائد.

عبد الرحمن محمودي،  لينا كنوش 
الجمعة 7 حزيران 2019

من أجل Assange / أسانج

كانت كل اللقاءات التي جمعت بيني وبين Julian Assange جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس تجري في نفس الغرفة الصغيرة. وكما تعلم أجهزة الاستخبارات في مجموعة متنوعة من البلدان، فقد زرت أسانج في سفارة الإكوادور في لندن عدة مرات بين خريف عام 2015 وشهر ديسمبر/كانون أول من عام 2018. وما لا يعلمه هؤلاء المتطفلون هو كم كنت أشعر بالارتياح عندما أغادر مكان الاجتماع في كل مرة.

كنت أريد مقابلة أسانج بسبب تقديري العميق لمفهوم ويكيليكس الأصلي. فعندما كنت مراهقا أقرأ كتاب جورج أورويل "1984"، انزعجت بشدة أنا أيضا إزاء احتمال وجود دولة المراقبة التي تستعين بأعلى التقنيات وتأثيرها المحتمل على العلاقات الإنسانية. الواقع أن كتابات أسانج المبكرة ــ وخاصة فكرته حول استخدام التكنولوجيا التي تمتلكها الدول لخلق مرآة رقمية ضخمة يمكنها أن تُظهِر للجميع كل ما يعتزمون القيام به ــ كانت تبث في نفسي الأمل في قدرتنا كجماعة واحدة على هزيمة الأخ الأكبر.

عندما قابلت أسانج، تلاشى ذلك الأمل المبكر. كنا نجلس وقد أحاطت بنا خزانات من الكتب التي تضم الأدب الإكوادوري ومنشورات حكومية، ونتجاذب أطراف الحديث إلى وقت متأخر من الليل. وكان جهاز يعلو أحد رفوف الكتب يصدر ضجيجا عشوائيا يكاد يخدر العقل للتشويش على أجهزة التنصت. وبمرور الوقت، كانت غرفة المعيشة الضيقة، وكاميرات المراقبة المخفية بشكل رديء في السقف المعلق والموجهة نحوي، والضجيج العشوائي، والهواء الفاسد، يجعلني أرغب في الفرار إلى الشارع.

ظل منتقدو أسانج وكارهوه يقولون لنا لسنوات إن محبسه كان اختياريا: فقد اختبأ في سفارة الإكوادور لأنه غادر المملكة المتحدة بصورة غير قانونية لتجنب الرد على مزاعم الاعتداء الجنسي في السويد. بصفتي رجلا، أشعر أني ليس لي الحق في التعبير عن رأي بشأن تلك الادعاءات. يجب أن يُستَمَع إلى النساء عند الإبلاغ عن مثل هذا الاعتداء. فالعنف الذي مارسه الرجال ضد النساء لآلاف السنين هو الأكثر دناءة وخسة من ذلك القدر من التحقير والإهانة الذي تتعرض له النساء عندما يتحدثن عن مثل هذا الأمر.

أتذكر قولي لجوليان إن مثل هذا الاتهام لو كان موجها لي فإنني كنت لأود مواجهة من اتهمنني به، فأنصت لهن بعناية واحترام، حتى لو كانت اتهامات رسمية موجهة إليّ. وجاءني رده بأنه هو أيضا كان يود لو يفعل ذلك. قال جوليان: "ولكن يا يانيس، إذا ذهبت إلى ستوكهولم فسوف يزجون بي إلى الحبس الانفرادي، وقبل أن أحظى بأي فرصة للرد على أي ادعاءات سيلقون بي إلى طائرة متجهة إلى سجن أميركي مشدد الحراسة". ولإقناعي بوجهة نظره، أطلعني على العرض الذي تقدم به محاميه إلى السلطات السويدية والذي يقضي بذهابه إلى ستوكهولم إذا ضمنوا له عدم تسليمه إلى الولايات المتحدة بتهمة التجسس. لكن السويد لم تنظر في ذلك الاقتراح قَط.

خلال السنوات التي قضاها أسانج في سفارة الإكوادور، في ظروف اعتبرتها الأمم المتحدة "احتجازا تعسفيا"، سخر العديد من الأصدقاء والزملاء من خوفه ــ وانتقدوني بشدة لأنني أصدقه. وفي شهر سبتمبر/أيلول الماضي، لخصت المؤرخة ومفكرة الحركة النسوية جيرمين جرير هذا الاعتقاد في حديث مع الإذاعة العامة الأسترالية، فقالت بسخرية واستهزاء: "لن يُسَلَّم للولايات المتحدة"، ولامت محامي جوليان لأنهم ضللوه وجعلوه يخاف مثل هذا التسليم في حين كانوا يقومون بتحصيل حقوق كتابه.

الآن، يقبع أسانج في بلمارش، السجن الإنجليزي المشدد الحراسة ذي السمعة السيئة، في زنزانة بلا نوافذ في أحد أقبية السجن حيث الهواء أقل تجددا والإضاءة أشد إعتاما. وهو الآن ينتظر تسليمه إلى الولايات المتحدة ولا يستطيع استقبال أي زوار. "فليتعفن في الجحيم"، أظن أن هذه هي الاستجابة المتكررة من قِبَل أشخاص طيبين في مختلف أنحاء العالم الذين استشاطوا غضبا عندما نشر موقع ويكيليكس رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري كلينتون قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016، والتي تسببت في تعظيم فرص فوز دونالد ترمب. وهم يتساءلون لماذا لم ينشر أسانج أي شيء فيه إدانة لترمب أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتن؟

قبل أن أشرح لماذا يتعين على منتقديه وكارهيه أن يعيدوا النظر، اسمحوا لي أن أعرب عن إحباطي الشخصي إزاء دعمه لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهجماته الطائشة الحمقاء على منتقديه من المنتمين إلى الحركات النسوية، ومقالاته لصالح ترمب، والأمر الأكثر أهمية اتصالاته مع معاوني ترمب. وقد أعربت له شخصيا عن هذا الإحباط عدة مرات. لكن توبيخ ويكيليكس لعدم نشر تسريبات تلحق الضرر بجميع الأطراف على قدم المساواة لا يخلو من انحراف عن المقصد. تأسس موقع ويكيليكس كصندوق بريد رقمي حيث يمكن للمبلغين عن الفساد أن يودعوا معلومات صحيحة وتصب في الصالح العام. هذا هو التزام ويكيليكس الوحيد. وبحكم تصميمه، لا يستطيع الموقع التحكم في من يسرب ماذا؛ فتصميمه التكنولوجي يمنع حتى أسانج من معرفة هوية المبلغ عن فساد. وإذا كان هذا يعني أن أغلب التسريبات ستحرج القوى الغربية، فإن هذه هي الخدمة العظيمة، وإن لم تكن مكتملة، التي تقدمها لنا فكرة ويكيليكس، والتي أحبطني كثيرا تسبب مقالات جوليان الافتتاحية في الانتقاص من قيمتها.

تثبت التطورات الأخيرة أن مأزقه الحالي لا علاقة له بالمزاعم السويدية أو الدور الذي لعبه في مساعدة ترمب ضد كلينتون. ومع إرسال تشيلسي مانينج إلى السجن مرة أخرى بسبب رفضها الاعتراف بأن أسانج حرضها، أو ساعدها، على تسريب أدلة على فظائع ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، فإن أفضل تفسير لما يحدث الآن يأتي من مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأول في عهد ترمب ووزير خارجية الولايات المتحدة الآن.

وَصَف بومبيو ويكيليكس بأنها "جهاز استخبارات عدائي غير تابع لدولة". وهذا صحيح تماما. لكنه وصف دقيق بنفس القدر لما ينبغي أن يكون عليه كل مَنفَذ إخباري يحترم ذاته. وكما حذر دانيال إلسبرج ونعوم تشومسكي، فإن الصحافيين الذين يتقاعسون عن معارضة تسليم أسانج للولايات المتحدة ربما تكون أسماؤهم التالية على قائمة اغتيالات الرئيس التي تعتبرهم "أعداء الشعب". إن الاحتفال باعتقاله وغض الطرف عن معاناة مانينج المستمرة هدية ثمينة لأعدى أعداء الليبرالية.

إلى جانب الليبرالية، أوقع اضطهاد أسانج من قِبَل المجمع الأمني الصناعي الأميركي ضحية أخرى: النساء. فلن تحصل أي امرأة، في السويد أو أي مكان آخر، على العدالة إذا أُلقي أسانج الآن إلى سجن مشدد الحراسة لأنه فضح جرائم ضد الإنسانية ارتكبها رجال بشعون بغيضون يرتدون الزي العسكري أو غيره. ولن يخدم استمرار معاناة مانينج أي هدف نسوي.

إليكم إذن تصوري: علينا أن نوحد الجهود ونستجمع القوى لمنع تسليم أسانج من أي بلد أوروبي إلى الولايات المتحدة، حتى يتمكن من السفر إلى ستوكهولم ومنح من يوجهون إليه الاتهامات فرصة الاستماع إليهم. فلنعمل معا على تمكين النساء، في حين نوفر الحماية للمبلغين عن الفساد الذين يفضحون السلوكيات الشنيعة الوضيعة التي تود الحكومات والجيوش والشركات لو تظل مستترة مخفية.


YANIS VAROUFAKIS / يانيس فاروفاكيس، وزير المالية السابق في اليونان ، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.
منشور بالإنكليزية في موقع Project Syndicate يوم 6 نيسان / أبريل، 2019

انتهاك الأمن السبراني للأفراد : “إسرائيل” اخترقت تطبيق “واتساب” و”فايسبوك” تعترف!

اعترفت شركة "فيسبوك" بأنها عثرت على ثغرة أمنية كبيرة، في تطبيق الرسائل المعروف "واتساب" الذي تملكه. وقالت إن هذه الثغرة سمحت لقراصنة سبرانيين من "إسرائيل" باختراق هواتف محمولة يستخدم مالكوها تطبيق واتساب. ثم عمد القراصنة "الإسرائيليون" إلى تثبيت برنامج تجسس على هذه الهواتف. وأكدت "فيسبوك"، التي تمتلك "واتسآب"، إن الهجوم السبراني استهدف عدداً معيناً من الأشخاص، لكنها لم تحدد هويتهم. وطلبت إلى مستخدمي تطبيق واتسآب في أنحاء العالم تحديث التطبيق للحصول على آخر نسخة منه. وأكدت شركة "فايسبوك" أنها اكتشفت قبل 10 أيام أن شركة "إسرائيلية" طورت برمجيات تجسس، وأنها نقلت تلك البرمجيات إلى هواتف الأفراد عبر خاصية المكالمات الموجودة في "واتسآب".

كيف تعمل برامج التجسس؟
ووفق تقرير ديف لي، محرر شؤون التكنولوجيا في الراديو البريطاني، فإن برنامج التجسس "الإسرائيلي" يمكن المهاجمين من إجراء اتصال بشخص ما باستخدام "واتسآب"، وتثبيت برمجيات خفية على هاتفه، حتى وإن لم يرد على المكالمة. وتسمح تلك البرمجيات الخبيثة بالتجسس على الشخص المستهدف، باستخدام سماعة هاتفه ومايكروفونه. ويقول خبراء إن هذا الهجوم يحمل ملامح مشابهة لبرامج التجسس التي تطورها وكالات الاستخبارات، وهناك مخاوف من أن يكون برنامج التجسس قد استخدم لاختراق هواتف نشطاء حقوق الإنسان.
وتقول فيسبوك إن تقنية المراقبة استخدمت بالفعل في التجسس على مكالمات محامي حقوق الإنسان. وتقول شركة واتسآب إن لديها حوالي مليار و500 مليون مستخدم في أرجاء العالم، وإنها أصدرت بالفعل تحديثا للتطبيق الاثنين لعلاج المشكلة. وقالت فيسبوك إنها حذرت الشرطة في الولايات المتحدة من تلك الاختراقات. وقالت واتساب إنه لا يزال من المبكر معرفة عدد المستخدمين الذين تضرروا من الثغرة التي كانت موجودة في التطبيق.

قصة الهجوم
وكانت صحيفة فايننشال تايمز هي أول من نشر أخبار هذا الهجوم السبراني "افسرائيلي"، الذي اكتشف في وقت سابق من الشهر الجاري. واستخدم القراصنة "الإسرائيليون" في هجومهم مكالمات صوتية عبر واتساب في التواصل مع الأجهزة المستهدفة. وحتى إن لم يرد المستخدم على تلك الاتصالات، تجد برمجيات المراقبة طريقها إلى جهاز المستخدم ثم تُحذف المكالمة من سجل مكالمات الهاتف أو جهاز الاتصال، بحسب الصحيفة.
وقالت واتسآب للراديو البريطاني إن فريق الأمن السبراني التابع لها كان أول من اكتشف الثغرة وأرسل بشأنها معلومات لجماعات في مجال حقوق الإنسان، وشركات متخصصة في الأمن السبراني، ووزارة العدل الأمريكية في وقت سابق من مايو/ أيار الجاري. وقالت واتسآب في مذكرة مختصرة وزعتها على وسائل إعلام إن الهجوم "الإسرائيلي" يحمل "جميع السمات المميزة لمنتج تابع لإحدى الشركات التي تتعاون مع حكومات لإنتاج برمجيات تستخدم في السيطرة على نظام تشغيل الهواتف الذكية".
ورجحت فاينانشال تايمز أن شركة "إسرائيلية" معروفة في قطاع البرمجيات هي التي وراء الهجوم الذي تعرض له تطبيق واتساب. كما نشرت الشركة توصيات للمتخصصين في الأمن السبراني، وصفت فيه الثغرة بأنها: "ثغرة تعتمد على تجاوز سعة التخزين المؤقتة في بروتوكول الاتصال الصوتي عبر الإنترنت".

من الذي يقف وراء الهجوم؟
وقال تقرير فايننشال تايمز إن الهجوم طورته شركة الأمن السبراني "الإسرائيلية" المعروفة باسم مجموعة "إن إس أو". وتُشتهر هذه الشركة ببرنامجها الرئيسي، بيغاسوس، الذي يمكنه جمع بيانات خاصة من الهواتف الذكية، عن طريق الميكروفون وكاميرا الهاتف الذكي ورصد موقع المستخدم". وردت الشركة "الإسرائيلية" في بيان: "إنها تمنح الأجهزة الحكومية رخصة استخدام تكنولوجيا "إن إس أو" لغرض واحد فقط هو محاربة الجريمة والإرهاب".
وأضاف البيان: "لا تشغل الشركة النظام، وبعد إصدار الرخصة وعملية التدقيق التي تخضع لقواعد صارمة، تقرر أجهزة الإستخبارات وجهات إنفاذ القانون كيف تستخدم هذه التكنولوجيا لدعم جهودها للحفاظ على الأمن. كما نحقق في أي مزاعم تتضمن إساءة الاستخدام وتُتخذ إجراءات، إذا اقتضت الضرورة ذلك، قد تتضمن وقف تشغيل النظام".
وأشار البيان إلى أن "إن إس أو" لا تتدخل في تشغيل النظام أو الاطلاع على بيانات الأجهزة المستهدفة بالتكنولوجيا التي تطورها تحت أي ظرف، إذ تكون الإستخبارات وجهات تنفيذ القانون وحدها مسؤولة عن تشغيل النظام. كما لم ولن تستخدم "إن إس أو" التكنولوجيا الخاصة بها لصالحها لاستهداف أي شخص أو منظمة".

من كان من بين "المستهدفين"
وقالت منظمة العفو الدولية، التي أكدت أنها استهدفت بوسائل إلكترونية طورتها "إن إس أو"، إن هذا الهجوم يعتبر من الهجمات التي طالما خشيت جماعات حقوق الإنسان حدوثه. وقالت دانا إنغلتون، نائبة مدير التكنولوجيا في المنظمة، إن هذه الهجمات "قادرة على السيطرة على الهواتف الذكية دون اتخاذ أي إجراء". وأضافت أن لديها أدلة كثيرة على أن هذه الوسائل "الإسرائيلية" تستخدم بمعرفة أنظمة حاكمة لمراقبة الناشطين والصحفيين البارزين. وتابعت: "لابد من أن تكون هناك بعض المساءلة عن ذلك، فلا يمكن أن يبقى هذا النشاط سريا". وتعقد محكمة "إسرائيلية" في فلسطين المحتلة جلسة استماع في تل ابيب، تتناول مذكرة تقدمت بها منظمة العفو الدولية تطالب وزارة الدفاع "الإسرائيلية" بسحب تراخيص مجموعة "إن إس أو" التي تخول لها حق تصدير منتجاتها.
مركز الحقول للدراسات والنشر
قيد التحديث، الثلاثاء، 14 أيار / مايو، 2019، 14:18