التدين الشعبي في سورية (*)

يمكننا تقسيم الإسلام الشامي إلى ثلاثة أنواع:1 ـ تدين السلطة 2 ـ تدين المعارضة 3 ـ تدين الشعب. 
تدين السلطة، أو التدين السياسي الرسمي : حيث تستخدم الدولة فيه الدين كأداة للسيطرة على المجتمع وتأمين الاستقرار عبر احتكار النص الديني وتأويله، وهو خطاب يطالب المتدينين بالخضوع للحاكم وطاعة أولي الأمر وتحريم الخروج عليهم. وهو خطاب واحد لم يتغير منذ أيام الدولة الأموية وصولا إلى يومنا هذا.
تدين المعارضة: وهو تدين سياسي أيضا حيث تستخدم الجماعات المناوئة خطاباً معادياً للدولة يعتمد على تثوير الشعب ودعوته للجهاد ضد ظلم الحاكم، وهم عادة أكثر عنفا وبطشاً من السلطات الحاكمة من حيث أنهم يستدعون كل ثقافة العنف المقدس لإحلال سلطتهم، حتى لو كان تدمير النظام المدني ثمناً لذلك. هذا ولم يتغير خطاب المعارضة الدينية أيضا منذ أيام الخوارج حتى يومنا هذا. مع التنويه أن أجندة الإخونج قد جاءتنا من مصر، أما الأفكار الوهابية فقد انتشرت بواسطة السعوديين الذين كانوا يمولون ناشري الوهابية في العالم..
التدين الشعبي: هو المعتقدات والممارسات الدينية باستقلال نسبي عن المؤسسة الرسمية, ويمكن القول أن الدين الشعبي أشبه باللهجة العامية والرسمي أشبه باللغة الفصحى، ينام هذا إلى جنب ذا، ولكن العامية أقرب إلى قلوب العامة وأكثر تعبيرا عن مكنوناتهم من اللغة الفصحى الرسمية المتعالية عليهم .. وهو شديد التنوع بحسب البيئات ونظم المجتمع والأحوال الاقتصادية وأنماط المعيشة. 
ويتمركز التدين الشعبي حول المزارات والتكايا والزوايا وأضرحة الأولياء والقديسين الصالحين، ومن عناصره تدرجات القداسة، والتفسيرات الرمزية, وضعف العلاقة مع علماء الدين الرسميين, والتمسك بتقاليد مشتركة بين مختلف الطوائف مستمدة من عهود قديمة قد تعود في بعضها إلى ما قبل نشوء الديانات التوحيدية. ومن عناصره أيضا التشديد على شخصنة القوى المقدسة والوسطاء بين المؤمن والله, وعلى أهمية التجربة الروحية الذاتية والورع الداخلي, والإيمان بالعجائب الخارقة وبالبركة, والتأويل. ويتمركز التعبد حول شخص الولي والقديس أكثر منه على النصوص والتعاليم المجرّدة، حيث تسود الأمية الدينية وإيمان الفطرة والموروث الروحي عبر شيفرة روحية موغلة في القدم، و يشوب تدينهم بقايا عبادات الأسلاف منذ أن عاش أجداد السوريين القدماء على ضفاف الأنهار قبل الآف السنين.
مازلنا نشهد أقبال الكثير من السوريين على زيارة الأضرحة والمقامات وتقديم الأضاحي والنذور وتقديس الأولياء وأصحاب الكرامات، والأبراج، وتفسير المنامات، وكتابة الأحراز والحجب لفك الحسد ومنع تسلط الجن، والقضاء والقدر والكثير من الأساطير الدينية التي تمت إعادة صياغتها مرات كثيرة منذ عصر الديانات الرعوية والزراعية إلى يومنا هذا. 
ولو أخذنا مقامات سيدنا الخضر في سورية مثالاً سنرى أن تقديسه مشترك بين أتباع المذاهب والأديان، مع أن أسطورته تعود إلى ما قبل الديانات الإبراهيمية، حيث مازال الناس يزورون مقاماته إلى اليوم لتلقي العلاج الروحي والجسدي وحل مشاكلهم الدنيوية. وبالإضافة إلى مقامات الخضرالذي هو مارجرجس عند المسيحيين والبعل إله الزراعة والخصب عند قدماء السوريين، توجد مئات من قبور وأضرحة ومقامات ومزارات الأنبياء والصحابة وآل البيت والقديسين التي يتبرك بها عامة السوريين من كل المذاهب والأديان .
ومن هذا المنطلق كانت دعوتي وعملي لإدراج تاريخ الأديان في المناهج المدرسية بالتعاون مع وزارة التربية السورية، كي يتبين الجيل الجديد مشتركات الإيمان الشعبي والحكايات الدينية بطبعاتها المختلفة والمؤتلفة بين كل المجموعات الدينية ، والتي تساهم جزئيا في تماسك النسيج الإجتماعي، في الوقت الذي لعب فيه بعض فقهاء المذاهب دوراً سلبياً  فساهموا في تعميق انقسام المجتمع السوري واستثمار عصبيات طوائفهم لصالح قوى السلطة أوالمعارضة، إلى أن اندلع الصراع المقدس بين حمير الوحش المخططة بالأبيض و حمير الوحش المخططة بالأسود، على سبيل المثال لا الواقع.
إذاً يمكننا القول إن التدين الشعبي هو محصلة لتكيف تاريخي متبادل بين الرسالة الدينية وما تحويه من عقائد وعبادات وطقوس وخرافات من جهة، و الهياكل والأبنية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية للمجتمع من جهة أخرى. وهي في أغلبها ليست من الدين الرسمي أوالمعارض، وإنما تدين يصدر عن الظروف الحياتية التي تمر بها المجتمعات والأفراد، ويلزمنا إنجاز دراسات سوسيولوجية وأركيلوجية ميدانية لتأكيد ما نذهب إليه، وهو أن الناس خلال سياقات تاريخية تراكمية يؤسسون  أديانهم الشعبية التي تناسب أسلوب حياتهم ،حيث تختلف قليلاً أو كثيرا، بحسب الأقاليم التي يعيشون فيها، إلى درجة القول أنها بمثابة طبعات إقليمية للإسلام الشامي المعتدل، وهي تؤثر في الناس وتسيّر حياتهم جنباً إلى جنب مع الإسلام الرسمي المؤسس. إنه تدين مرتبط بالحياة أكثر منه بالنصوص، بمعنى أن التدين الشعبي تدين غير نصي باعتبار أن الإيمان حالة روحية أكثر من كونه منطقا عقليا.
ومن هذا المنطلق نشرت في السنة الأولى والثانية من الحرب على سورية ثماني حلقات عن الإسلام الشامي في مواجهة الوهابية السعودية، حيث أن الإسلام الشامي، إسلام أشعري صوفي معتدل بتأثير الجغرافية والثقافات التي مرت على بلاد الشام عبر تاريخها القديم، وهو سليل الطرق الصوفية الناظمة للتدين الإسلامي الشعبي. وهي تاريخيا متمردة على السلطات الدينية الرسمية ولكنها لا تطرح مشروعا سياسا مناوئا لها، إذ أن إيمانها يعمل كآلية للمصالحة مع الواقع القائم حيث الأمن والسلام هو جل ما تطلبه الطبقات الشعبية التي هاجر الملايين منها خارج سورية خلال الحرب لأنهم لم يرغبوا أن يكونوا مع المعارضة ولا السلطة ..
لا ننس العامل الإقتصادي في التدين الشعبي، حيث كانت غالبية الطبقات الشعبية السورية في الريف والبادية وأحياء المدن الهامشية فوق خط الفقر أو بمحاذاته، وكانت الدولة، التي أممت كل شيء، تدعم المواد الاستهلاكية الأساسية كالخبز والمحروقات والرز والسكر والشاي، والخدمات الصحية المجانية، والتعليم المجاني من الابتدائي حتى الجامعة ، ولكنها لم تواكب هذا التعليم بترقية الثقافة الشعبية فاكتفت بعمل موظفيها الدينيين يكررون عظاتهم قبل صلاة الجمعة عن أبي محجن وأبي الدرداء وقراءة نصوص مقدسة لايعرفون معنى أغلبها بسبب اندثار مفرداتها من التداول اليومي للناس، كما لم يهتم موظفوا وزارة الأوقاف بتحسين صورة الدولة أو نشر ثقافة المواطنة بين عامة الناس بقدر ما كانوا مهتمين بإرضاء القيادات الحزبية والفروع الأمنية التي تشرف على نشاطهم.
كما أن الكثير من هؤلاء الموظفين كانوا يكرهون مؤسستهم فتمردوا عليها عند أول دعوة لهم من قبل المعارضة الدينية التي عملت على استقطاب المتشددين من العامة وتنظيمهم وتدريبهم على القتل والتخريب، غير أنها لم تستطع استقطاب عدد كبير، كونها تحتقر التدين الشعبي وبدعه ومزاراته ومقاماته وطرقه الصوفية وموالده وحتى قبوره الظاهرة فوق الأرض، إذ عملت على تحطيمها وهدمها كما شهدنا في فصول حربنا الدامية، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من الناس للهجرة إلى كنف المناطق المؤيدة للسلطة، حيث استقبلت مدن الساحل أعداداً هائلة من سكان الداخل كما استقبلت مدينة السويداء جزءا منهم، فأقاموا فيها واندمجوا مع سكانها دونما أية حساسيات أو خلافات ثقافية مع سكانها من العلويين والإسماعيليين والدروز الذين يتبعون بدورهم طرقا صوفية إسلامية تمردت على السلطات الدينية الرسمية زمن المماليك والعثمانيين ، مما يؤكد على مشتركات الدين الشعبي بين المجتمعات السورية على مختلف مشاربها، بما فيها المذاهب المسيحية، حيث تأثر التصوف الإسلامي بالغنوصية المسيحية التي نهلت بدورها من القابالا اليهودية التي أخذت بدورها عن التقاليد الفلسفية الدينية الهرمسية التي كانت منتشرة في سورية في العصر الهلنستي .. وهذه الثقافات المتراكمة تشكل بمجملها الشيفرة الروحية الغنية للإنسان السوري.
وبالعودة إلى الطرق الصوفية الأكثر تأثيرا في الدين الشعبي السوري، يمكن الإشارة إلى الطريقة النقشبندية ثم الشاذلية ثم الرفاعية فالقادرية.. حيث لا تزال النقشبندية من أهم الطرق الصوفية، ولديها فروع عديدة من أهمها فرع الشيخ كفتارو في دمشق، ولديه امتداداته في المحافظات الأخرى، وهناك النقشبندية الخزنوية في الحسكة ولها امتدادات في بقية المحافظات وخارج سوريا.
أما الشاذلية فهي موجودة في دمشق وحلب، والطرق الرفاعية والقادرية التي يدعي شيوخها إتيان الخوارق والكرامات لها شعبية كبيرة في مدن الداخل السوري .. وهناك الطريقة الصوفية النسائية المعروفة باسم "القبيسيات" نسبة إلى منيرة القبيسي، وهي فرع من الطريقة النقشبندية، موجودة في مختلف المحافظات. وهذه الطريقة أكثر ما تكون مريداتها من غير المتزوجات، وقد انتشرت بداية في الأوساط المتميزة اجتماعيا واقتصاديا، لكن مؤخرا أصبحت تنتشر لدى الفئات الأخرى، وقد عملت السلطات على استقطابها منذ عقد من الزمان، واليوم بات اسمهن حسب تسمية الشيخ محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف "الداعيات إلى كتاب الله" وعددهن 75 ألف امرأة كما صرح أمامنا العام الماضي تحت قبة مجلس الشعب. 
يتوزع النشاط الصوفي الظاهر في سوريا حاليا بين الموالد والأذكار والمولوية وممارسة الخوارق، فبعض الطرق الرفاعية والقادرية تمارس ضرب الشيش واللعب بالنار والأفاعي وضرب الجسد بالأدوات الحادة دون أن يصاب المريد بأذى، غير أن معظم الطرق الصوفية الأخرى ترفض هذه الممارسات، ويقتصر نشاطها على مجالس الذكر والإعتكاف في المساجد.
أهم ما يميز التصوف المعاصر هو التفاف المريدين حول شيخ صوفي سواء أكان على هدى أم ضلالة، فهو باعتقادهم المرشد الديني والروحي والمخلص والوارث المحمدي. فتصوف الطرق شعبي، وعندما يصبح التصوف شعبيا، يصبح الشيخ هو الوسيط بين العبد والرب، وهذا مادعا بعض أعضاء قيادة البعث قبل الحرب بعدة سنوات للتوصية بإطلاق حرية بعض شيوخ هذه الطرق في إقامة شعائرهم والتقرب إليهم كونهم لايمثلون خطرا على السلطة..
وتشهد الطرق الصوفية في سوريا انقسامات مستمرة كلما توفر لها شخصية كاريزمية جديدة تتمرد على الأصل لتؤسس فروعا جديدة لها، ويعود ذلك في شق كبير منه إلى النزاعات التي تنشأ على "الخلافة" بعد موت شيخ الطريقة، وهذا ما حدث مثلا في الطريقة الخزنوية النقشبندية  التي تنازع فيها العم والابن على خلافة الشيخ المتوفى، وكان من نتيجة ذلك ولادة فرعين جديدين للطريقة كل منهما تعرف باسم شيخها الجديد.
أخيرا نذكر أنه لا يوجد أية درإسات حول التدين الشعبي في سورية، كما أن الدراسات التي اطلعنا عليها واستعنا بها حول التدين الشعبي في مصر والمغرب شحيحة، وبالتالي لا نستطيع التوسع في مثل هذا النوع من القراءات ومن ثم الاستنتاجات والتوصيات من دون تمويل دراسات ميدانية تعمل على تبيان المشتركات الثقافية والدينية والاجتماعية التي أبقت على تماسك النسيج الاجتماعي السوري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) التدين الشعبي والتدين الرسمي ودورهما في ترميم أو تمزيق نسيج المجتمع السوري" عنوان ورقة العمل التي شاركت بها في ورشة عمل بناء السلم الأهلي التي انعقدت مؤخرا في بيروت بحضور نخبة من المثقفين ورجال الدين  السوريين واللبنانيين: أنقلها لكم لمناقشتها وإغنائها.

نبيل صالح، 18 تشرين الأول/أوكتوبر، 2018
آخر تحديث الساعة 14:34

 

هل الفتوى توقيع عن الله عز وجل؟ (2 ـ 2)

أود أن أوضح حقيقة هامة قبل أن أتوقف عند عنوان كتاب الإمام ابن القيم – رحمه الله -: «إعلام المُوقعين عن ربِّ العالمين» أنّ علماءنا الأوائل قد اجتهدوا بقدر ما حملوه من علمٍ وفكر، ولكن لا يعني أنّ كل ما قالوه صواب غير قابل للنقد والمراجعة، وبيان ما فيه من أخطاء إن كانت هناك أخطاء فيما ذهبوا إليه، فهم ليسوا بأنبياء معصومين من الخطأ، وهذا لا يُقلِّل من قيمتهم ومكانتهم العلمية، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل الفتوى توقيع عن الله، كما قال الإمام ابن القيِّم؟.
وجوابًا عن هذا السؤال، أقول:
أولًا: إنّ الإمام الجليل ابن القيم قد خانه التوفيق في هذا المسمى، لأنّه لا يجرؤ مخلوق التوقيع عن الخالق جل شأنه، وإن كان الله جل شأنه لم يُفوّض أنبياءه ورسله، المعصومين من الخطأ للتوقيع عنه، فكيف يُفوِّض الإمام ابن القيم البشر بذلك؟، فالله جل شأنه هو العالم بقصور فهمهم وبتحكم الأهواء في بعضهم، وعدم تحررهم من موروثات مجتمعاتهم الفكرية والثقافية في الجاهلية، والتي لم يتحرر منها الإمام ابن القيّم ذاته؛ إذ نجده قال في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، إنّ السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته، حاكم عليها، وهى تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير». (ابن القيم: إعلام الموقعين، ج2 ص 106. طبعة بيروت سنة 1973).
فهل هذا هو حكم الخالق، حتى يُعطى لقائله حقّ التوقيع عنه جلّ شأنه؟.
ثانيًا: قد حدّد الله مهام أنبيائه ورسله التي لا تتعدى عن البلاغ والإنذار، ولنقرأ معًا هذه الآيات:
﴿يا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.. (المائدة:67).
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.. (الأحزاب:38-39).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[النحل:125]
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.. (آل عمران:159).
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.. (الإسراء:105)
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.. (سبأ: 28)
﴿تبارك الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.. (الفرقان:1).
﴿فإن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).. (النحل:82).
﴿ومَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.. (النور:54).
فلا توجد آية في القرآن الكريم فيها تفويض من الله لأنبيائه بالتوقيع عنه، بل نجده جلّ شأنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.. (القصص:56)
ويقول جل شأنه: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.. (يونس: 99-100).
ثالثًا: لو اعتبرنا الفتوى توقيعاً عن الله فهي تكون ملزمة وليست مُعلمة، مع أنّها مُعلمة.
رابعًا: إنّ الإنسان لا يحق له التوقيع عن أخيه الإنسان إلّا بتوكيل منه على ذلك، فهل الله وكّل المُفتين بالتوقيع عنه؟.
خامسًا: إن كانت الفتوى توقيعاً عن رب العالمين، فهذا يعني أن تُنسب للخالق جل شأنه كل الفتاوى الخاطئة والتي تقلل من شأن المرأة وتسلبها كثيراً من حقوقها، وتنتقص أهليتها، إلّا عند تطبيق الحدود والقصاص والتعزيرات عليها، وفيما عدا ذلك تجعلها تحت الوصاية الذكورية من الميلاد إلى الممات.. وكذلك الفتاوى التكفيرية التي تستبيح دماء من يُكفَّرُون


إن ھذا یعني أن الفتاوى التكفیریة تُنسب إلى الله جل شأنه، والتي تدعو إلى قتال غیر المسلمین إلى أن تقوم الساعة، للفھم الخاطئ للجھاد، الذي فسروه بمقاتلة المناوئ للدعوة، الذي لا یرید أن یدفع الجزیة، والذي لا یُریدك أن تنشر الإسلام، ھذا ھو فھمھم لقول النبي صلى الله علیھ وسلم: أمرت أن قاتل الناس حتى یشھدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ویقیموا الصلاة، ویؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءھم وأموالھم، إلا بحق الإسلام، وحسابھم على الله تعالى).. (رواه البخاري ومسلم).
فھذا الحدیث تنفي صحته كل آیة من الآیات التالیة:  
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (يونس 99 ـ 100).  ) ) 
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف 29)، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون 6)، لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ (الرعد 31)، 
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ(القصص 56)،  إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ (الشورى 48)، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية 22).
فأخذوا بھذه الروایة لاعتقادھم بصحة جمیع أحادیث الصحیحین، ولقولھم بأن ھذه الآیات بقیت تلاوتھا ونُسخ حكمھا، فھل ھؤلاء الذین جعلوا علاقة المسلمین بغیرھم من الأمم على اختلاف أدیانھم ومعتقداتھم في قتال معھم إلى أن تقوم الساعة یملكون حق التوقیع عن الله، وما یفتون به یخالف حكم الله، وقوله : 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات 13).
إضافةً إلى مخالفة الحدیث للواقع التاریخي، فھو لا یتفق مع «صحیفة المدینة» التي كانت بینه – علیه الصلاة والسلام – وبین سكان المدینة، وقد تضمنت بنودھا احترام حریة التدین لسكان المدینة على اختلاف دیاناتھم.
كما لا یتفق مع واقع الحروب التي خاضھا النبي – صلى الله علیھ وسلم – مع مشركي مكة والیھود، فقد كانت حروبًا دفاعیة، ولیست ھجومیة. وقد ارتكب كتَّاب السیرة والمؤرخون القدامى والمحدثون خطًأ فادحا بإطلاقھم على حروب كفار قریش ویھود المدینة وخیبر للرسول – صلى الله علیھ وسلّم – بغزوات الرسول، فھو لم یغزُ، وإنّما صد ھجوم الغزاة.
وھم بقولھم ھذا، یُعززون فریة نشر الإسلام بحد السیف، لأنّھم حصروا مفھوم الجھاد في سبیل الله بالقتال في سبیل نشر عقیدة التوحید، ومجاھدة الكفار بدعوتھم وقتالھم. فالإسلام لم ینتشر بالقتال، وإنّما بحسن المعاملة، بدلیل دخول كثیر من البلاد الآسیویة والإفریقیة في الإسلام عن طریق التجار المسلمین، فلم تكن غایة الفتوحات الإسلامیة فرض الإسلام، وإنّما كانت غایتھا حمایة دولة الإسلام في الجزیرة العربیة من الأخطار التي تُھددھا من الإمبراطوریتین الفارسیة والرومانیة. فقد أمن الفاتحون المسلمون سكان البلاد المفتوحة على أدیانھم وكنائسھم ومعابدھم وأموالھم، حتى اللغة العربیة لم تُفرض علیھم، بدلیل أنه لم یتم تعریب الدواوین إلا في سنة مئة ھجریة، أي بعدما تعلَّم سكان البلاد المفتوحة اللغة العربیة نتیجة اختلاطھم بالقبائل العربیة التي رافقت الجیوش الفاتحة، واستقرت في تلك البلاد واختلطت بسكانھا، وتصاھرت معھم.
فھل الذین یتصدون للفتوى یُعتبرون موقِّعين عن رب العالمین لمجرد أن الإمام «ابن القیِّم» قرر ذلك، وبعضھم یترك آیات قرآنیة بدعوى نسخھا لعدم فھمه آیة : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 106)، ویستند على أحادیث ضعیفة وموضوعة لمخالفتھا للقرآن الكریم؟.. بل نجد بعضھم قد أفتى بفتاوى تُخالف القرآن الكریم مخالفة صریحة، والأمثلة كثیرة، سأوضح بعضا منھا في الحلقة القادمة -إن شاء الله- فللحدیث صلة. 
سهيلة زين العابدين حماد، كاتبة عربية من المملكة العربية السعودية 
suhaila_hammad@hotmail.com

نشر المقال على حلقتين في :
صحيفة المدينة، يومي السبت 29 أيلول/سبتمبر 2018 ـ السبت 6 تشرين الأول / أوكتوبر 2018.
رابط الحلقة الأولى :
https://www.al-madina.com/article/591042
رابط الحلقة الثانية :
https://www.al-madina.com/article/591948

المقاومة والإرهاب : من أوصل داعش إلى قطاع غزة لتقتل المقاومين؟

رأى مصدر سياسي فلسطيني إن التفجير الإرهابي الذي استهدف مقاتلي حركة حماس / "حركة المقاومة الإسلامية" في فلسطين المحتلة، صبيحة يوم الخميس 17 آب / أغسطس 2017، شرق معبر رفح على الحدود الفلسطينية ـ المصرية، يحمل دلالات سياسية واستراتيجية كبيرة. وقال إن هذا التفجير الإرهابي حدث بعد خطوتين قامت بهما قيادة حماس الجديدة : 
ـ الأولى، التوقيع على اتفاقات سياسية وأمنية مع مصر، لمعالجة مشكلات السلطة في قطاع غزة وفي رام الله، وضبط أمن الحدود مع سيناء، والتعاون في مكافحة الإرهاب التكفيري  
ـ الثانية، زيارة وفد قيادي إلى إيران، لاستعادة الثقة مع محور المقاومة، خصوصاً في سوريا ـ لبنان. حيث تداخلت خطوط المواجهة مع الإرهاب الصهيوني والإرهاب التكفيري منذ عام 2011.
وقال المصدر إن التفجير الإرهابي يوم أمس، هو من عواقب الخط السياسي لرئيس المكتب السياسي السابق خالد مشعل، الذي ورط حماس في مواجهة مع محور المقاومة في سوريا وفي الإقليم، رغم المكانة الخاصة لكتائب عز الدين القسام فيه. وهذا التفجير دليل واضح على أن التحالف الأطلسي ـ "الإسرائيلي" ـ الخليجي الذي يدعم ويشغّل الجماعات الإرهابية، قد بادر لتحريكها، لأنه أدرك أن حماس تسعى للتخلص من تبعات مرحلة مشعل وآثارها المدمرة على القضية الفلسطينية.
ولفت إلى أن التفجير يدل على انتشار تيار التكفير في فلسطين المحتلة، لا سيما في قطاع غزة، وفي الأراضي المحتلة عام 1948. وهذا هدف صهيوني استراتيجي. وقال لم يكن هذا الإنتشار ليحصل لولا أن "الإخوانيين" خالد مشعل ورائد صلاح، قد كَفَّرا حكومة الجمهورية العربية السورية، وبعض مذاهب المسلمين. كما شجعا الشباب الفلسطيني على ترك المقاومة ضد العدو الصهيوني، والتوجه لقتال الجيش العربي السوري وقوات المقاومة اللبنانية في سوريا.  
وأشار إلى أن التفجير الإنتحاري الإرهابي ضد موقع لكتائب القسام كان يمنع تسلل الإرهابيين إلى مصر، هو رسالة سياسية إلى القيادة الجديدة لحماس، بأن أميركا ـ "إسرائيل" وأذنابهما، ما زالوا يحبذون خط مشعل ـ صلاح "الإخواني"، وأنهم يعادون خطها المقاوم، ولا يروقهم سعيها للخروج من دوامة الهزائم التي أصابت جمعهم في سوريا ـ لبنان، وفي العراق. 
وختم بأن القيادة الجديدة في حماس التي تشدد على مركزية القضية الفلسطينية في الأمة العربية وفي دول المسلمين، باتت معنية مباشرة، بمواجهة الإرهاب التكفيري، في فلسطين وسوريا ولبنان ومصر والعراق، والجزائر وتونس، وأنها يجب أن تطور أدواتها الفكرية وإمكانياتها السياسية، بما في ذلك تحالفاتها، ومواردها العسكرية، لهزيمة هذا الإرهاب وداعميه ومشغليه.    
وكان الإرهابي الذي يعتقد بأنه من عناصر الدولة الإسلامية " داعش، قد فجر نفسه عندما قامت قوة امنية من جهاز "الضبط الميداني" بتوقيفه مع شخص آخر كان برفقته، بينما كانا يقومان بالتسلل من غزة إلى الأراضي المصرية. وتسبب الإنفجار باستشهاد أحد عناصر "الكتائب"، وجرح خمسة آخرين. 
واعلنت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس استشهاد القائد الميداني فيها نضال الجعفري، متأثرا بجراحه الخطيرة التي أصيب بها خلال التفجير قرب الحدود مع مصر. وقالت إن الجعفري  (28 عاما) توفي إثر تفجير أحد عناصر "الفكر المنحرف" نفسه في القوة الأمنية على الحدود الفلسطينية ـ المصرية برفح. واكدت القسام انها لن تتواني في الدفاع عن شعبها وحماية مشروع المقاومة من كافة التهديدات ومواجهة الفكر المنحرف.
وذكرت تقارير فلسطينية أن آلاف المواطنين في محافظة رفح جنوب قطاع غزة، أمس الخميس، شاركوا في جنازة تشييع جثمان القائد بكتائب القسام الشهيد نضال الجعفري (الصورة) الذي ارتقى بتفجير انتحاري قرب الحدود الفلسطينية ـ المصرية الليلة الماضية، وسط حالة من الحُزن والاستنكار.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الجمعة، 18 آب/ أغسطس، 2017

مواجهة «التشيّع اللندني» والخطوة الأولى المطلوبة!

طرح السيّد علي خامنئي مصطلح التشيّع اللندني مشيراً إلى خطورة الخطاب الصادر من فضائيّات موصوفة تبثّ من المملكة المتّحدة وتتحرّك على خطّين: الفتنة المذهبية بين الشيعة والسنّة، إضافة إلى توهين رموز الوعي والعقلانيّة في الداخل الشيعي. ومن الواضح أنّ هذا المصطلح قد صيغ بذكاء من أجل عدم استفزاز شرائح موجودة في قلب المجتمعات الإسلامية والشيعية بالخصوص، تتحرّك في خطابها على الخطّين نفسيْهما المذكوريْن أعلاه، وخطابها يقوم على استثمار الجانب العاطفي والطقوسي المرتبط بمناسبات أهل البيت (ع) ولا سيّما عاشوراء لدى جمهور المسلمين الشيعة، وهذا ما يُفسح في المجال لمعالجات هادئة أو أقلّ توتّراً – ربّما -.

 

في كلّ الأحوال، فمن الجليّ أنّ خطورة هذا الاتّجاه من التشيّع لا تقتصر على بعض الطقوس الخرافيّة في إحياء عاشوراء، بل خطورته الحقيقيّة تكمن في المنهج الفكري وتأثيراته البعيدة المدى على التشيّع نفسه من جهة، وعلى العلاقات البينيّة بين المسلمين من جهة ثانية، وانعكاس هذين الأمرين على القضايا والتحدّيات الكبرى التي تواجه المسلمين في علاقتهم مع القوى المستكبرة في العالم أو في الإقليم. وفي ظنّي أنّه ما لم يتمّ وعي هذا اللون من الخطر فإنّ المعالجات تبقى معالجات سطحيّة وأحياناً صوتيّة، لتعود عجلة الأمور إلى مسارها المعتاد، والأزمة ذاتها!
وعلى سبيل المثال والإشارة السريعة، فإنّ هذا المنهج – الذي ينطق بنتاجِه إعلامُ «التشيّع اللندني» – يقوم على سطحية التفكير الديني، وطقسنة التشيّع التي تعني تفريغه من مضمونه الحضاري العقلاني القادرة على التواصل والعبور إلى الفكر الآخر وإمكانيّة التوصّل من خلال ذلك إلى صوغ أرض مشتركة، ويقوم أيضاً على المنطق التبريري لما هو قائمٌ ويقومُ وسيقومُ لأيّ ظاهرة ينتجها التعصّب ضدّ الآخر المذهبي خصوصاً، أو لأيّ بدعةٍ طقوسيّة يمكن أن تقوم بها أي ذهنيّة مهما كانت ساذجة أو مسيئة، إضافةً إلى الانتقائيّة من روايات التاريخ التي تشتمل على الغثّ والسمين، بغية تسخير ذلك لضرب العلاقات الأخويّة بين المسلمين، وتكريس آليّات الفصل عبر السبّ واللعن والقذف لكثير من رموز ذلك التاريخ وشخصيّاته. وهذا كلّه ليس عبارة عن مفردات محدودة، وإنّما عبارة عن ذهنيّة وثقافة عابرة للأجيال والمجتمعات.
لن أتناول هنا بعض الآثار التي لها علاقة بمنح ذرائع مجّانيّة للاتّجاهات التكفيرية لتعيث في الأرض فساداً وتدميراً وإجراماً؛ لأنّ هذه الاتّجاهات لا تحتاج إلى تبريرات، فهي نشأت على فكرٍ إقصائيّ نهائيّ يقيني لا يتزلزل، وتقوم على منهج انتقائي أيضاً من التاريخ أو من الإعلام أو من الكتب بما يخدم تعزيز النهج الإقصائي والتكفيري؛ ولكنّ المصيبة تكمن في أنّنا قد لا نلتفت إلى الحاجة القصوى في سحب الذرائع من أجل محاولة وضع حدّ لامتداد هذا الاتجاه التكفيري في الأجيال الآتية؛ أقلّه لنُعذر أمام الله تعالى في قيامنا بكلّ ما نملك لضرب بعض أدواته التي يسوّق من خلالها للفكر التفكيري جيلًا بعد جيل.
ولأهميّة هذه النقطة الأخيرة يبدو لزاماً علينا توضيحها باختصار فنقول: إنّ الأجيال تختلف في أدواتها وتتأثّر بالكثير من المستجدّات الثقافية، والتي منها أنّها باتت – بفعل الاتجاه العالمي – أكثر تقبّلاً للاختلاف، وأكثر شعوراً بحضور الحوار كآليّة من آليّات العصر الضروريّة، وأكثر انفتاحاً على المنهج العلمي في مقاربة القضايا المتنوّعة، هذا المنهج الذي يمكن سحبه إلى الاختلاف الديني والمذهبي دون عناءٍ كبير قياساً بزمان المجتمعات المغلقة، ولذلك يبدو أنّ سحب الذرائع يعين على تثبيت هذه المكتسبات الثقافية واستثمارها في ترسيخ ذهنيّة مختلفة عن ذهنيّة الماضين في التعاطي مع قضايا الأمّة وتحدّياتها. في المقابل، فإنّ زيادة إذكاء نار العصبية المذهبية بحجّة تسجيل نقاط على الخصم أو شحن العصَب الاجتماعي أو الجهادي، يعطي ذريعة وبيئة مؤاتية للجيل الأوّل لإعادة قولبة الجيل الثاني في قالب التعصّب وإلغاء الحوار والتفكير العلمي الناقد والانفتاح على الآخر… بل ربما تكون هذه النتيجة أخطر؛ لأنّ الأدوات التي لدى الجيل الثاني هي أكثر تطوّراً وفتكاً من تلك التي كانت بيد الجيل الأوّل!

 

مساران داخل التشيّع

 

إذا بنينا على النقطة السابقة، فإنّ الإشكاليّة التي نواجهها حاليّاً هي في الزمن المتاح والأدوات الضرورية للمعالجة العلمية والثقافية؛ ذلك أنّ كثيراً من الفئات الموجودة على الساحة الشيعية، والتي تنتمي بشكل وبآخر للاتجاه الواعي والعقلاني، ولديها قيم ثابتة في قبول الآخر والانفتاح عليه، ولديها خبرات متراكمة في إدارة الاختلاف والحركة السياسية وبناء الدولة وفهم آليّات الصراع الكبرى الدائرة على المسرح العالمي… هذه الفئات ليس لديها الوقت ولا الأدوات الكافية لذلك.
ولتوضيح هذه النقطة نحتاج إلى العودة قليلاً إلى الوراء، لنلاحظ أنَّ ثمّة مسارين فكريّين كانا يتشكّلان في المجال الإسلامي الشيعي (1):
المسار الأوّل: اتّجاه قادته جهات علمائيّة حركيّة تملك فكراً عقلانيّاً ناقداً، وشجاعة تجديدية عالية، وروحاً وحدويّة متّقدة وراسخة، وتطلّعاً نحو مشروعٍ إسلاميّ حركي عالمي، قادر على الانخراط بقوّة وفاعليّة في النشاط الفكري والحركي العالمي. نستطيع الإشارة إلى رموز أساسيّين في هذا الاتّجاه، منهم السيّد محمد باقر الصدر الذي نقل الفقه من فقه الأحكام إلى فقه النظرية المترابطة، وكان يعتبر أنّ ساحته هي العالم كلّه وأطروحاته الكبرى، فكتب في تأسيس النظرية الإيمانية في مقابل الإلحاد الذي كان يسوّقه الاتحاد السوفياتي آنذاك، وكتب في النظرة الاقتصادية في الإسلام في مقابل الرأسمالية والشيوعية، وكان يكتب في سنن التاريخ الذي تحكم المجتمعات والحضارات… إضافة إلى انطلاقه بعمل حزبيّ لم يكن ذا سابقة في المجال الشيعي، ولكنّه عكس انخراط الفكر الإسلامي الحركي المستند إلى القاعدة الفقهية في قلب آليّات العصر الحديث.
أُعدم الصدر على يد النظام البعثي العراقي، في الوقت الذي كان يتمّ فيه اغتيال رموز مشابهة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كالشيخ مرتضى مطهّري والسيّد محمد حسيني بهشتي اللذين كانا صلة الوصل بين الحوزة والجامعة، وحركة الثورة وفكر الدولة، وكانا يملكان الأدوات التي تسمح بتواصلهما المباشر مع الفكر الغربي.
بكلمة مختصرةٍ، كان يتمّ اغتيال النُّخب الإسلامية الفكريّة في الوقت الذي كان يصعد فيه النموذج الذي يُظهر مكانة التشيّع في قلب الحركة الفكرية والسياسية العالمية؛ إذ من نافل القول إنّ أيّ فكرٍ عندما يتهيّأ أن يتبنّاه نموذج سياسي، كالحزب أو الدولة، فإنّه سيكون أشدّ حضوراً ووضوحاً من بقائه في ساحة النظريّة المجرّدة.
وواحدٌ ممّن بقي فاعلاً من ذلك الاتّجاه على الساحة الفكريّة كان السيّد محمّد حسين فضل الله، الذي سنأتي على ذكر مساهمته لاحقاً. إلّا أنّ المهمّ في هذا المجال هو الإشارة إلى ما تلقّاه السيد فضل الله من عمليّات اغتيال معنوي، عبر أحكام التكفير بلغة الرمي بالضلال والمروق من التشيّع وما هو أبعد من ذلك، وقد ساهمت فيها مرجعيّات دينية عليا ومؤسّسات وشخصيّات لها اسمُها وحضورها على الساحة، بما سمح بالحديث عن تلك المرحلة التي بدأت منتصف التسعينيّات من القرن الماضي وحتّى الآن بـ«فتنة فضل الله». وهذا كان يشير إلى المسار الثاني.
المسار الثاني: هذا المسار يغاير في بنيته الحركية المسار الذي اتّخذه «التشيّع اللندني» الآنف الذكر في كثير من نواحي النظريّة، ولكنّه التقى في المنهج ذاته من الناحية العمليّة، انطلاقاً من أنّ ذلك المنهج هو الورقة الرابحة في الحرب التي شُنّت على السيّد فضل الله وأفكاره. إنّه المنهج الذي يعتمد الإثارة العاطفيّة، والانتقائيّة من التاريخ، والعودة إلى الأدبيّات التي تجاوزها المسار الأوّل، والتي تضرّ بوحدة المسلمين وتقوية منعتهم أمام التحدّيات والفتن التي يسعى إليها الاستكبار العالمي وأدواته.

 

تواضع أدوات المواجهة

من الناحية العملية، كان يعني التقاء منهجين على مصلحة واحدة، وتسخير الأدوات المتنوّعة التي أسعفهما إيّاها التطوّر التقني والتواصل الرقمي والإعلامي، إضافة إلى استحواذ ذلك على نقاشات وجهود مؤسّسات معرفية، كان يعني ذلك تفريغاً للساحة من نتاج المسار العقلاني، وتشابه المناهج من الناحية العملية لدى ذهنية العامّة أو الجمهور، وأصبح للمنهج الذي ينطق بنتاجه «التشيّع اللندني» حصّة في ثقافة الجماهير حتى تلك التي تخالفها نظريّاً أو في التوجّه الحركي. وعلى هذا المسار كانت تتشكّل ذهنيّة الكثير من النُّخب الفكرية والسياسية والدينية، وهي ذاتُها النُّخب التي سيكون على عاتقها مواجهة إشكاليّات كُبرى بعد دخول المنطقة في فتنة مذهبيّة طخياء عمياء، سُخّرت لأجلها أدوات إعلامية وأجهزة مخابرات ومراكز دراسات وأبحاث، وبالتالي كنّا أمام ضعف في التراكم الحقيقي للنخب الفكرية التي انفتحت على ساحة الصراع الفكري العالمي والديني والمذهبي دفعة واحدة. ونحن نعلم أهمّيّة المراكمة في الأزمنة الباردة لامتلاك القدرة والأدوات الذاتيّة على المواجهة في الأزمنة الحارّة.

 

وفي مقابل ذلك نُدرك أنّ المواجهة المطلوبة لـ«التشيّع اللندني» تتطلّب بيئة فكرية واجتماعية وسياسيّة تغيّر في الأرضيّة المجتمعيّة التي يستطيع ذلك الاتجاه المتطرّف اللعب فيها على عاطفة النّاس الولائيّة لأهل البيت لتكريس ذلك المنهج الذي أشرنا إليه وآثاره على ذهنية الجماهير وحركة العلاقات الشيعية الداخليّة. ولا يكفي فيها إطلاق بعض الفتاوى والمواقف الآنية ولو كانت من قيادات عُليا لها حضورها وتأثيرها، ولا بدّ من تحوّل تلك المواقف إلى حركة مؤسّسيّة، وأن يحوز على تبنّي الأطر الوسطى من النخب الدينية والفكرية خصوصاً، والتي يقع على عاتقها تثقيف القاعدة الشعبية بتوجّهات القيادات، وحلى امتلاكها للأدوات اللازمة؛ لأنّها اقتاتت طويلاً على ما كان يقدّمه المسار الثاني، وهو في حاجة إلى وقت أطول لتغيير آثاره على الفكر والأسلوب والحركة.

 

مراجعة ومصالحة

 

إنّ طبيعة التحدّيات، الداخلية والخارجية، تقتضي بناء شبكة علمية ومؤسّسية وبشرية قويّة قادرة على سدّ أي فراغ في المنظومة الثقافيّة، ونعتقد أنّ الخطوة الأولى لبنائها تبدأ بإجراء مراجعة ومصالحة. أمّا المراجعة فهي لمرحلة ماضية، وهي ما اصطُلح عليه بـ«فتنة فضل الله»، التي ما زالت تداعياتها مستمرّة إلى يومنا هذا، وتؤثّر على شبكة العلاقات فيما بين النخب المنتمية، إعلاناً أو قَهراً، إلى المسار الأوّل، أي المسار العقلاني في الفكر والحركة. وإنّما نحتاج إلى مراجعة انطلاقاً من أنّ السيد فضل الله لم يكن يمثّل شخصاً، وإنّما مثّل امتداداً لذلك المسار الذي أشرنا إلى بعض رموزه أعلاه، والذي عمل في مرحلة أعطت الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية أدوات الامتداد الكبير في الواقع العربي والإسلامي والعالمي، ما جعله ممثّلاً للاتّجاه القادر على أن يكون صلة الوصل بين الفكر النظري والحركة الواقعية، وصلة الوصل بين الأصيل من الفكر والفقه وبين المعاصر من القضايا والإشكاليات، ونقطة ارتكاز في فكر الانفتاح على الآخر من موقع الالتزام الصارم بالإسلام، وفي الوحدة الإسلامية من موقع القناعة التامّة بالتشيّع، وشكّل نقطة تقريب بين المجال الديني والعلمي من داخل النسق الديني نفسه، إضافة إلى تفكيكه بين المتلازمات التي أنتجها التعصّب على مستوى التاريخ والحاضر، أو القضايا العقدية والشرعية والاجتماعية والتاريخية وما إلى ذلك… وفي الوقت نفسه أكمل تنظيره للحركة الإسلامية في دخولها في قلب العصر، وفي عمق التحدّيات العالميّة، بما لا يزال الكثير منه بكراً على مستوى التجلّي في عالم التطبيق والمأسسة على نطاق واسع.
ناهيك عن تغطية السيد فضل الله لمساحات فارغة من المقاربات الفقهية أو الفكرية الجادّة والعلمية في مقاربة قضايا الشباب والمرأة والعلاقة بين الحرية والتديّن، والإلحاد والإيمان، والعلمانية والشريعة، وغيرها من القضايا التي تضغط بقوّة على شبابنا، وتشي بتغيّر المزاج والاتجاه في كثير من تلك القضايا بسبب التحدّيات التي يواجهها الجيل الحالي من دون أسلحة كافية، نتيجة الحُرُم الذي وضعه الجوّ الضاغط على فكر السيّد فضل الله من أكثر من جهة.
من نافل القول الأرضيّة ما مثّله السيّد فضل الله في حال وجوده من نقطة التقاء الحركات الإسلامية على تنوّع مذهبيّاتها؛ بل إنّ السيد فضل الله استطاع اختراق الساحة السلفيّة، عبر نزع الكثير من الذرائع التي تتسلّح بها لتكفير الشيعة، من دون أن يتنازل عن مفاهيم تشكّل نقاطاً حرجة لتلك الساحة، كقضية التوسّل والشفاعة وزيارة القبور وما إلى ذلك. كانت إعادة تعريف المفاهيم وإنتاجها من خلال المنهج العلمي العقلاني كفيلة بنزع الفتائل، وهذه الحركة مطلوبة في حدّ ذاتها حتّى لو لم يكن هناك تكفير أو آخر مذهبي بالكليّة.
والأهمّ من ذلك كلّه أنّه أرسى دعائم منهج في التفكير الفقهي والفكري، يعيد تصويب المرجعيّات الفكرية الإسلامية، حيث القرآن يأتي أوّلاً، من دون أن ينسف الحديث كما يحلو للبعض أن ينظّر اليوم، ولكنَّ القرآن يمثّل المرجعية المعيارية التي يُقاس عليها المضمون الذي تزخر به كتب الحديث، ممّا باتت إشكاليّاته على الملأ من خلال المنهج التقليدي الذي أنتج الفكر التكفيري، وهو ينتج ازدواجيّة في الشخصية الدينية إلى حدّ ما بين الداخل والخارج. هذا الأمر يشكّل اليوم تحدّياً رئيساً أمام أن يكون الإسلام أو لا يكون.
ثمّة نقطة جوهرية لها صلة بالواقع الحركي على مستوى القضايا الكبرى؛ ذلك أنّ السيّد فضل الله لم يخلط بين ما يتعرّض له من حملات تضليليّة وتكفيرية ظالمة ولم يسمح لأي اختلاف فكري أو فقهي أو سياسي في تلك القضية أو غيرها، لأن يلقي بظلاله على احتضانه للمرجعية الدينية – كمؤسّسة وخطّ – لكونها تمثّل عموداً فقريّاً في الاجتماعي الإسلامي الشيعي بالرغم من تعرّضه لفتاوى تكفير من بعضها، أو على دفاعه عن النموذج الحديث للدولة الإسلامية المرتكزة إلى تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران على الرغم من انخراط جهات فيها في الحرب عليه، وفي دعمه لحركة المقاومة المتمثّلة في حزب الله في لبنان بالرغم من حركة الانفصال الفكري عن السيّد فضل الله التي استفادت من هذه الحرب الظالمة عليه… هذا المنهج لا نحتاج إلى كثير عناء لرؤية ضرورته في زمن اتّساع الذهنية الفردية في التعبير التي تخلط بين المشاعر الشخصية والقضايا الكبرى، بحيث يكون الفرد فيها منتمياً إلى حركة إسلامية وفي الوقت نفسه هو مستعدٌّ لأن يطيح في تعبيراته بحركات إسلامية أخرى أو بمؤسّسات كبرى أو لأن يفرّط بقضايا كبرى لها تاريخها؛ لمجرّد الاختلاف الفكري أو المذهبي.
لا يعني ذلك اختزال طاقات الساحة بشخص السيد فضل الله، ولا انعدام النخب الفكرية والثقافية والدينية القادرة على الإنتاج والإبداع، ولكنّه كان عنوان مسار، وجسر عبور ضروري إلى المرحلة القادمة من تاريخ أمّتنا، ولا أتحدّث هنا عن التشيّع من زاوية مذهبية ضيّقة، وإنّما عن التشيّع كمسار إصلاح وتجديد مستمرّ في الأمّة، وهو الدور الذي لعبه خلال التاريخ لمن كان لديه أدنى تدبّر.
كما لا يعني ذلك حصر المراجعة والمصالحة بفصائل أو جهات تمّت الإشارة إليها ضمن المقال، فإنّ الواقع كلّه في مساحة الوجود الإسلامي الشيعي بات يُظهر خللاً في البنية والدور، انطلاقاً من طبيعة الخطاب الديني في مقاربة قضايا العصر، أو من طريقة جهات نافذة في التعبير عن صراع المصالح، أو في النموذج الديني نفسه الذي يُعمل على ضربه من خلال مخطّطات متنوّعة، وتنخرط فيه – من حيث تدري أو لا تدري – جهات عديدة إذا قسنا المسألة على حركة المجتمعات وعمر الأجيال.
إنّ الفتنة السياسية الضاربة أطنابها في العالم اليوم، والتي تتّخذ من الاختلاف المذهبي غطاءً لها، هي أرضيّة خصبة لذلك اللون من التشيّع المتطرّف والمغالي والخرافي، والتصالح مع المرحلة الماضية والبناء عليها يوفّر جهوداً ووقتاً كبيرة في المراكمة من جديد من الصِّفر وربما من تحت الصِّفر لأدوات المواجهة الفكريّة، ويوحّد الطاقات المنخرطة أصلاً في تيّار الوعي والعقلانيّة، ليتكوّن تيّار في الأمّة، ليس بالضرورة أن يكون حزبيّاً، وإنّما هو التيّار الذي أراده السيّد الخميني عندما دعا إلى المزاوجة بين الحوزة والجامعة، وعندما نفثَ زفرات أنينه وألمه من العقول المتحجّرة في الحوزة العلمية التي فوّتت على الجمهورية الإسلامية الاستفادة من أرضية صالحة لتكريس النموذج الإسلامي للدولة.
وإنّ المصالحة تلك سوف تقطع الطريق على كثير من الولائيّين المزعومين بالصّعود على سلالم القبول السياسي أو الديني التقليدي، وسوف يخفّف من حدّة الأصوات الحادّة التي قد تكون ردّة فعل على حالة المظلومية المستمرّة لفكر السيّد فضل الله، وربّما سوف يفضح تلك الأصوات التي تستغلّ فكره لتصفية حسابات سياسة على أكثر في أكثر من ساحة، في مشهدٍ ما زال يوحي ببساطة التعاطي مع هذا اللون من التداعيات والآثار، رافضاً مقاربة تعقيداتها التي حاولنا أن نشير إليها في هذه المقالة.
على أعتاب عامٍ مليء بالتحدّيات الكبرى، والاهتزازات البنيويّة المتنوّعة التي يواجهها المجال الإسلامي على اختلاف تنوّعاته المذهبية، هي كلماتٌ أشبه ما يكون بجردة حساب، لعلّها تفتح أفقاً نحتاج معه إلى جهود جبّارة في السنة أو السنوات المقبلة، لإعادة إنتاج الأمّة القويّة والقادرة على مواجهة تحدّيات القرن الـ21 وكلّ الحروب الناعمة النائمة في أدراج أجهزة المخابرات ومراكز الدراسات أو المفعّلة على أرض الواقع منذ زمن طويل لم نلتفت إليه حينها؛ والله من وراء القصد.
 

جعفر محمد حسين فضل الله
أستاذ حوزوي وجامعي عربي من لبنان
الأربعاء، 11 كانون الثاني، 2017
 

 

بعد “غروزني” : مؤتمر موسكو يبحث “من هم أهل السُنَّة والجماعة”؟

تستضيف موسكو أعمال المؤتمر الدولي لتقريب المذاهب الإسلامية وبحث الأصداء التي ترددت بعد صدور “فتوى غروزني” التي حددت من هم السنة وأقصت السلفية من أهل السنة والجماعة.

وحررت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا رسالة مفتوحة علقت من خلالها على “فتوى غروزني”، ونشرتها وكالة “نوفوستي” الروسية جاء فيها: “نشهد منذ القرون الأولى للهجرة تعاظم الفرقة بين المسلمين والتي خلصت إلى طعن فرق مسلمة في إسلام فرق أخرى.

الفرقة التي دبّت بين مسلمي العالم توسطت الأسباب التي حالت دون طرح المسلمين الرد المناسب على التحديات التي أبرزتها الحضارة الأوروبية بين القرنين الـ18 والـ20، كما كانت بين مسببات الأزمة الفكرية والدينية التي تمخضت عنها تنظيمات على شاكلة “داعش”، و”القاعدة”، و”جبهة النصرة”.

وأكدت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا في رسالتها أن “مؤتمر موسكو المنعقد الثلاثاء 18 أكتوبر/تشرين الأول يسعى إلى تلمّس الأساس المشترك بين مختلف المذاهب الإسلامية”، وسوف يركز على “إيجاد أسس شرعية أعمق للحوار وسبل صياغة المعايير القانونية والدينية لتحديد صفة “المؤمنين”.

مجلس المفتين في روسيا من جهته، أصدر بيانا خاصا أوضح فيه موقفه تجاه “فتوى غروزني” التي وصفها بـ”غير المكتملة”، مشيرا إلى أن “الفتاوى من قبيل تلك الصادرة عن مؤتمر غروزني لا يمكن الجزم المطلق في تقييمها والبت بصددها بنعم أو لا”.

وحث مجلس المفتين استنادا إلى ذلك على “ضرورة حوار علمي يشمل سائر مسلمي روسيا وكافة الأطراف المعنية وذات الشأن”.

يشار إلى أن جمهورية الشيشان الروسية نظمت في أغسطس/آب الماضي برعاية رئيسها رمضان قديروف مؤتمرا دينيا بعنوان “من هم أهل السنة”، شارك فيه لفيف من علماء الدين الإسلامي بمن فيهم شيخ الأزهر أحمد محمد الطيب، وأثار حفيظة الكثير من الأوساط الإسلامية، وحمل الأزهر على إصدار بيان خاص وضح فيه ما بحثه المؤتمر.

وورد في بيان الأزهر: “لقد تابع شيخ الأزهر ما أثير على بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي حول توصيف من هم أهل السنة والجماعة، وأبدى اهتمامه بردود الأفعال التي أثارتها توصيات المؤتمر”.

وأكد الأزهر في البيان، أن الطيب أشار في كلمته للأمة خلال المؤتمر إلى أن مفهوم أهل السنة والجماعة يطلق على الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث.

وأضاف: أهل السنة ثلاث فرق هي الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وعن العلّامة مرتضى الزبيدي قوله: “والمراد بأهل السنة هم أهل الفرق الأربع: المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية، معربا بذلك عن وضوح موقف الأزهر في هذه القضية.”

هذا، ويشارك في مؤتمر موسكو المكرّس لفتوى غروزني والذي سيستمر حتى الـ20 من هذا الشهر، ممثلون عن الهيئات الإسلامية في روسيا وإيران وتركيا وبلدان أوروبا ورابطة الدول المستقلة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

مؤتمر غروزني : “من هم أهل السنة والجماعة”
وكان مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة.. بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا وأثر الانحراف عنه عن الواقع» المنعقد في مدينة غروزني، المنعقد في عاصمة الشيشان، في نهاية شهر آب الماضي، بحضور أكثر من 200 عالم ومفتٍ من مختلف الدول العربية والإسلامية والغربية، قد دعا العالم الإسلامي إلى التوقف عن الجدال والتنظير والانشغال بصغائر الأمور والقضايا، لتفويت الفرصة على الجماعات الإرهابية الذي تستغل ذلك لصياغة مناهجها التدميرية.

واعتبر المشاركون في مؤتمر غروزني إن هذا الحشد من العلماء المجتمع في الشيشان «سوف يسهم بشكل جاد في إطفاء الحرائق والحروب اللاإنسانية، التي تتخذ من أجساد العرب والمسلمين وأشلائهم فئران تجارب دموية، وتشعلها أنظمة استعمارية جديدة تقدم بين يدي نيرانها نظريات شيطانية مرعبة». وأكد المشاركون أن «خطط هذه الأنظمة الماكرة بدأت تزحف على ثقافات الناس ومعتقداتهم ومقدراتهم التاريخية والحضارية وتخضعها لمعايير ثقافة عالمية واحدة».

وقد شاركت مصر في فعاليات مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة..» بالعاصمة الشيشانية، بوفد رفيع المستوى من علماء الأزهر ترأسه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. وتوجه الدكتور الطيب، الذي يرأس أيضاً «مجلس حكماء المسلمين»، إلى فعاليات المؤتمر قائلاً : أن اضطراب مفهوم «أهل السنة والجماعة» أطمع آخرين من المتربصين بهم بتصويب سهامهم نحو هذا المفهوم وتشويه سيرته، والافتراء عليه بأنه المسؤول عن الجرائم الإرهابية التي تقترفها الجماعات التكفيرية المسلحة.. وهؤلاء المفترون هم أول من يعلم أن هذه الجماعات التكفيرية بتصرفاتها البشعة المنكرة لا تمت إلى «أهل السنّة والجماعة»، وأغلب الظن أن هذه الفئة قد اتخذت من هجومها على مفهوم أهل السنّة والجماعة غطاء لتحقيق أغراض سياسية ومكاسب طائفية وأطماع توسعية لإذكاء نوازع الفرقة بين المسلمين، وبعث لفتن طواها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ، ونشر لثقافة الحقد والكراهية.

وقال الدكتور أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، أن «مؤتمر الشيشان هدفه إلقاء الضوء على المشكلات التي تحيط العالم الإسلامي في مسائل العقائد والأفكار التي يتم استغلالها من التيارات الإرهابية المتطرفة في صياغة مناهجها التدميرية»، مشددًا على أن التكفير والتفجير يسيران على قدم وساق.. وفى المقابل المؤسسات الدينية المعنية لم تدرك اللحظة الفارقة، مما أنتج فراغا زمنيا فارقا في مسيرة التكفير، وملاحقته من المختصين بنشر الدين الوسطى وصحيح العقائد.

وأوضح شيخ الأزهر أن مفهوم «أهل السنة والجماعة» حسب منهج التعليم بالأزهر، يُطلق على أتباع إمام أهل السنّة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والمعتدلون من فقهاء الحنابلة، وهذا المفهوم بهذا العموم الذي يشمل علماء المسلمين وأئمتهم من المتكلمين والفقهاء والمحدثين وأهل التصوف والإرشاد، وأهل النحو واللغة أكده قدماء الأشاعرة أنفسهم منذ البواكير الأولى لظهور هذا المصطلح بعد وفاة الإمام الأشعري، ثم هو ما استقر عليه الأمر عند جمهرة علماء الأمة عبر القرون التالية، وهذا هو الواقع الذي عاشته الأمة لأكثر من ألف عام، حيث عاش الجميع في وحدة جامعة استوعبت التعدد والاختلاف المحمود، ونبذت الفرقة والخلاف المذموم.

وألقى قادة وعلماء الشيشان والقوقاز كلمات خلال مؤتمر غروزني أعلنوا فيها عن سعادة جموع الشعب الشيشاني بزيارة وفد الأزهر، مؤكدين أن شيخ الأزهر هو إمام أهل السنة والجماعة، وخطب الدكتور إبراهيم الهدهد رئيس جامعة الأزهر، خطبة الجمعة، وتحدث عن أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورحمته مع المسلمين وغير المسلمين، بل حتى مع أعدائه الذين آذوه ثم عفا عنهم بعد تمكنه منهم في فتح مكة، مضيفا أن «هذه الأخلاق حددت مسلك الوسطية والاعتدال في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو النهج الذي سار عليه علماء المسلمين على مختلف العصور».

وأكد المشاركون في المؤتمر، أن هناك بعض القوى الإقليمية والدولية تحاول خلق صراعات طائفية ومذهبية في الدول العربية والإسلامية، لخدمة أعداء الأمة ومصالحها الضيقة. وقال الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء بمصر خلال مشاركته بمؤتمر الشيشان، إن أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الأزهر، هم أهل الحق الذين لم يكتفوا بإدراك النص، بل اهتموا بإدراك الواقع، ولم يكفّروا أحدا من أهل القبلة، ووفقوا بين العقل والنقل وتعايشوا مع الآخر.

وكالات، 18 تشرين الأول/ أوكتوبر 2016

الإسلام والوهابية : الإفتاء المصري يجيز تسمية “عبد النبي” و”عبد الرسول” رغماً عن السعودية

أجازت دار الإفتاء المصرية، تسمية الأشخاص بـ”عبد النبي وعبد الملك وعبد الرسول”، مستدلين على ذلك بتغيير النبي (صلى الله عليه وآله) اسم شخص “قبل اسلامه” من “عبد شر” الى “عبد خير”.

وأفادت دار الافتاء انه روى ابن السّكن من طريق محمد بن عثمان بن حوشب، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما أن أظهر اللَّه محمدا أرسلت إليه أربعين فارسا مع عبد شر، فقدموا عليه بكتابي، فقال له: ما اسمك؟ قال: عبد شرّ.

قال: بل أنت عبد خير فبايعه على الإسلام، وكتب معه الجواب إلى حوشب ذي ظليم، فآمن حوشب، ولو كان الاسم مخالفا أو لا يجوز، ما أسماه الرسول (صلى الله عليه وآله) بعبد خير.

ويوضح الحديث المستند عليه في فتوى الدار، إنه جرى عليه العمل سلفا مع ضرورة الانتباه إلى أن هناك فارقا في الوضع والاستعمال بين العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى وبين العبودية التى لها في اللغة معان متعددة.

خلافا لمشايخ الوهابية في السعودية .. الافتاء المصري يجيز التسمية بـ"عبد النبي" و"عبد الرسول"

وتعني كلمة عبد في اللغة “الطاعة والخدمة والرق والولاء” وتسمى عبودية أو عبدية ولا تسمى عبادة فإذا أضيفت كلمة “عبد” إلى الله تعالى كان معناها غاية التذلل والخضوع، كعبد الله وعبد الرحمن، وإذا أضيفت إلى غيره أمكن حملها على معنى: رقيق فلان أو خادمه أو مولاه أو مطيعه، وذلك تبعا للسياق والقرينة التى تحدد المعنى اللغوى، وهذا هو ما نص عليه أئمة اللغة وأهلها كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس.

وفي ذات السياق، يرى مراقبون أن هذه الفتوى مخالفة لما ذهب فيه، مشايخ الديانة الوهابية في السعودية، الذين زعموا أن ثمة إجماع على تحريم التسمي بعبد النبي وعبد الرسول.

egypt-iftaوورد في نص فتوى مفتي السعودية الوهابي الشيخ عبد العزيز بن باز المنشورة على موقعه الرسمي قوله إنه “لا يجوز التعبيد لغير الله -جل وعلا-، لا يجوز له أن يتسمى عبد النبي، ولا عبد علي، ولا عبد حسين، ولا عبد جبرائيل، ولا عبد الرسول، ولا عبد القمر، ولا عبد الشمس، التعبيد لله وحده -سبحانه وتعالى-، يسمي عبد الله، قال ابن حزم: أجمع العلماء- اتفق العلماء- على تحريم التعبيد لغير الله، حكاه محمد بن حزم إجماع العلماء أنه لا يجوز التعبيد لغير الله، فلا يجوز أن يقال عبد الحسين، ولا عبد علي، ولا عبد الحسن، ولا عبد شمس، ولا عبد القمر، ولا عبد النبي، ولا عبد الرسول.

وكالات، 19 أيلول / سبتمبر 2016

رسالة إلى مؤتمر غروزني ـ الشيشان : “من هم أهل السنة والجماعة ..”؟

رسالة إلى السادة العلماء المؤتمرين في غروزني:
بارك الله بكم وبجهودكم
إن اجتماعكم المبارك هذا تحت عنوانه الموفق اختياره لهو من النصر المكين والفتح المبين..
ولكنني مع صغري في العمر والقدر أمامكم أقول:

إن المؤتمر لن يقدم ولن يؤخر شيئا في الفكر العام للمسلمين اليوم والخلط والتدليس الواقع بينهم في معرفة من هم أهل السنة والجماعة، حتى يصدر بيان من المؤتمر موقع من الجميع، دون استثناء، تقررون فيه بدعية ابن تيمية في عقائده من تجسيم ونحوه وضلالاته عن أهل السنة والجماعة وفقهاً وفكراً …

وليكن ذلك البيان سيراً على خطى من سلفكم من العلماء لا سيما من كانوا في زمانه كـ”ابن جماعة والسبكي والعسقلاني والهيتمي والحصني…”.
إن قراراً مثل هذا هو الذي يحيي مؤتمركم ويضع له المكانة التاريخية وإلا فإنه سيكون كسائر المؤتمرات التقليدية التي تزيد همّ الأمة ولا ترفع شأنها..

إن الشباب المسلم أمانة في اعناقكم كثيرون جدا هم الذين ينتظرون قراراً فصلاً منكم ولا بد من الفصل فلم تعد تنفع المجاملات ولا حتى الورع بل إني أرى أن الورع بعينه هو إخراج مثل هذا البيان لحماية الشباب المسلم من الإرهاب السلفي وأنتم تعلمون جميعاً أن كل بلاء الأمة اليوم وكل دمائها في صحيفة من أصّل للإرهاب والتكفير وهو ابن تيمية وما ابن عبد الوهاب إلا طالب نجيب عمل بوصايا وفتاوى شيخه…

سادتي العلماء:
ننتظر منكم هذا الفصل لننتهي من الهزل….
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد باسم دهمان…استنبول.

أرجو ممن يقدر إيصال هذه الرسالة إلى السادة العلماء…. مأجوراً إن شاء الله.

السبت، ‏27‏ آب‏، 2016
المصدر :
https://www.facebook.com/alshykh.basmdhman/posts/1063678113711330?pnref=story

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤتمر غروزني : «من هم أهل السنة والجماعة .. »
وكانت تقارير صحفية قد تحدثت عن أن مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة.. بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا وأثر الانحراف عنه عن الواقع» المنعقد في مدينة غروزني، عاصمة الشيشان، بحضور أكثر من 200 عالم ومفتٍ من مختلف الدول العربية والإسلامية والغربية، قد دعا العالم الإسلامي إلى التوقف عن الجدال والتنظير والانشغال بصغائر الأمور والقضايا، لتفويت الفرصة على الجماعات الإرهابية الذي تستغل ذلك لصياغة مناهجها التدميرية.

واعتبر المشاركون في المؤتمر إن هذا الحشد من العلماء المجتمع في الشيشان «سوف يسهم بشكل جاد في إطفاء الحرائق والحروب اللاإنسانية، التي تتخذ من أجساد العرب والمسلمين وأشلائهم فئران تجارب دموية، وتشعلها أنظمة استعمارية جديدة تقدم بين يدي نيرانها نظريات شيطانية مرعبة». وأكد المشاركون أن «خطط هذه الأنظمة الماكرة بدأت تزحف على ثقافات الناس ومعتقداتهم ومقدراتهم التاريخية والحضارية وتخضعها لمعايير ثقافة عالمية واحدة».

وتشارك مصر في فعاليات مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة..» بالعاصمة الشيشانية، بوفد رفيع المستوى من علماء الأزهر ترأسه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. وتوجه الدكتور الطيب، الذي يرأس أيضاً «مجلس حكماء المسلمين»، إلى فعاليات المؤتمر قائلاً : أن اضطراب مفهوم «أهل السنة والجماعة» أطمع آخرين من المتربصين بهم بتصويب سهامهم نحو هذا المفهوم وتشويه سيرته، والافتراء عليه بأنه المسؤول عن الجرائم الإرهابية التي تقترفها الجماعات التكفيرية المسلحة.. وهؤلاء المفترون هم أول من يعلم أن هذه الجماعات التكفيرية بتصرفاتها البشعة المنكرة لا تمت إلى «أهل السنّة والجماعة»، وأغلب الظن أن هذه الفئة قد اتخذت من هجومها على مفهوم أهل السنّة والجماعة غطاء لتحقيق أغراض سياسية ومكاسب طائفية وأطماع توسعية لإذكاء نوازع الفرقة بين المسلمين، وبعث لفتن طواها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ، ونشر لثقافة الحقد والكراهية.

وقال الدكتور أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري وكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، أن «مؤتمر الشيشان هدفه إلقاء الضوء على المشكلات التي تحيط العالم الإسلامي في مسائل العقائد والأفكار التي يتم استغلالها من التيارات الإرهابية المتطرفة في صياغة مناهجها التدميرية»، مشددًا على أن التكفير والتفجير يسيران على قدم وساق.. وفى المقابل المؤسسات الدينية المعنية لم تدرك اللحظة الفارقة، مما أنتج فراغا زمنيا فارقا في مسيرة التكفير، وملاحقته من المختصين بنشر الدين الوسطى وصحيح العقائد.

وأوضح شيخ الأزهر أن مفهوم «أهل السنة والجماعة» حسب منهج التعليم بالأزهر، يُطلق على أتباع إمام أهل السنّة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والمعتدلون من فقهاء الحنابلة، وهذا المفهوم بهذا العموم الذي يشمل علماء المسلمين وأئمتهم من المتكلمين والفقهاء والمحدثين وأهل التصوف والإرشاد، وأهل النحو واللغة أكده قدماء الأشاعرة أنفسهم منذ البواكير الأولى لظهور هذا المصطلح بعد وفاة الإمام الأشعري، ثم هو ما استقر عليه الأمر عند جمهرة علماء الأمة عبر القرون التالية، وهذا هو الواقع الذي عاشته الأمة لأكثر من ألف عام، حيث عاش الجميع في وحدة جامعة استوعبت التعدد والاختلاف المحمود، ونبذت الفرقة والخلاف المذموم.

وألقى قادة وعلماء الشيشان والقوقاز كلمات أعلنوا فيها عن سعادة جموع الشعب الشيشاني بزيارة وفد الأزهر، مؤكدين أن شيخ الأزهر هو إمام أهل السنة والجماعة، وخطب الدكتور إبراهيم الهدهد رئيس جامعة الأزهر، خطبة الجمعة، وتحدث عن أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورحمته مع المسلمين وغير المسلمين، بل حتى مع أعدائه الذين آذوه ثم عفا عنهم بعد تمكنه منهم في فتح مكة، مضيفا أن «هذه الأخلاق حددت مسلك الوسطية والاعتدال في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو النهج الذي سار عليه علماء المسلمين على مختلف العصور».

وأكد المشاركون في المؤتمر، أن هناك بعض القوى الإقليمية والدولية تحاول خلق صراعات طائفية ومذهبية في الدول العربية والإسلامية، لخدمة أعداء الأمة ومصالحها الضيقة. وقال الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء بمصر خلال مشاركته بمؤتمر الشيشان، إن أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الأزهر، هم أهل الحق الذين لم يكتفوا بإدراك النص، بل اهتموا بإدراك الواقع، ولم يكفّروا أحدا من أهل القبلة، ووفقوا بين العقل والنقل وتعايشوا مع الآخر.

مركز الحقول للدراسات والنشر
السبت، 27 آب/ أغسطس 2016

ما هو سر بئر زمزم وماذا كتب المجاهد عمر المختار على اللوحة التي رماها فيه؟

يقع بئر زمزم في الحرم المكي على بعد 20 مترا من الكعبة المشرفة، ويضخ هذا البئر 18 ليترا في الثانية الواحدة، ويبلغ عمقه 30 مترا. وتزعم بعض الآراء أن فريقاً من العلماء نزل إلى بئر زمزم لتحديد منابع الماء، لكن البوصلة تعطلت ولم تعمل، ولم يتمكنوا من تحديد اتجاهات المنابع. لكن خبراء عرب نفوا ذلك، وقالوا إن مياه بئر زمزم تأتي من صخور قاعية تكونت من العصور القديمة، وذلك عبر ثلاث تصدعات صخرية تمتد من الكعبة المشرفة والصفا والمروة وتلتقي في البئر.

وقد نزل إلى البئر غطاسون أحضروا كاميرات فيديو للتصوير، حيث وجدوا أشياء كثيرة سقطت في البئر، واستخدم الغطاسون أنابيب الأكسجين فوجدوا أوان نادرة، وعملات لم يتمكنوا من معرفة تاريخها، بالإضافة إلى قطع من الرخام، وأخرى كان يكتب عليها الأسماء ثم ترمى في البئر. وفي العقائد الإسلامية أن ملائكة السماء هي التي حفرت هذا البئر، لكي يستسقي منها النبي إسماعيل عليه السلام ووالدته هاجر، حينما كان رضيعاً. كما تذكر بعض الروايات أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قد اغتسل بماء هذا البئر أيضا.

وقال أحد الخبراء المشرفين على البئر التاريخي : “وجدنا أثناء عمليات تنظيف البئر نقود معدنية وأباريق شاي، وقرون عظمية تحمل نقوشا وأعمالا سحرية. وكان من بين ما وجدنا في البئر قطعة من الرخام كتب عليها المجاهد الليبي عمر المختار (رب حقق ما في نفسي!) “.

ويقول أحد المشرفين على عملية التنقيب داخل البئر، إن كل 50 سم كانت ترجعهم 50 سنة للوراء، ولكنهم في الأخير وجدوا البئر عموديا وفي النهاية يأخذ ميلا باتجاه الكعبة، وهذا الجزء كله عبارة عن نقر في الصخر، وأصبح هذا العمق الصخري كخزان ماء يتجمع فيه ماء زمزم.

وقد لوحظ أنه بعد نزول الغطاسين إلى البئر وأخذهم عينات من ماء زمزم من داخل المصادر التي تأتي من اتجاه الكعبة الشريقة للتحليل، تبين أن هذه العينة لا يوجد فيها أي نوع من الميكروبات الموجودة في المياه العادية.

وقد تبين وفقاً لدراسات الخبراء أنه عندما تهطل الأمطار على مدينة مكة ويسيل الماء في وادي إبراهيم، يزداد منسوب مياه بئر زمزم زيادة طفيفة. ولكن عندما تهطل الأمطار على المناطق المحيطة بمكة كالطائف وغيرها تزداد المياه زيادة عظيمة في بئر زمزم. ومعنى هذا أن المصدر الأساسي للبئر هو الجبال المحيطة بمكة والتصدعات الصخرية الموجودة فيها.

وكالات، الأحد 26 حزيران/يونيو 2016