قضايا “الثورة اللبنانية” : “ثويرة الواتسآب” في لبنان (3)

بعد أسبوعين على الانتفاضة الشعبية التي شهدتها كافة أرجاء لبنان الكبير المُحتفل بمئويته، تتضح بعض الأمور بينما يظل بعضها غامضاً، إما لأنها لا تزال تتطوّر، أو لأنها تجري بعيداً عن أضواء الكاميرات.

سارع البعض، منّي وهلم جراً، إلى نزع تسمية الواتسآب عن الانتفاضة بحجة أنها أكبر من انزعاجٍ من رسم عشرين سنتاً بكثير، وأن المشكلة نتيجة تراكم عقود من التجويع البطيء والانهيار السريع لدولة مافيوية في ظل النيوليبرالية اللعينة التي تحكمنا منذ نهاية الحرب الباردة، وفلسفات أخرى من هذا النوع. لكن بعد التدقيق في مجريات الأحداث كان الواتسآب هو الاستفزاز الأكبر والمحفّز الرئيس للأحداث، وكان تجاهل هذا الدافع من العوامل التي أخمدت زخم هذه الانتفاضة.
الواتسآب في لبنان بشكل عام، ولدى الطبقة العاملة بشكل خاص، هو أكثر من تطبيق للتواصل وتبادل الرسائل عبر الهواتف الذكية. «الواتس» هو المساحات العامة الغائبة في كافة مدننا والتي تسمح للأشخاص من ذوي الاهتمامات المشتركة بأن يتلاقوا من دون دفع رسوم دخول باهظة. الاختلاط البشري المباشر أصبح نادراً هذه الأيام وإن وجد فهو حكرٌ على الطبقات الميسورة، وهنا نتكلم عن الاختلاط الذي يُخرجك من تقوقعك ويسمح لك بتطوير الذات وتوسيع الأفق. فاليوم، في مدننا، تحول الاختلاط البشري إلى «بزنس» ويدفع من يقدر مالاً للتعرف إلى شريك في حلقات Speed Dating، أو لـ«السولفة» و«طقّ الحنك» في جلسات حكواتي أصبحت تسمى Story Telling، أو للسعي لتحقيق أحلام مهنية في ما يسمى DreamMatching، أو لاختبار المواهب في مناسبات الميكروفون المفتوح Open Mic، أو غيرها من التقاليد التي تهبسترت (من Hipster) وترسملت (من الرأسمالية) واحتُكرت (من Monopoly) من قِبَل فقاعة طبقية تضيق باستمرار. وغالباً ما تغيب الرقابة عن هذه المساحات ويتمتع روادها بحريات ليست متاحة لمن هم خارج هذا النادي. إذاً «الواتس» هو مساحة بديلة بعيدة عن رقابة دولة تحتضر لا تقوى إلا على المهمّشين. شاهدنا التعبير عن هذا الكبت عندما فتحت شاشات وميكروفونات التلفزة إذ تدفقت صراحةٌ تامة ومشاعر حقيقية لا يعتاد المرء في عصرنا رؤيتها «Live» (على الهواء مباشرة).
هذه المساحة هي أيضاً بديل النقابات لجيلٍ لا يعمل في وظيفة ثابتة. وبديل العمل الحزبي في فترة تاريخية تُختزل فيها السياسة بسطورٍ إعلانية وهاشتاغات. كما هي مساحة انتقام من الظلم والقمع الممارسيْن يومياً في حقهم. فهناك على سبيل المثال مجموعات على «الواتس» لأصحاب الدراجات النارية يحذر عبرها بعضُهم البعض من حواجز التفتيش الطيارة التي تنصبها قوى الأمن لضبط واحتجاز الدراجات النارية المخالفة والتي غالباً ما تكون مصدر رزق صاحبها. هذه المجموعات ليست عابرة للطوائف والانتماءات الحزبية فحسب، بل هي أيضاً لا تعترف لا بسايكس ولا ببيكو ولا بحدودهما. وإذا وسّعنا البيكار، فإن الواتسآب هو المساحة التي تجمع العائلات المشتتة حول العالم بحثاً عن قوتٍ، والتي لا يرى فيها حاكم مصرف لبنان (وفق ما قال في مقابلته الأخيرة مع شبكة «سي إن إن») إلا تحويلاتها بالعملة الصعبة الضرورية لتدعيم هرمه الورقي المتهالك.
ضريبة محمد شقير، الذي تدل كل تصريحاته على أنه يقطن في خندقٍ غميقٍ بعيدٍ عن البشر لا تصله إلاّ ثلّة من أمثاله، لم تكن امتداد يدٍ ناهبة إلى جيوب الناس بل كانت اعتداء سافراً على آخر المساحات التي تخصهم. وجاء الرّد على هذا الاعتداء فوراً مستهدفاً بؤرة الشقيريين، وهي أراضي وسط بيروت المحتلة من قبل شركة سوليدير غير الشرعية والتي لا تبعد إلاّ خطوات عن خندقٍ غميقٍ مأهول بكثير من البشر. قُمع المنتفضون بالغاز المسيّل للدموع والهراوات والرصاص المطاطي، ثم امتطى انتفاضتهم مندسو الطبقة الوسطى والذين هم أيضاً لديهم الكثير من المطالب المحقة في ظل فشل كامل للنظام القائم.

هنا أيضاً برز جيلٌ من الشباب «المتعلّم» في جامعات خاصة، والذي يدرك أن هذه الدولة تنهبه ولا تنصفه وهو مقتنعٌ أنه يستحق أكثر ممّا يقدّم له لأنه مطّلع على العالم ومعتاد على مفهوم الإرضاء الفوري الذي كرّسته الثورة المعلوماتية. لكن هذه الجامعات ما هي إلاّ حاضنة ليبرالية تفقّس عمالاً مطيعين ينخرطون في منظومة معولمة ولا يسائلونها. فهم يسعون للحصول على وظيفة في شركات العالمية قد تأخذهم إلى الجزيرة العربية، أو – إن كانوا محظوظين – ينتهي بهم المطاف في بلد يمنحهم جنسية أجنبية، وفي كلتا الحالتين يفرح رياض سلامة ورَبعُه بتحويلاتهم. لا أحد في الجامعات يخبرهم بأن المنظومة التي يشكلون جزءاً منها فشلت أو تترنح في أماكن عدة حول العالم، وهي تطحن بلاداً وشعوباً وتضعهم شخصياً في تنافس مباشر مع أصدقائهم وأقرانهم ليرتقي بعضٌ منهم على حساب الآخرين. الوضع ذاته موجود في سوق الإنسانية والتنمية غير الحكومية الذي يستوعب الأفراد الذين لا يكون حافزهم الرئيس هو المال ومراكمته، والذين توجد في داخلهم نزعة سياسية تسعى إلى صعود جماعي للمجتمع، وينتهي بهم الأمر في منظومةٍ تحرّم عليهم المراكمة السياسية أو العمل الحكومي المباشر. أذكر ذلك لأن هذه الظاهرة التنافسية والتسلقية انعكست في ساحات بيروت المنتفضة حيث كثر التنافس على حساب التضافر في أكثر الأوقات حرجاً. ضف على ذلك اليوفوريا أو حالة السّكر الزائد التي يخلقها الشارع وظهر تأثيرها حتى على أعرق أحزاب الشارع، فما بالك بجيلٍ لم يعتد التفاعل البشري المباشر وإذ به يختلط بالآلاف دفعةٍ واحدة، فتستنتج أن الجيل هذا غير مؤهل حالياً للقيام بثورة. تلاعبت السلطة بالشارع كما أرادت وفتّتته، ونزعت عنه أنيابه السياسية باكراً، واستبدلتها بكرنفالِ وطنجي لأحلى عالم، وتنافس بين مجموعات لا تهددها. أدّى ذلك إلى نفور الغاضبين وتنفيس الاحتقان، بينما كان أهل السلطة يخوضون حرباً أهلية باردة خلف الكواليس.
لكن يخطئ أهل السلطة، المستقيلون منهم ومن هم باقون على العهد، في حساباتهم إذا اعتبروا بعد تقييمهم لحجم الانتفاضة بأنها عابرة أو غير مؤثرة في موازين القوى، أو لأنهم كشفوا أياديَ خفية كانت تحركها. الأزمة الاقتصادية والمالية ليست عابرة والإصلاحات المقترحة غير جدية ولن تحل أي مشكلة وقد لا تنفع حتى لوقف النزيف لبعض الوقت. نحن أمام سيناريو قد يتكرّر عند الاعتداء التالي على شعبٍ مخنوق بعد شهر أو سنة أو خمسة (ذلك إن لم تقرّر القوى الحاكمة نقل خلافاتها إلى الشارع، فتلك قصة أخرى). هذا الحراك ليس ثورة، لكنه «ثويرة» جيل شاب سيكبر سريعاً في ظل سياسة إفقار متعاظم وتهجير متعمّد يصعب يوماً بعد يوم. لقد تمكنت السلطة من طمس الطابع الطبقي لهذا الحراك هذه المرة، لكنها لن تكون محظوظة في المرات القادمة لأن الانهيار يمحو الفوارق الطبقية التي استُغِلّت اليوم بلحظة، وهو آتٍ لا محال إذا بقينا رهينة الدَّين لأخطبوط المصارف.
جمال غصن، صحفي وكاتب عربي من لبنان
الجمعة، الأول من تشرين الثاني، 2019

رئاسيات تونس 019 : ماذا بعد فوز المرشح قيس سعيّد ؟

أحدث فوز قيس سعيّد برئاسة تونس حال ارتياح في المشرق العربي. فالرئيس الجديد القادم من مقاعد التعليم الجامعي، واظب خلال حملته الإنتخابية على التذكير بالقضية الفلسطينية، وإعلان التأييد للجمهورية العربية السورية وسيادتها واستقلالها. لكن هزيمة سعيّد  لمنافسه نبيل القروي بفارق كبير، لا تعني أن مسارات السياسة الداخلية والخارجية ستكون مفتوحة امامه وواضحة.

وكانت هيئة الانتخابات قد أعلنت نتائج رسمية أولية، في بيان أذاعه التلفزيون الحكومي. وقالت فيه أن سعيّد قد فاز في انتخابات الرئاسة بنسبة 72.71 في المئة من الأصوات، وأن نسبة إقبال الناخبين بلغت 55 في المئة. وهذ نسبة مرتفعة في ظروف الأزمة الإجتماعية ـ السياسية التي تراوح تونس فيها، منذ تولي حركة النهضة "الإخوانية" الحكم، بعد "ثورة البوعزيزي عام 2011، وطرد الرئيس السابق زين العابدين بن علي من منصبه.

وكان تصدر سعيّد والقروي نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسيّة التونسية، قد فاجأ الكثيرين من السياسيين والمحللين. لا سيما وأنهما نافسا سياسيّين بارزين، منهم رئيس الحكومة الحاليّ ورئيسا حكومة سابقَان، وأيضاً وزير الدفاع الحاليّ ووزراء سابقون، إضافة إلى الرئيس المؤقت للبرلمان المدعوم من "حركة النهضة"، وكذلك قادة المعارضة السابقة. كانت النتائج التي حققها القروي في الدورة الأولى منطقية، بسبب ترؤسه حزباً سياسياً وكتلة برلمانية، وامتلاكه وسائل إعلامية. لكن نتائج سعيّد كانت مفاجأة حقاً، إذ اختار الناخبون أستاذ القانون الدستوريّ المتقاعد، الذي ترشح منفرداً، ولم يكن يملك إمكانيات ومزايا منافسيه. 

لقد استفاد سعيّد من فشل حكم "النهضة". ويتضح، الآن، أنّه حصد في الدورة الثانية التي جرت يوم الأحد الماضي، أصوات 31 في المئة من الناخبين الذين لم يشاركوا في الانتخابات التشريعيّة. كما نال سعيّد نحو 90 في المئة من أصوات الناخبين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 ـ 25 عاماً. لكنه أخفق في كسب غالبية أصوات الناخبين ممن تجاوزوا الستين.

وبعد إعلان النتائج النهائية للإستحقاق الرئاسي، فإن رئيس الجمهوريّة الجديد، سيواجه احتمال انفكاك القوى السياسية التي انتخبته عنه. فالقوى السياسية وخصوصاً "الإخوان"، الذين جيروا أصوات ناخبيهم له، سيحاولون الهيمنة عليه. وهم، أصلاً، اعتبروه رئيساً ضعيفاً، وأن المهم هو تولي رئاسة الحكومة، لأن الموقع الدستوري لرئيس الجمهورية في تونس لا يحظى بسلطات وصلاحيات هامة. وهذا يزيد من احتمال المواجهات بين الرئاسة والحكومة وكذلك البرلمان.

وذكرت تقارير سياسية أن الرئيس الفائز، ليس كما يتوقعون. وقالت أن لديه مشروعاً إصلاحياً لإعادة تأسيس النظام البرلماني ودمقرطته، على نحو يكون للناخبين حق عزل ممثليهم، إذا لم ينفذوا البرامج التي وعدوا بها. وهذه المقترحات يتوقع أن تلقى رفضاً من الأحزاب السياسية، في بلد لا تزال المصاعب المعيشية والإقتصادية تشتد على المواطنين وتضعفهم، رغم تحقق ما يسميه النيوليبراليون بـ"الإنتقال الديموقراطي" للسلطة.

كما إن النظرة الندية التي يطرحها الرئيس قيس سعيّد في علاقات تونس الإقتصادية مع الإتحاد الأوروبي، والتي تحظى بتأييد جزء كبير من الناخبين، قد تسبب له متاعب سياسية. وهذا الإحتمال يبدو راجحاً، مع المواقف السياسية الواضحة التي أعلنها سعيّد من الكيان الصهيوني والقضية الفلسطينية. كذلك فإن تأييده الصريح لحكومة الجمهورية العربية السورية، سيدفع حركة النهضة "الإخوانية" المؤيدة لتركيا، إلى فتح صراع مبكر مع الرئيس الجديد بشأن السياسة الخارجية للبلاد.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الثلاثاء، 15 تشرين الأول/ أوكتوبر، 2019   

 

مستقبل الدولة الوطنية في الصومال : أزمة “إقليم أرض الصومال” نموذجاً

بخلاف التوقعات التي صاحبت تولّي الرئيس الصومالي محمد عبد الله "فرماجو" في عام 2017م؛ ما بين تفاؤل، وتفاؤل حَذِر ساد مختلف الأوساط الصومالية بمجيء منقِذ جديد للصومال يتفاعل بإيجابية مع التحديات الجمَّة التي تواجه البلاد للانتقال إلى مرحلة جديدة يستعيد فيه الصومال دولته المضطربة منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق سياد بري في تسعينيات القرن الماضي؛ يمكن الإشارة إلى أن الرئيس فرماجو لم يكن على مستوى التوقعات بالنسبة لقطاع كبير من الشعب الصومالي؛ حيث أخفق في القضاء على أو على الأقل الحد من استمرار وتصاعد تلك التحديات التي تواجه البلاد، بالإضافة إلى اندلاع بعض الأزمات الخطيرة مثل الخلافات بين الحكومة المركزية وبعض الولايات الصومالية -لا سيما إقليم أرض الصومال الذي استقل عن الصومال من جانب واحد في عام 1991م بدون اعتراف دولي- مما يشكِّل مصدر تهديد لتماسك الدولة ووحدتها، وهو ما وضَع النظام الحاكم في مأزق بعد تراجع شعبيته في البلاد، كما وضع مستقبل الدولة الصومالية أمام اختبار حقيقي في ظل تحرُّك بعض الولايات نحو المطالبة بالانفصال والاستقلال عنها، ومآلات ذلك على الصعيد الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي في ضوء ما تشهده من تحوُّلات وتطورات إقليمية.

أولاً: بيئة التفاعلات السياسيَّة في الداخل الصومالي
تبدو بيئة التفاعلات الداخلية في الصومال معقَّدة نتيجة تصاعُد عددٍ من الأزمات والتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية على الساحتين الداخلية والإقليمية التي تواجه البلاد خلال الفترة الماضية، ولم تُفلح الحكومة في التعاطي مع بعضها؛ مما أسهم في تفاقمها، وهو ما أثَّر سلبًا على أداء الحكومة الفيدرالية وتراجع الالتفاف الشعبي حولها وهو ما عبَّرت عنه المظاهرات التي شهدتها البلاد في أبريل 2019م احتجاجًا على تجاوزات قوات الأمن تجاه المواطنين، وردّ الفعل السلبي للرئيس فرماجو الذي فسَّره البعض بتخوُّفه من امتداد نظرية الدومينو إلى بلاده عقب نجاح الاحتجاجات السودانية في الإطاحة بالرئيس السابق البشير؛ الأمر الذي تسبَّب في قلق بالغ لدى أنظمة بعض دول الجوار تجاه تأثير ومآلات الأحداث في الخرطوم على أمن واستقرار المنطقة.

فثمة عدد من الملفات الداخلية التي تُمثِّل تحديًا أمام مصداقية الحكومة الصومالية تجاه جموع المواطنين؛ يأتي على رأسها: التوتر في العلاقات مع بعض الأقاليم الصومالية؛ مثل إقليم أرض الصومال، وبونت لاند، في ظل تعدُّد القضايا الخلافية التي تتسبّب في نشوب النزاع والخلاف بينهما، والتي تتمثل أبرزها في ملف تقاسم السلطة والثروة، ومراجعة الدستور والاستعدادات للانتخابات المقرر لها في 2020/2021م، ودعم القوات الأمنية بالإضافة إلى رغبة بعض الولايات في الانفصال عن الصومال.

وقد ظهرت عددٌ من المبادرات الإقليمية بهدف تسوية تلك النزاعات بين الحكومة الصومالية وإقليم أرض الصومال؛ حيث استضافت دول مثل تركيا وجيبوتي وكينيا اجتماعات بين مسؤولي الطرفين من أجل إيجاد حلول ناجعة للأزمات المتصاعدة بينهما، إلا أنها باءت بالفشل وسط حالة إصرار مِن قِبل الطرفين كلٌّ على موقفه، وهو ما ترتب عليه تأزم العلاقات بينهما وإصرار بعض الولايات الصومالية على الانفصال عن الحكومة المركزية وإعلان الاستقلال الذاتي مما يهدِّد مستقبل الدولة في البلاد.

ولا زالت التحديات الأمنية تُشكِّل عبئًا كبيرًا على الحكومة المركزية في ظل تصاعد نشاط حركة شباب المجاهدين، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في الصومال، وتمركزهم في عددٍ من المناطق في وسط وجنوب البلاد؛ حيث تستمر العمليات والهجمات الإرهابية التي يقوم بها عناصر الحركة، والتي امتدت جغرافيًّا إلى بعض دول الجوار المباشر مثل كينيا؛ بحيث يزداد نفوذ حركة شباب المجاهدين في البلاد التي تسعى لتقويض الدولة الصومالية. في الوقت الذي تستعد فيه القوات الإفريقية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي "أميصوم" إلى الانسحاب النهائي من الصومال في نهاية 2020م الأمر الذي يُمثّل ضغطًا على الجيش الصومالي الذي يعاني من الهشاشة وضعف التدريب، ممَّا يعني زيادة الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها حركة شباب المجاهدين في البلاد، كما تفتح الباب على مصراعيه للتكالب الدولي والإقليمي على الصومال؛ بحجَّة تدريب القوات الحكومية، وإعادة بناء الصومال، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي.

وفي ظل هذه الحالة المضطربة سياسيًّا وأمنيًّا في البلاد كان له تأثيره على الوضع الاقتصادي المتردِّي للدولة الصوماليَّة؛ حيث يتراجع الاقتصاد الصومالي ممَّا يؤثر على الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل سلبيّ، كما تشير المؤشرات الاقتصادية إلى استحواذ الصومال على مراتب متأخرة في كل التقارير الدولية التي تصدر عن المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية؛ الأمر الذي يدفع الولايات الصومالية إلى محاولة الاستئثار بالثروات والموارد التي تتمتع بها بعيدًا عن الحكومة المركزية؛ مما أدَّى إلى تصاعد الصراع بين الجانبين.  

وهنا يتَّضح اضطراب المشهد الداخلي الصومالي في ظلّ تعدُّد الأزمات التي تواجهه؛ الأمر الذي يهدد بزعزعة أمن واستقرار البلاد، كما يضع الرئيس فرماجو أمام تحديات جسام حول مستقبله في رئاسة البلاد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2020، وحول مستقبل الدولة الصومالية في المدى المنظور.

ثانيًا: حالة إقليم أرض الصومال
استغل إقليم أرض الصومال حالة الفوضى التي شهدتها البلاد عقب سقوط نظام الرئيس الأسبق سياد بري للإعلان عن استقلاله وانفصاله عن دولة الصومال من جانب واحد، خاصة أن حكومة أرض الصومال ترى أنها تعقد انتخابات حرة كما تمتلك عملتها المحلية فضلًا عن القوات الأمنية الخاصة بالإقليم، فضلًا عن أنها تُصدر جواز سفر خاص بها. ومنذ ذلك الحين تسعى بشكل حثيث في محيطها الإقليمي والدولي إلى المطالبة بالاعتراف الدولي لكي يكتمل الركن الرابع والمهم من عناصر قيام أيّ دولة إلا أنها فشلت في ذلك منذ تسعينيات القرن الماضي لأسبابٍ عديدةٍ حيث لم تقبل أية دولة أو منظمة إقليمية أو دولية إلى الاعتراف بها، فقد تقدمت أرض الصومال بطلب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي؛ إلا أن المنظمة الإفريقية علقت الطلب وأرسلت لجنة لتقصِّي الحقائق إلى عاصمة الإقليم "هرجيسا" في عام 2005م، وقد أوصت اللجنة بأن الاتحاد يجب أن يجد طريقة خاصة للتعامل مع أرض الصومال. كما أن هناك مجموعة من الدول التي تتعامل مع أرض الصومال بشكل مباشر مثل بريطانيا والسويد وألمانيا، بالإضافة إلى بعض الدول الإفريقية منها إثيوبيا التي فتحت قنصليتها في هرجيسا، إلا أنها لا تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة؛ حفاظًا على علاقاتها مع الحكومة المركزية في مقديشو.

محليًّا، ينتمي أغلب مواطني إقليم أرض الصومال إلى عشيرة إسحاق بشكل رئيسي بالإضافة إلى بعض العشائر الأخرى، ويجب الإشارة إلى أن دعوة الانفصال تواجه تباينًا في المواقف الداخلية بأرض الصومال، ففي الوقت الذي تنحصر رغبة الانفصال في عشائر إسحاق ذات الأغلبية في أقاليم الوسط في الشمال، إلا أن هناك بعض العشائر التي تعارض الانفصال مثل عشائر "هرتي دارود" ذات الأغلبية في محافظتي سول وسناغ المتنازَع عليهما بين إدارتي أرض الصومال وبونت لاند، بالإضافة إلى عشيرة "سمرون".

وبالرغم من الوضع الداخلي المستقر نسبيًّا في إقليم أرض الصومال، إلا أن الإقليم يعاني من بعض الأزمات مثل الجفاف وموجة الجفاف الشديدة التي تهدِّد الأراضي والمراعي والثروة الحيوانية. كما أن هناك نزاعًا دائرًا بين أرض الصومال وبونت لاند على منطقتي "سول وسناغ" المتنازع عليهما بينهما مما يهدِّد باندلاع صراع مفتوح يهدِّد استقرار وأمن المنطقة، كما شهدت الفترة الأخيرة انشقاق عددٍ من القادة العسكريين وجنودهم من أرض الصومال والاستسلام لحكومة بونت لاند، وقامت وزارة الأمن في بونت لاند بترقية بعضهم، كما تعهدت الحكومة هناك بدفع رواتب وكافة حقوق القوات المنشقة.

وتجدر الإشارة إلى تدخُّل الحكومة في مقديشو من أجل وقف إطلاق النار بين الطرفين، وإنهاء النزاع، وحلّه بالطرق السلمية؛ حيث شكَّلت لجنة بهدف الحوار بين الإقليمين؛ إلا أن بونت لاند في شمال شرق الصومال أعلنت مقاطعتها لِلجنة وأرجع مسؤولوه ذلك إلى أن تعيين اللجنة تم بشكل غير موافق للدستور. ومع توتر العلاقات بين الإقليمين دفع ذلك مجلس الأمن الدولي إلى التحذير من تَبِعَات القتال بين الطرفين، وقلقه بشأن الأوضاع الإنسانية واستمرار خطر المجاعة في البلاد، ودعا إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية بين الجانبين التي تزيد من حدة التوترات في المنطقة.

كما تعدد المحاولات لتسوية الخلافات بين الإقليم والحكومة المركزية في مقديشو في ظل الإصرار على الانفصال والاستقلال عن البلاد، فقد تعددت جولات التفاوض بين الحكومة المركزية وأرض الصومال والتي مرَّت بمراحل مختلفة، فقد كان لقاء الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد ورئيس أرض الصومال السابق أحمد سيلانيو في دبي في يونيو 2012م هو أول لقاء بين الطرفين منذ إعلان أرض الصومال انفصالها في تسعينيات القرن الماضي. وقد رفضت أرض الصومال لقاء أيّ طرف صومالي قبل الاعتراف باستقلالها كشرط مسبق.

وفي هذا السياق، استضافت عدة دول بعض جولات التفاوض بين الطرفين؛ مثل الإمارات وجيبوتي وتركيا، كما كانت هناك خطة لعقد محادثات بين أرض الصومال والحكومة في غانا خلال مارس 2019، إلا أنها في مجملها لم ترقَ إلى مستوى مناقشة القضايا المصيرية وتحديدًا قضية الوحدة والانفصال. وأُلغيت محادثات في نيروبي في يونيو 2019م بين الحكومة الصومالية وإدارة أرض الصومال بحضور ممثلين من المجتمع الدولي بسبب غياب الوفد الصومالي. وهو ما دفَع وزير خارجية أرض الصومال إلى اتهام الجانب الصومالي بعدم الرغبة في إجراء محادثات مع أرض الصومال.

فيما شهدت العلاقات بين الإقليم والحكومة المركزية تدهورًا خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد إرسال وزير التخطيط والاستثمار والتنمية الاقتصادية في الحكومة المركزية في يونيو 2018م رسالة إلى الدول الداعمة لأرض الصومال ترفض فيه الحكومة دعم أرض الصومال بشكل منفصل عن باقي الأراضي الصومالية. كما عرقلت حصول أرض الصومال على دعم المشروعات التنموية من المانحين الدوليين، وتعطيل الاستثمار في ميناء بربرة وتصدير المواشي.

في المقابل، أبدت سلطات أرض الصومال معارضتها للجنة التي عينها الرئيس فرماجو من ستة أعضاء تضم مسؤولين عسكريين صوماليين سابقين وعضوًا من البرلمان ودبلوماسيين ليمثلوا الحكومة الصومالية في الحوار مع هرجيسا. فقد اتهمت هرجيسا الحكومة الفيدرالية بشنّ حرب سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية عليها. كما وجَّه رئيس أرض الصومال موسى بيحي عبدي انتقادات للحكومة الصومالية إثر قرارها بقطع العلاقات مع غينيا التي قام الأول بزيارة رسمية لها مؤخرًا. الأمر الذي يعكس تأزم العلاقات البينية بينهما؛ مما يجعل مسار التسوية بعيد المنال على الأقل في المدى المنظور.

إقليميًّا ودوليًّا، انخرط إقليم أرض الصومال طوال السنوات الماضية في مهمة إقليمية ودولية محددة متعلقة بالحصول على الاعتراف الدولي بالاستقلال عن الصومال، وزاد من إصراره بزوغ نموذجين جديدين من الدول في المنطقة هما إريتريا بعد استقلالها عن إثيوبيا في عام 1993م، وجنوب السودان بعد انفصالها عن السودان الشمالي في 2011م، ومن هنا زادت مطالبات أرض الصومال بشأن الاعتراف بها ككيان مستقل عن الصومال، لدرجة أنه عند استقلال جنوب السودان في عام 2011م توجَّه وفد من أرض الصومال إلى العاصمة جوبا وهم يرتدون "زيًّا" مكتوب عليه "صومالي لاند هي التالي". وفي مارس 2016م ادَّعى رئيس أرض الصومال السابق "أحمد محمد سيلانيو" أن أكثر من مليون مواطن من سكان أرض الصومال قد وقَّعُوا على عريضة تطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بأرض الصومال.

ومع تطور المستجدات والمتغيرات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي يسير إقليم أرض الصومال بخطى ثابتة نحو إعادة رسم علاقاته مع العالم الخارجي؛ بهدف نَسْج علاقات متعدِّدَة مع القوى الإقليمية والدولية؛ حيث يحظى إقليم أرض الصومال بزخم كبير في ضوء التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، وهو ما جعلها محط أنظار وتوجّه العديد من القوى الدولية والإقليمية بهدف ترسيخ موطئ قدم وتعزيز النفوذ والتنافس على الموارد والثروات في المنطقة؛ فقد تدافَع على الإقليم خلال الفترة الأخيرة وفود عديدة من الدول الأجنبية بهدف تعزيز العلاقات؛ حيث استقبلت وزير الدفاع البريطاني، ووزير الخارجية الإريتري، ونائب وزير الخارجية المصري، والرئيس النيجري السابق "أوباسانجو"، وممثلين من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وسويسرا والدنمارك والنرويج وفنلندا والسويد، وغيرها.

وتتعدد أجندات الدول الغربية في أرض الصومال؛ فهناك من يسعى إلى عودة العلاقات بين الحكومة المركزية في مقديشو وحكومة أرض الصومال، واستئناف المفاوضات بينهما التي توقفت منذ سنوات، وهناك من جاءت زيارتهم في إطار الاستفادة من التحولات والتفاعلات الإقليمية والدولية الجديدة في منطقة القرن الإفريقي بتعزيز النفوذ والحضور هناك؛ حيث بدا أن هناك تغيُّرًا ملحوظًا في رؤية بعض القوى الإقليمية والدولية تجاه إقليم أرض الصومال بدرجة دفعت البعض إلى بحث تعزيز العلاقات وفتح آفاق جديدة من التعاون بينهما في المستقبل.

فقد زار وزير الدفاع البريطاني "جيف ويلسوم" أرض الصومال في يناير 2019م وبحث توطيد العلاقات بين الطرفين وتعزيز التعاون. وهي الزيارة الأولى لوزير دفاع بريطاني منذ تسعينيات القرن الماضي. وجاءت تلك الزيارة دون أيّ تنسيق مع الحكومة المركزية. وقد نشر الوزير تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر اعتبر فيها أرض الصومال دولة مستقلة، وهو تطور بارز في تلك المرحلة التي تمر بها منطقة القرن الإفريقي وسط توقعات باتفاق بين بريطانيا وحكومة هرجيسا على إقامة قاعدة عسكرية بريطانية في أرض الصومال.

كما تعددت زيارات المسؤولين من دول مختلفة مثل مصر وإريتريا وتركيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا السياق، تتنامى الاستثمارات التي تقوم بها عدد من الدول والقوى الإقليمية والدولية في أرض الصومال، مثل اتفاق شركة عمانية مع أرض الصومال في يوليو 2019م على تأسيس وحدة طحن للأسمنت في بربرة بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي مليون طن من الأسمنت سنويًّا، وبتكلفة تبلغ حوالي 40 مليون دولار أمريكي.

كما أعلنت كندا تقديم مساعدات لأرض الصومال بقيمة 10 ملايين دولار من أجل دعم برامج التنمية في الإقليم، وقد خصصت تلك المساعدات لمشروع يستمر لمدة 5 سنوات يتعلق بالتنمية الزراعية والحدّ من سوء التغذية لدى أطفال الإقليم، على أن يستفيد من هذا المشروع حوالي 1600 شخص يعيشون في منطقتي "توغطير وداض مديد" في أرض الصومال.

فيما تشهد العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وأرض الصومال تطورًا بارزًا؛ حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 300 مليون دولار، ويتوقع تزايده خلال الفترة المقبلة إلى 600 مليون دولار. كما تقوم الإمارات بالعديد من الاستثمارات في الإقليم، وتقدم المزيد من المساعدات الإنسانية والإنمائية للشعب هناك من أبرزها مشروع تجهيز ميناء بربرة، وإنشاء السدود والآبار التي أفادت العديد من المناطق الزراعية. فيما قامت أرض الصومال بإنشاء مكتب تجاري لها في دبي بهدف تعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الطرفين. وفي مارس 2017م حصلت موانئ دبي العالمية على حق امتياز لمدة 30 عامًا لإدارة وتطوير ميناء بربرة في أرض الصومال، باستثمار بلغت قيمته حوالي 442 مليون دولار. كما تعهدت الحكومة الإماراتية ببناء فندق خمس نجوم في أحد المنتجعات السياحية بمدينة بربرة الساحلية، كما تلعب دورًا في تدريب موظفي حكومة أرض الصومال بهدف تحقيق الحكم الرشيد.

كما يبرز التواجد السعودي في أرض الصومال من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والتوسع في توزيع المساعدات على المتضررين من الجفاف بالإقليم.

وعلى الجانب الآخر، تقوم تركيا ببعض الأعمال الإنسانية في أرض الصومال؛ من خلال بعض المؤسسات الخيرية التابعة لها، مثل جمعية "جانسويو"، وبرامج تبرعات؛ بهدف مساعدة أبناء الشعب الصومالي، وتوفير فرص التعليم للأيتام. وهي التي عيّنت مبعوثًا خاصًّا لها للمحادثات بين الصومال وأرض الصومال التي حاولت كثيرًا إحياءها إلا أنها لم تُحرِز تقدمًا ملحوظًا في هذا الشأن.

ومن هنا يتضح استغلال حكومة أرض الصومال هذا الزخم من محاولات التقارب مِن قِبَل القوى الدولية والإقليمية لتحقيق عدد من الأهداف السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، لعل أبرزها اعتراف العالم بأنها دولة مستقلة؛ حيث أضحت أرض الصومال ساحة إقليمية تشهد العديد من التفاعلات والصراع بالوكالة والتنافس الإقليمي والدولي، ففي إطار تنامي سياسة المحاور التي تشهدها المنطقة ومع اندلاع الأزمة الخليجية في عام 2017م اتخذت أرض الصومال موقفًا مخالفًا لحكومة فرماجو بالتضامن مع دول الرباعي العربي ضد قطر. كما أبدت أرض الصومال تضامنها مع المملكة السعودية في ظل الأزمة السياسية بين الرياض وإيران.

كما تستغل بعض دول المنطقة أرض الصومال في إدارة علاقاتها وأزماتها مع دول أخرى؛ حيث اندفعت كينيا نحو تعزيز علاقاتها مع هرجيسا، وأعلنت نيتها افتتاح مكتب في هرجيسا لتسيير العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، عقب مفاوضات جرت بين وزيرة الخارجية الكينية ومندوب أرض الصومال لدى كينيا. يأتي ذلك بالتزامن مع اندلاع الخلاف الكيني الصومالي بشأن المناطق البحرية المتنازع عليها، وهو ما دفَع البعض نحو تفسير ذلك بمحاولة كينيا الضغط وتضييق الخناق على الحكومة في مقديشو في ظل الإعلان عن دعم كيني لأرض الصومال في مساعيها للاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة.

في نفس الوقت؛ تسعى إريتريا إلى تعميق العلاقات مع أرض الصومال من خلال الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين خلال الفترة الأخيرة، في إطار سعي أسمرة نحو الضغط على الرئيس الصومالي فرماجو لتغيير سياساته تجاه جيبوتي، فضلًا عن التضييق على جيبوتي في المنطقة، وتقليص أهمية ميناء جيبوتي لصالح موانئ إريتريا وبعض الموانئ البحرية الأخرى في المنطقة، في ظل استمرار النزاع الإريتري الجيبوتي على منطقة "دميرة".

في حين تبدي إثيوبيا استعدادها الدائم للعب دور في حلّ الخلافات بين الحكومة الصومالية وأرض الصومال من أجل إيجاد تفاهم بين الجانبين في عددٍ من القضايا والملفات الشائكة في إطار استراتيجيتها الرامية إلى تعظيم الدور الإقليمي الإثيوبي في المنطقة. أما على الجانب الاقتصادي فهي تحاول تعزيز التعاون الاقتصادي وتأمين منافذ بحرية لها في البحر الأحمر من خلال ميناء بربرة التي نجحت في الحصول على حصة فيه بنسبة 19% ضمن اتفاق تمَّ بين حكومة أرض الصومال وشركة موانئ دبي العالمية الإماراتية. إلا أنها في نفس الوقت قد أكَّدت في بيان رسمي اعترافها بأن أرض الصومال وبونت لاند تابعتان للحكومة الفيدرالية الصومالية، وذلك على خلفية غضب الجانب الصومالي بعد واقعة إدراج وزارة الخارجية الإثيوبية قائمة حول بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية في الخارج تبين الصومال وأرض الصومال وبونت لاند كثلاث دول.

ثالثًا: مستقبل أرض الصومال والتأثيرات على المنطقة
ربما كان السياق الإقليمي والدولي مختلفًا في حالة انفصال جنوب السودان في عام 2011م، إلا أن الوضع الراهن في منطقة القرن الإفريقي في ضوء التحولات الإقليمية، وتصاعد التنافس الدولي، وتنامي المصالح الدولية والاستثمارات الأجنبية للقوى الكبرى في المنطقة تجعل من الصعب السماح بأيّ حراك من شأنه تأزيم الموقف في القرن الإفريقي وبالتبعية على باقي أنحاء إفريقيا أو فتح الباب واسعًا أمام الحركات الانفصالية في القرن الإفريقي ومناطق أخرى من القارة في أن تحذو حذو أرض الصومال. ومن ثَمَّ، تبرز المخاوف الغربية من أن الاعتراف الدولي بأرض الصومال كدولة مستقلة سوف يشجِّع الحركات الانفصالية الأخرى في أنحاء مختلفة من القارة مثل بيافرا في نيجيريا، أو إقليم كيفو في الكونغو الديمقراطية؛ إلى المطالبة بالانفصال عن دولهم.

كما أنَّ مثل تلك الدعوات الانفصالية سيكون مصيرها الرفض والمنع مِن قِبَل المنظمات الإقليمية الإفريقية على رأسها الاتحاد الإفريقي، ومن قبله منظمة الوحدة الإفريقية؛ حفاظًا على الوحدة الإفريقية، وخوفًا من تصاعد نزاعات وصراعات حدودية جديدة بين دول القارة؛ مما يهدِّد أمن واستقرار القارة الإفريقية. يأتي ذلك في ضوء فشل نموذج جنوب السودان التي لم تُحقِّق أيّ تقدُّم بعد الانفصال مما يعني أن الانفصال ليس قرارًا سهلًا ويمكنه أن يؤدي إلى نتائج كارثية على المنطقة والقارة ككل، وهو ما تُعبِّر عنه حالة جنوب السودان التي تواجه منذ انفصالها تحديات سياسية واقتصاديَّة وأمنيَّة واجتماعيَّة وإنسانيَّة في ظلّ استمرار تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت في منتصف ديسمبر 2013م بين الرئيس سلفاكير ونائبه الأسبق رياك مشار، ومن ثم هناك رغبة قوية في عدم تكرار مثل هذه التجربة التي تهدد أمن دول الجوار والإقليم.

وبافتراض حصول أرض الصومال على الاعتراف الدولي، ونجحت في الانفصال عن الصومال؛ فمن المؤكد أن تكون نتائج ذلك كارثية على الصعيدين الداخلي والإقليمي في المنطقة؛ فمن ناحية سوف تفتح تلك الخطوة الباب أمام ولايات أخرى مثل بونت لاند للمطالبة بالاستقلال على غرار أرض الصومال، وهو ما يهدِّد وحدة الدولة الوطنية الصومالية وتماسكها. أما على الصعيد الإقليمي، فهو مدعاة إلى مرحلة جديدة في المنطقة يمكن تسميتها ببلقنة القرن الإفريقي في ظل عدم استقرار الأوضاع في بعض دول المنطقة مثل إثيوبيا والسودان والكونغو الديمقراطية، الأمر الذي يمهِّد لانتقال الأزمة إلى مناطق مختلفة في القارة وما يترتب عليه من تأثيرات سلبية.

ومن هنا، ففي الوقت الذي تعيش فيه أرض الصومال فترات من الاستقرار النسبي السياسي والدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة، ومن خلال التحركات الدولية والإقليمية تجاهها والتي تنبئ بحصولها على امتيازات دبلوماسية في المدى المنظور، وخلق العديد من الفرص الاقتصادية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تسهم في انتعاش اقتصادها، وتوفير المزيد من فرص العمل لشبابها، إلا أنَّ الاعتراف الدولي يظل بعيدًا على الأقل في المدى المتوسط، فهو لن يأتي إلا عبر توافق وتفاهم مع النظام الحاكم في مقديشو والدخول في مفاوضات غير مشروطة مع الحكومة الفيدرالية من أجل الوصول إلى صيغة تقرّر مصير الإقليم.


أحمد عسكر
قراءات إفريقية، 31 يوليو/تموز 2019

الحرب الهجينة الإستنزافية والجيش الوطني ذو “البعد العالمي”؟

عصفت الحرب الهجينة الإستنزافية بكل الدول العربية تقريباً. الولايات المتحدة و"إسرائيل" والتحالف الأطلسي ـ "الخليجي"، شنوا على كل دولة منها حرباً فرعية منفردة. وضعوا لكل حرب الأهداف والأدوات والأسلحة المناسبة لتنفيذ خطة الحرب ضد الدولة والمجتمع معاً. خلف دمار هذه الحرب المتسلسلة، ينتصب هدف عالمي مركزي واحد للولايات المتحدة، هو الإحتفاظ بالسيطرة الإستراتيجية على "الخواصر الرخوة" للقارة الآسيوية. فأين تقع هذه "الخواصر" ولماذا يريد الأميركيون إبقاءها تحت سيطرتهم؟.

حسب التخطيط الجيوستراتيجي الأميركي ـ الأطلسي فإن هذه "الخواصر" هي دول المشرق العربي نفسها. بلاد الشام والرافدين، مصر، شبه الجزيرة العربية. إضافة إلى بعض الدول ـ الجزر في البحر المتوسط وبحر العرب وغرب المحيط الهندي. وهدف التخطيط هو تكييف أو إعادة تشكيل جيوبوليتيك وسوسيولوجيا هذه "الخواصر"، حتى تبقى منصة اقتراب ووثوب للقوى الأميركية ـ الأطلسية نحو قلب الكتلة الأوراسية لتقطيعها ومحاصرتها.

هذا التصور الأميركي للخريطة العالمية المناسبة، يجعل الحرب الهجينة الإستنزافية على معظم دول المشرق العربي ذات بعد عالمي يتناسب وطبيعة وحجم الهدف الأميركي المطروح. فالكتلة الأوراسية الصاعدة تؤسس لتوازن عالمي جديد، بدأ يطيح الموقع المهيمن للولايات المتحدة على قمة هرم النظام الرأسمالي الدولي. ولذلك، بات الهدف العالمي للأميركيين، استناداً للخبرة المكتسبة لديهم من أيام الحرب الباردة، هو فصل آسيا عن أوروبا لوقف تراجعهم.

وفق تخطيطهم الأساسي لترميم بنية الهيمنة الجيوستراتيجية الأميركية في العالم، يعمل الأميركيون لفصل وتطويق كتلة أوراسيا، من اتجاهين : الأول غربي ـ أوروبي، من دول وسط وشرق أوروبا، ومن أوكرانيا. وهذا الإتجاه الذي يعزل روسيا عن أوروبا، يمكن أن يتأثر بأوضاع دول المغرب العربي. الثاني شرقي ـ آسيوي، من أفغانستان صوب وسط آسيا. وهذا الإتجاه الذي يعزل روسيا عن الصين وحتى عن الهند ويطوقهم، يقع "مفتاح خريطته" في "الخواصر الرخوة" الآسيوية، أي دول المشرق العربي بالتحديد.

اختلفت وتائر الحرب الهجينة الإستنزافية بين دولة عربية وأخرى، لكن طول المدى الزمني للحرب وكثافة المعارك والعمليات خلالها، يبرر أن تصنف في لائحة الحروب المزمنة. لقد خاضتها أغلبية الجيوش العربية أو ما زالت تخوضها على الأراضي السيادية للدولة، في أعماق الجبهة الداخلية للدولة. لأن الهدف الأميركي النهائي من شن هذه الحرب، هو استباحة الشعب في عقر داره، حتى تمسي الدولة الوطنية ميدان الحرب والقتال ثم الفوضى. لكننا نرى أن هذه الحرب التي قوضت استقرار السلطة السابقة، قد أخرجت الجيش من مكانه "في أعمق نواة السلطة"، بتعبير أنور عبد الملك، وأحدثت تحولاً جوهرياً في علاقة الجيش وتأثيره بالنظام الدولي وعلاقة الجيش وتأثيره بالدولة. وهذه نتيجة هامة لشرح سؤالنا عن البعد العالمي للجيش الوطني.

حول علاقة الجيش وتأثيره بالنظام الدولي، أظهرت المشاركة في معارك الحرب الهجينة الإستنزافية، البعد العالمي الذي اكتسبه دور الجيش في تأثيره على هذا النظام. وبخلاف المرحلة السابقة، لم تعد المعايير التقنية والكمية التكتيكية والإستراتيجية كافية لقياس هذا الدور أو لتحديد هذا التأثير. من الآن فصاعداً، يجب أن تُقْرَنْ بالمعايير الجيوستراتيجية، بما في ذلك عمق وجدية التحالفات الإستراتيجية للدولة وللجيش في الإقليم والعالم. لأن نتائج هذه المشاركة ومفاعيلها باتت عنصراً نافذاً في تشكل النظام الدولي الإنتقالي الراهن. الذي يؤلف مرحلة تاريخية كاملة، وقد تكون طويلة، ما بين سقوط النظام الدولي الأحادي القطب الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ عام 1991، وقيام النظام الدولي المتعدد الأقطاب.         

أما علاقة الجيش وتأثيره بالدولة، فقد أصبحت على طاولة الجدل السياسي مع الحرب الهجينة الإستنزافية التي أندلعت خلف ستار فوضى "الربيع العربي". لم يكن تأثير هذه "العاصفة الهوجاء[1] على الدول العربية وجيوشها متشابهاً. لكنها حشرت الجيش في مرمى الإستهداف. ضغط مخططو الحرب الإميركيون وحلفائهم، على الجيش للإكتفاء بالدور الوظيفي الذي يرسمونه له، فإما أن ينقل السلطة السياسية إلى، أو يبقيها بيد الأشخاص أو القوى المدعومة من الأميركيين. حتى غدا الجيش على مفترق التاريخ : يرضخ، أو يأبى. يطرق أقصر السبل إلى زوال سيادة الدولة أي الشعب وسقوط استقلالها، ويتحلل في مجموعات عسكرية محلية مؤتلفة أو مختلفة. أو يثبت مكانته كجيش وطني موحد، من خلال الدفاع عن سيادة واستقلال الدولة، من أجل أن ترسخ الدولة الوطنية وليبقى الشعب السيِّدُ على أرضه.       

يجب أن نعود إلى السياق الميداني ونتائجه، لكي نفحص نجاح أو فشل الأميركيين والأطلسيين في تحقيق هدفهم بتكييف أو إعادة تشكيل جيوبوليتيك وسوسيولوجيا دول المشرق العربي، حتى تبقى منصة تقرب ووثوب على أوراسيا.

اختار الأميركيون جبهة بلاد الشام والرافدين، لتكون الساحة الرئيسية للحرب الهجينة الإستنزافية. وقد تركز زخم الحرب وعنفها على مثلث العراق ـ سوريا ـ لبنان. كانت هذه الدول الثلاث، لا سيما كتلة سوريا ـ لبنان، قد تصدت في العقود السابقة، لمشاريع الأقلمة regionalisation الأميركية ـ الأطلسية وقاومتها، بتكامل الجيشين اللبناني والسوري مع المقاومة الوطنية في لبنان وفي فلسطين المحتلة وفي العراق (منذ نيسان 2003). بعد عشر سنوات تقريباً، على فوضى "الربيع العربي"، نرى أن البعد العالمي لدور جيوش الدول الثلاث وقواها المسلحة قد تضاعف، عقب نجاحها في بناء معادلات ردع مع "إسرائيل"، وسد طريق التحالف الأميركي ـ الأطلسي نحو وسط آسيا، تحت نيران الحرب. استند نجاح جيوش هذه الدول في إسقاط نظرية "الخواصر الرخوة" على التحالفات المحورية الثنائية أو الإقليمية لهذه الدول مع إيران، وكذلك مع روسيا، اللتبن قدمتا دعماً حيوياً فعالاً، رغم المشكلات المعقدة في هذه التحالفات.

أما في مصر، فتبدو هذه الحرب منخفضة الشدة حالياً. لكن هذا الإنطباع خادع. فالبعد العالمي لدور الجيش المصري سيرتفع، كلما استخدم قوته لتأمين عمق الجبهة الداخلية، وحماية الجبهة الخارجية بنظام للأمن الإقليمي يقوم على منظور وطني عربي مستقل، يحبط منظري "الخواصر الرخوة" وأطماعهم الإمبريالية. في هذه الحال، من المتوقع أن يبادر التحالف الأميركي ـ الأطلسي و"إسرائيل"، إلى تصعيد الحرب الهجينة الإستنزافية، من اتجاهات داخلية وخارجية على مصر، كلما جدَّ نظام الحكم فيها، ببناء قواعد تكنوإنتاجية، وتنمية إمكانات سوسيوثقافية، وفي توفير موارد طبيعية، يمكن أن تمس معادلات "كامب ديفيد" الإقليمية، أو تشد وتصلب "الخواصر الرخوة" الأفروآسيوية. في الأسابيع الأخيرة، انتشرت أنباء الخلافات المصرية ـ الأميركية بشأن حق مصر السيادي في شراء الأسلحة من روسيا واختيار مصادر التسلح. وكذلك، حول رفض مصر الدخول في عضوية "الناتو السني" الذي تؤسسه الولايات المتحدة، ليجمع المثلث السعودي ـ الإماراتي ـ القطري، مع "إسرائيل" ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.    

من بين دول شبه الجزيرة العربية، شُنَّت الحرب الهجينة الإستنزافية على اليمن وحده لتخريبه ولتقسيمه. وقد اختصرت "المبادرة الخليجية" التي كتبها السفير الأميركي السابق جفري فيلتمان، صورة مستقبل اليمن ومصيره، ضمن مصالح التخطيط الأميركي ـ الأطلسي. ولم تُشن حرب تحالف العدوان الأميركي ـ السعودي على اليمن لتدميره ولتقسيمه، إلا بعد أن عجز عن تذييل تلك "المبادرة" بتوقيع شعب اليمن الأبي. في بقية دول شبه الجزيرة العربية، لا توجد حاجة ملحة لشن هذه الحرب، فالبنية القبلية ـ المذهبية تغذي النزعة المحلية الطاغية على أنظمة الحكم في "التعاون الخليجي"، وتحديداً على مثلث السعودية ـ الإمارات ـ قطر. وهذه النزعة غير العالمية، بتاتاً، تبقي عقائد ومهام جيوش هذه الدول في حدود الدور الوظيفي الذي تتقرر مهامه في إطار النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة. لذلك، تعمل الدول والجيوش معاً، تلقائياً، كـ"خاصرة رخوة" أو منصة اقتراب ووثوب للقوات الأميركية نحو آسيا أو إفريقيا، ابتداء من الإقليم العربي، أي من العراق وليبيا وسوريا والسودان واليمن الذي يقاوم هذا الدور "الخليجي" الوظيفي. لا يعني هذا الوصف التحليلي أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" والتحالف الأطلسي، لن يصعدوا الحرب الهجينة الإستنزافية ضد هذه الدول، لا سيما السعودية، إذا ما وجدوا ضرورة لذلك. وأغلب الظن ان الإستفزازات السياسية ـ الثقافية التي تتخذ شكل الدفاع عن حقوق البنات السجينات في المملكة والبنات الهاربات منها، واستغلال مآسيهن في الإعلام الإمبريالي الغربي، هو من إرهاصات تلك الحرب.   

سيأتي مشروع "صفقة القرن" الأميركي كاستثمار عملي في نتائج الحرب الهجينة الإستنزافية، لكسب المستقبل، وترميم الهيمنة الأميركية في العالم. ولذلك، فإنه بمعنى ما مشروع نزع "البعد العالمي" عن دور الجيوش العربية التي خاضت غمار تلك الحرب بنجاح. بحيث خرجت من "أعمق نواة السلطة" إلى أعمق أركان الدولة على الصعيد الوطني. كما أصبحت هذه الجيوش عاملاً فاعلاً في بناء منظومات الأمن الإقليمي والدولي المستقلة عن منظومات الهيمنة الأميركية. يتصف مشروع "صفقة القرن" بمعظم مواصفات "الحل الصهيوني" للقضية الفلسطينية وللصراع العربي ـ الصهيوني. فهو نسخة منقحة عن مشاريع "الأقلمة الشرق اوسطية" السابقة، وقد صمم لإبقاء دول المشرق العربي "خواصر رخوة" للقارة الآسيوية إلى الأبد. إن تقديم إدارة ترامب لهذا المشروع، بعد مضي نحو عقد على الإستباحة الشاملة للدول العربية بفوضى "الربيع العربي"، يؤكد استمرار السباق الصراعي العنيف على المستقبل بين هذه الجيوش الوطنية "ذات البعد العالمي"، وبين جيوش وأجهزة التحالف الأميركي ـ الأطلسي، الذي يريد أن تصبح الحرب الهجينة الإستنزافية المستمرة، حتى الآن، من أنماط حروب الإبادة السوسيوسياسية الأميركية الأطلسية للعرب. ولذلك، تتابع إدارة ترامب إطلاق النيران.

مركز الحقول للدراسات والنشر
‏الثلاثاء‏، 18‏ شعبان‏، 1440، الموافق ‏23‏ نيسان / أبريل‏، 2019
آخر تحديث 23 نيسان / أبريل 2019، 11:45
آخر تحديث 25 نيسان / أبريل 2019، 07:18

[1]  هكذا وصفت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، فوضى "الربيع العربي" حرفياًن في تصريح لها، يوم 5 شباط / فبراير 2011.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا يأمل المواطنون اللبنانيون من الحكومة الجديدة؟

إنجازات هائلة حققها الوزراء في الحكومة اللبنانية الجديدة، من تغيير زريعة إلى إزالة كتل اسمنتية كنا قد تآلفنا مع وجودها، إلى وصول وزير آخر إلى مكتبه سالماً غانماً، إلى اعتبار وزيرة أن توزيرها كان هدية لها في عيد ميلادها… البارز والممكن الوحيد هو ما أعلن عنه من خفض لفاتورة الدواء في لبنان، وهي للمناسبة ليست إلا رتوش بسيط لا يروي ظمآن…
أيام قليلة ليست كافية للحكم على أداء أي حكومة في العالم… علماً أن المكتوب يقرأ من عنوانه، لكن استباقياً لنتحدث عما يمكن تسميته إنجازات وما هو دون ذلك عبارة عن ترهات:

1 – منذ تسعينيات القرن الماضي، تعرض لبنان لأكبر عملية نهب منظم في التاريخ، ليست "سوليدير" التي أفقرت وسلبت الآلاف أرزاقهم وعقاراتهم، بل القطاع المصرفي الذي تحت ذريعة إعادة الإعمار، والذي مول الحكومة عام 1992 بما لا يزيد عن 195 مليون دولار، وفي العام اللاحق 3.7 مليارات دولار، ولم يكن يتعدى حجم الدين العام 159 مليون دولار، بدأ لبنان مسلسل الاقتراض غير المجدي، بمعنى أن معظم الأموال المقترضة كانت تودع في المصرف المركزي، بفائدة وصلت إلى 48 في المئة سنوياً، أي أن من يضع 100 ألف دولار كان يحصل في نهاية العام ما يزيد عن 40 ألف دولار، هذه العملية كانت نهباً منظماً، راكمت ديوناً وفوائد ديون أصبحت تراكم هذه الفوائد فوائد عليها، ما رفع حجم الدين إلى مستويات هائلة اليوم، ما كبد لبنان طيلة تلك السنوات 77 مليار دولار كخدمة دين. هذه العملية عظمت رأسمال المصارف 100 مرة منذ عام 1993، وهنا بيت القصيد.
على أي حكومة إذا كانت جادة في كلامها عن إصلاحات أن تضع حداً لهذا النموذج، بتدفيع المصارف ضرائب استثنائية على الأرباح تصل إلى 40 و50 في المئة خلال السنوات المقبلة (خطة لمدة 5 أو 10 سنوات) هذا يعني أن المصارف تصبح شريكة في العبء الاجتماعي، ما يعني أنه يجب إصلاح البنية الضريبية، لأن المصارف تحصل على ما يصل إلى 80% من أموال الضرائب، وهي بمعظمها ضرائب غير مباشرة وعلى الاستهلاك. أي كلام عن إصلاح ضريبي في الحكومة دون ذلك هو محض هراء.

2 – تركز الثروة في لبنان هو ثالث أعلى معدل عالمي، لجهة تركز الثروة والدخل: 1% يملكون أربعين في المئة من الثروة و25% من الدخل. هذا الواقع عبارة عن خلل اجتماعي صارخ، الإجراءات الضريبية تركز هذا الخلل، تشطير الضريبة التصاعدية على الفوائد المصرفية ورفعها إلى 15% ما يؤمن 800 مليون دولار إضافية للدولة. بالإضافة إلى تشطير الضرائب على الدخل والأرباح الرأسمالية باتجاه تصاعدي لتصل إلى 30% على الشطور العليا. أي إجراء حكومي دون ذلك هو تأبيد للخلل القائم.

3 – خفض الإنفاق الحكومي على الصناديق وإقفالها (الجنوب والمهجرين وغيره) وإلغاء التعليم الخاص المجاني، وهو يكبد الموازنة أكلافاً ضخمة لو استخدمت لتحديث وزيادة عديد الأساتذة لحصلت نقلة نوعية في التعليم الرسمي (علماً أن نسبة الأساتذة في القطاع الرسمي هي من الأدنى عالمياً) وهذا يمكن من توفير تعليم نوعي يضاهي ويتفوق على التعليم الخاص، علماً أن الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي هم أنفسهم من يعمل في المؤسسات الخاصة، ويمتلكون المهارات ذاتها. بالإضافة إلى إلغاء المنح للموظفين والأساتذة في القطاع العام لتعليم أولادهم في القطاع الخاص. أي كلام حكومي عن إصلاح النظام التعليمي دون ذلك عبارة عن إمعان في ضرب التعليم الوطني والعام.

4 – وقف الإعفاءات الضريبية للأعمال وللريوع العقارية المحققة للأوقاف الدينية، وهي تحقق أرباح هائلة نتيجة هذه العقارات وهذه الإعفاءات تمنع هذه المؤسسات من القيام بدورها الاجتماعي، وهي يجب أن تطالب وتدعو إلى تطبيق الضرائب عليها كي تكون مساهمة وشريكة (كما تدعو كل الديانات السماوية) في مساعدة الفقراء والمحتاجين.

5 – مراجعة بنية الأجور في وظائف الدرجتين الأولى والثانية في القطاع العام والمصالح المستقلة، وهذا يعني أن يتم تحديد سقوف لها (وخفضها إلى ما دون هذه السقوف) بالإضافة إلى وضع سقف لتعويضات نهاية الخدمة لهذه الفئات، أي كلام حكومي عن إصلاح إداري دون هذه الخطوة يعتبر غير مجدٍ، ويشكل خطراً على الصناديق الضامنة التي قد تعاني من عجوزات هائلة نتيجة تعويضات خيالية يحصل عليها هؤلاء الموظفين تصل إلى ملايين الدولارات.

6 – هذه الخطوات تؤمن وفورات مالية ضخمة، يتوجب إنفاقها على تحديث البنى التحتية:
قطاع الكهرباء يكبد الدولة 800 مليون دولار سنوياً، بينما إجراء إصلاح شامل وبناء معامل جديدة ومد خطوط نقل على كامل الجغرافيا اللبنانية لا يكلف أكثر من 4 مليارات دولار، هذا يعني أن إصلاح فاتورة الكهرباء (لناحية الأسعار والضرائب وغيرها من الأمور) وإصلاح البنية التحتية للكهرباء، ستبدأ في تحقيق وفورات جيدة تصل إلى 400 مليون دولار سنوياً، فضلا عن أن الواقع القائم يكبد لبنان (خروج أكثر من 1.5 مليار دولار) على شكل أموال بالعملات الأجنبية، نتيجة القطاع غير المنظم للمولدات، إصلاح الكهرباء وتوفيرها، يوفر على المواطنين أكثر من 2.5 مليار دولار سنوياً، ويمنع خروج أموال دولارية بقيمة مليار دولار تقريباً، وهذا بحد ذاته مكسب اقتصادي هام للبنان وللموازنة وللبنانيين. أي حديث حكومي عن إصلاح قطاع الطاقة من دون هذه الخطوة يعتبر تمييعاً للمسألة الأساس، وكلام رقمي عن أكلاف ستتكبدها المؤسسة بشكل إضافي، من دون احتسابها من إجمالي الإنفاق العام للبلاد على الطاقة. وهي عملية تعمية مقصودة.

ملاحظة: انتشر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي صورة لرواتب النواب والوزراء السابقين وأنهم يكلفون الميزانية 30 مليون دولار سنوياً بشكل تقريبي، الظن بأن بدء الإصلاح من هذه النقطة غير دقيق بالمرة وهو محض وهم. بالأساس القانوني؛ تعتبر هذه الرواتب للنواب السابقين وعائلاتهم حصانة للنواب كي يقوموا بواجبهم تجاه الأمة من دون الخضوع لضغوط مرحلية أو تتعلق بمستقبل أطفالهم وبالتالي قيامهم بمقايضة الحق العام بمصالحهم الشخصية، جميعنا يعلم اليوم ومن دون مواربة أن هذا لم ولا يحصل، وهذا يستوجب وقف جميع هذه الأجور بشكل نهائي. علماً أنها تعتبر زهيدة أمام مكامن الهدر والفساد الأخرى، لكن لا مشكلة في اتخاذ هكذا خطوة لأنها تدفع من أموال الشعب الذي تعرض لخديعة كبرى خلال أكثر من ربع قرن، ساهم بها معظم هؤلاء النواب والوزراء.

ملاحظة أخيرة: هذه الخطوات لم تعد ترفاً، ولا ضرباً من المستحيل. بل ضرورة آنية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تزداد شراسة في لبنان. علماً أنها طروحات إصلاحية وليست حلولاً جذرية أو أفكاراً راديكالية، إنها ببساطة ضرورة كي لا يسقط الهيكل علينا جميعاً.

أيمن فاضل، النص منشور على صفحته في موقع فايسبوك، يوم 6 شباط 2019
محرر الحقول : أضفنا العنوان على النص لتسهيل النشر. 

الراديو الأميركي : شائعات عن اجتماع العائلة السعودية لإبعاد بن سلمان؟

كشفت تقارير صحفية أميركية عن تصدع في العائلة الحاكمة في السعودية. ووفقًا لمعلومات خاصة تسربت إلى الراديو الأميركي/ Voice of America، هذا اليوم، فإن الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود، يخطط لعقد اجتماع لمجلس العائلة، بهدف وضع حدٍّ، بشكل لا لبس فيه، لنفوذ ولي العهد الحالي الأمير محمد بن سلمان.  
وكان الأمير أحمد قد عاد إلى الرياض بعد أن أقام في لندن بضعة شهور. ووفق معلومات ديبلوماسية غربية نشرت في بيروت، فقد حصل هذا الأمير (70 عاماً) وهو آخر شقيق للملك سلمان لا يزال على قيد الحياة، على ضمانات أميركية، بأن ابن شقيقه الأمير بن سلمان لن يتعرض له بسوء. 
وحسب الراديو الأميركي فإن الأمير أحمد يريد من اجتماع مجلس العائلة تعيين وصي على العرش السعودي. وقال الراديو إن عودته إلى السعودية، ترافقت مع شائعات قوية عن معارضة عائلية شديدة تواجه حكم بن سلمان حالياً، لا سيما بعد مقتل "الإخواني" جمال خاشقجي داخل مبنى قنصلية المملكة في اسطنبول التركية.  

إضطرابات قبلية في وسط السعودية؟
وكانت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية قد كشفت يوم الثلاثاء الماضي، عن أن عمليات التطهير التي يجريها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في صفوف قوات الحرس الوطني، قد أثارت غضب القبائل. وقال رافيل مصطفين في مقال إخباري نشره اليوم، السبت، تحت عنوان : "عرش السعودية يغامر بفقدان أركانه"، أن الملك سلمان الذي عهد بالكثير من شؤون الدولة لنجله ولي العهد الأمير محمد، اضطر للعودة إلى إدارة شؤون المملكة بـ"التحكم اليدوي"، لكي يتمكن من تسوية النزاعات الحادة التي تهدد وحدة البلاد.
ويضيف مصطفين : من بين تلك النزاعات، غضب القبائل التي تشكل العمود الفقري للحرس الوطني وتعتبر الدعامة الرئيسية للنظام في السعودية. وذلك لأن ولي العهد اعتقل شيوخ قبائل مطير وعتيبة وعنزة وغيرهم، وحرمهم من امتيازاتهم المعتادة. ما اضطر هؤلاء الشيوخ لرفع شكوى للملك، الذي وعد بتسوية الأمور بنفسه.
وقد تم إخماد الاضطرابات التي اجتاحت وسط البلاد الذي تقطنه القبائل المغبونة، بعد أن وفى الملك بوعده، وتم تقييد ولي العهد الذي اختفى عن الأنظار. لكن موقع "أنتلجنس أولاين/ Intelligence Online" قال إن شيوخ القبائل يعتقدون أن ولي العهد ينتظر فرصة مواتية لينتقم منهم.
ويذكِّر المقال : إلى أن الحرس الوطني كان يسمى في السابق "الحرس الأبيض" أو "البدو"، قد لعب دوراً أساسياً مهماً في توحيد كيان المملكة العربية السعودية، وإقامة دولة واحدة، تم تتويج ابن سعود ملكاً عليها. ومنذ ذلك الحين تقوم تشكيلات الحرس الوطني على حماية أبناء العائلة المالكة، والمسؤولين الكبار في المملكة، وكذلك المؤسسات الحكومية وهيئات الأمن والنظام، خصوصاً خلال موسم الحج. 
لقد خرجت تشكيلات "الحرس الوطني" من سلطة وزارة الدفاع منذ 1954. ثم بادر الملك السابق عبد الله الذي كان قائداً لـ"الحرس" إلى إنشاء وزارة خاصة لشؤون الحرس الوطنيعام 2013، أوكل أمرها إلى إبنه متعب. ومع استلام الملك سلمان ونجله محمد سلطة الحكم في السعودية بدأت النزاعات. 
فالملك الجديد ونجله وجدا أن الأمير متعب هو منافس قوي على العرش، كما أنه شخصية سياسية قادرة على توحيد جزء من النخبة السعودية غير الراضية لا عن تغيير نظام وراثة العرش داخل القبيلة الحاكمة، ولا عن سياسة الأمير محمد التي يدعمها الملك. وهذا يعني أن الحرس الوطني بقي الجهة الوحيدة التي تشكل تهديدا لولي العهد الذي لم يبق أمامه سوى خطوتين اثنتين لاعتلاء العرش.
وختم مصطفين مقاله لافتاً االإنتباه إلى أن الحرس الوطني هو بمثابة جيش متكامل تعداده زهاء 110 آلاف مقاتل مدربين ومجهزين بمختلف أنواع الأسلحة، وقد أظهر الحرس قدراته وإمكانياته في عملية "عاصفة الصحراء" التي شنها الأميركيون ضد العراق عام 1991، وفي كبح الاحتجاجات الشعبية المندلعة في البحرين.
وكان ديوان المراقبة العامة في السعودية، قد أصدر تقريراً إدارياً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، رصد تجاوزات مالية ضخمة حدثت في أحد قطاعات وزارة الحرس الوطني، وكلها تخالف الأنظمة واللوائح وسلم الرواتب والبدلات والمزايا المالية، إضافة إلى التعيين والتعاقد.
ومن بين المخالفات التي رصدها التقرير المنشور على موقع ” سبق” السعودي، تفاوت كبير بين الرواتب عند التعاقد، والرواتب الحالية. وأشار التقرير إلى ارتفاع الرواتب. حيث تجاوز راتب أحد الإداريين الـ 99 ألف ريال شهرياً، إضافة إلى رواتب أخرى تراوحت بين 70 و63 ألفا.
وخلال مراجعة الرواتب والبدلات آليا لشهر كانون الثاني/ يناير 2017، بين التقرير وجود خطأ حسابي في تجميع البدلات، نتج عنه فروقات كبيرة بين الراتب والبدلات ما ترتب عليه صرف أكثر من 509 ألف ريال في هذا الشهر بالزيادة لـ51 موظفا، بينهم موظفة وصل الفرق في راتبها إلى 96 ألف ريال في راتب هذا الشهر. كما تحدث التقرير عن الإستمرار بتعيين الأجانب وتجديد عقود عملهم، بشكل مخالف لقرار لمجلس الوزراء. وكذلك تم رصد تعاقد مع موظفين متقاعدين، تم التعاقد معهم في نفس يوم التقاعد وأعطوا راتب وظيفة كامل.
ومن شأن الإنقسام في الأسرة السعودية الحاكمة، أو تغيير هيكل السلطة فيها، كما يسير تقرير الراديو الأميركي، أن يترك آثاراً جيوسياسية وجيوطاقية بعيدة المدى على السعودية ودول المشرق العربي، وفي العالم.
وكالات، 27 تشرين الأول/أوكتوبر، 2018
مركز الحقول للدراسات والنشر
آخر تحديث يوم الخميس الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، 2018، الساعة 20:05

الدولة العثمانية ليست خلافة

تاريخ تركيا الدموي ضد العالم العربي ما زال يطاردها حتى اليوم، لذلك كانت حيلتها الوحيدة هي اللجوء لمفهوم «الخلافة الإسلامية»، فهو سبيلها الأوحد لدخول عالم العرب الثقافي لكسب التأييد الشعبي العربي.
قال أبوبكر الصديق – رضي الله عنه – عندما دعي بلقب خليفة الله: «لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله»، وهذا اللقب يمثل صفة أبي بكر الاعتبارية في دولة الخلافة الراشدة، وأبوبكر هو الوحيد في التاريخ الإسلامي الذي ينطبق عليه لقب خليفة رسول الله، فهو يحتكر هذا اللقب لوحده بلا منازع، وحتى عمر بن الخطاب، وهو من هو، لم يكن ينطبق عليه لقب خليفة رسول الله.
قد يستغرب القارئ قولنا هذا، ولكن كتب التاريخ تخبرنا بأن الصحابة الكرام بعد وفاة أبي بكر لم يكونوا يلقبون عمر بن الخطاب بلقب خليفة رسول الله، بل بلقب خليفة خليفة رسول الله، وهذه هي صفته الاعتبارية ومكانته في التاريخ الإسلامي، وبسبب هذا التكرار والطول في اللقب اقترح المغيرة بن شعبة لقب أمير المؤمنين قائلا: «أنت أميرنا ونحن المؤمنون فأنت أمير المؤمنين»، ومن هنا كانت بداية لقب أمير المؤمنين.
أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم، يمثلون أركان الخلافة الراشدة، وبنهاية عصرهم أسدل الستار على حقبة من حقب التاريخ الإسلامي لن تتكرر مجددا، لأن لها ظروفها الخاصة بها التي لن تتجدد في أي عصر آخر، فهؤلاء الأربعة قد عاصروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشرفوا بصحبته، وكانوا ملازمين له، وأخذوا الدين مباشرة منه، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، وضمن «السابقون الأولون» من المهاجرين، فلا شك أن لهم مكانة دينية مرموقة اختصوا بها.
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بخلافتهم الراشدة: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»، رواه أبوداود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هذا الحديث الشريف هو ما جعلنا نقول بأن الحقبة المقدرة بثلاثين سنة التي تمثل عمر الخلافة الراشدة لن تتكرر، لأنها مرحلة استثنائية من مراحل التاريخ الإسلامي، فالرسول قد أمرنا باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، إذن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب اتباعها، ليس لأنهم مشرعون جدد أو لأنهم ابتدعوا سنة محدثة، ولكن لأن سنتهم مطابقة لسنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو من تمام عدالتهم والثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكذبوا على الرسول، صلى الله عليه وسلم.
فهل هذه المواصفات المنطبقة على دولة الخلفاء الراشدين تنطبق بشكل أو بآخر على الدولة العثمانية ورموزها؟ وهل هناك أي مضمون ديني لتاريخ الدولة العثماني، أو أنها امتداد لدولة الخلافة الراشدة؟ بالطبع لا، فالرسول أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين لأنها مطابقة لسنته، ولكنه لم يأمرنا باتباع سنن العثمانيين، وهذا هو الفرق الكبير بين الدولتين.
كان عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله، وهذا اللقب هو صفته الاعتبارية، إذن ما هي صفة السلطان العثماني عبدالحميد الثاني على سبيل المثال؟ أو بمعنى آخر: خليفة من يعتبر عبدالحميد الثاني؟ إن الخلط الكبير في المسميات جعل كثيرا من العرب والمسلمين يعتقدون بأن الدولة العثمانية ليست إلا امتدادا لدولة الخلفاء الراشدين، حتى أصبح إلغاء دولة العثمانيين يعد إلغاء لجزء من الدين، ونهاية الدولة العثمانية هو نهاية الخلافة ذات الطابع الديني.
استغل كثير من الأحزاب والتنظيمات هذا الخلط وعدم الفهم للفوارق الشاسعة بين مكانة الخلفاء الراشدين وغيرهم، فصاروا يستغلون هذه النقطة للتبشير بعودة الخلافة الغائبة والخليفة الغائب، وأنهم هم المتكفلون بعودته، وهي بطبيعة الحال حيلة سياسية في سبيل كسب تعاطف الجماهير وإلهاب مشاعرهم.
ولأن تركيا الحديثة تعيش حالة أشبه ما تكون بالعزلة الثقافية، فلا هي مقبولة ثقافيا وسياسيا في دول الاتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت تشعر بأنها عاجزة عن الانصهار والاندماج ثقافيا مع العالم العربي، لأن تاريخها الدموي ضد العالم العربي ما زال يطاردها حتى اليوم، لذلك كانت حيلتها الوحيدة هي اللجوء لمفهوم (الخلافة الإسلامية)، فهو سبيلها الأوحد لدخول عالم العرب الثقافي لكسب التأييد الشعبي العربي، فبداية من عدنان مندريس مرورا بأربكان ونهاية بزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب إردوغان، وكلهم قدموا أنفسهم للعالم العربي بصورة مناضلين ومعارضين لمفهوم الدولة الأتاتوركي، ولديهم رغبة في حال حصلوا على التمكين اللازم والسيطرة الكافية على إحلال النموذج العثماني محل النموذج الأتاتوركي، فهم يدركون جيدا الفهم الخاطئ لمفهوم الخلافة عند الكثير من العرب.
 
محمد السعد، كاتب عربي من السعودية
نشر في "الوطن" السعودية، يوم 28 حزيران/ يونيو، 2018
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محرر الحقول
مصدر صورة المقال من موقع الديوان

غرابة التعاطف مع “إسرائيل”..!

من الأمور المستغربة في أقوال وأفعال بعض الأكاديميين والساسة الغربيين، وخاصة أولئك الدبلوماسيين الذين يمثلون دولهم، أو يمثلون التكتلات السياسية الغربية الرئيسة، مثل: الاتحاد الأوروبي، وحلف ناتو، وغيرهما، هو هذا التأييد (الأعمى) لـ"إسرائيل"، ولجرائمها. معظم هؤلاء يدافعون عن الكيان الصهيوني تماماً، وباستماتة، كما يدافع أي صهيوني متحمس عنه. حتى ليخيل للحاضرين أن الحديث يتم مع "إسرائيليين"، من أحفاد بن جوريون، وهرتزل وأشكول… إلخ. وهم – كما الصهاينة الحقيقيين – يلتفون على الحقائق، ويلوون المنطق… بما يظهر "إسرائيل" كحمامة سلام بريئة وادعة… قدر لها أن تقع وسط غابة من الوحوش، والإرهابيين الذين يتربصون بها الدوائر، وينكرون عليها حقها في التواجد، وحقها في «الدفاع عن نفسها»…؟!

أغلب ما يسمع من هؤلاء هو: تمجيد لـ"إسرائيل" (وإنجازاتها) وتبرير لسياساتها الإجرامية. يتناسى هؤلاء أن هناك شعباً أقيم الكيان الصهيوني عنوة على أرضه… وتم إحضار أناس لا صلة حقيقية لهم بفلسطين والمنطقة ليحلوا مكان الشعب الفلسطيني. وفي منطق بعض هؤلاء، فإنه لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني…؟! وكأنهم يقولون: إن الإسرائيليين (وليس الفلسطينيين) هم من عاشوا في هذه البقعة (التي يصرون على تسميتها بـ«إسرائيل») على مدار 3 آلاف عام المنصرمة… وفجأة، ومنذ بداية القرن العشرين، بدأ الفلسطينيون يهجمون على فلسطين، في هجرة استيطانية – استعمارية… هدفها: استئصال سكان البلاد الأصليين، وتشريدهم وقتلهم، ونهب أرضهم وممتلكاتهم…؟!

***

والأدهى من ذلك: أن هؤلاء ينظرون إلى العرب، وكل قضاياهم، من المنظور "الإسرائيلي" الصهيوني. فكل ما تقوله إسرائيل عن العرب ودينهم وحضارتهم يصدقونه، ويعتبرونه حقائق مسلماً بها…؟! والأمر لا يقتصر فقط على الصراع العربي – "الإسرائيلي" وحقائقه وتطوراته، بل يمتد ليشمل المصادقة على معظم ما تقوله "إسرائيل" (وتفعله) عن هذه الأمة…؟!

لماذا يتحمس هؤلاء، ومنهم غربيون (فرنسيون، ألمان، إنجليز، أمريكان، كنديون… إلخ). كما أن منهم عرباً… لإسرائيل هكذا؟!، ويدافعون هذا الدفاع المستميت عن جرائم هذا الكيان الفاضحة، وغير المسبوقة…؟! هناك، في الواقع، عدة احتمالات (أسباب) أهمها:

1- أنهم يعشقون اليهود والصهاينة.

2- أنهم يكرهون العرب والمسلمين.

3- أنهم يكرهون الطرفين، ويريدون إشغالهم. ولهذا، يحرصون على استمرار هذا الصراع (التاريخي) بين الجانبين، عبر استمرار ظلم طرف للآخر.

4 – أنهم يستخدمون ذلك الكيان كقاعدة متقدمة ضد هذه الأمة.

والحقيقة، أن التأييد الغربي للكيان الصهيوني له أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية معروفة، وإن كان أغلبها غير مبرر. فالغرب المتصهين يتحمس لإسرائيل لكل ما ذكر من أسباب أعلاه.

أما تأييد بعض العرب للصهيونية، وهو تأييد صادر من قلة قليلة تافهة في عالمنا العربي، فيثير التعجب والاستغراب البالغ، والاستياء العميق، خاصة بعد أن مد العرب أيديهم للصلح والتسوية، وجنحوا للسلم، ووافقوا على «حل الدولتين». ويعود الإعجاب العربي بالصهيونية لأسباب نفسية وأخلاقية غير سوية أصلاً. ويندرج العربي المتصهين ضمن إحدى الفئات التي تتواجد غالباً في البلاد المغلقة. فهو: إما جاهل بحقيقة الحركة الصهيونية، وكونها تستهدف كل الأمة، وليس فلسطين وحسب، أو منافق، أو يسعى لتحقيق منافع آنية خاصة به، دون اكتراث بمصالح وطنه وأمته. وربما لا يدرك أن عشمه في "إسرائيل"، كعشم إبليس في الجنة…

***

ومن أكثر المواضيع التي يتحمس لها هؤلاء «المتصهينون» هي: التسلح النووي "الإسرائيلي". فمن حق "إسرائيل" (في رأيهم) أن تمتلك سلاحاً نووياً ضارباً، يغطي العالم العربي، من المحيط إلى الخليج، وتحوز كل الأسلحة الفتاكة الممكنة. ولكن ليس من حق أي دولة بالمنطقة أن تمتلك أي قدرة تقنية… يمكن أن تهدد "إسرائيل" بها، مستقبلاً. وحبذا لو ينزع حتى السلاح التقليدي من أيدي أولئك الذين «يرهبون» "إسرائيل". بالطبع، هم لا يقولون هذا صراحة غالباً… فلم تبلغ الوقاحة عندهم، أو عند أغلبهم، هذا الحد من الاستخفاف المهين بالعقول العربية. ولكن لسان حالهم يقول ذلك وأكثر…

أعتقد أنه يتوجب على المثقفين العرب تفنيد هذه الأكاذيب، والمغالطات، حتى وإن كان أغلبها لا يستحق، في الواقع، مجرد المناقشة. ولكن، لا بد من فعل ذلك، ولو من قبيل التذكير، ولكي يعرف غير المتصهينين حقيقة الأمر… وللتفكير بما يجب أن يعمله العرب لمواجهة هذا الافتراء، بالحقائق الصحيحة. وكذلك التنويه بأن: اشتداد ساعد "إسرائيل" سيجعلها (كما هو ديدنها) تبتز حتى الغرب – ولي نعمتها – وتهدده هو أيضاً. ساذج من يعتقد أن أذى إسرائيل سيقتصر – في المدى الطويل – على الفلسطينيين، أو حتى العرب وحسب… ؟! الدولة الفلسطينية المستقلة هي الطوق الذى سيحجم من التوسع "الإسرائيلي"، ويحصر هيمنتها في نطاق محدود، يكفي العرب والعالم كثيراً من شرور الصهيونية.

قال وقلت:

قال أحد المتصهينين العرب: «القضية الفلسطينية لا تعنيني. أنا لا أتعاطف مع الفلسطينيين».

قلت: لا أعتقد أنك جاهل. ولكنك هنا «تتجاهل» كون هذه القضية إنسانية عربية إسلامية، قبل أن تكون فلسطينية… كما أراك تأمن الصهيونية، ولا تخشى من استمرارها كما هي.

صدقة يحيى فاضل
كاتب عربي من السعودية
عكاظ، الأحد / 6 / شعبان / 1439 هـ، 22 أبريل/ نيسان 2018، 01:48

“حتى لا يطير الغاز” في مصر ..

تبدأ القصة في عام ٢٠٠٤، حين خرج علينا وزير البترول في عهد مبارك ليزف بشرى أن مصر صارت أحد أهم عشر دول على مستوى العالم في احتياطيات الغاز، وسرعان ما سنصبح سادس أكبر مصدر عالمي. ثم خرج علينا باستراتيجية صارت نغما في آذان المصريين: الثلث للاستخدام المحلي، والثلث للتصدير والثلث الأخير يبقى في الأرض لاستخدام الأجيال القادمة.

أول من استفاد من زخم الدعاية الحكومية، بأن مصر ترقد على بحر من الغاز الطبيعي، كان لوبي الصناعات كثيفة استخدام الطاقة. وكان هؤلاء على علاقة وثيقة بالحزب الوطني المنحل، ومنهم وزراء في الحكومة، ومنهم من يشارك عائلة الرئيس السابق (ومنهم من ينتمي حاليا لائتلاف دعم مصر).

نجح هؤلاء عن طريق صلاتهم بالنظام الحاكم في شراء الغاز بأبخس الأسعار (أرخص أو يعادل ثمن الغاز المباع في السعودية، صاحبة أكبر احتياطي بترولي في العالم).

ساهمت سياسة الدولة القائمة على بيع الطاقة رخيصة (مدعومة من جيوبنا) أن توسع هؤلاء بسرعة في بناء مصانع وشركات جديدة. صارت تمثل الصناعات كثيفة الطاقة ٢٠٪ من مصانعنا لكنها تستهلك ٨٠٪ من الطاقة الموجهة إلى الصناعة.

وكمثل كوب مليء فيه شفاط، يشرب منه العطشان بلهفة حتى يسمع صوت نضوب المشروب، سمعنا جميعا أن الغاز الطبيعي نضب.

استنفدنا كل ما أمكن استخراجه من غاز في تغذية صناعات احتكارية، ملوثة، ضعيفة التوظيف، قائمة على فساد في العلاقات بالنظام الحاكم.

قصة تبديد الغاز المصري: لا شفافية ولا محاسبة
لم نعلم تفاصيل الصفقات إلا متأخرا لنكتشف بعد فوات الأوان أن عدم الشفافية وغياب مراقبة البرلمان قد أديا أيضا إلى التصدير بأسعار بخسة – مقارنة بالأسعار العالمية- لم تنعم إسرائيل وإسبانيا وإيطاليا طويلا بها.

كانت مصر دولة غنية بالغاز الطبيعي. فأخذت تبعثره رخيصا في شكل عطايا على محاسيب النظام، حتى راكموا المليارات من الأرباح، ونضب الغاز في أقل من عشرة أعوام. صار لا يوفي احتياجاتنا المحلية ولا تعهداتنا التصديرية. ولم يحاسب على ذلك أحد بشكل شفاف وعلني.

وها نحن على وشك أن نبدأ في استخدام الاحتياطي الذي كنا قد تركناه للأجيال القادمة (حقل ظهر ضمن الاحتياطيات التي كان يتكلم عنها سامح فهمي). هو الثلث المتبقي بعد أن طار الثلثين. وها نحن نوقع صفقة استيراد للغاز، تثير من الدهشة والأسئلة ما يذكرنا بما فات.  

بلد غنيٌ بالبترول والغاز فقيرٌ شعبه..
تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن انعدام الشفافية في البترول والغاز يؤدي إلى الفساد وإفقار الشعوب. "كثيرة هي الدول الغنية بالبترول أو الغاز والتي تأوي شعوبا فقيرة. كيف لذلك أن يكون؟ ما يحدث عادة هو أن يحتفظ قلة من السياسيين أو أصحاب الشركات بالثروة. فلا تُنشَر بيانات العائدات البترولية. كما تبقى تلك المدفوعات التي تدفع للحكومات مقابل استغلال الموارد طي الكتمان. ولا تتم محاصرة الرشى أو الاختلاسات. حين تحمي الشركات هوية أصحابها، وفروعها، فهي قد تسمح للفسدة من المسؤولين بأن يخفوا أموالهم المختلسة بعيدا عن الأعين. خاصة وأن هناك العديد من الشركات في قطاع البترول والغاز التي لا تفصح عن بيانات أعمالها في كل دولة على حدة". وهذا يسمح لهم بإخفاء الضرائب ورسوم الانتفاع التي يدفعونها. ولكن في غياب تلك المعلومات، لا نستطيع أن نخضع حكوماتنا لأي مساءلة حول الأموال التي تتلقاها". انتهى الاقتباس لتبدأ المخاوف.

وفقا لمؤشر حوكمة الموارد ٢٠١٧، والذي يغطي ٨١ دولة، تصدر معا ٨٢٪ من البترول في العالم، و٧٠٪ من الغاز، أن مجموعة القوانين الحاكمة لمنظومة الغاز والبترول في مصر معقولة، ولكن قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق تلك القوانين شبه معدومة. وطبقا للمؤشر، حصلت مصر على درجة ٣٩ من ١٠٠ في حوكمة الغاز والبترول، وضعتها تلك الدرجة المتدنية في المرتبة ال٦٠، لا يتبعها سوى الدول "فاشلة الحوكمة". وأسوأ درجة كانت في مجال إدارة الموارد. وخاصة الهيئة العامة للبترول، والتي تعد في مرتبة متوسطة بين ١٦ شركة حكومية في الشرق الأوسط من حيث الحوكمة. وحصلت الهيئة على وصف "فاشلة" فيما يتعلق بالإفصاح عن الأنشطة غير التجارية وعن المبيعات وعن الفروع التابعة لها وعن الشركات التي أنشأتها بالمشاركة مع القطاع الخاص.

فماذا تقول لنا تلك المؤشرات عن الصفقة الحالية؟

تخليص الإبريز
من بين أكوام الدعاية والدعاية المضادة، وبعد تفنيد ما كتب محليا وإسرائيليا واستبعاد كل ما كذبه التعليق الموجز للرئيس عبد الفتاح السيسي، هذه هي أهم الحقائق المتعلقة بصفقة استيراد الغاز الإسرائيلي:

الغاز المستورد هو للاستخدام المحلي بالأساس، ويوجه إلى الصناعة المحلية.

الصفقة تمت بالتفاهم مع أجهزة الدولة لأنها تستخدم البنية التحتية التي توفرها الدولة.

الموضوع إذن يخص الشأن العام.

ولكن، لا توجد معلومات كافية ولا بيانات رسمية عن النفع العام من تلك الصفقة.

في هذه المرة، تقول لنا الدعاية، كما كان يقال في المرة الأولى، هي صفقة بين شركتين قطاع خاص، والقطاع الخاص يعرف كيف يعقد الصفقات الرابحة أكثر من الدولة. ويتردد اليوم كثيرا تعبير صفقة رابحة للطرفين win-win. فهل هي كذلك فعلا؟

حسنا فعل الرئيس أن أقر بأن تلك الصفقة لم تكن لتتم بدون أجهزة الدولة. فغير ذلك هو مما يستخف بالعقول.

ويبقى إقرار الرئيس منقوصا طالما لم يتم الإفصاح عن تكلفة تحويل مسار خط الغاز (من التصدير إلى الاستيراد)، ومن يتحملها، ولا تكلفة حماية الخط ومن يتحملها. وعن الربح العام عن تسييل كل متر مكعب من الغاز، وعن وضع محطات التسييل التي وفقا لأحد التقديرات لن يتبقى من طاقتها إلا الثلث فقط بعد تسييل الغاز الإسرائيلي، وهل يكفي ثلث الطاقة في المحطتين لتسييل الغاز المحلي؟ وكيف ستنظم تلك العملية؟ وهل فعلا هناك مباحثات لشراء إسرائيل لحصة أكبر في خط الغاز، كما ذكر موقع مدى مصر؟ وما أثر ذلك الاقتصادي والسياسي؟

أسئلة التنمية والسياسات العامة أيضا كثيرة، مثلا: لماذا لا يدخل مصر تقريبا سوى استثمارات في قطاع البترول والغاز، وهو قطاع كثيف رأس المال قليل التوظيف؟ لماذا لا توفر الحكومة الحوافز المناسبة لجذب النوع الأنسب لنا من المشروعات، التي تعتمد على التشغيل الكثيف؟

ولماذا تسمح مصر بأن تتخذ الشركات الخاصة في مجال البترول والغاز (ومنها بعض شركات الصفقة الأخيرة) الملاذات الضريبية كمقرات لها أو لفروعها، فلا تدفع ضرائبها بما يرضي القانون في مصر؟ أي نفع منها إذن إذا كان لا وظائف ولا ضرائب؟ ولماذا تظل هويات بعض أصحابها وفروعها غير معلنة بدقة، فلا نستطيع أن نتتبع إذا ما كانت هناك تعاقدات فاسدة أم لا؟ خاصة وأن في صفقتنا الأخيرة اتفاقية عدم افصاح تتعهد فيها الدولة المصرية بعدم استخدام المعلومات المتعلقة بالصفقة في أية معاملات قانونية أو تحكيم دولي، وفقا لمدى مصر.

الفارق بين الربح الخاص والمنفعة العامة
وأخيرا، يجب أن نتساءل عن أفضل أوجه الاستخدام للغاز المستورد (نفقة الفرصة البديلة). فقد أعلن السيد الرئيس عن استخدام الغاز المستورد في تشغيل نفس المصانع إياها، وإن تبقى ما هو غير ذلك، فهو للتصدير. وخص بالذكر مثال شركات الأسمدة، (التي يشكل الغاز الطبيعي فيها ٧٠٪ من مدخلاتها). فهل تلك هي أفضل وأهم صناعات يجب أن يوجه إليها ذلك المورد المحدود والمكلف؟

لعل الإجابة الواضحة من تجربة الأمس القريب هي لا.

لأن مصر بلد كثير سكانه، واحتياجاته من الطاقة كبيرة، فهي لا تملك ترف تصدير الأسمدة. إذ كأننا تكبدنا كل هذا العناء على حساب الدولة، كي يستطيع مصنع فلان أو علان تصدير أسمدته إلى أوربا وغيرها، وجني الأرباح. فتساهم مصر الفقيرة في دعم الفلاح الأوربي الغني.

وهكذا، يقول المنطق الاقتصادي أن سياسة استخدام الغاز، مستوردا كان أم محليا، يجب أن تقوم على استهداف صناعات بعينها تحتاجها الدولة للاستهلاك المحلي. وأن دعم الدولة يجب أن يتوجه فقط إلى تلك الصناعات التصديرية غير كثيفة الطاقة، حيث أننا لا نملك أي ميزة نسبية (وفرة مقارنة بغيرنا من الدول) في الطاقة.

نعم سوف يربح القطاع الخاص من تلك الصفقة الأخيرة. ولكن هل هو ربح خاص على حساب المنفعة العامة؟

لم يقدم أحد من القائمين على الصفقة ما يثبت عكس ذلك.

وقد شاهدنا كيف ربح القطاع الخاص مسبقا من صفقة مشابهة، وحين نضب الغاز، ربح من خلال التحكيم الدولي تعويضات تقدر ب٢ مليار دولار. وهنا تجب الإشارة إلى الضرر البالغ الذي تتكبده الدول النامية من إلزام الشركات لها بالتحكيم الدولي. وفقا للدراسة الهامة للباحث عبد الحميد مكاوي: "الاستثمار في مواجهة العدالة" والتي تقدر التعويض الذي يجدر على مصر دفعه لشركتين إسرائيليتين بنفس المبلغ المخصص للإنفاق العام على الصحة أو ثلث الإنفاق على التعليم في العام الماضي.

وماذا عن السياسة؟
لا يمكن انتزاع الموضوع من سياقه السياسي. لنتذكر الأساسيات: إسرائيل كيان محتل. غازه هو غاز فلسطين المحتلة. فهل يصح أن تسوق له مصر غازا مختَلَفٌ على مصدره؟ أليس من الأجدى حاليا ونحن في مخاض صفقة القرن أن نضغط من أجل السماح للإدارة الفلسطينية هي أيضا باستغلال نصيبها من الغاز الطبيعي؟ ألم يكن من الأجدى البدء بمساعدة لبنان، والتي تشكو من جور إسرائيل على نصيبها من الغاز في البحر المتوسط والتي أبدت استعدادها سابقا في تحمل نصيبها من تمويل خط الغاز العربي؟ أو البدء باستيراد غاز قبرص، وهو ما كان سيغيظ تركيا كثيرا.

في كل تلك البدائل ربح اقتصادي وسياسي لمصر وخسارة سياسية واقتصادية لإسرائيل.

إسرائيل اليوم عالميا هي في أضعف لحظاتها. فقد صبغتها سنوات من النضال الفلسطيني والعالمي بصورة المحتل العنصري، وتعاني العزلة الدولية جراء ذلك. من يتعامل معها أكاديميا عليه أن يعتذر أو يمتنع. ومن يتعامل اقتصاديا عليه أن يبرر فعلته أو تطاله حملات المقاطعة. فلماذا تسير مصر عكس الاتجاه؟

لعلنا نتذكر حين كان مبارك الأب يبحث عن الرضا الدولي لتمرير التوريث، قد وقع مع إسرائيل اتفاقية تقضي باستيراد شركات الملابس المصرية لمستلزمات إنتاج إسرائيلية. فكل خطوة تقترب بها مصر من إسرائيل تحظى بتقدير يرفع من أسهمها وسط المجتمع الدولي.
سلمى حسين
الشروق، الجمعة 2 مارس/ آذار 2018
العنوان الأصلي للمقال : "حتى لا يطير الغاز .." وقد جرى تعديله لتسهيل اختيارات القارئ العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سلمى حسين باحثة أولى بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وصحفية متخصصة في الاقتصاد منذ 17 عاما. شغلت منصب رئيسة قسم الاقتصاد باﻷهرام إبدو. حاصلة على الماجستير في السياسات العامة (بالجامعة الأمريكية). شاركت في تأسيس عدة إصدارات مثل جريدة البديل المستقلة وموقع أهرام أو لاين باللغة اﻹنجليزية والذي عملت فيه كرئيسة قسم الاقتصاد ونائب مدير تحرير. صدر لها في 2014 كتاب «دليل كل صحفي: كيف تجد ما يهمك في الموازنة العامة».

الكيان الكردي ومشاريع نهب نفط العراق ومياهه .. مشروع “إسرائيلي”

رغم التقدّم العسكري لقوات بغداد ودمشق وحلفائهما، وسيطرتهما على معظم مساحة الدولة في العراق وسوريا، ما زال مبكراً نعي المشاريع "الأطلسية – الإسرائيلية" لنهب نفط شمال البلاد، وكذلك مياه دجلة والفرات. تعود المخططات الأميركية – "الإسرائيلية" للإستيلاء على نفط كركوك إلى عام 1975 على الأقل، مع محاولة وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، هنري كيسنجر، إحياء خط انابيب كركوك – حيفا، الذي أوقفت عمله الحكومة العراقية عام 1948، مع إعلان قيام "إسرائيل". لكن بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، جاءت محاولات جديدة لإحياء خط الأنابيب هذا، حيث أعلن وزير صهيوني "إلتزام القيادة الكردية" بالمشروع، ووضع "مخططات ودراسات" مع الجانب التركي لضخ نفط كركوك، وأيضاً مياه دجلة والفرات، إلى "إسرائيل"، عبر تركيا، في حال دُفِن مشروع خط العراق – الأردن – فلسطين.
وثمة شكوك بأن المشروع الأخير لا زال حياً، ولو مموّهاً ومُمرحلاً أو كامناً، خاصة أن "البديل التركي" أعلى كلفة وتتهدده مخاطر سياسية؛ إذ ينبغي مراقبة مشاريع أنابيب النفط التي تربط منشآت البصرة بميناء العقبة الأردني، واحتمال ربطها بـ"مشروع البنية التحتية الإستراتيجي لخطوط تصدير النفط الخام" الذي عرضته وزارة النفط العراقية في لندن في كانون الأول 2012، ويُظهر خارطة لربط خطوط الأنابيب "عبر الأردن وسورية وتركيا".
خسارة كركوك تحرم "كردستان" دخول نادي كبار مصدّري النفط
يُفترض بحكومة أربيل الإقليمية أن تسيطر على 6% من نفط العراق فقط، طبقاً لاتفاقية رسمية مع بغداد؛ لكن بسيطرتها على كركوك وحقول النفط التابعة، تسيطر أربيل على 20% من موارد العراق النفطية، تقول الباحثة في شؤون الطاقة، إلين وولد، لمجلة "فوربس". تنقل وولد عن منظمة "أوبك" أن احتياطات العراق من النفط تبلغ 142.5 مليار برميل، وأن "كردستان مستقلة، بالحدود التي أُجري فيها الإستفتاء" على الإنفصال، ستملك نحو 28.5 مليار برميل من الخام، ما يجعلها في مصاف كبرى الدول المصدّرة للنفط. وتنقل "بلومبرغ" عن أربيل أن "كردستان العراق" قد تحوي 45 مليار برميل من إحتياطي النفط الخام، أي "أكثر مما تملكه نيجيريا، العضو في أوبك". وتنقل "بلومبرغ" عن مؤسسة Rystad Energy أن الإقليم الإنفصالي ضخ أكثر من نصف مليون برميل نفط في اليوم عام 2016، أي نحو 12% من إجمالي إنتاج العراق (4.32 مليون برميل في اليوم، وفقاً لوزير النفط العراقي، جبار اللعيبي)؛ وكان يُتوقَّع أن يزيد الإقليم إنتاجه إلى نحو 602،000 برميل هذا العام، ما كان يُفترض أن يضعه في مستوى الإكوادور وقطر من حيث حجم الإنتاج. لكن غالبية الإنتاج تأتي من حقول كركوك، التي كان الكرد يحتلونها، والتي تضخ ما بين 350 ألف و400 ألف برميل في اليوم، وفقاً لوكيل وزارة النفط العراقية، فياض نعمة. "لولا نفط كركوك، لكانت حكومة إقليم كردستان غير قادرة حتى على دفع نصف رواتب موظفيها"، قال المتحدث باسم "الاتحاد الوطني الكردستاني" آسو ماماند. وفقاً لتقرير نشره موقع "Oilprice" في 21 حزيران حول خطط أربيل لتوسيع إنتاجها وصادراتها النفطية، وقّعت الأخيرة إتفاقية مع شركة "روسنفت" مطلع حزيران، تستثمر بموجبها الشركة الروسية 3 مليارات دولار في نطاق "حكومة كردستان الإقليمية"، لتصدّر نفط الإقليم إلى مصافٍ في ألمانيا. ويشير الموقع إلى أن الإتفاقية تأتي بعد أخرى وُقِّعت في شباط، "أعطت روسنفت الحق بنقل 700 ألف برميل يومياً، قد تتوسَّع إلى مليون برميل في اليوم بحلول نهاية العام"! ووفقاً لـCNBC، فإن عملاق النفط الأميركي "شيفرون" يعمل في "كردستان العراق" منذ عام 2012، إلى جانب شركات كـ"توتال" الفرنسية و"Gulf Keystone" البريطانية و"OMV" النمسوية و"DNO" النروجية.

إحياء خط كركوك – حيفا، و"البديل التركي"
"إسرائيل تريد خط أنابيب لنفط العراق"، عنونت صحيفة الـ"غارديان" البريطانية في 20 نيسان 2003، متحدثة عن "خطط لبناء خط أنابيب لشفط (siphon) النفط من العراق المحتل حديثاً إلى إسرائيل، (كانت) تتم مناقشتها بين واشنطن وتل أبيب وشخصيات حكومية مستقبلية في بغداد". كانت الخطة تقتضي إعادة بناء خط كركوك-حيفا، بما "يقطع الإمداد عن سورية ويحل لإسرائيل أزمة الطاقة… ويضمن مصدراً للولايات المتحدة لا ينضب ويسهل الوصول إليه من النفط العراقي الرخيص، بضمانة حلفاء موثوقين، غير السعودية، (بما يمثّل) حجر زاوية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عقود، وخاصة بعد أحداث 11 أيلول 2001".
الكلام العلني الأول عن الخطة أعلاه صدر عن وزير البنى التحتية الصهيوني، جوزيف باريتزكي، نقلته صحيفة "هآرتس" العبرية؛ لكن هنري كيسنجر كان صاحب هذه "الرؤيا"، حيث وقّع، عام 1975، "مذكرة تفاهم تضمن فيها الولايات المتحدة لإسرائيل إحتياطات النفط ووارداتها من الطاقة في أوقات الأزمات"، وفقاً للـ"غارديان" التي ذكرت أن وزير الحرب الأميركي وقت اجتياح العراق، دونالد رامسفيلد، دفع بخطة كيسنجر، وكان يُفترض بشركة "بيكتل" الأميركية أن تعيد بناء خط الأنابيب المذكور.
"الهدف الأعلى لإسرائيل هو دعم الأكراد وتزويدهم بالسلاح والتدريب، وجعلهم شركاءنا بالأمن، من أجل تأسيس دولة كردية مستقلة في الجزء الشمالي من العراق، تسيطر على نفط كركوك وكردستان"، قال آفي ديختر، وزير الأمن الصهيوني السابق، في محاضرة ألقاها في "مركز بحوث الأمن القومي الإسرائيلي"، وفقاً لموقع Window Into Palestine (أيار 2010). قال ديختر إن "القيادة الكردية ضمنت خط أنابيب النفط من كركوك إلى خط IBC (البديل لخط كركوك-حيفا القديم) عبر الأردن… إذا تراجعت الأردن عن وعودها (بالتعاون)، فلدينا البديل: تركيا؛ فقد أنهينا وضع الخطط والدراسات لبناء أنابيب للمياه والنفط مع تركيا، ومن تركيا إلى إسرائيل".
فراس أبو مصلح، صحفي وباحث عربي من لبنان
21 تشرين الأول، 2017