قضايا “الثورة اللبنانية” : المأساة … فرصة استثنائية / ورقة “مواطنون ومواطنات في دولة” (6)

الوقائع 
بمرور شهر على بدء الانتفاضة الشعبية المباركة، يكون لبنان قد سجّل أرقاماً قياسية في تاريخه، شهر كامل متواصل من التظاهر في المناطق اللبنانية كافة، وإن بوتيرة متفاوتة، وإقفال للمصارف ثلاثة أسابيع من أصل أربعة، وتعطّل الآليات السياسية التقليدية من حكومة ومجلس نواب واستشارات وتكليف. تزامن هذه السوابق ليس صدفة، فإقفال المصارف نتيجة لأزمة مالية حادّة وغير مسبوقة، وبقاء الناس في الشارع هو أيضاً نتيجة للسبب نفسه. النتيجة الثالثة لهذه الأزمة، وإن كانت أقلّ بداهة، هي سقوط النظام السياسي القائم على تحالف وتحاصص ستة زعماء لأربع طوائف واستتباعهم لأخرى، سقوط من داخله، بفعل توقف الدفق في شريانه الأساسي، أي توقف دخول الدولارات إلى دورة التوزيع.
المهمّ هنا أن الإفلاس لم يحصل لأن الناس تظاهروا، أو لأن بعض السياسيين تلطّوا خلف المتظاهرين بعد أن استقالوا من مسؤولياتهم فيما غيرهم يكابر ويستنزف الناس بالتعب والتهديد، أو نتيجة تدخلات كل من طالت يده، وأطول يد اليوم في العالم وفي منطقتنا هي يد الهيمنة الأميركية، وشركائها الغربيين، وخاصة ذراعها المحلية إسرائيل، من دون أن يعني ذلك أن هذه التدخلات غير موجودة، فهي مقيمة ويسهل فعلها كلما كانت المجتمعات مقسّمة.
نحن في حركة (مواطنون ومواطنات في دولة) نرى أن هذا المفصل في تاريخ بلدنا دقيق جداً، وأنه مشوب بمخاطر كبيرة قد تؤدي إلى دمار المجتمع، لكنه يشكل في الوقت نفسه فرصة ثمينة لإجراء تصحيح تاريخي في مسارنا السياسي، من خلال وضع أسس صلبة لدولة فعلية، أي دولة مدنية، الوحيدة القادرة على حماية المجتمع، أي الجميع.
ولأن المفصل تاريخي ودقيق، فلا بدّ من تناول الأمور التي تُعتبر شائكة في المشهد السياسي اللبناني بوضوح كامل، بدءاً بالملحّ منها، أي الأزمة المالية المتدحرجة، وصولاً إلى أصل المأساة التي تتكشّف اليوم، أي تشكّل السلطة من المجتمع، من دون إغفال المسائل الخلافية التي يبدو المجتمع وكأنه منقسم حيالها، فيغفل عن عوارض آفاته وعن أسبابها معاً.
الدولة أداة وحاجة
ما هي هذه الدولة؟ كيف تكون لديها القدرة والمنعة لتواجه الإرث اللعين: الإفلاس والتفتّت المجتمعي في الداخل، والرهانات والتآمر والعداون من الخارج؟
ماذا يعني أن تكون الدولة قوية؟ يعني أن تحظى بالشرعية الكافية في نظر مواطنيها ومواطناتها كي تؤطر مواردهم من دون كلفة التردد أو الانكفاء أو الرشوة أو القمع.
كيف تُنشأ دولة قوية؟ هنا أيضاً الموضوع ليس موضوع عقائد ولا إيديولوجيا. إنّما هو موضوع وقائع وحاجات.
إذا كان البلد مجتمعه متكتّلاً حول عقيدة قومية أو إن كانت غالبيته تتبع الدين نفسه أو إن كانت القوى العسكرية متماسكة حول عصبية شديدة، يمكن الدولة أن تستعير شرعيتها من القومية أو من الدين أو من الجيش. من حولنا دول من كل من هذه الأنواع. مرة أخرى، مجتمعنا بواقعه لا يستطيع أن يُعطي شرعية لسلطة على هذه الأسس. الطريقة الوحيدة في لبنان لتكون فيه دولة فعلية، هي اعتماد شرعية سياسية هي بالتحديد الدولة المدنية، أي النقيض الساطع لائتلاف المكوّنات والطوائف.
ماذا تفعل هذه الدولة؟ كيف تواجه الوقائع؟
لن نتكلم في النظريات، بل بشكل بسيط ومن دون الغرق في تفاصيل تقنية معقّدة.
المطلوب حكومة تدير الإرث اللعين من خلال مرحلة انتقالية أصبحنا في خضمّها، إنما نتخبط فيها من دون هدى. نريد إدارتها بشكل هادف. هذه الحكومة تكون لديها صلاحيات استثنائية تشريعية لفترة 18 شهراً حتى تستطيع مواجهة الواقع، وأكرر، الإرث اللعين.
كيف تتصرّف؟
المرحلة الأولى: الإقرار بالواقع ومعرفته
خلال فترة أولى، أسبوعين أو ثلاثة، تقوم الحكومة بجردة دقيقة لمعرفة حجم الأموال التي ما زالت متاحة فعلياً للدولة وللنظام المصرفي. لا تنغشّ ولا تغشّ بإعلان احتياطي شكلي ولا بسيولة مزعومة ولا بهندسات اصطناعية ولا بعمليات تزوير لنشر موازنة من دون عجز، في حين يعمّ الخراب الإدارات والمؤسسات والأسر. نريد أن نعرف الذهب أين صار؟ كم منه متاحٌ فعلياً؟
بموازاة هذه الجردة للموجودات المتاحة فعلياً، يتوجّه عدد من السفراء فوق العادة، الموثوقين إلى أبعد حد، للتفاوض مع الدول، القريبة والبعيدة، والمؤسسات الدولية، التي لها اهتمام بلبنان، يعني، من دون سذاجة، التي لها مصالح فيه. تفاوض اقتصادي ومالي إنما أيضاً وحكماً تفاوض سياسي، لنعرف بشكل محدد ما هو مقبول منا ومُتاح من الخارج مالياً وعينياً وتجارياً، ووفق أية شروط.
خلال هذه الفترة، تكون الحكومة من خلال صلاحياتها التشريعية قد علّقت مفاعيل كلّ العقود المالية.
نأمل أن تؤول هذه الجردة إلى نتيجة تفسح للحكومة مجالاً مريحاً للحركة، وإن كنا لن نتفاجأ إذا أتت نتيجتها غير سارّة. لماذا؟ لأن المكابرة التي طالت لسنوات عديدة، تحت شعار شراء الوقت، قد زادت الأعباء وراكمت الخسائر. قبل ستة أشهر كان الوضع أفضل من اليوم، فكيف منذ ثلاث سنوات، وهو اليوم أفضل مما سيكون عليه بعد شهر.
المرحلة الثانية: ضبط مفاعيل الإفلاس
على أساس نتائج هذه الجردة يتمّ الانتقال إلى مرحلة ثانية، ومدتها من ثلاثة إلى ستة أشهر. خلالها، تتولى أجهزة السلطة التنفيذية بصلاحياتها التشريعية مراقبة كلّ التطوّرات المالية والاجتماعية والأمنية يوماً بيوم وساعة بساعة، لتواكبها بمروحة من الإجراءات الفورية التي تتدرّج مضامينها بحسب هذه التطورات، والتي لا يجوز إخضاعها لهدر الوقت وللمناكفات في المجلس النيابي أو في حكومة لأعضائها مرجعيات طائفية منقسمة ومرتبكة.
تندرج الإجراءات في محورين، يترجمان معاً مبدأ التوزيع العادل للخسائر:
العدالة الاجتماعية أولاً. نحن أمام خسائر متحقّقة بات التستر عليها وتعظيمها جريمة. لا بد من توزيعها، وهذا ما يحصل حتماً، إنما توزيعها توزيعاً عادلاً، على عكس ما يجري حالياً. حتى التوزيع العادل ليس شيئاً حلواً، بل هو شيء مرّ. التوزيع العادل يعني أن كل الناس لن يتحملوا العبء نفسه، هناك من يستطيعون تحمّل أكثر، هناك من يجب أن يُحمّلوا أكثر لأنهم تطاولوا على أموال الناس، أي ما يُسمى المال العام، وعلى البيئة الطبيعية التي أمعنوا فيها تسليعاً وتدميراً. إنما هناك من لا يستطيعون تحمّل أية خسائر أبداً، لا بل يجب تأمين حقوق لهم حتى لو زادت الأعباء على آخرين. من هنا سوف تعمد الحكومة بصلاحياتها التشريعية إلى إرساء التغطية الصحية الشاملة لكلّ المقيمين ومجانية التعليم الأساسي، ليس فقط لتأمين تماسك المجتمع بل لتحصين كرامة الناس فيه، وتثبيت شرعية الدولة والحاجة إليها.
العدالة الاقتصادية ثانياً. فتوزيع الخسائر، الظاهر منها والذي ما زال مستتراً، يجب أن يحمي المقدرات الاجتماعية والاقتصادية لما بعد الأزمة. تقوم الحكومة، بمراسيم اشتراعية وبناءً على ما آلت إليه الجردة داخلياً وخارجياً وبما يحصل من تطورات، بإعادة هيكلة كلّ العلاقات المالية والاقتصادية في البلد، لأن المسألة لا تتوقف على دين عام وودائع. الناس تربطهم علاقات تجارية في الداخل ومع الخارج، لا بد من ترتيبها كي لا تُفقد المواد والموارد وتتدحرج النزاعات، وهم يدفعون ويقبضون الإيجارات، ويعتمدون على الأجور، الأموال المتوجبة التي لم تُدفع للمؤسسات الضامنة من ضمان اجتماعي وغيره منذ سنين، وما بقي لديها من أموال معرّض لخسائر جارفة، وكذلك المدّخرات الإلزامية التي جُمعت بصناديق النقابات المهنية من معلمين ومحامين وأطباء ومهندسين وغيرهم… التقنيات عديدة وتتوقف حدتها على ما تكشفه الجردة من وقائع وما تفسحه من مجالات. وهي تشمل تغيير الآجال والشروط القانونية وتراتب الحقوق والمخاطر ومعدلات الفوائد والعوائد والقيم النقدية وعملات الاحتساب. بعض هذه التعديلات يكون نهائياً وبعضه مؤقتاً وبعضه مشروطاً.
لا يخفى على أحد، مركزية دور الإدارة، بمعناها الواسع، في هذه المرحلة والمراحل القادمة، ولذلك في بداية هذه المرحلة تتم تعيينات إدارية وقضائية وأمنية بمؤهلات قادرة على مواكبة هذا المشروع السياسي في مفاصله كافة.
المرحلة الثالثة: تكوين مجتمع متماسك واقتصاد ذي مناعة وعلاقات متوازنة مع الخارج
بعد الإقرار بالواقع ومعرفته، وبعد ضبط تبعات الإفلاس، يجري الانتقال فوراً إلى المرحلة الثالثة التي تهدف إلى إعادة تكوين مجتمع متماسك حول دولة ذات شرعية عوضاً عن ائتلاف الطوائف القلقة، واقتصاد ذي مناعة عوضاً عن اقتصاد الشحادة والكذب. لأن افتقاد تماسك المجتمع ومنعة الاقتصاد منذ السبعينيات هو بالتحديد ما آل، بعد الحرب الأهلية، إلى إقامة السلطة الفاشلة التي تتهاوى اليوم، وبسبب فشلها، إلى الإفلاس الذي تحقق منذ نهاية التسعينيات، والذي فرض واقعه اليوم، بعد طول مكابرة، والإفلاس هو الذي دفع الناس إلى الشوارع.
أهم من خروج الناس من الشوارع، ومن إدارة الإفلاس، التصدي لمسبّبات تعطل أدوات الدفاع عن المجتمع.
هذه المَهمة ليست مَهمة تقنيين وتكنوقراط، سوف يكونون بمثابة أقنعة لسلطة الأمر الواقع التي أدّت إلى كلّ الكوارث التي نشهدها. هي ترجمة لقرار سياسي تاريخي لا بد أن يكون محصّناً بشرعية صلبة عنوانها إقامة دولة مدنية. أول دولة مدنية في هذا الشرق.
المَهمة تندرج تحت ثلاثة عناوين:
من جهة أولى، تتولى الحكومة إرساء نهائياً لشرعية مدنية للدولة مع تعاملها الواقعي مع الطوائف بوصفها كيانات مجتمعية هي جزء من واقعنا، إنما من دون أن تمسّ بشرعية السلطة. ماذا نعني بذلك وكيف يتمايز كلامنا عن الكلام الذي بات متكرراً حول الدولة المدنية وتأليف لجان لتجاوز الطائفية وتأويل لنصوص مرتبكة من هنا وهناك؟
1. تقوم الحكومة أولاً بتعداد لكلّ المقيمين لنعرف من هم سكّان البلد الفعليون، مهنهم وعملهم وأين يقيمون، ويستكمل التعداد بالإجراءات اللازمة ليشمل اللبنانيين المهاجرين، كي يصبح التمثيل السياسي متصلاً فعلاً بأماكن إقامة الناس وليس بالروابط العائلية والطائفية، وكي تطال التقديمات من صنف التغطية الصحية المقيمين فعلياً، وكي يطال التكليف الضريبي جميع المقيمين على كلّ ما يحصّلونه من مداخيل سواء في لبنان أم خارجه.
2. يلي ذلك، بمرسوم اشتراعي، إصدار نظام موحّد للأحوال الشخصية. عملية التعداد لن تصنّف أحداً ضمن طائفة، إنما، بحكم الحرية المطلقة للاعتقاد، لكل من بلغ السن القانونية، من بعد هذا التعداد، أن يختار بين أن يكون مواطناً بالمباشر أو عبر الوساطة الطائفية، فيعلن طلبه الانتماء إلى إحدى الطوائف. وتتولى الدولة بالتالي حفظ حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الطوائف من بعضها البعض. القانون الموحّد للأحوال الشخصية هو الذي يرسم الإطار لكلّ القوانين التي تطبّق على من اختار أن ينتمي إلى إحدى الطوائف، وهو يسمو عليها في نظر السلطات العامة. لا يكتسب الإيمان الديني للمؤمنين حقاً معناه الأصيل إلا إذا كان قائماً على اعتقاد شخصي وقرار حرّ.
3. ثم تصدر الحكومة، بصلاحياتها التشريعية، قوانين الانتخاب النيابية والبلدية. يكون الاقتراع على أساس الإقامة الفعلية، ويكون لكل ناخب وناخبة في الانتخابات النيابية الحقّ بأن يختاروا أن يتمثلوا مباشرة من قبل مرشحين ومرشحات لا ينتمون إلى أية طائفة، أو بالمقابل أن يتمثلوا بمرشحين ينتمون إلى المنظومات الطائفية. وتوزع المقاعد بين التمثيل المباشر والتمثيل الطائفي بحسب اختيار الناس. وتحفظ القوانين التوزيع الطائفي، أو التوازن كما يسمونه، بين الذين ينتخبون على أساس طائفي.
ومن جهة ثانية، تتولى الحكومة تعديل أسس النظام الاقتصادي الذي ترسّخ في البلد منذ الحرب الأهلية، إنما ليس بتكرار شعارات حول اقتصاد ريعي واقتصاد منتج وخلق فرص العمل وما إليها، بل بعمل منظم. النظام الاقتصادي يتحدد بتوزع القوى العاملة والرساميل بين القطاعات، وبمستويات كفاءتها تجاه الخارج. محرك العمالة والرساميل تتوزع بحسب الأسعار والكلف، ومن ورائها بالسياسات القطاعية والاستثمارات العامة وآليات التوزيع والأنظمة الضريبية. كل هذه المجالات سوف تتناولها مراسيم اعتيادية ومراسيم تشريعية.
الأزمة هي تراجع مفاجئ في المداخيل الفعلية وفي الأسعار الداخلية معاً. التراجع الأول يهدد بالفقر والهجرة والثاني ببيع الأصول بأبخس الأثمان. مقولة إن «تصحيحاً تلقائياً» يحصل بحكم تقلص الاستهلاك وفق النهج النيو-ليبرالي ساقطة بالتجربة. كي لا يكون التكيّف تلقائياً فيعيد إنتاج أسباب الأزمة بعد تكبيد المجتمع خسائر إضافية، يتوجب اعتماد سياسات حاسمة خلال المرحلة الانتقالية، وهذا ما قصدناه لما قلنا بأن توزيع الخسائر يجب أن يكون عادلاً وإنما هادفاً أيضاً.
يهمنا ألا يهاجر الشباب، هذا لا يعني أن الأكبر سناً لا يهموننا بل إننا، أمام المفاضلة، نعطي أفضلية للشباب. يهمنا ألا تنهار المؤسسات القادرة على التصدير. يهمنا عقد اتفاقيات تجارية تعزز الطلب الخارجي على إنتاجنا من جهة وتعزز قدراتنا الإنتاجية. يهمنا أن يترجم تراجع أسعار الأصول المحلية خفضاً في كلف الإنتاج والمعيشة وليس تصفية للموجودات.
الانتقال من الاقتصاد القائم على تصدير الشباب والشابات والشحادة والارتهان إلى اقتصاد مقتدر لن يكون أمراً سهلاً. هناك ناس سوف يفقدون عملهم، وقطاعات كاملة تُصاب. الانتقال من مهن قطاعات إلى مهن وقطاعات أخرى ليس عملية ميكانيكية. بل هو يتطلب وقتاً واكتساباً لمهارات وتغييراً في أنماط العمل والعيش. نتكلم عن مجتمعنا، وعلينا أن نتعامل مع المجتمع الحقيقي، بشره، نسائه ورجاله، المتعلمين وغير المتعلمين، الفقراء والأغنياء، اللبنانيين وغير اللبنانيين أيضاً، لا أن نتعامل مع طوائف. هذا الانتقال يتطلب مواكبة دؤوبة وسوف يحظى بها.
من جهة ثالثة، تتولى الحكومة إقامة علاقات جدية مع الخارج بوصفه خارجاً. فالانتقال الذي تفرضه الأزمة على من يريد تخطي مفاعيلها وأسبابها يحتاج، لا سيما في بلد صغير، وطبعاً بحدة تختلف بحسب نتائج الجردة، إلى عقد علاقات اقتصادية ثابتة مع دول لا تناصبنا العداء ولا تسعى إلى تفتيت مجتمعنا وتهديد شرعية سلطتنا. فالاقتصاد سياسي بطبيعته.
نعرف جيداً أنه يصعب على اللبنانيين واللبنانيات المنخرطين في الطوائف عموماً، وعلى زعماء الطوائف خصوصاً، تصور أننا في دولة تتعامل مع الخارج بوصفه خارجاً، بالقدر نفسه الذي يصعب عليهم تصور أن الداخل هو مجتمع واقعياً. فالطوائف هي في الأصل افتراق عن الواقع المجتمعي وعن مفهوم الدولة الذي من دونه لا معنى لداخل وخارج، وهي بشكل أدقّ انحراف عن العلاقة السويّة بين المجتمع والسلطة.
من منطلق اقتناعنا بالحاجة الوظيفية لدى مجتمعنا إلى دولة قادرة، ومن اقتناعنا بأن الدولة القادرة لا يمكنها أن تكون، واقعياً، إلا دولة مدنية، سوف نتناول المسائل السياسية الشائكة التي ترتكز على علاقات بالخارج في حين تبرز على شكل انقسامات داخلية، تحت أربعة عناوين: العداء لإسرائيل وسلاح حزب الله والعلاقة مع سوريا والبعد الإقليمي والدولي للتحول في لبنان.
مسألة العداء لإسرائيل
ليس العداء موقفاً لفظياً بل هو يرتب على من يلتزم به أعباء جساماً. ولا يكون العداء جدياً إن لم يكن مبرراً بأسباب وأهداف. نحن، في حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، نعتبر الكيان الصهيوني تجلياً مباشراً للإمبريالية وقائماً على تأدية وظيفية حيوية لها في المنطقة عبر تجنيد طاقات اليهود عالمياً ضمن مشروع عنصري ديني عدواني. عداؤنا له لا يتوقف على مساحة محتلة من الأرض، قد تسوى، أو على ظلم إجرامي ألحقه بالشعب الفلسطيني، الذي قد يرضخ بعض ممثليه للقهر فيسلمون به، بل هو ينبع من كونه، كمشروع سياسي في الأساس، يعارض شرعية الدولة التي وحدها تستطيع تأطير مصالح مجتمعنا. وهو بالتالي عداء أصيل. المشروع الصهيوني يتعامل مع المجتمعات عموماً بوصفها طوائف وشبكات سلطوية، ويتعامل مع منطقتنا بوصفها ممرات استراتيجية ونفطاً، ويثابر على دكّ الشرعية الداخلية للأنظمة، ولا سيما التحديثية الوطنية، وعلى تعزيز العصبيات العنصرية فيها (وحتى في المجتمعات الغربية)، وعلى ابتزاز الأنظمة ومصالح حكامها.
مسألة «سلاح حزب الله»
نحن نعتبر أن الكفاءة القتالية العالية، وليس السلاح الذي هو بضاعة تباع وتشترى، التي راكمها لبنانيون ولبنانيات في المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وأبرز عناوين هذه المقاومة هو «حزب الله»، تشكّل رصيداً كبيراً للبنان ولا يجوز التفريط بها ولا المساومة عليها، والنقاش فيها يجب أن يتمحور منذ اليوم الأول حول انتقالها، مع الحفاظ على فعّاليتها، من مقاومة «طائفة» إلى منظومة وطنية، عسكرية طبعاً، ولكن أيضاً اجتماعية واقتصادية، تتوزع أعباؤها على الجميع كما يعود نفعها إلى الجميع.
مسألة العلاقة مع سوريا
لم تكن العلاقة بين الجمهوريتين اللبنانية والسورية سويّة في يوم من الأيام منذ استقلالهما عن المنتدب-المستعمر الفرنسي. وقد سارتا في اتجاهين مفترقين منذ ذلك الحين، على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نتيجة اختلاف بنيتهما الطبقية ومواقع السلطة في كل منهما. فتعدّلت بنية المجال وضعفت الروابط التجارية بينهما وباتت مبادلاتهما السلعية والخدمية هزيلة بينما ارتفعت وتائر انتقال العمالة والرساميل. مارست سوريا هيمنة سياسية وعسكرية مباشرة على لبنان طوال 30 سنة. أما اليوم، وقد نزح إلى لبنان ما يقارب مليون ونصف مليون سوري وتمزق المجال السوري داخلياً وتحول إلى ساحة صراع دولي، فقد بات كل من المجتمعين مشوّهاً في توازناته الداخلية. من هنا تصبح عمليتا إعادة الإعمار في سوريا وتخطي الإفلاس في لبنان بحاجة إلى إدارة التشوّهات الاجتماعية والاقتصادية في كل منهما تكاملياً، ولتعزيز وزن سوقيهما بالمطلق وتجاه الخارج. وهذا لا يكون إلا على أساس قيام دولة فعلية، مدنية ومقتدرة في لبنان تشكل سنداً لمشروع مماثل ومتكامل في سوريا.
البعد الإقليمي والدولي للتحوّل في لبنان
مشروعنا السياسي الذي نطرحه اليوم واضحاً مفصلاً، هو مشروع إنقاذ للبنان، ولكنه أيضاً مشروع على صعيد المنطقة، التي تعيش واحدة من أسوأ تجاربها من حروب أهلية وانفجارات اجتماعية وتشظّي بناها ودولها. إن مشروع الدولة المدنية في لبنان وفي المنطقة، بدءاً من سوريا ومن العراق، حصانة للمجتمعات من الطغيان الداخلي والحروب الأهلية وحماية من الهيمنة الخارجية الحاضرة دائماً، وهو النقيض الجوهري للمشروع الصهيوني. هذا البعد الإقليمي مسؤولية لبنانية لا تنبع من أفضلية لبنانية بل من كون لبنان قد عاش الحرب الأهلية وخبر تسلط زعامات الحرب بعد نهايتها قبل دول المنطقة بثلاثة أو أربعة عقود، لكن هذا البعد الإقليمي يوفر بالمقابل لمشروع الدولة المدنية العادلة والقادرة في لبنان زخماً إقليمياً كبيراً. وهذا البعد، إذا تم تثميره سياسياً مؤهّل لإعادة الإقليم إلى لعب دوره الطبيعي في العالم وإلى إعادة التوازن إلى المنطقة عوضاً عن استباحتها من قبل العدو الصهيوني والإمبريالية أولاً وتنازعها بين الدول الإقليمية الأخرى.
المرحلة الرابعة: انتخابات نيابية
مع نهاية الفترة الانتقالية، تُجرى انتخابات نيابية وفق القانون الانتخابي الجديد، فيتبيّن إلى أي حد يكون مجتمعنا قد ارتضى التضحية وليس الخسارة لأنه انخرط في مشروع افتقده هذا الشرق منذ عقود إن لم يكن منذ قرون.

كيف يحصل الانتقال؟
يطرح الناس عن حق سؤالين: أين قيادة الحراك؟ وكيف يحصل الانتقال؟
من أي منطلق يأتي السؤالان؟ من قلق مزدوج من الحراك وعليه وعلى نتائجه، من هواجس مستحكمة في المجتمع بأسره، من يشارك في الحراك، ومن يقف جانباً، ومن ينتقده، على ضوء تجاربه المرة. هذه الهواجس ملازمة للطوائف، فالطوائف لا تتشكل إلا من الهواجس حيال سلطة خارجية بالنسبة إليها، وهي تنتج الهواجس بين بعضها البعض: سواء تلك الطوائف التي تَشعر بقوة في ظرف من الظروف وتُشعر باقي الطوائف بقوتها فتولّد قلقاً لديها ولكنها تصبح معرضة لتهديدات الخارج أو إغراءاته، أم تلك الطوائف التي تشعر بضعف فتذهب لتستعير قوة أو حماية من الداخل أو من الخارج. وهذا ليس عارضاً وليس خاصاً بهؤلاء أو أولئك، بل هو ترجمة لعلاقات السلطة في المجتمع، في لبنان وفي كل المنطقة (سوريا والعراق) وهو ما بنى المشروع الإمبريالي، من الاستعمار إلى الصهيونية، فعله على أساسه.
حول ما يُسمى «قيادة الحراك»، لا يخفى علينا أن أياديَ كثيرة تتدخل في مشهد الشارع، مباشرة أو من خلال وكلاء محليين، عبر التوجيه والتمويل والأخطر عبر بعض وسائل الإعلام، لا سيما المرئية منها، من خلال صناعة «رموزٍ» وتكريسها كعناوين «للثورة»، وهذا مسار بدأ خجولاً في انطلاق الانتفاضة، وكبر ويكبر يوماً بعد يوم، والأهداف منه تتراوح بين تصفية حسابات داخلية ضمن أطراف السلطة الساعية إلى التبرّؤ من الماضي والتموضع لما بعد الأزمة، وتعزيز حظوظ أطراف رأسمالية جديدة تسعى إلى الاستفادة من الإفلاس لتستحوذ على ما يتبقى من مقدرات البلد، واستهداف المقاومة بما هي مقاومة في وجه العدو الإسرائيلي، وليس بما هي حزب شيعي في تركيبة طائفية.
المقولات الرومانسية، سواء الساذجة أم الخبيثة، حول «قيادة الثوررة» تؤول إلى تفتيت الضغط الشعبي عبر تظهير وجوه رمزية لتغذية النزاعات ضمنه وبعثرة مقاصده، عبر طرح مطالب جزئية أو شعارات شعبية محقّة لكنها لا تصيب واقع ما نشهد وأسبابه.
الحراك الشعبي هو ظاهرة رفض وإسقاط لشرعية نظام سلطوي تعثّر وتعطلت أدواته الإجرائية. المسؤولية تجاهه تكمن في وضوح الطرح السياسي لنظام مغاير، انطلاقاً من المعرفة والجرأة وحرية القرار، وهذا ما نحرص عليه وما نطرحه اليوم.
أما حول الانتقال وكيفية حصوله، نقول أولاً إن الانتقال يجب أن يكون سلمياً، لأننا نعرف ما في هذا البلد وحوله. ماذا يعني هذا القول؟
يعني أن سلطة الأمر الواقع التي تعطّلت إجرائياً ما زالت مُمسكة بأجزاء كبيرة من مجتمعنا. الضغط عليها يجب أن يستمر، وهو مستمر بحكم تدحرج الإفلاس، الضغط بالحشر وبالتظاهر والوقائع، إنما الضغط أيضاً بوضوح الطرح السياسي البديل، يضع كلّ واحد من قياداتها، خمسة أو ستة أو سبعة، أمام مسؤولياته التاريخية، ويرسم أمامهم خياراً بين اثنين، بعدما يزول خيارهم الأفضل الواهم، أي استبقاء النظام الذي ألفوه: إما العنف والضياع وإما التفاوض على انتقال سلمي للسلطة إلى مرحلة انتقالية وفق صيغة سياسية محددة هي التي نطرحها في هذه الوثيقة.
نعرف كلّنا أوضاع بعضنا البعض، نحن جميعاً أولاد هذا البلد، نعرف مسؤوليتنا ونتحملها، نقبل بإدارة الإرث اللعين، نريد الانتقال السلمي، أي التفاوض، إنما على شروط هذا الانتقال، نحدد خياراتنا الأساسية ونبنيها على الحاجات الواقعية التي لا تلتبس حيالها الأسباب والنتائج، وإن لم تكن مطابقة للصور المألوفة لنظام السلطة منذ عقود، ولكن مسؤولية كل واحد منهم كبيرة جداً اليوم، وهي تتظهّر بسرعة مع سقوط مواقف الإنكار. السباق اليوم بين تيقّنهم لهذه المسؤولية وبين تدهور الوقائع المالية والاجتماعية والأمنية.
ولكون حزب الله هو القوة الأكبر اليوم، ولكونه مستهدفاً، نقول إننا نختلف مع حزب الله، بما هو حزب فاعل مشارك في السلطة، اختلافاً جذرياً في المقاربة السياسية الداخلية، ونرى أنه اليوم، إذ يتصدى بكل رصيده، وهو كبير، لحماية النظام السياسي المتهاوي، إنما يواجه ويمنع فرصة إنقاذ جدية للمجتمع. فهو الأقوى بين حلفائه، منه يستمدون قوتهم الانتخابية والسياسية، وإن كان صوتهم أعلى من صوته، ونختلف جذرياً مع هؤلاء الحلفاء كحركة أمل والتيار الوطني الحر. كما نختلف جذرياً أيضاً مع القوى التي تحاول مصادرة الشارع بعد أن قفزت من الحكومة بالاستقالة، ولكنها ما زالت في صلب السلطة السياسية من خلال موقعها الطائفي كالقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل.
كل من يرى أن المسؤولية اليوم عامّة، وأن مآسينا ليست قدراً، وأن المبادرة واجبة، نحن مستعدون للنقاش معه في هذا المشروع السياسي وحوله، وهذه مسؤولية الأحزاب والشخصيات والقوى التي ترى أن مستقبل هذا المجتمع مهدّد، ولكننا قادرون على المبادرة.
الإفلاس ومآلاته التلقائية
طالما حذّرنا من أخذ البلد إلى الإفلاس. اليوم أصبح الإفلاس أمراً واقعاً. لكن ما هو الإفلاس فعلياً؟ أو بداية ما ليس هو؟ الإفلاس ليس نهاية الدنيا، بل هو أزمة أو مفصل من مفاصل تاريخ المجتمعات، تتغيّر حكماً بنتيجة كيفية إدارته. كيف يتجلى الإفلاس؟
ببساطة شديدة، يحصل تدهور مفاجئ في القيمة الفعلية لمداخيل الناس ولمدّخراتهم، القيمة الفعلية أي ما يمكن شراؤه بهذه المداخيل وهذه المدخرات من السلع والخدمات، بمعزل عن تقلبات أسعار صرف النقد.
المداخيل تنخفض بسرعة هائلة نتيجة الإفلاس، إمّا بسبب إغلاق المؤسّسات أو تخفيض دوامات العمل لتخفيض الرواتب، من دون أن ننسى العمّال والعاملات الأجانب الذين هاجروا بلادهم بحثاً عن عمل، ولم يعوا لليوم أنه لم تبقَ دولارات في هذا البلاد ليحوّلوها إلى أسرهم. الإفلاس يصيب أيضاً المدّخرات المودعة في المصارف، فيعجز أصحابها عن سحبها أو الحصول عليها. والإفلاس يطال السلع والمواد الأساسية التي لا يعود المستوردون قادرين على تسديد أثمانها للموردين في الخارج حتى لو كان المستهلكون يملكون دخلاً أو حسابات في المصارف. وقد بدأت تشحّ أو تُفقد من الأسواق، وأخطرها المعدّات الطبية الأساسية التي أعلنت المستشفيات أنه لم يبقَ في مستودعاتها إلّا ما يكفي لشهرين، وهو ما سيؤدّي وفق المستشفيات نفسها إلى زيادة عدد الوفيات بمعدّل ألفي وفاة سنوياً.
هذا هو الإفلاس وهذه تداعياته. نصل إلى السؤال التالي: ماذا سيحصل إذا بقيت السلطة الفاشلة رازحة على كراسيها وعلى الصدور؟ عملياً، من يستطيع الهجرة سوف يهاجر، فلا يبقى سوى من لم يستطع للهجرة سبيلاً، وهؤلاء بغالبيتهم فئات تحتاج إلى التقديمات الاجتماعية والرعاية والحماية. وسيبقى أيضاً أصحاب الرساميل والمضاربون الذين ينتظرون الإفلاس بل يتلهّفون له، كي يبيع الناس ممتلكاتهم بأبخس الأثمان بغية تأمين مستلزماتهم الحياتية الأساسية، وتقوم الدولة أيضاً ببيع لممتلكاتها ومؤسّساتها المُنتجة لسدّ نفقاتها، ونذكّر هنا بما ورد في ما سمّي «الورقة الإصلاحية» عن بيع المطار والمرافئ وشبكتي الخلوي والميديل إيست وغيرها.
هذا تحديداً ما يتمّ الحديث عنه يومياً: تجهيز البلاد، التي لكلّ منا فيه تجارب وذكريات حلوة ومرّة، للبيع بـ«فرق عملة». وهذا ما كنّا نتخوّف منه منذ أربع سنوات عندما أطلقنا حركة «مواطنون ومواطنات في دولة».
هذا ما يحصل تماماً، لكن هل هو قدر محتوم؟ كلا. هناك بديل، والبديل هو الدولة. اليوم مجتمعنا، المواطنون والمواطنات فيه، بحاجة وظيفية، لا عقائدية ولا أيديولوجية، إلى حدّ أدنى من التماسك، وإلى أداة اسمها الدولة.

شربل نحاس، أمين عام «مواطنون ومواطنات في دولة»، وزير سابق، عربي من لبنان
الثلاثاء، 19 تشرين الثاني، 2019

قضايا “الثورة اللبنانية” : نص مشروع الورقة السياسية التي ناقشها “لقاء الكومودور” (5)

انعقد في فندق الكومودور في بيروت، بعد ظهر يوم الإثنين 18 تشرين الثاني 2019، لقاءاَ موسّعاً ضم القوى والمجموعات والشخصيات الناشطة في الحراك الشعبي. بقي اللقاء الذي شارك فيه نحو مئة شخص بعيداً عن الاعلام، لأسباب تخصّ المجتمعين الذين يحرصون على سرية لقاءاتهم في هذه المرحلة، خشية استغلال ذلك بما يسيء إلى أهدافهم.
حشد لقاء الكومودور جمع كبير من القوى المشاركة في الحراك، ومنها الحزب الشيوعي وحزب الكتلة الوطنية وتحالف «وطني» ومجموعات من «بيروت مدينتي» و«لحقي» وعدد كبير من الشخصيات الناشطة في الحقول السياسية والاقتصادية والاعلامية والثقافية، إضافة إلى ناشطين في العمل الجماهيري من الذين ينشطون في الحراك في بيروت وبقية المناطق اللبنانية. وقد ناقش المجتمعون مسودة ورقة سياسية تحت عنوان «المرحلة الانتقالية: الرؤية والبرنامج». هذا نصها :

مقدمة:
يعيش لبنان منذ ما يقارب الشهر حالة ثورية غير مسبوقة، حالة هزّت شرعية المنظومة السياسية الحاكمة لمصلحة شرعية شعبية، عبّرت عن نفسها بوضوح في كل المناطق والساحات. لقد أكد الشعب اللبناني، وعلى مدار ايام الانتفاضة المستمرة، إصراره على رفض السياسات المعتمدة من قبل من يتحكم بالبلد. لقد كسر قواعد السلطة السائدة منذ الطائف حتى اليوم، وسلوكيات منظومة الفساد والمحسوبية والريعية والتبعية التي هيمنت على الحكم، تحولت اليوم إلى إدانة واضحة لكل من تبوّأ المناصب الرسمية. أما المعالجات المطروحة من قبل السلطة المتهالكة فلن تنفع، ولن يصلح الترقيع في السلطة، أو الإجراءات، أو اللجوء إلى قوانين مفصلة على مقاس من هم في السلطة وارتكاباتهم، فلقد تجاوزوا حدود السماح. وها هو البلد يدخل اليوم في أتون أزمة سياسية واقتصادية خطيرة نتيجة ما صنعت أيديهم.
في المقابل، إننا اليوم أمام فرصة كبيرة لتحقيق إنجاز تاريخي سيشكّل بداية لبناء الدولة، الدولة التي عبث بها كل من توالى على السلطة منذ الاستقلال حتى اليوم، ومنع قيامها. إننا اليوم في مرحلة انتقالية حاسمة لما تحمله من بذور التغيير والانطلاق نحو المستقبل الذي يحلم به اللبنانيون. وهو ما يتطلب تظهير رؤيتنا وبرنامج عملنا لهذه المرحلة، إضافة الى تأمين أوسع تحالف سياسي واجتماعي حول برنامجها. إن المأزق الذي يعيشه لبنان على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ناتج عن طبيعة نظامه السياسي. لذلك فإن الحل لا يمكن أن يكون بعيداً عن أسباب المأزق. فطالما المشكلة واضحة، فليكن الحل باتجاه معالجة أساس المشكلة.
لقد أصبح الانتقال نحو آفاق جديدة تمهد لتغيير طبيعة النظام السياسي ضرورة ملحّة للولوج الى تلمّس المخرج المطلوب للمأزق السياسي الذي أوقعت السلطة فيه البلد. وهو ما يطرح عملية انتقالية ملحّة تمنع الانهيار الكلي.

أولاً: الانتفاضة وطروحاتها:
من خصائص الانتفاضة الحالية تركيبها المتنوع على الصعد الاجتماعية والطائفية والمناطقية والسياسية والفكرية والجندرية والعمرية، مع الغلبة الكبيرة لجيل الشباب. ومن هذه الخصائص أيضاً، التصميم النضالي العالي، والقدرة على ابتداع أساليب نضالية متجددة.
إن هذه الانتفاضة تعبّر عن معارضة جذرية للنظام السياسي القائم، وتدعو الى تغييره باتجاه آخرَ مدني ديمقراطي حديث، يقوم على العدالة الاجتماعية واحترام كرامة الانسان من خلال:
● رفض الطائفية، والتأكيد على المواطنة والانتماء الوطني، ورفض المتاجرة السياسية بالانتماءات الدينية والمذهبية والمناطقية.
● رفض الزبائنية والمحاصصة، والمطالبة باعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والعدالة وحدها.
● رفض السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة القائمة على التبعية والارتهان، والمطالبة بالعدالة في توزيع الأعباء وبفرض العمل وبالضمانات الاجتماعية والصحية، واسترجاع المال العام المنهوب.
● وضع حد لاستبعاد الشباب والنساء وسائر الفئات المهمشة في دائرة الاهتمام والمشاركة في القرار الوطني.
● التطلع إلى بناء الدولة الحديثة الوطنية والمدنية والديمقراطية.

ثانياً: لماذا المرحلة الانتقالية؟
منذ ثلاثين عاماً حتى اليوم تقوم قوى السلطة بمصادرة الحياة السياسية، فهي الموالاة وهي المعارضة. أما الخلافات والصراعات بين أطرافها فلا صلة لها بالتوجهات أو البرامج السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي تهم المواطنين، بل هي تدور حول الحصص وتقاسم مغانم السلطة. كما تمارس قوى السلطة فرض هيمنتها على مؤسسات الدولة والمجتمع وهيئاته المختلفة. هكذا قامت تلك القوى باحتكار القرار في الدولة والمجتمع، وأصرّت على إلغاء الرأي الآخر. فغابت كل أنواع الحوار، وغابت الحياة الديمقراطية الحقيقية. أما اليوم، وبعد نجاح الانتفاضة الشعبية العارمة في كسر قرارات السلطة، وفي هزّ شرعيتها لمصلحة الشرعية الشعبية، فقد دخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها الأساسي التسوية الرئاسية سقوطاً أو بقاءً، لكن ضمن شروط سياسية مختلفة عن السابق، وفي الحالتين دخول لبنان مرحلة انتقالية فرضتها الانتفاضة وعنوانها الاساسي كسر الاحتكار التاريخي للسلطة، والإعلام، ومؤسسات الدولة، والنقابات، وسائر هيئات المجتمع المهيمن عليها من قبل قوى سلطوية تابعة ومرتهنة للداخل أو الخارج.
إن أسلوب السلطة في المماطلة والتسويف وعدم الاستجابة لمطالب الانتفاضة، ومحاولات بعض أطرافها ركوب موجتها لتنفيذ أجندات خارجية وتوتير الصراعات الطائفية والمذهبية لتشويهها وحرفها عن مسارها، أفسحت وتفسح في المجال أمام كل التدخلات الخارجية، المرفوضة من قبل الانتفاضة، فاللبنانيون قادرون على معالجة مشاكلهم الداخلية في ما بينهم بعيداً عن هذه التدخلات، وعلى مواجهة الضغوطات الاقتصادية والمالية الهادفة لحرف الانتفاضة عن أهدافها الحقيقية بالانتقال بلبنان من دولة المحاصصة الطائفية الى الدولة الحديثة الوطنية والمدنية والديمقراطية.

ثالثاً: مهام المرحلة الانتقالية
ان القضايا التي حملتها الانتفاضة ووضعتها أمام الشعب اللبناني لاقت تجاوباً كبيراً جداً من اللبنانيين على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم السياسية والاجتماعية والدينية. وقد أكدوا تصميمهم على العمل من أجل تثبيت هذا الواقع المستجد لميزان القوى، وعبور المرحلة الانتقالية بنجاح وأمان نحو التغيير، لذلك يجب على اللبنانيين التحلي بالوعي وبالنفس الطويل، واستكمال خوض المواجهة بدون كلل أو ملل، والتصدي لأي محاولة لإجهاض الانتفاضة أو تقسيمها أو حرفها عن مسارها، أو جرّ البلاد إلى الصراع الأهلي، والفوضى، فضلاً عن مواجهة الضغوط الاقتصادية والتدخلات السياسية والخارجية.
وذلك من خلال:
● تشكيل حكومة انتقالية وطنية تحظى برضى الانتفاضة والشعب، ومن خارج المنظومة الحاكمة السياسية والاقتصادية، وتلتزم بإنقاذ البلد وببرنامج عمل للمرحلة الانتقالية، وتعمل بشفافية كاملة تحت رقابة الانتفاضة والشعب اللبناني عموماً.
● استمرار الانتفاضة طوال المرحلة الانتقالية، مع اعتماد أساليب تحرك متنوعة تتناسب مع الظروف والتطورات المستجدة.
● إنشاء هيئات على المستويين الوطني والمحلي لدعم الانتفاضة والمساهمة في الرقابة على أعمال الحكومة، تتشكل من الفاعليات والهيئات الممثلة لمختلف قطاعات المجتمع المؤيدة للانتفاضة، وصاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير المطلوب.
● تشكيل منابر متعددة من أصحاب الاختصاص تقوم بتقديم الاقتراحات والدراسات التي تساعد الانتفاضة على تطوير عملها، كما تشارك في أعمال الرقابة على أداء الحكومة، (منبر اقتصادي ومالي، اجتماعي، حقوقي، تربوي، صحي، عمالي، إعلامي…).
● بناء حركة نقابية مستقلة تدافع عن المصالح الحقيقية لمن تمثل، وترفع رايات الديمقراطية والانقاذ. ورفع هيمنة السلطة عن سائر هيئات المجتمع المحلي والأهلي والبلدي.
رابعاً: الحكومة الانتقالية الوطنية:
● هي حكومة انتقالية لمدة محددة تعبّر عن توجهات الانتفاضة، وتحظى بثقتها وبثقة الشعب اللبناني عموماً، بعيداً عن الدعوات إلى إعادة تشكيل الحكومة الجديدة على أساس المحاصصة بين أطراف السلطة، ووفق التوجهات ذاتها للحكومة المستقيلة تحت غطاء تغيير الوجوه أو المجيء بوجوه متخصصة.
● على الحكومة الانتقالية تولّي مهمة حماية لبنان من المخاطر المحدقة؛ خطر الانهيار وخطر الانزلاق الى الانقسام الأهلي والفوضى، فضلاً عن مواجهة المخاطر الخارجية أو الداخلية على الأمن والاستقرار والحريات.
● تُمنح الحكومة الانتقالية صلاحيات استثنائية لمساعدتها على إصدار التشريعات واتخاذ القرارات التي تتيح لها القيام بمهامها، وذلك ضمن مهلة زمنية محددة ترتبط بإنجاز برنامجها، وتنتهي بإجراء انتخابات نيابية وفقاً لقانون جديد.

خامساً: برنامج الحكومة الانتقالية
تطبيق الدستور تطبيقاً كاملاً، وذلك من أجل:
● إقرار قانون جديد للانتخاب خارج القيد الطائفي يقوم على النسبية والدائرة الواحدة مع تخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة، ومع إنشاء مجلس شيوخ يتمتع بصلاحيات محددة (تطبيق المادة 22 من الدستور).
● إجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق هذا القانون الجديد، وتحت الإشراف الكامل لهيئة قضائية لبنانية مستقلة.
● إلغاء الطائفية السياسية والتوزيع الطائفي لوظائف القطاع العام حسب (المدة 95، الفقرة «ح» من مقدمة الدستور).
● قانون جديد للبلديات على قاعدة النسبية، والعمل على تعزيز دور البلديات والاتحادات البلدية، وتحرير أموال الصندوق البلدي المستقل.
● تفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز دوره كشريك في القرار الاقتصادي والاجتماعي، وإعادة تشكيله بعيداً عن المحاصصات.
● إقرار قانون استعادة الأملاك والأموال العامة المنهوبة، ورفع الحصانة عن المسؤولين، رؤساء ووزراء ونواباً وكبار الموظفين. وإنشاء هيئة وطنية ذات صلاحيات تنفيذية وقانونية لمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة تشمل: دراسة الملفات، ورفع السرية المصرفية، وتقديم المرافعات الى القضاء المختص، ويكون للهيئة مركز وموازنة وجهازان قضائي وإداري كافيان لتنفيذ مهمتها في أسرع وقت ممكن.
● إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية لتقوم بدورها بعيداً عن التدخلات السياسية، مع ضرورة تظهير جسم القضاء من الشوائب، بالاضافة إلى إعادة النظر بقانون تشكيل المجلس الدستوري، فضلاً عن رفع يد قوى السلطة وهيمنتها عن إدارات الدولة ومؤسساتها وأجهزتها وتقاسمها، وتطهيرها من المحسوبيات، وتفعيل دور هيئات الرقابة والمحاسبة، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة فيها، فضلاً عن محاربة كل أشكال الفساد والزبائنية.
● إنقاذ لبنان من الانهيار المالي والاقتصادي ومن خلال انتهاج سياسات نقدية ومالية واقتصادية جديدة، مختلفة عن السياسات الحالية التي أدت الى المأزق الراهن، ووضع سياسة جدية لتشجيع قطاعات الانتاج وتطويرها ورعايتها، والمحاربة الفعلية للتهريب ولإغراق الأسواق بالسلع المهربة أو المستوردة، فضلاً عن العمل من أجل:
● الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتحديداً على القوة الشرائية لليرة اللبنانية، وعلى تعويضات العمال والأجراء، والموظفين في القطاعين العام والخاص في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وسائر الصناديق الضامنة، وعلى أموال صغار المودعين بالليرة اللبنانية في المصارف. وحل معضلة الدين العام وتراكمه من خلال نظام ضريبي جديد يؤمن موارد مستدامة للدولة، ويقوم على رفع الضرائب على الأرباح والريع والفوائد، واستحداث الضريبة على الثروة، وزيادة معدلاتها على توريث الثروات الكبرى.
● وضع ضريبة استثنائية على المصارف لاستعادة الأموال التي حصلت عليها من خلال الهندسات المالية التي قام بها المصرف المركزي في السابق، يضاف الى ذلك إعادة النظر بمشاريع الخصخصة، وبالمشاريع المشكوك في جدواها، وبتلك التي تفوح منها روائح العملات وتقاسم المغانم، مع ضرورة كسر الاحتكارات المتحكمة بالاستيراد والأسواق والأسعار.
● اعتماد سياسات اجتماعية جديدة تحدّ من معاناة أصحاب الدخل المحدود، وتحديداً فئات الشباب والنساء والأكثر فقراً، من بينها:
● سحب ما سمّي الخطة الإصلاحية للحكومة المستقيلة وسائر مشاريع الشركات والخصخصة الواردة في مؤتمر «سيدر»، منعاً لتبديد ما تبقى من مؤسسات الدولة لمصلحة مراكز القوى السلطوية التي استفادت في فترات سابقة من عمليات السطو على المال العام، علماً بأن الموافقة عليها، من قبل الحكومة المستقلة، شكّلت خضوعاً لإملاءات الصناديق الدولية وللضغوط والارتهان إلى الخارج.
● إعطاء الأولوية لتأمين فرص العمل، ولا سيما للشباب، وتلبية مطالب الفئات والقطاعات المظلومة والمهمشة.
● تأمين التغطية الصحية الشاملة لكل المواطنين.
● تعزيز نوعية التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية مع التشديد على استقلاليتها، وإجراء انتخابات ديمقراطية لإعادة تشكيل اتحاد طلبتها وإطلاق عمله.
● وضع خطة لتأمين حق السكن لذوي الدخل المحدود، بإشراف الدولة (وبالاستفادة من مشاعاتها ومشاعات البلديات…). وخطة للنقل العام (تستند إلى استخدام القطارات والباصات… الخ).
مراقبة اسعار السلع والخدمات الأساسية، والتدقيق في قانونية هوامش الأرباح.
● حماية أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وسائر أموال الصناديق الضامنة.
● حماية البيئة، من خلال إعادة النظر بمشاريع معالجة مشكلة النفايات والصرف الصحي، والترخيص للمقالع والمرامل، بالتشاور مع الجمعيات البيئية.

اللجنة التحضيرية، 13 تشرين الثاني، 2019

قضايا “الثورة اللبنانية” : “ثويرة الواتسآب” في لبنان (3)

بعد أسبوعين على الانتفاضة الشعبية التي شهدتها كافة أرجاء لبنان الكبير المُحتفل بمئويته، تتضح بعض الأمور بينما يظل بعضها غامضاً، إما لأنها لا تزال تتطوّر، أو لأنها تجري بعيداً عن أضواء الكاميرات.

سارع البعض، منّي وهلم جراً، إلى نزع تسمية الواتسآب عن الانتفاضة بحجة أنها أكبر من انزعاجٍ من رسم عشرين سنتاً بكثير، وأن المشكلة نتيجة تراكم عقود من التجويع البطيء والانهيار السريع لدولة مافيوية في ظل النيوليبرالية اللعينة التي تحكمنا منذ نهاية الحرب الباردة، وفلسفات أخرى من هذا النوع. لكن بعد التدقيق في مجريات الأحداث كان الواتسآب هو الاستفزاز الأكبر والمحفّز الرئيس للأحداث، وكان تجاهل هذا الدافع من العوامل التي أخمدت زخم هذه الانتفاضة.
الواتسآب في لبنان بشكل عام، ولدى الطبقة العاملة بشكل خاص، هو أكثر من تطبيق للتواصل وتبادل الرسائل عبر الهواتف الذكية. «الواتس» هو المساحات العامة الغائبة في كافة مدننا والتي تسمح للأشخاص من ذوي الاهتمامات المشتركة بأن يتلاقوا من دون دفع رسوم دخول باهظة. الاختلاط البشري المباشر أصبح نادراً هذه الأيام وإن وجد فهو حكرٌ على الطبقات الميسورة، وهنا نتكلم عن الاختلاط الذي يُخرجك من تقوقعك ويسمح لك بتطوير الذات وتوسيع الأفق. فاليوم، في مدننا، تحول الاختلاط البشري إلى «بزنس» ويدفع من يقدر مالاً للتعرف إلى شريك في حلقات Speed Dating، أو لـ«السولفة» و«طقّ الحنك» في جلسات حكواتي أصبحت تسمى Story Telling، أو للسعي لتحقيق أحلام مهنية في ما يسمى DreamMatching، أو لاختبار المواهب في مناسبات الميكروفون المفتوح Open Mic، أو غيرها من التقاليد التي تهبسترت (من Hipster) وترسملت (من الرأسمالية) واحتُكرت (من Monopoly) من قِبَل فقاعة طبقية تضيق باستمرار. وغالباً ما تغيب الرقابة عن هذه المساحات ويتمتع روادها بحريات ليست متاحة لمن هم خارج هذا النادي. إذاً «الواتس» هو مساحة بديلة بعيدة عن رقابة دولة تحتضر لا تقوى إلا على المهمّشين. شاهدنا التعبير عن هذا الكبت عندما فتحت شاشات وميكروفونات التلفزة إذ تدفقت صراحةٌ تامة ومشاعر حقيقية لا يعتاد المرء في عصرنا رؤيتها «Live» (على الهواء مباشرة).
هذه المساحة هي أيضاً بديل النقابات لجيلٍ لا يعمل في وظيفة ثابتة. وبديل العمل الحزبي في فترة تاريخية تُختزل فيها السياسة بسطورٍ إعلانية وهاشتاغات. كما هي مساحة انتقام من الظلم والقمع الممارسيْن يومياً في حقهم. فهناك على سبيل المثال مجموعات على «الواتس» لأصحاب الدراجات النارية يحذر عبرها بعضُهم البعض من حواجز التفتيش الطيارة التي تنصبها قوى الأمن لضبط واحتجاز الدراجات النارية المخالفة والتي غالباً ما تكون مصدر رزق صاحبها. هذه المجموعات ليست عابرة للطوائف والانتماءات الحزبية فحسب، بل هي أيضاً لا تعترف لا بسايكس ولا ببيكو ولا بحدودهما. وإذا وسّعنا البيكار، فإن الواتسآب هو المساحة التي تجمع العائلات المشتتة حول العالم بحثاً عن قوتٍ، والتي لا يرى فيها حاكم مصرف لبنان (وفق ما قال في مقابلته الأخيرة مع شبكة «سي إن إن») إلا تحويلاتها بالعملة الصعبة الضرورية لتدعيم هرمه الورقي المتهالك.
ضريبة محمد شقير، الذي تدل كل تصريحاته على أنه يقطن في خندقٍ غميقٍ بعيدٍ عن البشر لا تصله إلاّ ثلّة من أمثاله، لم تكن امتداد يدٍ ناهبة إلى جيوب الناس بل كانت اعتداء سافراً على آخر المساحات التي تخصهم. وجاء الرّد على هذا الاعتداء فوراً مستهدفاً بؤرة الشقيريين، وهي أراضي وسط بيروت المحتلة من قبل شركة سوليدير غير الشرعية والتي لا تبعد إلاّ خطوات عن خندقٍ غميقٍ مأهول بكثير من البشر. قُمع المنتفضون بالغاز المسيّل للدموع والهراوات والرصاص المطاطي، ثم امتطى انتفاضتهم مندسو الطبقة الوسطى والذين هم أيضاً لديهم الكثير من المطالب المحقة في ظل فشل كامل للنظام القائم.

هنا أيضاً برز جيلٌ من الشباب «المتعلّم» في جامعات خاصة، والذي يدرك أن هذه الدولة تنهبه ولا تنصفه وهو مقتنعٌ أنه يستحق أكثر ممّا يقدّم له لأنه مطّلع على العالم ومعتاد على مفهوم الإرضاء الفوري الذي كرّسته الثورة المعلوماتية. لكن هذه الجامعات ما هي إلاّ حاضنة ليبرالية تفقّس عمالاً مطيعين ينخرطون في منظومة معولمة ولا يسائلونها. فهم يسعون للحصول على وظيفة في شركات العالمية قد تأخذهم إلى الجزيرة العربية، أو – إن كانوا محظوظين – ينتهي بهم المطاف في بلد يمنحهم جنسية أجنبية، وفي كلتا الحالتين يفرح رياض سلامة ورَبعُه بتحويلاتهم. لا أحد في الجامعات يخبرهم بأن المنظومة التي يشكلون جزءاً منها فشلت أو تترنح في أماكن عدة حول العالم، وهي تطحن بلاداً وشعوباً وتضعهم شخصياً في تنافس مباشر مع أصدقائهم وأقرانهم ليرتقي بعضٌ منهم على حساب الآخرين. الوضع ذاته موجود في سوق الإنسانية والتنمية غير الحكومية الذي يستوعب الأفراد الذين لا يكون حافزهم الرئيس هو المال ومراكمته، والذين توجد في داخلهم نزعة سياسية تسعى إلى صعود جماعي للمجتمع، وينتهي بهم الأمر في منظومةٍ تحرّم عليهم المراكمة السياسية أو العمل الحكومي المباشر. أذكر ذلك لأن هذه الظاهرة التنافسية والتسلقية انعكست في ساحات بيروت المنتفضة حيث كثر التنافس على حساب التضافر في أكثر الأوقات حرجاً. ضف على ذلك اليوفوريا أو حالة السّكر الزائد التي يخلقها الشارع وظهر تأثيرها حتى على أعرق أحزاب الشارع، فما بالك بجيلٍ لم يعتد التفاعل البشري المباشر وإذ به يختلط بالآلاف دفعةٍ واحدة، فتستنتج أن الجيل هذا غير مؤهل حالياً للقيام بثورة. تلاعبت السلطة بالشارع كما أرادت وفتّتته، ونزعت عنه أنيابه السياسية باكراً، واستبدلتها بكرنفالِ وطنجي لأحلى عالم، وتنافس بين مجموعات لا تهددها. أدّى ذلك إلى نفور الغاضبين وتنفيس الاحتقان، بينما كان أهل السلطة يخوضون حرباً أهلية باردة خلف الكواليس.
لكن يخطئ أهل السلطة، المستقيلون منهم ومن هم باقون على العهد، في حساباتهم إذا اعتبروا بعد تقييمهم لحجم الانتفاضة بأنها عابرة أو غير مؤثرة في موازين القوى، أو لأنهم كشفوا أياديَ خفية كانت تحركها. الأزمة الاقتصادية والمالية ليست عابرة والإصلاحات المقترحة غير جدية ولن تحل أي مشكلة وقد لا تنفع حتى لوقف النزيف لبعض الوقت. نحن أمام سيناريو قد يتكرّر عند الاعتداء التالي على شعبٍ مخنوق بعد شهر أو سنة أو خمسة (ذلك إن لم تقرّر القوى الحاكمة نقل خلافاتها إلى الشارع، فتلك قصة أخرى). هذا الحراك ليس ثورة، لكنه «ثويرة» جيل شاب سيكبر سريعاً في ظل سياسة إفقار متعاظم وتهجير متعمّد يصعب يوماً بعد يوم. لقد تمكنت السلطة من طمس الطابع الطبقي لهذا الحراك هذه المرة، لكنها لن تكون محظوظة في المرات القادمة لأن الانهيار يمحو الفوارق الطبقية التي استُغِلّت اليوم بلحظة، وهو آتٍ لا محال إذا بقينا رهينة الدَّين لأخطبوط المصارف.
جمال غصن، صحفي وكاتب عربي من لبنان
الجمعة، الأول من تشرين الثاني، 2019

السودان اختار نعمات خير لرئاسة القضاء، لماذا ومن هي؟

يقفز دائماً في المدركات العربيَّة والإسلاميَّة أنه "لا يفلح قومٌ ولّوا على أمرهم امرأة"، يقول البخاري إنه "حديثٌ شريفٌ"، ويقول غيره إنه "حديثٌ غير صحيحٍ"، فيحقق راشد الغنوشي مثلاً في كتابه (المرأة بين القرآن وواقع المسلمين)، الصادر عن المركز المغاربي للبحوث والترجمة عام 2000، في فصلٍ كاملٍ هذه المقولة، ويخلص فيه أنها جاءت في معرض قتل أخت كسري لأخيها في بلاد الفرس، وأن راوي الحديث "لا يتمتع بمصداقيَّة"، إذ إنه "طبَّق عليه حداً شرعياً".
جدلُ عربيٌّ حول صلاحيَّة النساء
هذا الجدل حول صلاحيَّة ولايَّة المرأة للولايَّة الكبرى، التي يقع القضاء في نطاقها أثير في مصر أيضاً، حينما طرح الإخوان المسلمون وثيقة للإصلاح السياسي عام 2007 حرموا فيها النساء من الولايَّة الكبرى، وربما كان ذلك سبباً ولا يزال في خسائرهم السياسيَّة لدى النساء في مصر الذين هن نصف المصريين.
هذا الجدلُ العربيٌّ حول صلاحيَّة النساء في القيادة والحكم هو ما استدعى اجتماعاً لهيئة علماء المسلمين بالسودان، في أعقاب اتخاذ المجلس السيادي قراراً بتعيين القاضيَّة نعمات عبد الله محمد خير أول رئيسة للقضاء في أفريقيا والعالم العربي، وهو قرار لا بد أن نلاحظ أن اتخاذه جاء بعد شهر ونصف الشهر تقريباً من تكوين الحكومة الانتقاليَّة، وهو ما يعني في الأخير أن اتخاذه لم يكن سهلاً، وأنه حاز كثيراً من المقاومة.

ولعل السؤال البارز هنا: هل حصول المرأة السودانيَّة على منصب رئيس القضاء جاء فقط لأن من يحكم السودان الآن هم ثوار يصنعون تغييراً كما قال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أم أن للمرأة السودانيَّة تاريخاً وتراثاً نضالياً جعل هذا القرار ممكناً، ومروره في السياقات الاجتماعيَّة غير الأيديولوجيَّة ربما يكون سهلاً، فقامت الحكومة الانتقاليَّة السودانيَّة أيضاً بتعيين أربع وزيرات، فيهن أول وزيرة خارجيَّة في تاريخ البلاد، إلى جانب وزيرة للتعليم العالي، ووزيرة للعمل والتنميَّة الاجتماعيَّة والشباب والرياضة، وسبقهن من قبل امرأتان في المجلس السيادي؟

Résultat de recherche d'images pour "نعمات خير"


الاتحاد النسائي السوداني
ولعل الإجابة عن التساؤل لا بد أن تستدعي أن المكانة المتميزة للمرأة السودانيَّة نتجت عن أن السودانيات استطعن أن يبلورن سياقاً تنظيمياً في فترة مبكرة، إذ إن الاتحاد النسائي السوداني هو الاتحاد النسوي العربي الوحيد ربما الذي عابر لاستقلال السودان، إذ أُعلن إنشاؤه عام 1952 تتويجاً لحركة نسويَّة وطنيَّة استهدفت مقاومة الاستعمار البريطاني بدأت عام 1946، وقد بدأ الحراك النسوي السوداني برابطة المرأة السودانيَّة، التي اهتمت بمحو الأميَّة، والتثقيف العام والمنزلي، كما انحصرت عضويتها في المتعلمات.
أمَّا في مجال العمل النقابي، ففي عام 1947 كانت الممرضات السودانيات هن الأوائل في اقتحام هذا المجال، ونلن بطبيعة الحال قدراً لا بأس به من محاولات تلطيخ السمعة التي ما زالت قائمة حتى الآن حين تقتحم النساء العمل العام في كثيرٍ من مجتمعاتنا العربيَّة.
من سجَّلن المرتبة الثانيَّة في العمل النقابي كن المدرسات اللاتي تم رفض طلبهن أولاً بمزاعم أن العمل النقابي يتعارض مع الدين والتقاليد، ويدفع بهن إلى الاختلاط، ثم سمح للمدرسات السودانيات بتكوين اتحاد ثقافي نتيجة لضغطهن وإلحاحهن، وفي العام 1949 تم تحويل الاتحاد إلى نقابة، وبذلت النقابة جهوداً عظيمة للدفاع عن حقوق ومطالب المدرسات.
أمَّا على الجانب الخيري فقد تكوَّنت أول جمعيَّة نسويَّة 1950 في مدينة الأبيض بغرب السودان.
في أعقاب استقلال السودان في يناير (كانون الثاني) 1956، ومع وجود الاتحاد النسائي فعلياً على الأرض كانت السودانيات جاهزات ربما لبلورة مطالبهن، واقتحام المجال العام، وذلك ما يفسّر كونهن انخرطن في مجال القضاء السوداني عام 1961، وكن الرائدات على المستوى العربي في هذا النطاق.
نضال السودانيات
وبطبيعة الحال انخرطت السودانيات في النضال من أجل الحريات العامة والديموقراطيَّة فسجّلن حضوراً متميزاً في ثورات أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وأبريل (نيسان) 1985 ضد نميري، وأخيراً في ثورة السودان بديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أطاحت البشير وحكم الإخوان المسلمين معاً، إذ كانت صورة آلاء صلاح بثوبها السوداني الأبيض على منصة اعتصام القيادة العامة أيقونة للثورة، وملهمة للمخيلة الثائرة في السودان، وهي الصورة التي برزت أيضاً في وسائل الإعلام المحليَّة والإقليميَّة والعالميَّة، ولعل هذه المكانة هي ما جعلت الاتحاد النسائي السوداني يصدر في أغسطس (آب) الماضي بياناً يطالب فيه الحكومة الانتقاليَّة بأن يكون للنساء السودانيات 40٪ من هياكل السلطة طبقاً للوثيقة الدستوريَّة، وهي نسبة لم ترقَ إليها المطالبات النسويَّة في كل المنطقة العربيَّة، إذ تدور مشاركة النساء العربيات في هياكل السلطة حول نسبة الـ30٪.
ولعل هذه الحيويَّة السياسيَّة النسويَّة السودانيَّة هي التي كانت وراء اهتمام الدكتور حسن الترابي مؤسس الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السودان بالنساء كمحركات للوعي السياسي والأيديولوجي، فكتب كتابه (المرأة بين الإسلام وتقاليد المجتمع)، واختار أن يمارس تجديداً فقهياً لصالح النساء، حتى حازت مقولاته كثيراً من الجدل في السياقين السوداني والإسلامي، كما ينسب إليه طبقاً لروايات سمعتها شخصياً من الذين كانوا مقربين منه دعوته كوادر الحركة الإسلاميَّة السودانيَّة بتجنيد النساء، لأن نطاق تأثيرهن على النطاق الأيديولوجي أوسع من الرجال.
وبشكل عام نستطيع القول بارتياح إن النساء السودانيات أظهرن حضوراً غير مسبوق في تاريخ السودان السياسي من خلال مشاركتهن في الحراك، وكانت القاضيَّة نعمات إحدى النساء اللائي دعمن الثورة، إذ ظهرت في موكب القضاة الذي وصل إلى مقر الاعتصام المنعقد في أبريل (نيسان) الماضي أمام مقر الجيش بالخرطوم.
مَنْ هي رئيسة القضاء السوداني؟
حصلت نعمات عبد الله محمد خير، البالغة من العمر 62 عاماً، على (إجازة الحقوق) من جامعة القاهرة، فرع الخرطوم، وبدأت عملها في السلك القضائي عام 1983 في منصب مساعدة قضائيَّة، ثم تنقَّلت خلال عدة سنوات بين المحاكم الجنائيَّة والمدنيَّة ومحاكم الأحوال الشخصيَّة، ثم حصلت على فرصتها في الترقيَّة إلى قاضي درجة ثانيَّة، فدرجة أولى، ثم قاضي استئنافات في العام 2003.
وبين الأعوام، 2009 و2014، شغلت نعمات خير منصب قاضي محكمة الاستئنافات بالسلطة القضائيَّة، قبل أن تترقى إلى قاضي محكمة عليا بحلول العام 2015.
ووفقاً للمتداول عن سيرتها من شهود عملوا معها، فإنها معروفة بالاستقلاليَّة وعدم الانتماء السياسي، فضلاً عن الصرامة والتهذيب، والقدرة على الحسم السريع.
نجحت مولانا نعمات خير في أن تكون أول رئيسة للقضاء السوداني، وهو موقع ربما يكون مؤقتاً، لأنه طبقاً للوثيقة الدستوريَّة المؤطرة للسلطة التنفيذيَّة في الفترة الانتقاليَّة فإن تعيين رئيس القضاء هو من مهام المؤسسة القضائيَّة لا من مهام المجلس السيادي، من هنا قد تنجح نعمات في أن تحوز ثقة نادي القضاة السوداني بعد تكوينه، وتستمر في موقعها، لكن المؤكد أنها لم تنجح بعد في تأنيث لقب القاضيَّة السودانيَّة ليكون مولاتنا بدلا من مولانا، وهو اللقب الذي يُطلق عليها!.

أماني الطويل، كاتبة وباحثة عربية من مصر
منشور على صفحة Amani El Taweel ، يوم الجمعة 18 أكتوبر/ تشرين الأول، 2019

الجزائر : منظمو حملات “التنصير” ينفذون احتجاجات

تبذل السلطات الجزائرية جهوداً كبيراً لقمع حملات التنصير التي تقوم بها كنائس أجنبية، في مدن وارياف الجزائر لتغيير العقيدة الدينية للشعب الجزائري وتفكيكها. وأمس، نظم مئات الأشخاص من طائفة البروتستانت المسيحية، التي تشن هذه الحملات، تجمعا احتجاجياً بمحافظة بجاية، على بعد 250 كيلومتراً شرق الجزائر العاصمة . بعد أن قررت السلطات المعنية إغلاق كنيسة "الإنجيل الكامل" والتي تعتبر  الأكبر في البلاد, تقع في ضاحية المدينة الجديدة بتيزي وزو 120 كلم شرقي العاصمة بقرار من السلطات المختصة.

وطالب المحتجون الحكومة أن تلغي  قانون تنظيم ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين الذي أصدرته الحكومة في آذار/مارس 2006، بدعوى أن هذا القانون لا يُقدم أي إضافة. وطالب المحتجون أيضا بعقد لقاء مع ممثلي السلطات المحلية لبحث أسباب ما قالوا أنها “غلق" ما وصفوها بـ "أماكن العبادة”. وتؤكد السلطات الجزائرية أنها كشفت “مخططاً غربياً لخلق أقلية مسيحية في الجزائر بهدف ضرب استقرارها” الإجتماعي والسياسي.

وتدفع هذه الكنائس أموالاً وتقدم مساعدات وتأشيرات سفر إلى أميركا وأوروبا، لإغراء الفقراء في الضواحي والأرياف على ترك دين لآبائهم وأجدادهم، والدخول في هذه الكنائس اليهودية ـ المسيحية. وسبق للمحتجين وأن نظموا يوم 9 أكتوبر / تشرين الأول الجاري, وقفة احتجاجية أمام مقر ولاية بجاية, طالبوا خلالها باحترام حرية المعتقد ومن بين الشعارات التي رفعوها “نعم لحرية العقيدة دون مضايقات”.

وقال أبو عبد الله غلام الله، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وهو هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية، إن الأقليات الدينية في الجزائر تتكون من عدة فئات. بينهم مسيحيون بقوا في الجزائر بعد الاستقلال. وهم إما من أصل جزائري أو أجانب من فرنسيين وإسبان وإيطاليين ممّن عاشوا إبان الإحتلال الكولونيالي الفرنسي وفضّلوا البقاء في الجزائر.

وأرجع أسباب غلق بعض الكنائس إلى عدم وجود رخصة تمكن القائمين عليها من العمل وفقًا للقانون الجزائري، الذي يوافق القانون الدولي والذي صادقت عليه الجزائر في هيئة الأمم المتحدة. وتشكل هذه الكنائس نوعاً من الكولونيالية الدينية، وهي تعمل بتمويل من الحكومات الغربية و"إسرائيل" على تجنيد مناصرين، بغية إضعاف الترابط المجتمعي في داخل وبين الدول العربية. 

مركز الحقول للدراسات والنشر
الخميس، 17 أوكتوبر / تشرين الأول، 2019

رئاسيات تونس 019 : ماذا بعد فوز المرشح قيس سعيّد ؟

أحدث فوز قيس سعيّد برئاسة تونس حال ارتياح في المشرق العربي. فالرئيس الجديد القادم من مقاعد التعليم الجامعي، واظب خلال حملته الإنتخابية على التذكير بالقضية الفلسطينية، وإعلان التأييد للجمهورية العربية السورية وسيادتها واستقلالها. لكن هزيمة سعيّد  لمنافسه نبيل القروي بفارق كبير، لا تعني أن مسارات السياسة الداخلية والخارجية ستكون مفتوحة امامه وواضحة.

وكانت هيئة الانتخابات قد أعلنت نتائج رسمية أولية، في بيان أذاعه التلفزيون الحكومي. وقالت فيه أن سعيّد قد فاز في انتخابات الرئاسة بنسبة 72.71 في المئة من الأصوات، وأن نسبة إقبال الناخبين بلغت 55 في المئة. وهذ نسبة مرتفعة في ظروف الأزمة الإجتماعية ـ السياسية التي تراوح تونس فيها، منذ تولي حركة النهضة "الإخوانية" الحكم، بعد "ثورة البوعزيزي عام 2011، وطرد الرئيس السابق زين العابدين بن علي من منصبه.

وكان تصدر سعيّد والقروي نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسيّة التونسية، قد فاجأ الكثيرين من السياسيين والمحللين. لا سيما وأنهما نافسا سياسيّين بارزين، منهم رئيس الحكومة الحاليّ ورئيسا حكومة سابقَان، وأيضاً وزير الدفاع الحاليّ ووزراء سابقون، إضافة إلى الرئيس المؤقت للبرلمان المدعوم من "حركة النهضة"، وكذلك قادة المعارضة السابقة. كانت النتائج التي حققها القروي في الدورة الأولى منطقية، بسبب ترؤسه حزباً سياسياً وكتلة برلمانية، وامتلاكه وسائل إعلامية. لكن نتائج سعيّد كانت مفاجأة حقاً، إذ اختار الناخبون أستاذ القانون الدستوريّ المتقاعد، الذي ترشح منفرداً، ولم يكن يملك إمكانيات ومزايا منافسيه. 

لقد استفاد سعيّد من فشل حكم "النهضة". ويتضح، الآن، أنّه حصد في الدورة الثانية التي جرت يوم الأحد الماضي، أصوات 31 في المئة من الناخبين الذين لم يشاركوا في الانتخابات التشريعيّة. كما نال سعيّد نحو 90 في المئة من أصوات الناخبين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 ـ 25 عاماً. لكنه أخفق في كسب غالبية أصوات الناخبين ممن تجاوزوا الستين.

وبعد إعلان النتائج النهائية للإستحقاق الرئاسي، فإن رئيس الجمهوريّة الجديد، سيواجه احتمال انفكاك القوى السياسية التي انتخبته عنه. فالقوى السياسية وخصوصاً "الإخوان"، الذين جيروا أصوات ناخبيهم له، سيحاولون الهيمنة عليه. وهم، أصلاً، اعتبروه رئيساً ضعيفاً، وأن المهم هو تولي رئاسة الحكومة، لأن الموقع الدستوري لرئيس الجمهورية في تونس لا يحظى بسلطات وصلاحيات هامة. وهذا يزيد من احتمال المواجهات بين الرئاسة والحكومة وكذلك البرلمان.

وذكرت تقارير سياسية أن الرئيس الفائز، ليس كما يتوقعون. وقالت أن لديه مشروعاً إصلاحياً لإعادة تأسيس النظام البرلماني ودمقرطته، على نحو يكون للناخبين حق عزل ممثليهم، إذا لم ينفذوا البرامج التي وعدوا بها. وهذه المقترحات يتوقع أن تلقى رفضاً من الأحزاب السياسية، في بلد لا تزال المصاعب المعيشية والإقتصادية تشتد على المواطنين وتضعفهم، رغم تحقق ما يسميه النيوليبراليون بـ"الإنتقال الديموقراطي" للسلطة.

كما إن النظرة الندية التي يطرحها الرئيس قيس سعيّد في علاقات تونس الإقتصادية مع الإتحاد الأوروبي، والتي تحظى بتأييد جزء كبير من الناخبين، قد تسبب له متاعب سياسية. وهذا الإحتمال يبدو راجحاً، مع المواقف السياسية الواضحة التي أعلنها سعيّد من الكيان الصهيوني والقضية الفلسطينية. كذلك فإن تأييده الصريح لحكومة الجمهورية العربية السورية، سيدفع حركة النهضة "الإخوانية" المؤيدة لتركيا، إلى فتح صراع مبكر مع الرئيس الجديد بشأن السياسة الخارجية للبلاد.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الثلاثاء، 15 تشرين الأول/ أوكتوبر، 2019   

 

كيف سيطر “الإخوان” على منظومة التعليم في السعودية ليزرعوا التكفير فيها؟

هامش أول: توطئة

بين يدي كتاب بعنوان «محاضرات دورة مديري المدارس الثانوية والمتوسطة والمعاهد»، الحلقة الأولى، والمنعقدة في الطائف عام 1386 – 1966، والدورة بدأت في 2 يوليو، أي قبل تنفيذ حكم الإعدام في سيد قطب بقريب من الشهرين، حيث كان الإعدام في الـ29 من أغسطس في العام ذاته.

وكان أبرز المحاضرين فيها، العراقي محمد محمود الصواف، والأردني عبدالله زيد الكيلاني، والسوري محمد أمين المصري، وغيرهم، ومن ذلك الوقت المبكر-بل وقبله بسنيات- والجماعة تعمل بجدية وتفانٍ على اختراق التعليم وتوجيهه حسب أغراضهم الحزبية.

هامش ثانٍ: مناهج الهلباوي السعودية

على الرغم من انتشار أعضاء جماعة الإخوان في مختلف إدارات ومدارس وزارة المعارف والتعليم العالي، لم تقرر كتب حسن البنا وكتب سيد قطب ومحمد قطب وغيرهم، في المدارس السعودية ولم تطبعها وزارة المعارف السعودية إلا حينما تولى كمال الهلباوي، القيادي الإخواني السابق، منصب رئيس لجنة مستشاري بناء المناهج المدرسية في وزارة المعارف ما بين عامي 1982 و1987.

وخلال هذه الفترة أدخل الهلباوي أهم أدبيات جماعة الإخوان النظرية للمدارس السعودية، ومن بينها «العقيدة الإسلامية» و«الوصايا العشر» لحسن البنا، و«معالم في الطريق» لسيد قطب، و«الإنسان بين المادية والإسلام» لمحمد قطب، وكتاب «الجهاد في سبيل الله» لأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب، و«قبسات من الرسول» لمحمد قطب، وتمت طباعة هذه الكتب وغيرها على حساب الوزارة وتم توزيعها بالمجان على الطلاب.

هامش ثالث: جمعة أمين صائغ معتقدات الجماعة

«حارس الأصول العشرين» «جمعة أمين عبدالعزيز»، والذي يعد أحد أهم أعضاء مكتب الإرشاد للجماعة الإرهابية الإخوان المسلمين في حينه، وكان عضوا رئيسا في لجنة التربية داخل الجماعة، وهي من أهم لجان الجماعة العاملة، إذ كانت معنية بصياغة معتقدات الإخوان.

حجَّ «جمعة أمين» في عام 1981، ولم يرجع إلى بلده، بل ظل مقيما في السعودية حتى عام 1985 هاربا من قرار القبض عليه في قضية اغتيال السادات، وخلال هذه السنوات عمل مديرا لمكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي في جدة.

يقول «أمين» حول التعليم والتربية «عليكم بالمدارس، فقد كانت هدفا لتخريب عقولنا، وغزونا حتى العقيدة في هذه المرحلة قد جمدوها».

ماذا فعل «جمعة أمين عبدالعزيز»، في أربعة أعوام كاملة داخل السعودية؟!

هامش رابع: تعهد ولي العهد الجديد

في المقابلة الشهيرة للأمير محمد بن سلمان مع المذيعة الأميركية نورا أودونيل، في برنامج 60 دقيقة، تعهد بالقضاء الكامل على ما تبقى من فكر جماعة الإخوان المسلمين في مدارس السعودية، وناقش إشكالية غزو فكر جماعة الإخوان المسلمين لنظام التعليم في المملكة، وأن بعضهم ما زال يعمل في التعليم، وأكد مُضَّيه في اجتثاث كل من ينتمي لهذا الفكر أو يتعاطف معه خلال فترة قصيرة.

بعدها شرعت وزارة التعليم في إعادة صياغة مناهجها التعليمية لمحو أي تأثير أو أثر لجماعة الإخوان المسلمين فيها، كما أنها عملت على إبعاد كل مَن يتعاطف مع الجماعة، في أي منصب بالقطاع التعليمي، خاصة في الجامعات ذات التوجه الديني.

المهمة ليست يسيرة، فهذا الفكر متغلغل في مفاصل التعليم منذ ما يزيد على ستين سنة، بدءا من المناهج والنشاطات الصفية وغير الصفية، وانتهاء بجذب كثير من كوادر التعليم الأجنبية في فترات مختلفة، والذين تحولوا إلى أدوات لبث هذا الفكر بين الطلاب في مختلف المراحل التعليمية من الصف الأول الابتدائي وحتى برامج الدكتوراه.

هامش خامس: القصة من البداية

عرفت السعودية جماعة الإخوان المسلمين قبل 80 عاما، في عام 1936 تقريبا، ومرت العلاقة مع السعودية بمناطق توترات، لعل من أبرزها دعم الإخوان للثورة في اليمن عام 1948، أو تدبيرها بمعنى أدق على يد الجزائري الفضيل الورتلاني والمصري عبدالحكيم عابدين، والتي عارضتها السعودية بشدة.

وبعد ثورة يوليو 1952، حارب الرئيس المصري جمال عبدالناصر الإخوان المسلمين، واعتقلهم وأعدم بعض قياداتهم، ففر كثير منهم إلى السعودية، وذلك في عهد الملك سعود -طيب الله ثراه-، وبنت المملكة علاقات جيدة مع أفراد من الجماعة، وليس مع التنظيم ذاته (كما يؤكد على ذلك الدكتور إبراهيم الزبيدي، في كتابه المهم الفسيفساء السعودية).

والسعودية في سعيها إلى استقطاب الإخوان كانت تروم للسعي إلى تطوير الخطاب الديني، ومحاربة المد الناصري، ولكن كان للإخوان رأي آخر فسعوا للسيطرة على المتاح أمامهم، فكانت الفرصة مواتية لاجتياح التعليم والتغلغل فيه قدر الإمكان بهدف الوصول عبره إلى أبعد نقطة ممكنة داخل المجتمع السعودي.

وانتشرت كوادر الجماعة في مفاصل التعليم السعودي العام والجامعي، فصنعوا محتوى مناهج التعليم ونظامه، وصنعوا مناهج الجامعات ونشروا كتبهم وأفكارهم فيها، واختاروا أساتذتها من الدول العربية وفق منهجهم، وهم مَن صنع المراكز الصيفية واستغل برامجها في كسب ولاءات الطلاب.

وتأتي سيطرتهم على قطاع التعليم بعد أن قامت الحكومة السعودية بمنع الإخوان من مزاولة أي نشاط سياسي داخل المجتمع السعودي المسالم والمستقر، لتحقيق مجموعة أهداف من أهمها: الترويج لفكر الإخوان المسلمين، ونشر مؤلفات الجماعة في المكتبات المدرسية والجامعية، وتوجيه التربية المجتمعية وفقا لمنهج الجماعة، إضافة إلى السيطرة التامة على المنح والبعثات الدراسية.

هامش أخير: رأس المال التعليمي السعودي، إخواني

كانت حصة الإخوان في الجامعة الإسلامية عند نشأتها كبيرة، وازدادت مع الوقت لتشمل مواقع أخرى كجامعتي الملك عبدالعزيز وأم القرى وغيرهما، وكان من أبرز الشخصيات التي عملت في الجامعة الإسلامية المصري علي جريشة، والسوري محمد المجذوب، والمصري محمد قطب، والمصري سيد سابق الذي ترأس قسم القضاء في جامعة أم القرى، والمصري محمد الغزالي الذي ترأس قسم الدعوة وأصول الدين في جامعة أم القرى، ناهيك عن دورهم الكبير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بسبب تولي مناع القطان لرئاسة الدراسات العليا، ورئاسة محمد الراوي لقسم التفسير، ووجود عبدالفتاح أبو غدة ومحمد أبو الفتح البيانوني للتدريس فيها وجميعهم من الشخصيات الإخوانية القيادية.

هامش الهوامش

بقي أمران:

الأول: أنصح المهتم وصاحب القرار بقراءة كتاب قديم بعض الشيء، غير أن ما يحكيه الكتاب ما زال شاخصا للعيان ليس بذات الحدة السابقة بطبيعة الحال، ولكنه ما زال موجودا بقوة، والكتاب هو: (اختراق البرج العاجي، قراءة في التحولات الجيوسياسية والتأثير الأيديولوجي في بنية التعليم العالي السعودي، للدكتور محمد بن عبدالله الخازم، الطبعة الأولى، 2011، لندن، طوى للثقافة والنشر والإعلام).

والثاني: وحدات الأمن الفكري أو التوعية الفكرية في الجامعات بادرة رائعة، وأظنها ستحقق بعدا رائعا في مساندة الجهود المبذولة في مكافحة التطرف، فقط علينا مراجعتها المستمرة، حتى لا يسيطر عليها التيار الناعم الغالب للسرورية والإخوان في الجامعات.

خالد العضاض، صحفي وكاتب عربي من السعودية

العنوان الأصلي للمقال :
حكاية التعليم السعودي والإخوان المسلمين هوامش مبعثرة

هل كان “جمال عبد الناصر آخر العرب”؟

حينما أخذت كتاب سعيد أبو الريش "جمال عبد الناصر آخر العرب"[1] لدراسته كنت مشدودا إلى العنوان. شعرت بأنه غريب، ومُبَالِغْ، وعاطفي. ثم تمكن هذا الشعور مني، بعد أن عدت إلى عنوان الأصل الإنكليزي للكتاب، فوجدته موجها إلى جمهور القراء الأجانب، بذات المعنى : "Nasser : The Last Arab"[2].

شرعت بـ"مغامرة" القراءة في التجربة الناصرية، وأنا أظن أن أبا الريش "يختزل" في عنوان الترجمة العربية، حسرته على التجربة وقائدها، وأنه عجز في عنوان الأصل الإنكليزي، عن إخفاء هذه الحسرة، حتى أمام قراء أجانب ينظرون إلى تجربة عبد الناصر، ببرود علمي، أو بشماتة سياسية، أو يقرأونها بفضول "الكولونيالي" اللعين[3].

كنت محتاجا إلى قراءة صبورة في متن النص، حتى أدرك أن اختيار العنوان، أي وصف عبد الناصر بـ"آخر العرب"، هو مخرج الكاتب من محنة المنهج التي تواجه كل عربي يتنطح لتأريخ "سيرة"، أو للتأريخ في "سيرة" الرئيس عبد الناصر.   

مناهج كتابة التاريخ عامة، والتاريخ العربي خاصة، متعددة. كل منها هو رؤية إلى الماضي وإيحاء بالمستقبل. وتبدأ المحنة المنهجية، وخصوصا في الكتابة التاريخية العربية عن تجربة العهد الناصري، من واجب المؤرخ في الإجابة ضمنا أو جهرا على السؤال التالي : لماذا نعود إلى "سيرة" عبد الناصر أو نؤرخ في "وقائع" حياته.

استوى أبو الريش مع محمد حسنين هيكل، وعدد قليل ممن ساهموا في الكشف عن، أو كتابة تاريخ الثورة الناصرية، حينما أبى أن يتصرف كباحث "موضوعه" : جمال عبد الناصر وتجربته التاريخية. لو فعل، لكان عليه أن يُحَمِّل كتابه عنوان "سيرة عبد الناصر" أو نحو ذلك. ثم يعرض للقارئ سبب تكرار البحث في "سيرة" شخصية عظيمة، تناولها قبله كتَّاب ثلاثين "سيرة" أجنبية وعربية[4].

على مدى صفحات الكتاب، نلحظ أن هذا العربي الفلسطيني "اللاجئ" إلى بريطانيا، قد اختار منهج الدفاع الدقيق عن فرادة عبد الناصر في التاريخ العربي الحديث. إذ عرض محطات الصيرورة الجدلية للزعيم القومي الراحل. حاول أن يرصد كل ما فيها من "حلو ومر". وبهذا المنهج الديالكتيكي الصارم، يكشف أبو الريش لقارئ كتابه، كيف وكم كان عبد الناصر تجريبيا.  

ولقد بيَّن المؤلف، قصدا أو عفوا، أن التجريبية الناصرية لم تكن ذاتية. وأوضح أن عبد الناصر لم يرتئي من تلقائه، أن "يجرب" في الأمور، فكان ما كان. أبدا. لقد كان لهذه التجريبية القومية أساسا موضوعيا، كامنا في مستوى التطور التاريخي للمجتمع العربي نفسه، خصوصا في مصر.

هذا الغموض الموضوعي في نظرية المعرفة لدى عبد الناصر، الذي نقف عليه في كتاب سعيد أبو الريش، هو حجة لقائد التجربة لا عليه، كما كان يظن بعض "أطفال يسار" عام 67. فقد ألح هؤلاء بمطالبة الناصرية بأن تعطيهم أجوبة نظرية وعملية في الفكر والسياسة. وهذه المطالبة كانت تتجاهل التجريبية القومية ومستوى تطور المجتمع نفسه أيضا. علما بأن هؤلاء كانوا قادة أحزاب قومية كبيرة، كما كان من بينهم مثقفون وفنانون وكتاب ورجال دين وسياسيون.

لقد رسم أبو الريش عبر مئات التفاصيل، صورة متينة عن "تجارب" عبد الناصر : التنظيم السري العسكري، تحطيم الملكية، إجلاء الكولونيالية، قيادة الجيش، إدارة الدولة، ممارسة السلطة، إنهاض المجتمع، تخطيط التنمية الإقتصادية والتقانية، حمل أعباء المسألة القومية، وصولا إلى التمرد السياسي والعسكري على القوى الكبرى في النظام الدولي الغادر[5]. وفي ذلك كله، لم يكن عبد الناصر من طلاب السلطة أو عبيد الذهب، وإنما كان رمز الإصلاح[6] ورجل الدولة الكبير[7].

في هذه التفاصيل التي ولَّفَها بكثافة، متناسقة جدا، يُمَكِّنُنا المؤلف من أن نرى، ببعض الشمول، أن كل المراحل أو المحطات الرئيسية والأساسية في التجربة القومية التي قادها عبد الناصر، قد انطوت على عناصر تجريبية جديدة، غير مسبوقة، فعلا.

إن معنى فرادة التجربة وصاحبها، كانت حيث أن لا الدولة ولا المجتمع في مصر، وفي أي قطر عربي، سبق لهما اختبار معرفتهما الحسية، المجربة، بالعالم الحديث[8]. ولذلك، نرى نص أبي الريش طافحا باليقين بأن "الرئيس جمال عبد الناصر يتقدم على جميع القادة العرب الذين سبقوه والذين سيأتون بعده"[9].

خاض عبد الناصر في كل هذه "التجارب" التي ترتفع عليها مصائر الأمم وحيوات الدول، وهو مجبر، في كثير من الأحيان، أن يباشر في كل "تجربة" من الصفر[10]. فالظروف الإجتماعية التاريخية، جعلته يغامر باكتشاف شروط الحياة الدولية المعاصرة، فيتعلم أساليب ويكتسب أدوات ممارسة الإستقلال القومي والوطني في عتمة نظام العلاقات الدولية. وهذه التجريبية البحتة[11]هي، على كل حال، مغزى الحداثة الناصرية الطموحة.  

وليس عبثا، أن أبو الريش قابل المحنة المنهجية التي تواجه كل عربي يتناول "سيرة" عبد الناصر، بكبرياء قومي وقور، جعله يكتب نصا واحدا، للجمهور الأجنبي، والعربي على السواء. فهو ينتقد التجربة الناصرية، من غير أن افتتان بالعويل السياسي لـ"أطفال يسار" 1967، ومن غير انقياد إلى منهج المؤرخ المحترف الذي يعتاش من وضع "الرواية" التاريخية عن الناصرية، لتجديد شروط وجود النظام السائد[12].

يستند عمل أبو الريش إلى بيبليوغرافيا غنية بالكتب والدوريات والمقابلات والوثائق العربية والأجنبية. وهذا الثراء المرجعي يبعث على الثقة بالعمق العلمي للكتاب، الذي يجوب بالقارئ في مبتدأ ومنتهى وتأثير الظاهرة الناصرية. كما يلاحظ أن هذه الإحاطة المرجعية الموثقة، الرحبة، هي، اسوة بالعنوان نفسه، ضرورية، لأنها جزء من منهج الكتابة التاريخية الملتزمة. ذكرنا أبو الريش أن عبد الناصر "يحضر إلى العقل كلما واجه العرب مشكلة"[13] … وأفهمنا بأن عبد الناصر مهد السبيل للعرب.

 

علي نصَّار

28 أيلول/ سبتمبر، 2019

 


[1] أبو الريش، سعيد. "جمال عبد الناصر آخر العرب". ترجمه عن الإنكليزية سمير كرم. إصدار "مركز دراسات الوحدة العربية"، بيروت. 435 صفحة. الطبعة الأولى، نيسان/أبريل 2005. 

 

[2] Nasser : The Last Arab. New York, St. Martin’s Press, 2004. by Said Aburish

 

[3] في مطلع شهر حزيران عام 2006، قدم "المفكر" الفرنسي هنري لورانس محاضرة في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت، وصف فيها السياسات القومية للرئيس عبد الناصر، بأنها "سياسات إمبريالية"، ولم يتفوه بكلمة حول "إسرائيل" مع أن موضوع المحاضرة كان عن الكولونيالية والدين.

 

[4] يعرض ابو الريش أسماء تسعة من "جميع الذين كتبوا الذين كتبوا سيرته …"، ثم يضيف إليهم إشارة إلى "ثمانية عشر آخرين". راجع الصفحة 25 من الكتاب.

 

[5] يشير أبو الريش إلى فشل عدد كبير من محاولات اغتيال الرئيس عبد الناصر. والأصل في هذا الإجرام الدولي، الذي نفذ بأيد عربية وأجنبية، هو أن الولايات المتحدة كانت قد قررت في وقت مبكر، وتحديدا في الخمسينات أن التخلص من عبد الناصر سيكون بالإغتيال أو عن طريق ضربة عسكرية توجهها إليه "إسرائيل". وهذا القرار الأميركي تضمنته وثيقة لوكالة الإستخبارات الأميركية، نشرها محمد حسنين هيكل في كتابه : "سنوات الغليان"..

 

[6] يقول أبو الريش "استمر [الملك السابق] فيصل من العربية السعودية وشاه إيران في التخطيط لمؤتمر إسلامي ليكون موازنا لقومية عبد الناصر العربية". راجع الصفحة 274.

 

[7] ينقل أبو الريش عن ديبلوماسي مصري، اقتناعه بأنه "من غير المحتمل أن تأتي [الدول العربية] قبل مرور زمن طويل، برجل في مثل نظافة [عبد الناصر]”. ويروي هذا الديبلوماسي للكاتب، “كيف أن عبد الناصر عندما رغب في شراء شقتين لابنتيه هدى ومنى لم يكن لديه أدنى فكرة عن أسعار الشقق في القاهرة. وحين اكتشف مساعدوه المبلغ الذي وفره لهذا الغرض ـ وكان ذلك كل ما لديه ـ قاموا سرا بجمع مبلغ من المال لإضافته على المبلغ الأولي ومساعدة [عبد الناصر]. ووفقا لما صرح به [هذا الديبلوماسي]، فإن عبد الناصر لم يعلم بذلك مطلقا، وتوفي وهو لا يزال يعتقد بأنه على الأقل تمكن من تأمين شقتين لابنتيه من مدخراته الضئيلة". راجع الصفحة 311 من الكتاب.   

 

[8] راجع بعض التفاصيل عن مشاركة عبد الناصر في حرب فلسطين عام 1948 " حيث تعرف على العدو بشكل مباشر"، في الصفحات 39 ـ 44 من الكتاب. ولمزيد من التفصيل، راجع كتاب محمد حسنين هيكل : العروش والجيوش ـ الجزء الأول.

 

[9] ينسب سعيد أبو الريش هذا القول إلى سائق سيارة أجرة سعودي، ولكنه يأخذ به في الواقع، لأنه يكتب أن قول هذا السائق "ما زال يتردد في كل مكان" من دنيا العرب. راجع ص406.

 

[10] يذكر سعيد أبو الريش، كيف أن برنامج الضباط الأحرار ذو النقاط الست، "كان بسيطا وعاما للغاية … إلى درجة تبعث على الضحك". راجع الصفحة 57 من الكتاب.

 

[11] يوضح أبو الريش أن ثورة 1952 كانت بالنسبة للرئيس عبد الناصر "حركة اجتماعية أكثر منها عسكرية. وكان مؤمنا جدا بذلك. حتى إن أفكاره حول مواجهة إسرائيل، أصبحت تعتمد على رغبة في الإرتقاء بمستوى المعرفة العلمية لدى شعبه، وهو أمر لم يفهمه [مساعده الأول الجنرال عبد الحكيم] عامر، ولا [قائد حركة فتح، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني السابق ياسر] عرفات". راجع صفحة 323.

 

[12] إن عملية نشر الرواية "التاريخية" المضادة للناصرية لا زالت متواصلة حتى اليوم. والرئيس عبد الناصر هو الشخصية العربية الأكثر ذكرا بعد الوفاة، وهو الزعيم العربي المعاصر الذي تواجه تجربته دعاية لم تنقطع لتشويهها وذمها وتبخيسها لدى الشعب العربي من المحيط إلى الخليج. وفي الأرشيف ثمة آلاف الشواهد وأكثر على ذلك.

 

[13] راجع الصفحة 406 من الكتاب

 

السودان “بعد الثورة” : عودة 6 آلاف شاب من “اسرائيل” ويطالبون الحكومة باعادة أموالهم المصادرة!

طالب 6 آلاف شاب، من السودانيين العائدين من "دولة إسرائيل"، مجلس السيادة ومجلس الوزراء، برفع الحظر عن أسمائهم، وإعادة ممتلكاتهم وأموالهم التي تزيد عن (30) مليون دولار كان قد صادرها جهاز الامن والمخابرات في العهد البائد [نظام عمر البشير] مؤكدين ان الجهاز صادر اوراقهم الثبوتية ومنعهم من اصدار اوراق جديدة، لدرجة انهم لا يملكون اى وثيقة تثبت انهم سودانيين.

 

وقال "رئيس تجمع الشباب العائدين من إسرائيل" احمد بابكر موسى لـ(الراكوبة) انهم يعانون داخل وطنهم مبيناً ان جهاز الامن والمخابرات في عهد الرئيس المخلوع صادر جميع ممتلكاتهم واموالهم بما فيها هواتفهم النقالة واجهزة الكمبيوتر التي جاءوا بها من تل ابيب موضحاً ان جهاز الامن ظل يسوّف ويتحايل حتى لا يعيد اموالهم اليهم فضلا عن حظرهم حتى من استخراج الاوراق الثبوتية.

 

واوضح احمد انهم عادوا على دفعات وان احصائية من حاولوا استخراج اوراق ثبوتية لدى الانتربول السوداني تبلغ 6000 شاب بينما يزيد عدد من عادوا الى السودان عن ذلك بكثير مبينا ان العائدين يزيدون عن 11 الف شاب وقال “جهاز الامن صادر من اى شاب منهم ما لا يقل عن 4 آلاف دولار”.


وشدد احمد على ان الانتربول احصى فقط 25 من العائدين لهم انتماءات سياسية موضحا ان غالبية الشباب ذهبوا لـ"اسرائيل" لتحسين الوضع المعيشي او لطلب اللجوء السياسي او المغادرة الى اوروبا.
وطالب احمد الحكومة الجديدة ورئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بالتدخل لإلغاء الحظر المفروض عليهم.

المصدر : موقع الراكوبة السوداني، 8 أغسطس / آب، 2019

سبعون عاما.. وخمسون.. وأربعون..! فرصٌ ضاعت وفرصٌ أخرى تلوح فى الأفق

ذكريات أحداث جسام مرت خلال شهرين من هذا العام (2019): يونيو ويوليو، كان لها وقعها العميق على صفحة الذهن المتأمل. أولها ذكرى العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا والأردن فى الخامس من يونيو 1967، والتى تسميها ذاكرة المثقفين العرب «النكسة» من غير إشارة إلى عدوان..! وذلك منذ خمسين عاما تقريبا، وثانيها ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 منذ سبعين عاما تقريبا، وقد تحولت إلى ذكرى تنازع استحقاق على إرث الثورة بين السياسيين فى مصر، للأسف، ما بين قائدها المؤسس جمال عبدالناصر وكل من محمد نجيب وأنور السادات، وثالثها: ذكرى هبوط أول إنسان على سطح القمر (أرمسترونج) يوم 20 يوليو 1969، أى قبل خمسين عاما، والتى تحولت إلى استعادة للسبق الأمريكى دون أى إشارة، بالمناسبة، إلى ذكرى أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجى والدوران حول الأرض: رائد الفضاء من الاتحاد السوفيتى: يورى جاجارين، يوم 12 إبريل 1961 بعد النجاح السوفيتى فى مضمار تصنيع ثم إطلاق أول سفينة فضاء (سبوتنيك) يوم 4 أكتوبر 1957. تلك ذكرى تثير آلاما عربية، وتنكأ جراحا، فيما يتصل بالبرنامج الفضائى والصاروخى والنووى العربى المصرى (ولا ننسى هنا تصنيع النموذج الأوّلىّ Prototype للصاروخيْن: القاهر والظافر، بمعونة العلماء الألمان، ومشروع تصنيع الطائرة الحربية المقاتلة 300 النفّاثة بالتعاون المشترك مع الهند وبتكنولوجيا قريبة من الطائرة السوفيتية ــ ميج، وذلك كله خلال النصف الأول من الستينيات من القرن المنصرم).
وإنها لمضاربات سياسية، و«مكايدات» عقائدية، تلك التى تتعثر على سطح كل ذكرى دون محاولة للذهاب إلى العمق، فأين العمق؟ زوايا عديدة للنظر، نتخّير من بينها اليوم زاوية «الفرص» بالمعنى التاريخى، ما ضاع منها وما يمكن التماسه من الأفق قريبا كان أو بعيدا.
نجول ما بين فرص مضيّعة، وفرص على وشك أن تضيع إن بقى الحال على ما هو عليه، ويمكن أن نمسك بناصيتها إن تغيّر الحال. فما الذى ضاع، وما الذى على وشك الضياع أو لن يضيع؟ 
***
لنبدأ بما ضاع، أو ربما ضُيّع بتعبير أدق. وأول ما ضاع حينا أو ضُيّع حينا آخر هى فرصة التنمية الاقتصادية، بالمعايير العالمية.
وقد جرت محاولة حقيقية للتنمية فى ظل ثورة 23 يوليو 1952، وحققت دفعات متتالية بدرجات متنوعة، وتحت مظلات متعاقبة، خلال خمس عشرة سنة (1952 ــ1967). كانت أهم محطاتها ما سمّى «برنامج السنوات الخمس للتصنيع» والذى بدأ عام 1957، ثم تمّ إدماجه فى الخطة الخمسية الأولى (1960/61 ــ 1964/65)، ليشكل النقلة الحقيقية، بل القفزة، فى مسيرة «التحول الهيكلى» للاقتصاد المصرى فى القرن العشرين، معبّرا عنه بالنصيب النسبى لقطاع «الصناعة التحويلية» فى توليد الناتج المحلّى الإجمالى، وفى تركيب الاستثمارات والعمالة والتجارة الخارجية. نشير بصفة خاصة هنا، من جهة أولى، إلى الزيادة الجوهرية فى نصيب القطاع الفرعى لتصنيع السلع الإنتاجية سواء منها «سلع رأس المال» capital goods من الآلات والمعدات الإنتاجية (مثلا شركة «سيماف» لتصنيع معدات السكك الحديدية)، أم السلع الوسيطة أو مستلزمات الإنتاج، المعدنية والكيماوية وغيرها؛ والقاعدة التحتية لهذه الصناعات تتمثل فى الصناعات الثقيلة (صناعة الحديد والصلب، وانظر إلى تطوير مصانع حلوان، من جهة، وإلى «شركة كيما» بأسوان، من جهة أخرى).
ومن جهة ثانية، وبمقتضى السياسة الاقتصادية والصناعية المسماة «إحلال الواردات» أى استبدال السلع المستوردة بالمنتجات المحلية، تمّ البدء بالتوسيع والتنويع والتعميق الصناعى للسلع الاستهلاكية «المستنفدة»، إذا صح التعبير، أى التى يتم استهلاكها لمرة واحدة (الأغذية والمشروبات، والملابس والمنسوجات). وانظر هنا مثلا إلى تطوير مصانع السكر بالحوامدية، ومصانع الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة، ومصانع الألبان والأغذية الخفيفة.. إلخ. ثم تم التركيز على تصنيع «السلع الاستهلاكية المعمّرة» ــ ذات الديمومة ــ من الأجهزة الكهربائية وغير الكهربائية، الموجهة للاستخدام النهائى المنزلى، كأجهزة الطبخ والثلاجات ومبردات وسخّانات المياه، وما إليها، مع زيادة تدريجية منهجية فى المكونات من الأصل المحّلى. يضاف إلى ذلك، تجميع، وكذا تصنيع نسبة متزايدة من المكونات والأجزاء وقطع الغيار المحلية لقطاع السيارات ومعدات النقل الثقيل والخفيف وآليات النقل الجماعى للركاب (الأتوبيسات). وانظر خاصة إلى «شركة النصر لصناعة السيارات».
وسواء تم النظر إلى السلع الإنتاجية، الرأسمالية منها والوسيطة، وإلى السلع الاستهلاكية، المستنفدة منها والمعمّرة، فإن القطاع المدنى من قطاع الإنتاج الحربى ربما كان له الدور الأهمّ فى التطور التكنولوجى بخاصة لصناعات السلع الرأسمالية والسلع المعمّرة، من خلال «المصانع الحربية» الشهيرة والتى لا تزال شركاتها القابضة والفرعية تمارس حتى الآن دورا بارزا فى التصنيع المحلى للمكونات، وفى صناعات التجميع من مكونات محلية، بواسطة الصناعات المغذية، وشركات تصنيع الأجزاء وقطع الغيار، وفى تصنيع «آلات ومعدات الورش» Machine tools كالمخارط وآلات الكشط والفرز وسبك المعادن وغيرها. وانظر مثلا إلى «شركة حلوان للصناعات المعدنية»، و«شركة بنها للصناعات الإلكترونية» ــ المصنع 100 الحربى، و«شركة أبوزعبل للكيماويات»، وغير ذلك كثير.
كان ذلك كله ديْدن المحاولة التنموية ابتداء من 1952 وخاصة من 1957 إلى 1967 على مدى خمسة عشر عاما، أو عشر سنوات. 
***
أما عن الطريقة التى تمت بها إدارة الاقتصاد الوطنى خلال الدفعة التصنيعية المذكورة، فقد تمثلت بادئ الأمر فى «الاقتصاد الموجّه» الذى ينصرف إلى وضع الخطوط الإرشادية وإنشاء الأجهزة المؤسسية المواكبة خلال فترة 1952 ــ 1957، من خلال تطبيق «الإصلاح الزراعى»، وإقامة «المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى» و«المجلس الدائم للخدمات»، بالإضافة إلى العمل على إقامة «المؤسسة الاقتصادية» للإشراف على ما يتم تكوينه من شركات عامة. وتلا ذلك اتباع نهج «الاقتصاد المبرمج»، بالتركيز على الصناعة، ممثلا بصفة خاصة فى «برنامج السنوات الخمس لصناعة (1957ــ1959).
بعد ذلك انكّبت ثورة يوليو على وضع ركائز «التخطيط القومى الشامل» مواكبا لإجراءات التأميم الكبرى التى جرت أعوام 1961 و1963 و1964، ومن ثم بناء قطاع عام «كبير» كان يمثل الذراع الضاربة ــ فى ذلك الوقت البعيد ــ لإنفاذ البرامج الاستثمارية للخطة الخمسية.
وبرغم ما شاب تنفيذ الخطة الخمسية (الأولى) من قصور، كشفت عنه تقارير المتابعة للخطة، مثل ارتفاع الميل للاستهلاك وتزايد نصيب الاستهلاك من الدخل القومى فى نهاية الخطة، عما كان مخططا، إلا أنه تجب الإشارة إلى تحقيق معدل نمو بمتوسط نحو 7% خلال مجموع السنوات الخمسة للخطة، وذلك على طريق تحقيق هدف «مضاعفة الدخل القومى فى عشر سنوات» والذى كان مقدرا له أن يتم بحلول عام 1970، بالتزامن مع التوقيت المتوقع حينذاك لإعادة النظر فى الجانب التطبيقى من «الميثاق الوطنى للجمهورية العربية المتحدة»، والتى كان مقدرا لها أن تتم بحلول عام 1970.
ولكن تشاء مصاريع التاريخ أن تنفتح على ما لم يكن فى حسبان المخططين، فقد وقعت أخطاء وخطايا على خطى الثوار بعد أن وقع ما وقع على المسار المتعرج، محليا وعربيا ودوليا. وكان أن وقع عدوان (الخامس من يونيو 1967) ليترك الوطن لقمة سائغة للنخبة السياسية والثقافية الضعيفة المنقسمة على ذاتها فى الوطن العربى عموما، ومصر منه، ولتقيم شرائح من بين تلك النخبة ما يشبه «حفلة اللطم السنوية» ــ إن صح هذا التعبير ــ بمناسبة ذكرى الهزيمة العسكرية لعام 1967، فى غير تأسٍّ بما حدث ويحدث لدى نخب عرفت طريقها، وإن لم يكن على استقامته المُثلَى، كالنخبة الألمانية واليابانية بعد 1945، والتى لم تتوقف عند لحظة الهزيمة، ولكنها نهضت إلى أعلى وإلى أمام، وإن أصابها اعوجاج فى السير، وعوار فى الرؤية، جعلها تتجه كليا إلى ناحية «الغرب الأمريكى» فى غير تبصر.
وإنه عند نقطة الانكسار المعنوى التى أحدثها عدوان 1967 وتوابعه من الهزيمة، وما هو أشد منها: انهزامية النخبة، تحوّل اتجاه القيادة السياسية، نقصد عبدالناصر، إلى التركيز على «إزالة آثار العدوان»، عن طريق إعادة بناء القوات المسلحة، بشريا (جنود «المؤهلات») وتنظيميا بالذات، ومن ثم خوض حرب الاستنزاف لأربع سنوات شداد (1967ــ1970) ووضع خطة أولية لعملية عبور المانع المائى لقناة السويس (الخطة 200) مع إعداد العدة لحرب الصواريخ الأولى فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، من الجانب المصرى العربى. 
هذا، ولقد قطعت المقادير التاريخية خط السير المرسوم؛ واختطفت كفّ القدر القائد (القديم ــ الجديد) جمال عبدالناصر، ليغيّبه الموت فى طيات المشهد الجنائزى المهيب، يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1970.
بذلك انتهى فصل من تاريخ مصر وأمتها العربية، فى المجالين: التنموى، والوطنى التحررى، لتنفتح المصاريع على عصر عربى ومصرى آخر، منذ 1970 وخاصة منذ 15 مايو 1971، ذلك هو «عصر أنور السادات»، الذى ظل جاثما بشخصه ثم بفكره طوال أربعين عاما متصلة حتى ثورة 25 يناير 2011، وهى ما ندعوها «حقبة السادات ــ مبارك».
***
فى تلك الحقبة، حقبة السادات ــ مبارك، المتطاولة، ذهب حلم التنمية العربى ومنه المصرى بالذات، بعيدا، ليشرد فى خضم تحولات دولية عاصفة، أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتى ومن ثم انفراد «القوة العظمى الوحيدة»، الإمبراطورية الأمريكية ــ ومعها «المنظومة الرأسمالية العالمية ــ بالسيطرة الأحادية على العالم، وعلى جانبيها حلفاؤها الأثيرون فى أوروبا الموحدة واليابان المنفردة التى سار على طريقها الاقتصادى والخارجى عديد الأنظمة والدول فى شرق آسيا: تنمية تصنيعية تصديرية موجهة غربيا. 
كل ذلك مقابل ما أطلق عليه البعض عربيا مسمّى (التنمية العصية) إذ خرج الوطن العربى خالى الوفاض بعد تحولات النظام الإقليمى العربى والنظام العالمى (الجديد) منذ مطلع السبعينيات فالثمانينيات، ثم خاصة بعد مطلع التسعينيات، وما تلاها من سنوات الجمر الثقيل.
هكذا، أفلتت منا، إلى حين، فرصة التنمية التى كانت قد تحققت مقدماتها فى الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، ثم ما لبثت أن ابتعدت طوال أربعين عاما، فى أجواء الانفتاح الاقتصادى والانهيار التصنيعى وتآكل الرقعة الزراعية وتدنى أداء أجهزة الخدمات، وفى مقدمتها الخدمة المدنية للجهاز الإدارى للدولة. 
ولقد ظهر من بين الركام وقطيع الأشباح، أمل تَجدد بازغا بعد الخامس والعشرين من يناير 2011. ونحن الآن، فى ظل تحولات النظام الدولى باتجاه فرض لون من «التعددية» ونوع من (دمقرطة النظام العالمى)، وفى ضوء التقدم التكنولوجى المتسارع نحو ما يسمى (الثورة التكنولوجية الرابعة) يلوح أمامنا أمل على البعد. 
ذلك هو أمل الاستفادة من المتغيرات الدولية والتكنولوجية من أجل ابتداع واتباع نموذج إنمائى بديل، قائم على تعميق التحول الإنتاجى، الزراعى والصناعى والخدمى، وشق طريق «التنمية العادلة» باقتدار، وخوض غمار العلاقات الاقتصادية الدولية فى إطار نوع من الاستقلالية المقدّرة، والاعتماد النسبى على الذات، ضمن صيغة تكاملية عربية فعّالة.
وما يزال المجال مفتوحا لمزيد من الحديث عن فرص ضاعت أو ضُيّعت، وفرص أخرى تلوح و تلتمع راياتها فى الأفق القريب أو البعيد.

محمد عبد الشفيع عيسى، كاتب ومفكر عربي من مصر ـ معهد التخطيط القومي
30 أغسطس / آب 2019