لبنان : حرب استنـزاف سياسيـة (عن تهـاوي “ثــورة الأرز”)

دخلت “ثورة الأرز” في لبنان فترة الإحتضار. ليس مهما متى بدأ ذلك، ومتى ينتهي. المهم أن أدوات هذه “الثورة” تتهاوى، رغم الدعم الذي تلقاه أركانها ورموزها من الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن، وأركان إدارته الظلامية. في هذا المقال يعرض سليمان تقي الدين، بعض مظاهر فشل الثورة الملونة في بلاد الأرز و … القندول. القارئ المهتم في الشأن اللبناني يعرف أن مفهوم “الموالاة” يدل على أبطال هذه “الثورة” الخائبة.
تراجعت الموالاة عن الكثير الكثير من شعاراتها السياسية. قبلت ما لم تكن تقبله طيلة السنة الماضية. الشيء الوحيد الذي ما زالت ترفضه هو مبدأ الشراكة. وسيلة الرفض هي الاحتجاج بالقواعد الدستورية. مضمون الرفض مقاومة نفوذ المحور السوري الإيراني. قبلت تعديا الدستور بالطريقة نفسها التي سبق أن رفضتها من قبل. على أي حال هذه قضية فرعية وثانوية. لديها تفسير للدستور سيرتد عليها سلباً فيما بعد. التمسك بالأكثرية العددية النيابية سوف يأخذ البلاد إلى طروحات جديدة يصعب التحكّم بها.
مراجعة “الطائف” هي النتيجة الحتمية لهكذا سلوك. ما يمكن أن تنجلي عنه التسوية السلطوية الآن هو أقل خسائر بما لا يقاس في المستقبل. هشاشة المحور السلطوي ودفاعه عن “امتيازات” وهمية لا يمكن أن تقاس بصلابة الدفاع الماروني السابق عن تلك “الامتيازات” في تجربة الحرب الأهلية.
منطق النظام الطائفي أنه نظام متحرك يخضع لكل تغيير في التوازنات. كلما استجاب النظام للتسويات السياسية كلما كانت حظوظه أقوى في الاستمرار والحد من التحولات الجذرية.
لكن المحور السلطوي لا يقدّم نفسه كذلك مدافعاً عن موقعه فقط. يزعم أنه يقود معركة السيادة والاستقلال. تماماً مثلما كانت “المارونية السياسية” تفعل. عملياً أخذ هذا الفريق البلاد إلى أوسع شكل من التدخلات الخارجية. بل هو عملياً يرتع في سدة الحكم مدعوماً من قوى خارجية ومن “خطوط حمر” رسمتها علناً ومباشرة المرجعيات الدينية. هذا لا يلغي طبعاً كون المعارضة تستند أيضاً إلى دعم خارجي وإلى شرعيات مذهبية. لكن أخطر أسباب الدفاع عن المعادلة القائمة الآن على الفراغ في المؤسسات الدستورية وتعطيلها، هو التبرير القائل إن المعارضة طرف خارجي. إخراج المعارضة نهائياً من موقعها اللبناني وتجريدها من مشروعها السياسي الداخلي ومصالحها الوطنية هما المقدمة الطبيعية لتعطيل الحوار وبالتالي التسوية. وهما الشكل المباشر لتبرير عدم الخوض في تسوية وطنية شاملة معها.
في واقع الأمر الموالاة خسرت مشروعها السياسي الذي استمدت منه زخم تحركها باتجاه السلطة. ما تنادي به الآن صار شيئاً من الماضي. مواجهة الوصاية السورية هي الآن في خطاب المعارضة تقنين وتنظيم العلاقات اللبنانية السورية. إدارتها للبلاد أدت إلى المزيد من الأزمات والمشكلات لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وهي فوق ذلك عاجزة ومستسلمة للخروقات والتحديات الأمنية الخطيرة. لقد فشلت في تقديم نموذج مقنع للحكم. هي تتحمّل مسؤولية القرارات الأكثر أهمية التي شلّت المؤسسات الدستورية من رئاسة الجمهورية مروراً بالحكومة إلى تعطيل المجلس الدستوري. أولويات الحكومة كانت دائماً الدفع بالإجراءات الاقتصادية التي هي موضع جدل في البلاد من زيادة المديونية العامة إلى الخصخصة. ليست المعارضة أفضل حالاً بكثير على الصعيد الشعبي، فهي أصلاً لم تطرح برامج وحلولاً على هذا الصعيد. لكن فريق الحكومة هو المسؤول الأول عن إدارة البلاد. خسرت الموالاة الكثير من الدعم الشعبي لمشروعها السياسي. التسوية هي الطريق الوحيد لإنقاذها وإنقاذ نظامها الذي ما يزال يحمي مصالحها الكبرى السياسية والاقتصادية.
الاعتراف بالآخر والشراكة معه هما الآن تضحيات تكتيكية. الذي سينتصر في التسوية هو النظام الطائفي. الخسائر السياسية للفرقاء هي خسائر جزئية. ما يهم اللبنانيين في جمهورهم الأوسع هو منع الفوضى تمهيداً لطرح مطالبهم على المرجعية السياسية الشرعية. هناك فراغ دستوري ولكن ليس هناك أي فراغ في السياسة. إطالة أمد الفراغ يفاقم التظاهرات التفكيكية للدولة. تتقوّى المؤسسات الطائفية وتترسخ سلطتها ومرجعيتها. في مسار كهذا تتزايد صعوبات إعادة بناء الدولة. الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للأزمة لا يمكن تعويضها لسنوات طويلة.
لن تكون هذه الطبقة السياسية بمنأى عن المحاسبة. على الأقل من الناحية الأخلاقية صارت هذه الطبقة السياسية موضع استخفاف. قد لا يكون متاحاً الآن انطلاق التحركات المطلبية والاجتماعية فليس هناك جهة يمكن مساءلتها. لكن الأزمات تتراكم ويجري ترحيلها إلى ما بعد التسوية. حجم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية يحتاج إلى كتلة وطنية موحدة النظرة والمصالح لإعادة إعمار الاقتصاد وإيجاد حلول وأجوبة على هذه التحديات. نظام المحاصصة دخل في مأزق دعم وتغذية هذه الطبقة السياسية وجمهورها.
الدعم الخارجي الذي تحظى به هذه السلطة يضعف شرعيتها ويزيد الشكوك والريبة منها. ثمة فريق واسع من اللبنانيين يستهدفه هذا الدعم الخارجي بالإقصاء. لا بديل من تمثيل هذا الفريق لإحياء مؤسسات النظام. ثبت على الأقل أن المعارضة قادرة على تعطيل آلة الحكم. تستطيع الموالاة أن تقبض على بعض المواقع في السلطة لكنها عاجزة عن الحكم وإدارة البلاد. هي نفسها تشكو من مرارة هذه التجربة. القليل من التفكير الواقعي يجب أن يقودها فوراً إلى التسوية. ما زاد عن ذلك هو مكابرة وأوهام. لا يفيد الدعم الأميركي “الملموس” كما صرح مندوب الخارجية ديفيد ولش إلا في زيادة تشوّهات هذه السلطة وفريقها. اللبنانيون منقسمون، اللبنانيون مختلفون، لا حلول من خارج الوفاق بينهم مهما حاولوا الاستعانة بالخارج.
هذه حرب استنزاف سياسية خسائرها لبنانية صافية.

قمة دول أوبك في الرياض : تنافر الإستراتيجيات الوطنية وضعف المنتجين أمام الإحتكارات الغربية

كشفت وقائع قمة الرياض عن تعاظم التحديات السياسية والإقتصادية والتقنية امام منظمة أوبك. ويشير تاريخ هذه المنظمة إلى أن تقارب أو تعارض الإرادة السياسية بين أقطابها، يبقى العنصر الحاسم في قدرتها على توفير أفضل الظروف لإنتاج ونقل تكرير وتسويق النفط ومشتقاته في الأسواق الدولية. ويقدم إبراهيم أحمد عرفات، تحليلا عما جرى في هذه القمة، وبعض الخلفيات والتوقعات :

فى ظل الارتفاع العام لأسعار النفط متجاوزًا حد الـ 90 دولارا، والذى ترافق مع انخفاض مماثل لسعر الدولار أمام اليورو؛ عقدت القمة الثالثة لزعماء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) الثالث فى الرياض ما بين 15 ـ 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2007, وقد تناول قادة أوبك عددا من الملفات النفطية، مثل : توفير إمدادات النفط، والبحث فى آلية استقرار أسواقالطاقة العالمية.

لكن الملفات السياسية، المرتبطة عموما بعلاقات دول أوبك مع الولايات المتحدة، مثل : الحرب على الإرهاب، وأزمةالملف النووى الإيرانى، وأمن الخليج، كان لها الحضور نفسه فى نقاشات القمة، حتى إنالملف الأبرز، المرتبط بارتفاع أسعار النفط، تم توظيفه سياسيًا بأطروحات كل من هوجوشافيز رئيس فنزويلا، ومحمود أحمدى نجاد رئيس إيران، حول إنهاء اعتماد دول أوبك على “البترو ـ دولار”.

وكان الاجتماع التحضيرى لوزراءالنفط والمالية والخارجية للدول الأعضاء قد شهد خلافًا سعوديًا ـ إيرانيًا حولعملية فك الارتباط بين الدولار وأسعار النفط، بعد أن أكد منوشهر متقى وزير الخارجية الإيراني، ضرورة تضمين البيان الختامى لقمة الرياض، عبارة “القلق إزاء تدهور أسعار الدولار”، فى إشارة إلىضرورة مناقشة هذا الأمر خلال مؤتمر القمة.

وتفرض هذه الخلفية السياسية للمؤتمر، ضرورة الوقوف على التفاعلات التى شهدتها اجتماعات قمة الرياض، وحدودارتباطها بالواقع الاستراتيجى المتغير، وخصوصا بقضية “أمن الطاقة” التي بدأت تأخذ مكانها علىالأجندة الدولية، وكذلك بيان مخاوف دول الخليج العربي من ارتفاعأسعار النفط.

خلاف حول تسعير النفط وانهيار الدولار

معضلة الحفاظ على استقرار النفط في ظلانخفاض أسعار الدولار عالميًا، غلبت على تفاعلات قمة أوبك، حيث شهدت تباينًا واضحًا بينأطروحات متباينة، من شأنها الضرر بمصالح الدول الخليجية على المدىالبعيد.

ففى البداية، انتقد العاهل السعودى الملك عبدالله بن عبدالعزيزقيام المنظمة برفع أسعار برميل النفط، مؤكدًا ضرورة ألا يكون النفط أداة لإدارةالصراعات السياسية. إلا أنه أشار فى ذات الوقت إلى أن الأسعار الحالية لا تمثلالسعر الحقيقى للنفط، إذا أخذ فى الاعتبار مستوى التضخم العالمى.

وتأكيدًاعلى رؤية السعودية لدور النفط فى إدارة الصراعات بين بعض أعضاء أوبك والولاياتالمتحدة، هدد شافيز بإمكانية صعود سعر برميل النفط إلى مستوى 200 دولار فى حال قيامواشنطن بمهاجمة فنزويلا أو إيران.

ومن جانبه، دعا الرئيس الإيرانى محمودأحمدي نجاد فى نهاية المؤتمر إلى إنهاء استخدام الدولار فى التعاملات التجارية، مشيرًا إلى أنه أصبح غير ذي جدوى، حيث نوه إلى أثر انخفاض الدولار مقابل اليورووالعملات الأخرى على عائدات دول أوبك ، باعتبارها تعتمد على الدولار كعملة للدفع فىتعاملاتها الخارجية.

والمتعمق فى تباين وجهات النظر المختلفة حول هذهالمعضلة يرى أنها تجسد رؤية كل طرف منها وحدود تأثيرها المتوقع فى المستقبل.

فبالنسبة للمملكة العربية السعودية؛ فقد جاءت معارضتها متسقة مع رؤية اقتصادية تشيرإلى أن ارتفاع أسعار النفط بالتوزاي مع انخفاض سعر الدولار، سوف يعمل على ارتفاعمعدلات التضخم بما يترافق معه ارتفاع عام لأسعار العديد من البضائع، وركود الأسواق،وهو ما من شأنه إحداث اختلالات اقتصادية قد تؤثر على الوضع الإقتصادي فيها.

أما بالنسبة لكل من فنزويلا وإيران؛ فبالنظر إلى طبيعة الاختلالاتالاقتصادية لديهما، ومتطلباتهما الاستراتيجية المتمثلة فى توفير سيولة نقدية لإعادةبناء قدراتها الاستراتيجية ـ العسكرية، خاصة بالنسبة لطهران، فإن الأمر يستدعى ضرورةارتفاع أسعار النفط، كآلية ذات نتيجة مزدوجة تتمثل فى تلبية احتياجاتها لمواجهةجملة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل واشنطن، وأيضًا إحداث نوع من الضغطالاستراتيجى على الإدارة الحالية فى سياق إدارة الصراع بينهما.

يذكر أنالرياض قد اعترضت على مقترح من فنزويلا والإكوادور بصياغة برنامج سياسي للمنظمة، فىسياق يفهم منه محاولة تكريس النفط كأداة سياسية؛ وهو ما يشير بدوره إلى أن منطقةالخليج العربي أصبحت مسرحًا لتسوية الصراعات المختلفة.

ومنطق ذلك الاعتراض، أن أية تأثيراتسلبية على الأمن الخليجي جراء هذه الصراعات، من شأنها تهديد الاقتصادات الخليجيةبالقدر الذى يمكن معه تزايد حدة التدخلات الخارجية، وتهديد سيادة الدول، بلوكياناتها السياسية، إذا أخذ فى الاعتبار أن مرد ذلك الاستقرار السياسى لدولالخليج، إنما يعود بالأساس إلى ما تحققه عوائد النفط من وفرة اقتصادية، أسهمت فىتجاوز ما يمكن اعتباره أزمات الشرعية السياسية بها.

وما بين هذه الخلافاتحول أسعار النفط، أكد المشاركون أهمية توفير غطاء مالى لمواجهة التلوث الناتج عنالصناعات النفطية، وجعل الطاقة متاحة للجميع، حيث أعلنت السعودية أنها ستتبرع بمبلغ 300 مليون دولار لصندوق خاص بـ”التكنولوجيا الخضراء” التى تقلل أضرار البيئة. كما أعلنت فيه الكويت أنهاستساهم بمبلغ 150 مليون دولار لنفس الغرض.
المشهد الاستراتيجىالراهن

وتشير المعطيات إلى أنالمشهد الاستراتيجى الراهن، خاصة في ما يسمى منطقة الشرق الأوسط، قد انعكست على نتائج مؤتمر الرياض.

فاحتلال العراق، والتصعيدالمستمر بين كل من طهران وواشنطن، أحدث تغيرات استراتيجية انعكست علىوضع النفط دوليًا، وأفرزت مخاوف متزايدة من صعود أسعاره وتأثيراتهاالمباشرة على المصالح الحيوية للقوى الكبرى.

وهذه الإحتمالات ترتبط بوضع دول الخليج العربي، بسبب ارتفاع نسبةاحتياطى النفط لديها مقارنة بالاحتياطى العالمى؛ حيث تشير آخر الإحصاءاتإلى أن نسبة احتياطي النفط في هذه الدول، تصل تقريبًا إلى 43.3 في المئة منالاحتياطى العالمى، بما يعادل 471.3 مليار برميل، وذلك وفقًا لآخر تقديرات عام 2005.

وتحوز المملكةالعربية السعودية على 24.8 في المئة، مقابل 9.3 في المئة لدولة الإمارات المتحدة، 9.2 في المئة لدولة الكويت. أما القدرة الإنتاجية لهذه الدول العربية الثلاث، فتبلغ 14 مليون برميل يوميًا، من إجمالى 54.35 مليونبرميل تقوم على إنتاجها يوميا 13 دولة، من بينها ثلاث دول تمثل أكبر المستوردينللنفط فى العالم وهى : الولايات المتحدة الأميركية والصين وبريطانيا.

وتقدر وكالةمعلومات الطاقة، أن اعتماد الاقتصاد العالمى على نفط ما يسمى منطقة الشرق الأوسط، سيرتفع، خاصة بعد عام 2010، بسبب النضوب المتوقع لعدد من حقول النفطفى بعض المناطق (خاصة فى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، والتى تنضب حقولهمابمعدل يتراوح ما بين 4.2 في المئة ـ 9.6 في المئة سنويا)،

وتبعاً لتقرير منظمةأوبك لعام 2007، فإن الإنتاج العالمى سيرتفع من 54.35 مليون برميل يوميًا فى عام 2005، إلى 121.3 مليون برميل يوميًا فى عام 2030، أىبزيادة إجمالية تبلغ 66.95 مليون برميل يوميًا. وسوف ينتج 67 في المئة من إجمالى هذه الزيادة النفطية في الدول العربية النفطية وإيران.

أما عن ملامح التغيراتالاستراتيجية للمنطقة، فقد تجسدت مجملها فى الانعكاسات السلبية لاحتلال العراق،سواء على مستوى تغير موازين القوى الإقليمية، أو اتجاهات التفاعل بين القوىالمتصارعة فى المنطقة (أميركا وايران)، فى ظل الانسحاب شبه الكامل للنفط العراقى منالسوق العالمية، بكل ما انطوى عليه من عدم استقرار لأسعار النفط، وتهديد أمن الطاقةالعالمى فى المستقبل، فى ظل فشل استراتيجيات إعادة بناء العراق.

فمن منظورمرونة أسعار النفط تجاه أية تطورات سياسية ـ أمنية فى المنطقة، يمكن فهم تزايدالنفوذ وفاعلية الدور الإقليمى الإيرانى بعد احتلال العراق، وقدرتها على التأثير فى اتجاهات أسعار النفط العالمية.

هذا الصعود فرض نوعًا من التحرك الاستراتيجى لطهران يقومعلى تقوية موقفها الدولى تجاه واشنطن، خاصة فيما يتعلق بالملفات الصراعية الممثلةفى العراق وبرنامجها النووى، وهو ما كان معه ـ منطقيًا ـ التوجه نحو القوى النفطيةالمجابهة لأميركا ـ والمتمثلة فى فنزويلا.

ويثير هذا التوجه لقيام علاقة تحالفية بين الجانبين، احتمال نحو رفعأسعار النفط، وبناء سلة نقدية تساعد على الحد من الارتباط بين الدولار وأسعارالنفط، وذلك بعد أن فشلتا فى إيجاد صيغة جماعية عبر منظمة أوبك لتطبيق هذاالتوجه.

وأخيرًا، يمكن القول إن تحولات المشهد الاستراتيجى فى المنطقة ساعدتعلى بلورة قضايا اجتماع قمة أوبك الأخير، وهو ما قد ينبئ بتواتر طرحها فيالاجتماعات المقبلة، ما دامت الصراعات الراهنة مستمرة، وعدم قدرة النفط العراقي علىالمساهمة فى تلبية احتياجات السوق العالمية. وبالتالى فإن النتيجة النهائية تشيرإلى ثمة علاقة عضوية بين الاستقرار فى المنطقة، وأسعار النفطالعالمية.

الإنتخابات الأردنية “والمستثمرون” في سوق الأصوات

(الحقول) أسفرت جولة الإنتخابات النيابية في الأردن عن فوز كاسح للوائح السلطة. وتذكر هذه النتيجة بما تردد قبل الإنتخابات، عن رغبة السلطة بإضعاف الحركة الإسلامية وزيادة انقسامها. لكن ناهض حتر استبق الإنتخابات نفسها، بتقديم عرض سوسيوسياسي يوضح طبيعة المرشحين، وأصولهم الإجتماعية، كاشفا عن تأثير التحولات الإقليمية على تركيبة النخبة السياسية الأردنية.

وأنا أجول في عمّانالجميلة التي لوّثتها لافتات المرشحين للانتخابات البرلمانية، وزحمتها مقارّهمالفخمة : لا نقاش سياسياً، ولا كلمة واحدة عن الاحتلال الأميركي للعراق، ولا تنديدواحداً بإسرائيل، ولا تنديد بالخصخصة، ولا مطالبات اجتماعية، كما كانت الحال فيالماضي. المرشّحون من أصل فلسطيني يطالبون بالتوطين السياسي النهائي، بينما يشدّدالمرشّحون الأردنيّون على إبراز أسمائهم من خمسة مقاطع، وآخرون يغازلون “المرأة” التي هي “نصف المجتمع”. أحدهم رفع شعاراً : بل “المجتمع كلّه”!.

على كل حال، لميعد هناك أهمية للشعارات. حتى إنّ أحد المرشّحين في إربد رفع لافتات بيضاء تماماًعلى سبيل الاحتجاج. الاختيار بين إسلامي أو قومي أو يساري أو وسطي إلخ… أصبحتقليعة قديمة. فالمواطن الأردني الآن، لديه خيارات حرة بين المرشح تاجر المواد الغذائيةأو المرشحتاجر المفروشات أو تاجر مواد البناء أو المرشح تاجر العقارات والإسكان أو متعهدالإنشاءات أو المرشح مالك سلسلة ناجحة من مطاعم الفلافل أو تاجر “دراسات” و”استطلاعات رأي” أو مرشح تاجر خادمات (من الحزبين السريلانكي والفليبيني)، هذا بالإضافة إلى تشكيلة واسعةمتنوعة من أصحاب السوابق في الفساد.

في الحملة الانتخابية للبرلمان الأردنيالخامس عشر، ولقبها الرسمي : “العرس الديموقراطي”، كان أهمّ خبر فيها، أنّ سعر “الصوت” بلغ مئتي دينار (حوالى ثلاثمئة دولار). الطلب على “الأصوات” كثيفبسبب تنافس حوالى ألف مرشح ومرشحة على 110 مقاعد، وسط عزوف غير مسبوق منالناخبين.

تجارة الأصوات الانتخابية مجرّمة في القانون الأردني، لكنّ الأجهزةالحكومية والأمنية تغضّ الطرف، بل إنها تشجع هذه التجارة في مملكة أصبحت عقلية “البزنس” أيديولوجيتها الرسمية. وقد تجسّد هذا التشجيع في عمليات غير قانونية منظمةلنقل سجلات عشرات آلاف المقترعين من الدوائر الانتخابية في المناطق الشعبيةوالريفية والمخيمات، إلى الدوائر الانتخابية في المناطق التي تقطنها الفئات الوسطىوالمثقفون أو التجمعات العشائرية الوازنة.

بالمحصِلة، أنجزت الجهات الحكوميةمهمة “تحرير” السوق الانتخابية وإزالة العقبات أمام “المستثمرين”. وهكذا، غزت تجارةالأصوات قلاع الطبقة الوسطى والتراتبيات والتحالفات العشائرية التقليدية، وأصبحالمال هو العامل الحاسم في الانتخابات الأردنية.

“ثمن” الصوت الانتخابي لا يعنيالحصول عليه ببساطة. فلا بد أيضاً من المقارّ والولائم وشراء المفاتيح الانتخابيةوتقديم التسهيلات اللوجستية، ما يجعل كلفة الترشيح الجدّي تراوح بين نصف مليون ومليون دولار، وذلك حسب المنطقة وشدة التنافس. فمَن هم هؤلاء المرشحون المستعدونلاستثمار سياسي بهذا الحجم؟.

يأتي هؤلاء من فئتين اجتماعيتين، قَويتا وتوسّعتابفضل الاحتلال الأميركي للعراق : الفئة الأولى، تتألف من التجار ورجال الأعمال الذينحققوا أرباحاً طائلة من خلال العمل كمزوّدين للقوات الأميركية في العراقباحتياجاتها المدنية وتعهد التدريب الشرطي والإداري ونحوه. والفئةالثانية، تتكوّن من تجار الأراضي والعقارات التي شهدت أسعارها في الأردن ارتفاعات جنونية،جراء ارتفاع الطلب عليها من جانب أثرياء الحرب العراقيين، وجماعات “السلطة” الفلسطينية، إضافةً إلى الاستثمارات الخليجية. ومع أنه استطراد غير لازم في هذا المقام،فلا بد من التوضيح أن شركات آل الحريري أفادت من هذه الفورة العقارية، وحصلت علىأفضل العقارات في البلاد، من خلال الشراكة السياسية، لا من خلال المال.

الطبقةالجديدة من تجّار الغزو الأميركي، هي التي فرضت شروطها واتجاهاتها و”قيمها” علىالانتخابات الأردنية. ومصلحة مرشحيها في الاستثمار الكثيف للحصول على مقاعد نيابيةظاهرة للعيان. فهؤلاء بحاجة إلى تنظيم وضعهم الاجتماعي المستجدّ، وتحصينهسياسياً. سآخذ هنا مثلا واحداً من صقور الطبقة الجديدة، لكي يلاحظ القارئحجم إلحاحها هذه الطبقة، على اختراق الحياة السياسية.

قبل عام 2003، كان أحدالمرشّحين مساعداً لوالده، تاجر المواد الغذائية التقليدي. لكنه قفز، من خلال عقوده مع قوات الاحتلال الأميركي في العراق، ليصير “رجل أعمال” ذي ثروة طائلة. وقد استطاعمطلع هذا العام، أن يفوز برئاسة نادي مخيم الوحدات، وهو أكبر وأهم الأنديةالفلسطينية في الأردن، في مواجهة جميع التنظيمات الفلسطينية والزعاماتالتقليدية في المخيم الشهير.

وسرعان ما تبين أن هذه مجرد خطوة نحو دور سياسي أكبر. الخطوة التالية تمثلت في الترشّح للبرلمان. وهنا حظي بمساعدة حكومية على نقل سجلاتآلاف المقترعين، من المخيم وجواره إلى دائرة عمّان الثالثة، حيث المقعد الذي يترشحلملئه. وإذا حظي بهذا المقعد، فمن الأرجح أنه سيكون قادراً، باستعداده السخيللتمويل السياسي، على تأليف كتلة نيابية والتحول إلى رقم محسوب في المعادلةالسياسية الأردنية. وقد لا ينجح الرجل في طموحه هذا، لكن الطموح نفسه سوف يحققه آخرون من الفئة نفسها.

وإذا كانت هذه الفئة قد وسمت بميسمها الطابع الرئيسيللعبة الانتخابية، فإن الفئات الأخرى من الزعامات التقليدية والمرشحين العشائريينوالجهويين، تظل الأكثر حضوراً، لكنها أصبحت مضطرة إلى المزيد من “الاستثمار” للحصولعلى حصصها من المقاعد النيابية. وهناك دائماً، بالطبع، دوافع سياسية وراءالترشيحات.

لكن الامتيازات التي يحصل عليها النائب في البرلمان الأردني تستحق المجازفة. ففي النظام السياسي للمملكة، القائم على المزاوجة بين الحكم المطلقوالهيكلية الدستورية لاتخاذ القرار، أصبح ضمان الولاء الكامل للنواب ضرورة حاسمة،تتم الاستجابة لها بوساطة المكاسب المالية، والإعفاءات الجمركية، والتراخيصالاحتكارية، وتوزيع وظائف الدرجة الأولى، والبعثات الدراسية الثمينة على أبناءالنواب وأقاربهم.

وعلى رغم أن الرضى الضمني للأجهزة الأمنية كان لا بد منهدائماً للحصول على مقعد نيابي بالنسبة إلى معظم المرشحين، فقد شهدت الحملةالانتخابية الحالية ظاهرة جديدة، هي السعي العلني إلى مباركة تلك الأجهزة للترشحنفسه، وليس للفوز بالضرورة. فهذه “المباركة” تنشئ، في كل الأحوال، علاقة مفيدةللمستقبل، سواء للحصول على وظائف أو تسهيلات.

في أجواء كهذه، من المتوقع بالطبع،أن تعفّ أو تعجز الشخصيات الوطنية والثقافية والمعارضة أو الجديّة، عن المنافسةالانتخابية. لكن، بالنسبة إلى “الإخوان المسلمين” الذين لا يعوزهم المال، ولاالمؤسسات الاقتصادية والخيرية، فقد خضعوا، من دون شروط، للإملاءات الحكومية بشأنأسماء مرشحيهم وحصتهم من المقاعد النيابية.

أمّا تحالف التيار الديموقراطي المؤلفمن الحزب الشيوعي الرسمي والجبهتين الشعبية والديموقراطية، وبعض المستقلين، فهوأضعف من أن تفاوضه الأجهزة، ولا يملك المال، ولا يضم في صفوفه شخصيات وازنة. وقدلجأ إلى مداراة وضعه المأساوي إلى حل هزلي يتمثل في تقديم “الدعم” إلى مرشحين لاعلاقة لهم بالحركة الوطنية، من أولئك الحاصلين على الدعم الحكومي أو مالكيالثروات.
وفيما قاطعت الانتخابات التجمعات والشخصيات اليسارية والقومية والعشائرية المعارضة، أو حتى شخصيات محسوبة على النظام وتحظى بالاحترام، ترشيحاًواقتراعاً، فإن شخصيات أكاديمية ومهنية ووزارية من “التيار الليبرالي الجديد”،تشارك بقوة في عدة دوائر انتخابية، متخليةً كلياً عن شعاراتها التحديثيةوالإصلاحية، وغارقة حتى الأذنين في تجارة الأصوات والتحشيد العشائريوالجهوي. الخاسر الأكبر في هذا “العرس الديموقراطي”، ليس أولئك المبعدين عنه منممثلي القوى الاجتماعية الشعبية والثقافية والمهنية، تلك التي انتهت إلى اليأس منالأيديولوجيّة الإصلاحية والبرلمانية، بل الخاسر الأكبر هو صاحب “العرس” نفسه. إذمنالآن فصاعداً، مَن ذا الذي سيتحدث، جاداً، عن إصلاح النظام السياسي الأردني، ذلكالوهم الذي استهلك قوى البلد الحية لعقدين
كاملين؟.