المطران ايلاريون كبوجي: “حارس القدس” البهيج

"أبتِ… رسول هذه الارض من دمنا"

السيرة الذاتية للمطران جورج كبوجي، المشغولة ضمن حبكة مسلسل درامي سوري، يُبث في الموسم الرمضاني الحالي، تناقش اشكاليات انسانية وفلسفية وتاريخية مركبة تنعكس في شخصية المطران السوري الحلبي المقاوم، الذي عاش زمنه في مجموعة ازمنة، بحيث تنقلنا هذه السيرة الى احداث تاريخية شهدتها بلادنا العربية افضت الى تحولات جيوبوليتيكية كبيرة:  نكبة فلسطين وتقسيم بلاد الشام وحرب التحرير وثورة يوليو والوحدة بين سوريا ومصر وانفكاكها والحروب الاميركية في المنطقة وليس آخرها الحرب على سوريا.

 في "حارس القدس" نعيش زمن المطران "الزهراوي، المحب، الخدوم، صاحب الدم الخفيف" كما يحلو لوالدته ان تنعته بهذه الصفات، فيصبح المطران هو الراوي للاحداث والمتفاعل معها لا سيما مع قضية العرب الاولى فلسطين كأنه هو التاريخ والقضية معا.

لعل المخرج باسل الخطيب والكاتب حسن م. يوسف، قد نجحا في تقديم السيرة بصيغة الزمنين زمن الرواية لحياة المطران والزمن الحالي المتمثل بالحدث الابرز وهو تحرير مدينة حلب في العام 2016 من نير الارهاب.
 

رشيد عساف يعود إلى الدراما البدوية! | جنوبية

لم يكن للمطران هيلاريون – وتعني بالعربية " البهيج"، لقب يتناسب مع روحه المرحة وشخصيته المحبة للضحك والطرائف- ان يقطع خلوته الدينية من مقر اقامته في روما في العام 2016 لولا ان المكالمة آتية من الشهباء حلب، يبثه فيها محدثه النبأ السار الذي انتظره الا وهو تحرير مدينة حلب من رجس الظلاميين، إغتبط وفرح وشكر الرب، وعاد بذاكرته الى سنوات فتوته في مسقط رأسه، يتيم الاب، يطرح اسئلة وجودية حول الموت وما بعده، وتلميذ مدافع شرس عن المظلوم الى درجة اتهامه بالمشاغب. في عمر الورد، ايقن ان الفرنسي مستعمر حين اعتقل استاذه المفضّل الذي لا يتوانى عن كتابة مقالات منددة بالمحتل الفرنسي وسلطة الانتداب، وهو استاذ اللغة العربية الذي جعله يُحب الشعر العربي فأتقن الفتى جورج حفظ الشعر وإلقائه امام زملائه وعلى مسمع والدته الفخورة به.

اهمية هذا العمل الدرامي، المتقن في صناعته كتابة واخراجاً، تتأتى من محورين اساسيين،  الاول انه يستعرض سيرة رجل دين مسيحي عربي من الكنيسة العربية، سيرة انسان ومناضل وناطق بالحق وداعم للشعب العربيوعلى وجه الخصوص الفلسطيني والسوري ومعتقل في سجن الكيان المغتصب لفلسطين لمدة اثني عشر عاما ومُلاحق من جهاز استخبارات العدو حتى آخر ايام حياته. اما المحور الثاني فيتمثل بعرض المسلسل الذي انتجته المؤسسة العامة للسينما والتلفزيون في سوريا على وقع ما سمي بـ " صفقة القرن" والتي ترتب عليها اعلان مدينة القدس عاصمة كيان العدو "اسرائيل" والرفض التي ووجهت به في مجتمعنا العربي.

لا ريب ان دور الكنيسة العربية في مرحلة تقسيم المنطقة، استهدف خدمة الانسان  والمجتمع وليس السلطة المنتدبة من قبل المحتل، هذا الدور الطليعي هو احد سياقات العمل الدرامي الذي يذكرنا بلاهوت التحرير  في دول اميركا الجنوبية. ان مساهمة الكنيسة في صناعة الوعي الوطني والقومي كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بقيم الدين الاخلاقية التي تحرّض على الخير والحق والرجاء.

تطرقت الحلقة الثالثة من "حارس القدس" الى بيان مؤتمر الكاثوليك المشرقيين، الذي قرأ نصه كاهن الكنيسة في حلب للفتى جورج كبوجي من جريدة الشهباء الحلبية، وفيه مواقف وطنية وقومية بحته، منها ضرورة مشاركة الكنيسة في نهضة سوريا والمنطقة العربية وفي الدفاع عن الظلم اللاحق بالفلسطينيين ورفض انحياز الغرب للصهاينة.

ان انصاف هذا الرجل المقاوم من خلال دراما تلفزيونية، والذي لعب دوره في مرحلة الشباب الممثل اللافت الحضور ايهاب شعبان ثم الممثل القدير رشيد عساف في مرحلة انتقاله الى دمشق في العام 1965 الذي اضفى بصوته الاجش كراوٍ لمفاصل السيرة، هيبة رجل الدين ونبرته المقنعة التي تدخل الى القلب والنفس معاً، واتقانه لخطابه الذي لا يكتفي بالموعظة بل يتجاوزها الى اهمية التجربة. وهل المعرفة التي توصلت اليها الانسانية الا نتاجا للتجربة.

"حارس القدس" عنوان جميل لمسلسل ما ان ينتهي "الجنيريك" وهو من قصيدة الاعتراف للشاعر يوسف الخطيب، يتوجه فيها بالكلام الى غبطته،  حتى نقرأ كلمة للمطران مكتوبة على جدار السجن وموقعة بيده تقول "في الصبر نصر". وقد وجد هذا العمل التلفزيوني منصات جديدة للبث على قنوات اليوتيوب، متحديا نفوذ الفضائيات العربية، وهو عمل يحمل في طياته رسالة الى الجيل الجديد الذي يتعرض لما يشبه القصف الاخباري كل يوم من خلال كل وسائط الاعلام والاتصال بشتى الاخبار والفيديوهات المزيفة وبالدعاية السياسية والشائعات المغرضة، بغية اعادة تشكيل وعي الجمهور والعمل على تفكيك ذاكرته الوطنية وتشتيتها، لذلك ان انتاج هذا النوع من الاعمال اصبح ضرورة في زمن ارادوا فيه اخراج القضية الفلسطينية من المعادلة ومن الذاكرة.

"حارس القدس" هو رد تاريخي موثق بمراجعة الاب الياس زحلاوي كمستشار ديني وتاريخي للعمل، على اعمال درامية خليجية مشبوهة تعبث بعقول العرب في "دول التعاون الخليجي" وتحديدا مسلسل " ام هارون" الذي موّل انتجه كل من السعودية والامارات ويتحدث عن يهود الكويت بخطاب تطبيعي واضح المعالم ومسلسل "مخرج 7" من انتاج المملكة العربية السعودية وفيه اتهام للفلسطينيين ببيع ارضهم في تزييف واضح للتاريخ، يتصدى له مسلسل "حارس القدس" من خلال شخصية عميل سمسار يزين لسكان القرى والمدن الفلسطينية بيع دورهم واراضيهم لليهود بالترغيب والترهيب، ومنهم ام عطا المرأة المقدسية الفقيرة قائلا لها "خذي قرشين واتركي دارك احسن ما تتركيه ببلاش فيما بعد".

كان المطران مدافعا عن فلسطين السليبة كما كان مدافعا عن سوريا من خلال مشاركته في الندوات واللقاءات الاعلامية، معتبرا ان سوريا هي الام وجميع الاديان المنتشرة فيها يجب ان تدين لسوريا كما تدين لله متحدثا عن موقع سوريا الجيوسياسي منددا بـ "الربيع العربي" واهدافه التآمرية محييا الجيش السوري مترحما على الشهداء. تحدث دائما كسوري وطني فخورا بوطنه داعيا الى بذل التضحيات من اجله. وجدناه يحفز العرب في الاغتراب على جمع التبرعات لسوريا ودعم طلابها وطلاب فلسطين ومصر في ايطاليا.

ان تشكل وعي المطران كبوجي استند الى المحبة كقيمة روحية وانسانية ، لكنه تفلسف في فهم المحبة ليس في الشعور العاطفي فقط بل في التضحية وفي العمل من اجل الآخرين وهذا الوعي لازمه حتى النهاية، حيث كان يقول كلمته حرا كما دائما امام الاعلام الغربي والعربي مترجما هذا الوعي الذي يعتبره اساس في العلاقة مع بلده، لانه كان يرى نفسه صاحب فكر.

فالمطران الانسان، الطالب المتفوق، الفتى الرافض للظلم، ثم الكاهن هيلاريون الداعم للقضية الفلسطينية، المعتقل في سجون العدو "الاسرائيلي" من اجلها، المنفي الى روما وفيها يلتقي بابنة احد المعتقلين الذين رافقوه في السجن وترك ارشيفا حول نضالاته وتصريحاته اتت به الابنة كهدية للمطران كبوجي المبشّر بالحق، صوت سوريا.

 قوة الدراما هنا تكمن في القضية التاريخية وموقعها في الوجدان والساحة العربية التي ارتبطت باسم شخصية دينية لم تساوم عليها ولم تخذلها. في " حارس القدس" جعلنا نرى المطران كبوجي مناضلاَ تفرّد في تجربته الوطنية ومواقفه القومية ودعمه للمناضلين منذ بدايات تشكل وعيه السياسي وقدرأيناه مخاطرا بحياته في مرات عديدة من اجل قضايا امته العربية لاسيما في اخفاء وتهريب المطلوبين من الاحتلال الفرنسي، الرافضين لسلخ لواء اسكندرون عن سوريا.

زاهدا بالطعام نحيلا داعما لابناء القدس الذين شكلوا نواة المقاومة الاولى لهيمنة اليهود الصهاينة على فلسطين، خارقا لقوانين الدير الذي "درّسه الحياة الى جانب اللاهوت" كما كتب لوالدته، فكان مهتما بمعرفة ما يجري خارج اسواره، شاهدا على تفاوت القوة بين المقاومين الفلسطينيين واعدائهم. لكن ثورة الضباط الاحرار في مصر جعلته يتفاءل وزرعت فيه الرجاء الذي نقله دوما الى نفوس المحيطين به. وكان المطلب الوحيد الذي طلبه لنفسه من  عبد الحميد السراج هو لقاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقد تحقق له ما اراد.

صحيفة السياسة | إيهاب شعبان يراهن على العودة إلى mbc

آمن المطران كبوجي الذي رُسم كاهنا وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ان فلسطين هي ارض المسيح، " المناضل الفلسطيني الاول" فيها ولد وفيها عاش وفيها صُلب، ورأى ان حماية فلسطين هي حماية لسوريا.

 في مشهد النكبة، يُطرد الاهالي من دورهم وارضهم وتكون ام عطا من بين اللاجئين الى المخيمات التي زارها المطران وشاهد مشقة الاقامة في العراء مع الاطفال والنساء، متعاطفا مساعدا مبلسما للجراح، زارعا الامل بالعودة في النفوس ولطالما اعتبر نفسه الزرّاع الذي يريد لغيره ان يحصد. افجعته النكبة وجعله بكاءه في مناجاته للسيد المسيح يفقد وعيه امام مذبح الكنيسة ليلة كاملة " هؤلاء ابناؤك لماذا اخضعتهم لهذه التجربة؟"..

رمزية مفتاح بيت ام عطا، المرأة الفلسطينية الذي جعلته يرى ان السيدة مريم تتجسد في كل امرأة فلسطينية في صبرها على الالم، مفتاح بيتها في القدس الذي اعطته اياه كي يعود اليها. ثم موت ام عطا حسرة على فلسطين بعيدة عن القدس، جذّرت حبه لفلسطين التي بقيت في قلبه وصلواته وعظاته وتوجيهه لطلابه. لكنه لم يكتف بالصلاة والتبرعات وتعليم البنات كما الصبيان ومكافحة الفقر والجهل في الارياف والقرى، بل حمل السلاح الى الفدائيين في فلسطين غير آبهاً باثني عشر عاما امضاها في السجن فداء لفلسطين.

"حارس القدس" مقاربة غنية لسيرة المطران كبوجي، تستحق التقدير لما تعكسه من التزام بمنظومة القيم الاجتماعية والانسانية والاخلاقية والحقوقية من ناحية، وبالسياق التاريخي المشرّف لشخص وهب نفسه لخدمة فلسطين قضية كل العرب ولخدمة وطنه الام سوريا التي ما زالت تنتج اعمالا داعمة لفلسطين، مناهضة لكل اشكال التآمر على تصفيتها ومنها "صفقة القرن".    

     

*المطران جورج كبوجي الذي حمل لقب القديس الغزاوي الراهب هيلاريون (291  ـ 372 م.)، الذي عاش في قرية "ام التوت" قرب مدينة غزة في فلسطين المحتلة، حيث ما زالت معالم المكان الاثرية وديره، شواهد على تجذر المسيحية في الشام والوطن العربي. ولد المطران كبوجي في العام  1922 في حلب وتوفي في منفاه في روما في العام 2017.

**يُعرض مسلسل "حارس القدس" خلال الموسم الرمضاني 2020، على قناة دراما السورية وقناة الميادين اللبنانية التي ساهمت في انتاجه، وايضا على قناة الظفرة الاماراتية التي توقفت بعد الحلقة السادسة عن تحميلها على يوتيوب.  

نجوى زيدان، كاتبة وصحفية عربية من لبنان
الثلاثاء، 12 ايار/ مايو 2020

لائحة الجوائز : ذهبية “أيام قرطاج” لـ”نورة تحلم” التونسي

اختتمت فعاليات الدورة الثلاثين لمهرجان "أيام قرطاج السينمائية" بتونس، التي حملت اسم مديرها المنتج الراحل نجيب عياد. وقد امتدت أعمالها من 26 من أكتوبر/تشرين الأول حتى أمس، السبت 2 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث استضافتها مدينة الثقافة بالعاصمة  التونسية. 
وتضمنت فعاليات الدورة الثلاثين للمهرجان خمسة مسابقات؛ شارك بها 12 فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة و12 فيلم في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة و12 فيلم في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة و8 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة.
وتوج الفيلم الروائي التونسي الطويل "نورة تحلم" للمخرجة التونسية هند بوجمعة بجائزة التانيت الذهبي فيما آلت جائزة التانيت الفضي للفيلم السعودي "سيدة البحر" بينما حصد الفيلم السنغالي "اتلانتيك" التانيت البرونزي.
يأتي فوز "نورة تحلم" بعد حصوله سابقا على عدة جوائز قيمة إثر عرضه في مهرجانات سينمائية عالمية منها جائزة أفضل فيلم في مهرجان بوردو للسينما المستقلة. 
ونالت الممثلة هند صبري جائزة أفضل ممثلة في دورة "نجيب عياد" وكانت قد نالت هذه الجائزة أيضا في الدورة الثالثة لمهرجان الجونة السينمائي بمصر.
مخرجة فيلم "نورة تحلم" أكدت في تصريح لـ"سبوتنيك" أن هذا التتويج الجديد فاجأها وأثنت على المجهود الكبير الذي بذله كامل الفريق المشارك في إنجاز الفيلم حتى يكون ضمن الأفلام التي تحصد جوائز في المهرجانات الدولية.
ويجسد فيلم "نورة تحلم" المرأة التونسية الحالمة المؤمنة بالحب والحياة وتتوق إلى الحرية لكنها تخشى نظرة المجتمع القاسية رغم الانفتاح الذي تعيشه تونس في علاقة بحقوق المرأة من خلال التشريعات الدستورية التي تضمن هذه الحقوق إلا أن عقلية المجتمع وخوف المرأة من نظرة الآخر لها يحولان دون احترام وتطبيق القانون.

الجوائز
وتوزعت جوائز الدورة الثلاثين لأيام قرطاج السينمائية 2019، دورة نجيب عياد : 
1. في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة :
ـ حصل الفيلم السوري "نجمة الصبح" من إخراج جود سعيد، على جائزة الجمهور. 
ـ فاز بجائزة أفضل تركيب الفيلم المغربي "آدم" وأحسن تصوير فاز بها نفس الفيلم. 
ـ ذهبت جائزة أحسن موسيقى للفيلم السنغالي اتلانتيكا.
ـ جائزة أحسن سيناريو نالها الفيلم السوداني "ستموت في العشرين".

​2. في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة :
ـ نال "التانيت" البرونزي فيلم ماتونزي من جنوب إفريقيا. 
ـ نال "التانيت" الفضي الفيلم التونسي شارتر. 
ـ نال "التانيت" الذهبي الفيلم التونسي "قصة حقيقية".

3. مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة :
ـ فاز بالتنويه الخاص فيلم "با دو بور كالسكا" من بوركينا فاسو. 
ـ فاز الفيلم التونسي "الغياب" بجائزة التانيت البرونزي.
ـ فاز الفيلم السوري "إلى سم" بـ"التانيت" الفضي. 
ـ فاز الفيلم السوداني "الحديث عن الأشجار" بـ"التانيت" الذهبي. 

4. مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة : 
ـ فاز بـ"التانيت" البرونزي الفيلم السنغالي 5 نجوم.
ـ فاز بـ"التانيت" الفضي الفيلم اللبناني "باسيفيك".
ـ فاز بـ"التانيت" الذهبي الفيلم التونسي "من طين".

5. مسابقة العمل : 
ـ الأول "طاهر شريعة" فاز بجائزة التنويه. 
ـ الأول الفيلم التونسي بيك نعيش. 
ـ جائزة تي في موند كانت من نصيب الفيلم الوثائقي السوداني "اوفسايد الخرطوم".
ـ جائزة "التانيت" الذهبي ذهبت إلى الفيلم السوداني "ستموت في العشرين".

6. الجوائز الموازية : 
ـ جائزة الفيدرالية الدولية للصحافة السينماتوغرافية لفيلم "ستموت في العشرين" لأمجد أبو العلاء من السودان.
ـ جائزة الجامعة الإفريقية للنقد السينمائي لفيلم "آدم" لمريم توزاني من المغرب.
ـ منحت جائزة الاتحاد العام التونسي للشغل لمساعدة الإخراج الأولى لفيلم "نورة تحلم" سوسن الجمني من تونس.
ـ ذهبت  جائزة سينفيليا لفيلم "شابة" لياسمين بن عبد الله من المغرب. 
ـ جائزة نالها "هكا للتوزيع" لفيلم "السفر الأخير" للطيفة أحرار من المغرب. والذي حصل أيضا على جائزة قرطاج للسينما الواعدة. 

مركز الحقول للدراسات والنشر، الأحد، 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2019

الدراما السورية… باقية رغم كل التحديات

قبل أن يداهمنا الموسم الرمضاني لهذا العام ويغدق علينا مسلسلات تلفزيونية خاصة بشهر الصوم، من المفيد أن نلقي نظرة الى الوراء، الى عام 2018، نلاحظ من خلالها كيف كانت حال الدراما العربية جزئياً وحال الدراما السورية بشكل خاص.
قد يرى ناقد لم يتسنّ له أن يتابع حلقات كاملة لمسلسل درامي سوري، أنّ «الدراما تعمل تحت إمرة مجموعة سياسية تمالئ النظام في سوريا وتموّل منه»، فتعرض وجهة نظره عبر حبكة درامية حول الحرب الدائرة منذ ثماني سنوات وتداعياتها على المجتمع السوري، ولا سيما على المستوى الاجتماعي والمعيشي والأخلاقي، وفي ذلك تناسٍ مقصود أو تعامٍ عن أنّ هذه الدراما تمثّل غالبية المجتمع السوري شئنا أو أبينا. إلا أنني لا أنكر أنّ السوريين أجادوا استخدام الدراما كقوة ناعمة، وهذا حق سيادي لكل دولة.
ضاقت سوق الدراما السورية مع استمرار وتصاعد وتيرة الحرب الدائرة، بفعل تماهي المواقف السياسية للمحطات الفضائية العربية مع مواقف دولها، ولا سيما الخليجية منها، ونحت الدراما اللبنانية المنحى نفسه، علماً بأنّها استفادت من أزمة الدراما السورية من خلال أعمال مشتركة رفعت من مستوى الدراما المعروضة أحياناً وأعطتها نسبة مشاهدة عالية بفعل حضور نجوم الدراما السورية فيها. خلال السنتين الأخيرتين، أخذت شركات الإعلان تحجب الإعلانات عن الدراما السورية لمصلحة الدراما اللبنانية والمصرية، ما يفسر لجوء صاحب أهمّ شركة إعلانات في لبنان الى إنتاج الدراما اللبنانية وتوجّه محطات لبنانية والعديد من المنتجين اللبنانيين الى الإنتاج الدرامي المحلي. لكن رغم محاولة سوق الدراما اللبنانية مضاعفة الإنتاج، مستفيدةً من التضييق على الدراما السورية التي شكلت رافعة للدراما العربية ذات يوم، إلا أننا نلاحظ أنّ دراما لبنان لم تكتسب حتى اليوم الطابع الشعبي أو المشاهدة العربية كما السورية، إذا كانت تجوز المقارنة وذلك برأيي لأسباب عديدة، أهمّها أنّها دراما بعيدة عن واقع اللبنانيين وهموم المجتمع اللبناني، فلا زمان ولا مكان يحددان معالم هذه الدراما، ما يجعل المشهد الدرامي اللبناني شبيهاً بالمشهد الدرامي التركي الى حد كبير مع فارق واضح في الشخصيات المتكلمة باللهجة اللبنانية. 
وفق مصادر كبار الموزعين لمسلسلات الدراما العربية، فإن صناعة الدراما السورية، قد أجبرت على عرض منتجاتها من دون مقابل، لمواجهة المقاطعة والمنافسة وللحفاظ على وجود المسلسلات السورية على المحطات والفضائيات العربية. فمثلاً، مسلسل «قناديل العشاق» بثته 15 محطة بتوزيع مجاني مقابل العرض فقط. كما أنّ إنتاج السوق الخليجية للدراما المحلية اللاهثة الى تقديم ما يعوّض عن غياب الإنتاج السوري على شاشاتهم، جاء في خضم الترجمة الحرفية لسياسة المقاطعة الرسمية للدراما السورية. إنّ الدراما السورية مع كل ما تعرضت له من تراجع وانقسام في صفوف صنّاعها الى مقاطعة غالبية الفضائيات العربية ــــ تحديداً الخليجية ــــ لأحدث إنتاجاتها مكتفية بعرض ما يتناسب من محتوى درامي مع سياساتها المعادية للنظام وللمجتمع السوري، وتلك التي تم تمويلها بمال خليجي، يُضاف إليها منافسة الدرامات العربية والأجنبية الأخرى، من المصرية الى التركية المدبلجة باللهجة السورية المستساغة لدى جمهور واسع من المشاهدين العرب، الى المكسيكية، وصولاً الى الهندية المدبلجة الى العربية والتي تعرض حالياً على أكثر من شاشة خليجية… 
رغم كل ذلك، حافظت الدراما السورية على خصائص عدة، لا يمكن معها للدراما العربية المشتركة، التي تنجح على حساب وجوه التمثيل السورية والإخراج والنص السوريين، أن تضاهيها، وقد ذكرت لي احدى الصديقات انها عندما كانت تشاهد مسلسل «خاتون» في جزئه الثاني، وتحديداً مشهد اعدام احد ابناء الحارة من قبل الفرنسيين، لم تكن قادرة على وقف دموعها لشدة الصدقية في عرض مشهدية الاعدام وردة فعل الناس المتجمهرة والنساء. 
إنّ هذه القوة المشهدية التي تترك بصمتها في نفس المشاهد تملك الكثير من المقومات، ولعل اهمها:
ـ  أنّها بقيت دراما الشارع السوري بامتياز، نرى فيها النسيج السوري المتنوع بفئاته الاجتماعية من أغنياء وفقراء ومهمشين وعرب وأكراد وأرمن وتركمان. 
ـ تمسكت بالواقع، فقدمت حكايات الناس بلغة الناس وتعبيراتهم، على وقع الحرب، بكل ما أنتجته هذه الحرب رغم وحشيتها من مهن جديدة وأمراض اجتماعية وأوجاع نفسية وفيزيولوجية وخسائر مادية لدى عموم السوريين. لقد استطاعت بواقعيتها أن تجسّد انعكاسات الحرب على منظومة العلاقات الانسانية وتحديداً على سلّم القيم الاجتماعية التي كان فيها الكثير من السائد الفاسد والمتخلف.في الدراما السورية، السوريون يسمعون اصواتهم وصراخهم وشكواهم وأنين جراحهم ورجاء آمالهم، ويرون حياتهم أمامهم بكل خيباتها وقسوتها ومكامن الخوف فيها والضعف، يتعرّون من الداخل، فنرى يأسهم وطموحهم وألوان جشعهم وفساد نخبتهم والبعض من قادتهم ومسؤوليهم في أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة: من مرتشين ومتآمرين واستغلاليين ومستفيدين و…
أجل، اعترى الضعف العديد من الأعمال الدرامية السورية، وسقط العديد من صناعها في فخ ما يطلبه السوق، الا أنّ البعض الآخر استمر في إيقاظ المجتمع وفي تبصيره وفي رفع ذائقيته الفنية، وفي شرح وفهم ما حل ببلادهم، لتصبح المسلسلات السورية في جرأتها الراهنة، متقدمة على الدرامات العربية الأخرى. كأنما فارقَ الخوف صناعها، فأقاموا ورشة تنوير وتثوير الى صياغة مفاهيم جديدة للرفض والقبول، للحرية والعبودية للولاء وللمعارضة، للحرب وللسلم، للوفاء وللخيانة، لصياغة مفهوم الوطن الذي يأبه لكل اطياف المجتمع من خلال الكوميديا التي لم تخلُ من هنات، كما في «الواق الواق» للمخرج الليث حجو وللكاتب ممدوح حمادة الذي ضم نخبة من الممثلين السوريين، امثال رشيد عساف وباسم ياخور وشكران مرتجى. ومن خلال الميلودراما ايضاً في «ضبوا الشناتي» والدراما الصرفة مع «الندم» و«غداً نلتقي» و«روزنا» ودراما الحب مع «أهل الغرام»، و«حكم الهوا» ومع هذه الأعمال، شهدنا عودة اسماء كبيرة الى الأعمال الدرامية الملتزمة بالمستوى الدرامي التنويري، سواء لناحية كتابة النصوص امثال نجيب نصير وسامي يوسف، أو لناحية الاخراج أمثال نجدت انزور في «وحدن» وعارف الطويل في «فوضى». اصبح النسيج السوري كما الفسيفساء كما الخارطة على جدول الدراما السورية التي لم تترك «اقلياتها» عرضة للاهمال كما في السابق. لعل بعض النقد نبهها الى الأمر. فأصبحنا نرى في هذه الدراما «الأكراد» و«الدروز» و«الأرمن»، وصار «الحضور المسيحي» اقوى. في مسلسل «روزنا» (اخراج عارف الطويل)، أعطيت مدينة حلب مساحة درامية جميلة تستحق أكبر منها، وعكست طبيعة العلاقات القائمة بين اطياف المجتمع الحلبي ومنهم الارمن، كما رأينا فيه الخوف والوجع والمصير المشترك بين كل فئات المجتمع الحلبي، من خلال مقاربة انهيار طبقة الصناعيين التي تعرضت مصانعها للسرقة وصعود طبقة اثرياء جدد ممن تآمروا على ابناء مدينتهم وسرقوا لمصلحة الأتراك وتقاسموا الغنائم معهم، لنشهد في «روزنا» على الكم الهائل من الدمار الذي خلفته حرب الارهابيين في ابهى المدن العربية.
الدراما السورية تعيش اليوم حالة ما بعد الصفعة اذا جاز التعبير، صفعة المقاطعة والانقسام وضعف الامكانيات والقلق الذي اعترى صناعها، وهي حكماً تحتاج الى مزيد من الوقت لاستعادة مساحتها التي تستحقها. الا أنّ عدداً غير قليل من انتاجات عام 2018 يوحي بنهضة وشحذ الهمم، ومنها مسلسل «فوضى» الذي جمع الثنائي نجيب نصير وحسن سامي يوسف نصّاً وسمير حسين في الاخراج. مسلسل عبّر عن الاضطراب الحقيقي في المجتمع الدمشقي بعدما لجأ الى العاصمة ابناء البلد من أقطار جهاتها الأربع، من ريفها ومدنها، لقد رأينا خليطاً جديداً من سكان دمشق، لم يكن ليتشكل لولا الحرب.
كأنما المجتمع في فوضاه اليوم، يعيد تشكيل نفسه، لن نعرف الأبيض الا اذا اجتزنا الأسود. والخوف من كل هذا العبور مبرر. مسلسل «فوضى» هو التغيير المخيف الذي يعصف بيوميات السوري في دمشق، فنرى الخيبات والحزن والقلق ونرى الحب والأنانية والفساد والتسلط على الناس الضعفاء والأقوياء معاً والتلاعب بمصائرهم. إنّها أيام الفوضى أي زمن التجربة، والتجربة هي الغربال الذي سيتكفل بعملية الفرز، فرز الاستنتاجات التي تصلح أن تكون دروساً بعد محنة الحرب. في «فوضى»، «ما حدا لحدا وما حدا شايف حدا» كما جاء على لسان احد ابطالها، نرى سوريا التي تتخبط امام تغييرات حادّة في العلاقات الاجتماعية وسلّم القيم الأخلاقية وفي موازين القوة وفي مفاهيم الحب والخوف والمتاهة والجوع والتضحية والخيانة والموت. مقولات جديدة ما كانت لتكون لولا هذه الحرب البشعة.
في «وحدن»، أخذ انزور النساء كمحور لرؤيته الدرامية، المرأة تحرص على الأرض على البلاد على الاوطان، بينما الرجال قادرون على ترك الارض أو بيعها أو المقايضة عليها ببضعة من ذهب. يقدم لنا المخرج القدير حكاية، يعمل فيها التخلف والخرافة عمله بكل شخصياتها، من خلال صيغة التعويذة المرتبطة بالذهب، ليقدم امثولته الدرامية. حين يجتمع الجهل والطمع، فإنهما يدمران أيّ مجتمع حيّ. وهذا على ما يبدو حال سوريا التي تعرّضت لأبشع حرب في العصر الحديث. وكي «لا يصبح الزوج المنيح هو الزوج الميت» كما جاء على لسان احدى الشخصيات في «وحدن»، قدم انزور تجربة قاسية موجعة مخيفة الى اولئك الرجال الذين تركوا النساء وحدهن تعصف بهن اشكال القلق على المصير والأبناء والارض. لكنهن تحدّين وبقين رمزاً لبقاء الوطن رغم المحن التي تكاد تنحو به نحو الهلاك.
نقاشات جديدة ومتقدمة نراها في الدراما اليوم حول: توزع الثروة، قانون الاحوال الشخصية والزواج المدني الذي يحمي العائلة الرافضة لثوب الطائفية اذا تزوجت. النساء المتعلمات ودورهن في رفض صفة مذهب. تحرر الفتاة السورية من قيود على علاقاتها الغرامية في مختلف مراحل عمرها، على خروجها ليلاً حتى النوم في منزل حبيبها كما في مسلسل «نبتدي منين الحكاية»، نقاشات تغيّر النظرة الى المطلقين. حتى النظرة الى الامور السياسية ولا سيما مسألة الحوار بين المعارضة والموالاة، «تفقد اهليتك كمحاور اذا لم تكن محايداً»، تراجع الحالة العنترية عند الرجل في اغلب الاعمال، لتتقدم مشاهد دمشق الجميلة بحياة قاطنيها ويومياتهم المعتادة: العلم مرفرفاً فوق اكثر من مبنى والسيارات تعبر لتتوقف أمام الضوء الاحمر. الناس في الاسواق المشبعة بالخيرات. الاطفال في المدارس وفي الجنائن والحمام يطوف فوق المآذن وأجراس الكنائس. 
تثير الدراما السورية الإقبال والإعجاب، كظاهرة استجابت للمد ثم المد الى أن اتاها الجزر بفعل الحرب عليها، بصفتها ركيزة من ركائز القوة في الدولة. 
تحاول الدراما اليوم الامساك بلجام حصانها، وهي إن فشلت هنا أو هناك، سوف تجد نجاحها ايضاً هنا وهناك لأنها مدرسة وطريقة ومذهب في هذه الصناعة المتلفزة الممتعة المرتبطة عميقاً بالطابع الوطني والمحلي وتجلياته الثقافية والتاريخية والمعرفية والفنية والترفيهية.
إن بقاء الدراما السورية ونجاحها كمساحة غرس للقيم والمبادئ واحتراماً لقيمة هذه الدراما وحفاظاً على مستواها، يفترض بصنّاعها التفكير في إنشاء محطات جديدة وطنية وعربية أو التعاون مع منصات عربية، تُعنى ببث الأعمال الدرامية وبذل الجهد المطلوب لتحقيق ذلك. إنّ بلاداً تصنع أعمالاً تشبهها لن تموت. 

نجوى زيدان، كاتبة وصحافية عربية من لبنان
منشور في الأخبار، يوم الأربعاء 10 نيسان، أبريل 2019
 

نادين لبكي في «كفرناحوم»: «محبوبة اللبنانيين» وعقدة المخلّص

«حبيبة قلب اللبنانيين». لقبٌ لم يمنح رسميًّا لنادين لبكي، بعد. ولكن إن أجريتَ استطلاع رأي اليوم، فمن المرجّح أن تخلص إلى نسبة إجماع عالية على محبّة المخرجة، بشكل عابر للانقسامات المعهودة. محبّةٌ تُوّجت باختيار أحدث أفلامها «كفرناحوم» لتمثيل لبنان في الترشيحات الممهّدة لجوائز الأوسكار، عن فئة أفضل فيلم أجنبي.
منذ فوز العمل بجائزة «لجنة التحكيم» في مهرجان «كان» أواخر مايو/أيار الماضي، وأنشودة الافتخار بلبكي تتصاعد وتيرتها، حتى بلغت ذروتها خلال الأيام الماضية، مع تسابق الشخصيّات العامّة من فنانين وإعلاميين وسياسيين للمشاركة بعرض الفيلم الأوّل في بيروت، واندفاعهم لتسطير آيات التأثّر بالعمل، وحلول المخرجة ضيفةً على معظم البرامج الحواريّة الرئيسيّة، وتصدّر الفيلم النقاشات على مواقع التواصل. احتفاء وطني «أوبراليّ» شامل، لم يشهد له البلد مثيلًا منذ رحلة المغامر اللبناني مكسيم شعيا إلى القطب الشمالي (2009). احتفاء بلغ مستوًى تاليًا تشعرين معه أنّ عليكِ أداء التحيّة لملصق الفيلم الرماديّ المزرقّ، قبل دخول صالة السينما.
مشاهدة الفيلم «واجب وطني»، لا مفرّ، وإن كانت الأصداء النقديّة الرزينة حوله منذ عُرض في «كان» غير مشجّعة. في الغارديان مثلَا، يأخذ بيتر برادشو على العمل سذاجة نهايته، بالرغم من «طاقته ونشاطه».
يمنح الفيلم البطولة لناس القاع، وتحديدًا لطفل اسمه زين، من عائلة معدمة، كثيرة الأولاد، وبلا أوراق ثبوتيّة. يتقاطع مصيره مع مصير راحيل، وهي عاملة أثيوبيّة من ضحايا نظام الكفالة، لا تملك أوراقًا رسميّة للبقاء على الأراضي اللبنانيّة، لذلك تعمل وتعيش متخفيّة بهويّة مزوّرة، محاولةً تدبّر معيشة رضيعها يوناس، المولود بلا زواج. يسرد الفيلم قصّة وصول زين إلى سجن الأحداث، ومنه إلى قوس المحكمة، ليرفع دعوى على أبويه بتهمة إنجابه. مقولة الفيلم واضحة، ولا مواربة فيها، وهي مهما حاولنا تجميلها وتحسينها وترتيبها، لن تكون أقلّ فجاجة من التالي: الحقّ أقول لكم، لن تنتهي مآسي العالم، ما لم يتوقّف الفقراء عن التكاثر.

أيديولوجيا الأمومة و«التعتير»
في جريدة النهار، كتب هوفيك حبشيان: «تكفّلت النيّات بجزء كبير من هذا الفيلم وأوصلته إلى حيّز الأمان. أما السينما، فبحثٌ آخر قد يفتح نقاشًا أوسع وأكثر تعقيدًا. مرّة جديدة في السينما اللبنانية، كما عند لبكي، نحن أمام فيلم سياسي بلا بُعد سياسي. بيئة بلا أنثروبولوجيا، مدينة من دون عمق، بشر بلا امتداد، حد أنّ مجمل الفيلم يمنح الانطباع أنّه يعوم في الفضاء».
وفي المدن كتب شفيق طبارة: «يلائم فيلم لبكي، بمثاليته، قوالب جمعيات الأمم المتحدة الجاهزة. ولا يبدو أن المخرجة مهتمة بالقصص التي ترويها في كفرناحوم ولا حتى بالسياق الاجتماعي والمكاني للبلد بقدر اهتمامها بتحريك عواطف المشاهدين. في هذا الفيلم، تتراكم القصص، لكننا نبقى على السطح، لا ندخل في تفاصيلها لأنها كثيرة التشعّب (…) بهذه المقوّمات بات كفرناحوم أشبه بالأفلام الوثائقية التي تستخدم لحملات التوعية عن الفقر في العالم الثالث، بل إنّ هناك نوعًا من نهج وثائقي مزيف، وهذا الاستنتاج تكرّس أكثر بنزوع مخرجة العمل إلى الموعظة».
فيلمٌ يعوم في الفضاء، روائي بطابع وثائقي، كإعلان لإحدى حملات الأمم المتحدة عن أطفال العالم الثالث. هذا باختصار، ما يمكن الخروج به من فيلم يمتدّ لساعتين. ساعتان، ولا نجد شيئًا لنضيفه على ما كتب، ولا حتّى مزيدًا من الإشادة بالطفلين في الدورين الرئيسيين. دقائق الشريط الترويجي القليلة، تكفي لنفهم كم أنّ زين ويوناس مهضومان -مع أنّهما فقيران معدمان ومتّسخان، والله!- ولا حاجة لمئة وعشرين دقيقة إضافيّة لتصل الفكرة.
طفلان على قدرٍ عالٍ من الجمال وخفّة الدمّ، يعيشان في الواقع ظروفًا تتقاطع مع قصص الشخصيَّتيْن التي يلعبانها، من فقر وإهمال ومستقبل مجهض. من يمكن أن يقول لا للطفولة وإيديولوجيا الأمومة والتعتير؟ أيّ حقير بلا قلب؟ ما المشكلة مع الأطفال تحديدًا؟ لا مشكلة مع الطفولة المسحوقة، ولا مع نوايا المخرجة الطيّبة، ولا مع خيارها بأن تتطابق رؤيتها للفنّ مع رؤى حملات التوعية حول تحديد النسل، ولا مع اختيارها عنوانًا ملحميًّا بترميز دينيّ لفيلمها، لا يمكن أن يختصر إلا كمّ الادعاء الفكري الذي يحمله. فعنوان الفيلم مأخوذ من اسم قرية فلسطينية ورد ذكرها في الإنجيل، ويستخدم اللفظ في إحالاته الفنيّة والأدبيّة، للإشارة إلى الاضطراب والفوضى.
المشكلة مع أفلامٍ مثل كفرناحوم، أنّكِ تخرجين منها بشيء من الخواء، ورغم كلّ مشهديّات البؤس، لا تحملين معكِ من هموم الشخصيّات شيئًا يذكر. لا تخرجين من الفيلم «أبو الجوائز» إلا بدوار، وبسؤال وحيد يتردّد في رأسك: أيعقل أنّي فوتّت اكتشاف اكسير النجاح في هذا العمل؟ هل أنا بلا إحساس لأنّي لم أبكِ ولم أتأثّر ولم أقف تصفيقًا لربع ساعة متواصلة؟

محبوبة زمن الفيديو كليب
حفلة المحبّة الجامعة تجاه نادين لبكي، ليست ظاهرةً مستجدّة، وإن بلغت مستوىً جديدًا مع فوز كفرناحوم بجائزة في كان. أمرٌ أقلّ من معتاد في ظلّ الهوس اللبناني بالعالميّة كمشروعيّة قصوى للجهد، واعتراف نهائيّ غير قابل للنقاش بجدوى العمل الفنيّ.
بدأت صورة لبكي العامّة كـ«محبوبة اللبنانيين» تتشكّل في الثقافة الشعبيّة، منذ بروزها على الساحة من باب إخراج الفيديو كليب قبل 15 عامًا تقريبًا. دخل اسمها إلى كلّ بيت في زمن قنوات ميلودي الجميل، زمن ما قبل يوتيوب، وما قبل فورة الـ«ـستريمنغ». قدّمت فيديوهات ناجحة، وساهمت بصناعة نجوميّة نانسي عجرم في أفلام غنائيّة قصيرة مثل «أخاصمك آه» (2003)، و«آه ونصّ» (2004)، «وإنت ايه» (2005)، وأعادت اختراع كارول سماحة في «حبيب قلبي» (2003)، و«اطلع فيّ هيك» (2004). أرست لبكي نمطًا مغايرًا لما كان سائدًا. أدخلت الاهتمام بالتفاصيل، بالألوان، بالأزياء، بالقصّة، بالشخصيّات، إلى نوعٍ فنّي طغت عليه لسنوات طويلة المؤثّرات البصرية الاعتباطيّة. بدت كمن يحمل «شيئًا حقيقيًّا ما».
حفرت الأعمال الغنائيّة القصيرة مكانةً مستحقّة للبكي في الذاكرة البصريّة، ومنحتها شهرة مهّدت لاكتمال هالة «المحبوبة». كان الفيديو كليب -كفنٍّ ناقص أو غير معترف به أو ثانويّ- متنفسًّا لجيل من المخرجين الجدد المحرومين من الإنتاج السينمائي، أبرزهم لبكي، وجاد شويري، والراحل يحيى سعادة (1975 -2010). حين ذهبت لبكي إلى مهرجان كان للمرّة الأولى بفيلم «سكّر بنات» (2007، عرض في «أسبوعَيْ المخرجين»)، رافقها مزاجٌ تشجيعيّ جارف. كنّا نحكي عنها كأنّها بنت الجيران أو زميلتنا في الجامعة، تحقّق حلمها بعرض أوّل فيلم روائي طويل من إخراجها في أعرق مهرجان سينمائيّ، وإن لم تدخل المسابقة الرسميّة، بعد سنوات من الانتظار والتعب والمحاولة و«بعزقة العمر» في الكليبات والإعلان. وبموازاة شبه الإجماع النقديّ على اعتبار باكورتها «فيديو كليب طويلًا»، يجمع قصصًا متقاطعة ومتفاوتة القسوة لنساء لبنانيّات من أعمار وطبقات مختلفة، لم يبحث أحد عن تحميل التجربة الأولى ما لا تحتمله.

ضيعة الرحابنة الزائفة
في فيلمها الثاني، «وهلأ لوين» (2011)، تحرّرت نادين لبكي من آثار الفيديو كليب، لتُدخِل شغلها السينمائي في أسر الأقاصيص والحكم الشعبيّة والعبر. العمل قصّة قرية متخيّلة هي النسخة الزائفة من ضيعة الرحابنة، حيث النساء متشحات بملابس الحداد، والحرب على الأبواب، والمسلمون والمسيحيّون يحاولون أن يحبّوا بعضهم البعض، مع رشّة حشيشة، من باب ضرورة تحطيم أصغر تابو. جاء عملها الثاني المثقل بالعبر والحِكَم، كنتيجة طبيعيّة للتوقّعات العالية منها. كأنّ هناك من كان يطالبها بتقديم نفسها كمخرجة/مؤلّفة عميقة، كصاحبة فلسفة، كسينمائيّة قادرة على الذهاب أبعد من أطروحة الأفلام الغنائية القصيرة، كفنانة تحمل «هموم الأمّة» وهواجسها.
كلّ ذلك كان مفهومًا في سياق تعاظم صورتها العامّة كحبيبة قلب اللبنانيين التي نحكي عنها هنا. فلا هي مخرجة مثقّفين ويسار ونضالات، أفلامها بسيطة ومتحرّرة من إرث ما يعرف بسينما الحرب؛ ولا هي صانعة أفلام هابطة كتلك النسخ المطوّلة المبتذلة من الدراما التلفزيونيّة المحليّة. يضاف إلى ذلك أنّها أيقونة جمال وموضة ونجمة أغلفة، تشارك في لجان تحكيم ملكة جمال لبنان، لا انحيازات سياسيّة أو فكريّة واضحة لها، وحين تدخل معترك الشأن العام، فمن باب لائحة بيروت مدينتي كممثّلة المجتمع المدني في الانتخابات البلديّة عام 2016. بمعنى أنّنا حين سمعنا رأيها السياسي، كان تنويعًا على الخطاب السياسي الناشطيّ الزائف، أو اللاسياسي في الجوهر، أيّ ضدّ جميع من في السلطة، ولكن مع تجهيل المسؤوليات ونفيها عن الجميع أيضًا، عبر تفادي التعيين والتخصيص.
الخطاب اللاسياسي ذاته، يمتدّ إلى شغل لبكي السينمائي، ما يجعلها ممثلّة منطقيّة لوزارة الثقافة وربما سفيرة اليونيسف في المستقبل. فباستثناء تبنّي مقولة حماية براءة الأطفال من مشاكل الكبار، كموضوع رئيسي في فيلميها الطويلين الثاني «وهلأ لوين؟» والثالث كفرناحوم، لا نعرف من مواقف المخرجة من «القضايا والأفكار» شيئًا، تمامًا كجميع الفنانين «اللاسياسيين»، ممن يخشون إعلان موقف قد يؤثّر على حظوظ تواجدهم في دائرة رضا أهل القرار.
عند صدور كفرناحوم في الصالات الأسبوع الماضي، كانت الأرضيّة جاهزة لوضع أيّ نقد يوجّه للعمل، في خانة الحقد والتحامل. كيف لا والعمل لا يمكن أن يستفزّ أحدًا؟ كيف لا وكلّ تفصيل موظّف بدقّة لنصل إلى «الذروة الدراميّة» التي تلخّص عبرة الفيلم، حين يسأل القاضي زين «لماذا تريد مقاضاة أهلك؟»، يردّ «لأنّهم خلّفوني». لا أحد منّا يولد بخياره. مسألة فلسفيّة غير جديدة على الفنّ. لكنّ كفرناحوم يضعها في مكان آخر، مذكّرًا بما فعله بعض الإعلام اللبناني خلال السنوات الأخيرة، حين راح يعدّ أرقام الحوامل من اللاجئات السوريّات.
لا يبحث الفيلم في خيار الإنجاب الوجودي، والذي تواجهه كإنسان سواء كنت فقيرًا أو غنيًّا، مؤهّلًا أو غير مؤهّل. يبحث الفيلم في «أزمة تكاثر الفقراء كالجرذان». لا أحد مسؤول هنا، باستثناء الفقراء أنفسهم، لا الدولة، ولا سياسات تعزيز اللاعدالة الاجتماعيّة، ولا الإفقار الممنهج، ولا هيكليّة المؤسسات الراعية المتهاوية. المأساة هنا منزوعة من سياقها، في فيلم مجوّف، مفرغ من السياسة، رغم ما يحمله من ادعاءات المبالاة، والاهتمام، والتأثّر، وفوق ذلك «الرسالة الهادفة».

لون بيروت وفلاتر إنستغرام
في مقابلة أجرتها مع موقع فايس عربيّة، تقول لبكي: «كنا في فترة التحضير للفيلم عندما قررنا كتابة كل المواضيع التي نريد مناقشتها في السيناريو على لوح كبير: الفقر، اللجوء، العاملات الأجنبيات، البطالة، السجون، زواج القاصرات، الاتجار بالبشر (..) بعدها نظرت إلى اللوح وقلت: هذا كفرناحوم إنه الجحيم». غرفت لبكي مواضيع فيلمها من جحيم الواقع، ولا غرابة في ذلك. الغريب أن تكتب فيلمًا سينمائيًّا، كأنّه مشروع لحملة دعائيّة ذات طابع إنساني، وأن تختار المواضيع والخطوط العريضة أوّلًا، ثمّ «تركّب» السرد والشخصيّات من حولها. لنقل إنّ هذا خيار لبكي الفنّي، وهي حرّة به، بغضّ النظر إن كان مقنعًا أم لا، إن كان نواةً لسينما جيّدة أم لا، إن كان ملهمًا أم لا. الأغرب هي الصدمة في ردود الفعل المحتفية بالفيلم، كأنّنا أمام معطًى مستجدّ، في حين أنّ المواضيع المختارة تكثيف حكائي لنشرات الأخبار اليوميّة، وللبرامج الاجتماعيّة الأسبوعيّة. حسنًا، يبدو أنّ هناك من يعيش معنا في البلد ذاته، ولم يسمع، قبل فيلم كفرناحوم، أنّ هناك أطفالًا من سكّان لبنان، لا يأكلون إلا أكياس الشعير المجفّف، وأن نسب زواج القاصرات في تصاعد مقلق!
تقول لبكي في مقابلاتها المواكبة لانطلاقة الفيلم، إنّها «نزلت» إلى الشارع عند التصوير، وعاشت في المناطق الفقيرة، واختلطت بأطفال البؤس، وباتت تفهم الواقع المرير كما هو عليه من دون تزيين، ولا غرابة في ذلك. الغريب هو المصفاة التي اختارت أن تضعها بين عدستها السينمائيّة، وبين شخصيّات الواقع وأماكنه. معظم لقطات العمل ضيّقة، وتركّز على الوجوه والأقدام. تدور الكاميرا أغلب الوقت في أماكن مغلقة حدّ توليد شعور بالاختناق. لكن من السهل أن نتعرّف على مواقع التصوير الخارجيّة، في أحياء النبعة، وبرج حمود، والدورة، وسوق الأحد، وتحت بعض الجسور المعروفة في ضواحي العاصمة، وفي مدينة الملاهي على المنارة. من يعرف تلك المواقع، أقصد من لم يكتشفها للمرّة عند عرض الفيلم، سيفهم مكمن الغرابة: كأنّ هناك من سحب الألوان كما نراها بالعين المجرّدة، وطرش كافّة لقطات الفيلم، بتلوين مائيّ رماديّ اللون.
حين ينعكس الضوء على الجدران والوجوه في أحياء بيروت «السفليّة»، يأخذ تدرّجات عدّة من الوردي الفاتح إلى الأصفر، بحسب ساعات النهار. أمّا المصفاة الرماديّة المزرقّة تلك، فيبدو أنّها لون المكان كما اختارت أنّ تؤوّله عدسة الفيلم. كأنّه فلتر من فلاتر إنستغرام التي يمكن أن تعكس الحالة النفسيّة لمن يلتقط الصورة. وخلف فلتر كفرناحوم، يبدو الهامش، رماديًّا، خانقًا، داكنًا، متسخًا. يجرّد فلتر لبكي فضاء الفيلم من أبعاده المتعدّدة، ليختار بعدًا واحدًا، يخدم الفهم الضيّق وذا اللون الواحد لفكرة المأساة.
المدينة هنا مجسّم كرتوني ضخم، وضعت فيه مجموعة من الجرذان المتناحرة. بيروت التي لا يسمّيها الفيلم بوضوح – باستثناء ذكر بعض أحيائها – ليست عاملًا محوريًّا في لعبة سحق الشخصيّات، كما هي في الواقع. داخل علبة الكرتون تلك، يمكننا التفرّج على الفقراء من فوق، وسط ديكور من زبالة، وتنك، كاوتشوك، وزواريب ضيّقة، وضوضاء، وغبار. إكسسوار خارجي لا علاقة له بمأساة الشخصيّات الرئيسيّة، لا دور له سوى في تظهير اتساخهم.
لا بدّ أن يكون لون البؤس رماديًّا، من خلف عدسة لا تفهم كنهه. لسبب ما، يسود اعتقاد أنّ كلّ ما هو مكفهّر، يرتفع درجةً على سلّم الجديّة والعمق. وأنّ كلّ ما هو رماديّ وبائس، تمثيل «واقعيّ» للواقع. في حين أنّ ذلك اللون الرماديّ، فاضح بكلّ المقاييس للعين المتعالية المستشرقة. أمّا الجانب الآخر من المدينة، أي بيروت خارج كرتونة الجرذان، بيروت غير المتسخة، بيروت غير الرمادية، فلا يظهر في الفيلم على الإطلاق. كأنّ الحدث لا يدور داخل مدينة تتجاور فيها الفوارق الاجتماعيّة بشكل فاقع وفاضح، بل داخل فقاعة من التنك، يُرسل الأطفال الفقراء إليها ليعذّبوا. الأمكنة الوحيدة خارج هذه الدوّامة، كما نراها في الفيلم، هي المحكمة والسجن. طبعًا، فدراما البؤس لا بدّ أن تمرّ على الشاشة بثلاث أماكن فقط: الشارع، المحكمة، السجن. يبدو أنّ التصاق لبكي بموضوعها، لم يكن كافيًا لتتجنّب الاختزال والتنميط.

التمرّغ بوحول الواقع
إن كان «كفرناحوم» توثيقًا ليوميّات «بؤساء بيروت»، فإنّ توثيقه للواقع مجتزأ. يقدّم العمل مفهوم الفقر كحالة تتوارث جينيًّا في العائلات غزيرة الإنجاب. المهاجرة الإثيوبيّة راحيل بدورها، ليست ضحيّة منظومة وقوانين تسهّل الاسترقاق الحديث، بل ضحيّة المهرّب أسبرو ولا أحد سواه، إذ يبتزها بتجريدها من هويتها المزوّرة، مقابل بيع رضيعها يوناس لعائلة ثريّة. أمّا رجال الأمن، والمحامية، والقاضي، وكلّ «الناس من خارج القاع»، فهم الأخيار المنقذون. هم جزء من الحلّ، وليسوا بأيّ شكل جزءًا من المشكلة التي يطرحها العمل.
وإن كان العمل توبةً عن أقصوصة «هلأ لوين» الخياليّة، وعوالم فيلم «كراميل» الورديّة، عبر التمرّغ ببؤس الواقع، فإنّ اختيار الخيال أو الواقع لم يكن يومًا وصفةً جاهزة لصناعة السينما الحقيقيّة القاسية الملهمة. الفرق كلّ الفرق بمقاربة كلّ حالة منهما، وكيفيّة توظيفها ضمن رؤية الفنان للعالم. ويبدو أنّ رؤية لبكي للتلوّث بوحول الحياة، لا تعدو عن كونها تقديم فيلم هو باختصار عظة حول تحديد النسل. ولا نبالغ إن قلنا، أنّ رؤيتها للواقع، تشبه رؤية الناظر باستشراق إلى أبناء جلدته. رؤية تختار مقاربة الفقر بما يتوافق مع الخانات المسبقة الجاذبة للترشيحات والجوائز.
وإن كان الفيلم عملًا فلسفيًّا، يطرح مسألة أخلاقيّة الإنجاب في عالم اليوم، فلماذا يسأل السؤال للفقراء حصرًا؟ ما الحجّة التي قد تجعل ميسوري الحال أجدر بالإنجاب، وأحقّ بالتكاثر والحفاظ على ديمومة الجنس البشريّ؟ فإمّا أن تكون فكرة الإنجاب بحدّ ذاتها فعلًا نرجسيًّا وعنيفًا، بغضّ النظر عن طبقة من يتكاثر، أو أنّ عبرة الفيلم، تفقد اتساقها.
وإن كان الفيلم عملًا عن أهميّة المبالاة بأوجاع الآخرين، كفعل سياسيّ، فإنّ مفهوم المبالاة كما يطرحه، يبدو زائفًا، مجرّدًا من الاحتجاج. فأيّ مبالاة تلك التي لا تستفزّ أحدًا في موقع المسؤولية، لا بل تدفع الطبقة الحاكمة لتبنّي الفيلم كممثّل «للدولة»، وكمدعاة للفخر؟
كلّ هذه التكهّنات تجد إجابتها الشافية في أحد مشاهد كفرناحوم الأخيرة. تدخل كاميرا لبكي إلى مركز احتجاز، حيث تُجمّع العاملات المهاجرات في غرف ضيّقة خلف القضبان، وتجلسن بالمئات على الأرض، بانتظار مصيرهنّ. بينهنّ راحيل تبكي، لأنّها لا تعرف شيئًا عن مصير رضيعها. لا نعرف أسماء الأخريات، ولكن نستنتج أنّ قصصهنّ لا تختلف كثيرًا. يصل فريق من الناشطين الخيريين، يحملون ألعابًا، وآلات موسيقيّة، ويقفزون، ويغنون، ويرقصون ببهجة مهرّجي السيرك، أمام القضبان. تتبرّع كبيرة السنّ بينهم لفتح حديث مع الموقوفات، وتعرّف عن نفسها كراهبة، وتقول إنّها ومجموعتها هنا للتواصل معهنّ، والتعرّف على حاجاتهنّ. في الجانب الموازي لرقصة الفرح تلك، وجوه تنظر في الفراغ، ولا تظهر أيّ تفاعل، باستثناء إخفاء العيون خلف الأكفّ. يأخذنا الفيلم بيدنا نحو ردّ الفعل المطلوب والصائب من تلك المشهديّة غير العادلة، ويخبرنا ما علينا أن نحسّ تمامًا: النقمة على سطحيّة ووقاحة المجموعة الإنسانيّة الهاجِزَة، والتي تتعاطى مع السجينات كأنهنّ قِرَدة في قفص. مشهد كفيل بفهم حجم التناقضات في مقولة الفيلم. في جوهره، لا يختلف كفرناحوم كثيرًا عن أداء فرقة الرقص تلك. على مدى ساعتين من الوقت، يجرّد الفيلم أطفالاً ونساءً من إنسانيّتهم، بداعي الدفاع عن الإنسانيّة. يفعل ذلك من دون أيّ هدف واضح، باستثناء إرضاء عقدة المخلّص عند صنّاعه.
                
سناء الخوري، كاتبة وصحفية عربية من لبنان
الإثنين 08 تشرين الأول 2018
المصدر : 
https://www.7iber.com/culture/capernaum-review/

الدراما السورية: “حَكَم الهوا” على “اهل الغرام”

حافظ مسلسل اهل الغرام، بخماسياته على مستوى درامي عالي وشيّق في موسمه الرمضاني 2017. لم يتأثر "اهل الغرام" بتراجع الدراما السورية والتي تعود الى عوامل عديدة ليس اقلها انعكاس الحرب الدائرة منذ ما يقارب السبع سنوات على هذه الصناعة الثقافية وعلى صنّاعها.

انتهج " اهل الغرام" في موسمه الرمضاني الفائت (2017)، اسلوب الخماسية، لكل حكاية من حكايا الغرام. كل حكاية تتوزع على خمس حلقات. اول خماسية حملت عنوان " الغرام المستحيل" وفيها نلحظ نقاشا تجديديا حول نمط العلاقات العاطفية الراهنة والنظرة اليها، وفيها صور متنوعة عن الحب كقيمة اجتماعية وعن التقدم بالعمر وعن اللحظة المعاشة وفيها ايضا دعوة للتأمل بكل ما يحيط بنا. هنا نرى نموذج السوري والسورية اللذين لا يراهما اللبناني في حياته اليومية من خلال ظاهرة اللجوء. نرى هنا النخبة السورية اذا جاز التعبير من الطبقة الثرية التي وجدت لنفسها مهنتها في بلد اللجوء. نحن امام طبيب تجميل سوري يعمل في لبنان، يملك عيادة ضخمة، منزل فاره من طابقين في افخم واغلى مناطق بيروت.

هذه ميزة الدراما السورية اذ ان طروحاتها دائما راهنة وآنية وواقعية مرتبطة بأناس يعيشون اليوم والآن. والمكان دائما معلوم وحاضر، حتى المخفر عندما بلغت الام عن غياب ابنها كان مكانه معلوما في لبنان (جونيه).

 نجد ان " اهل الغرام" عاشوا رغم الحرب وبقي الغرام متقدا رغم النزوح الى بيروت. في هذه الخماسية طروحات متشابكة ومعقدة وكثيرة ولعلها تشبه ظروف الحياة في لبنان، التي لم ينج فيها الفتيان من المخدرات في المدارس، الى اشكالية الصداقة بين المرأة والرجل مرورا بالأغنياء السوريين وعلاقتهم بالحرب الدائرة في بلادهم: الاهتمام بالنازحين السوريين في لبنان الذي لم نره نحن في لبنان على ارض الواقع وكأنه نوع من الحث او الدعوة على هذا الفعل وكي لا يكون مجرد إراحة ضمير امام مشهد النساء والاطفال في شوارع وازقة العاصمة يتسولون اللقمة والامان. لعل المبادرة التي تقوم بها احدى السوريات وهي رسامة مصابة بداء السرطان لمساعدتهم، هي ما نحتاجه في الحقيقة.

في اهل الغرام امرأة تغرم بالطبيب الذي ما زال يتذكر عيادته في ساحة المرجة في دمشق، الذي يرفض الزواج" لأنه يشعر انه طير حر، وفي الزمن الرديء، اخاف ان اورّط اولادي معي" ويكثر من علاقاته مع النساء، ويحب الاستماع الى ام كلثوم وفيروز ومشاهدة قناة الجزيرة لمتابعة اخبار الحرب. فتقدمه الى الوسط الاجتماعي الثري وتفتح له طاقة القدر وتكثر اعماله ويذاع صيته، " اذ ولا واحدة عاجبها شكلها"، الى ان يتخلى عنها فتقرر الانتقام قائلة له انا من زرعتك في رؤوس الطبقة المخملية، فتحيك له قضية بعنوان خطأ طبي تجميلي فتغرّمه اللجنة الطبية في المحكمة دون سحب شهادته. الا ان علاقة صداقة تربطه بأرملة صديقه اللبنانية الاصل والتي كانت مغرمة به ايام الصبا، ما يجعل ابنها الفتي يغار عليها، حين يكتشف رسائلها القديمة بينهما ويسألها لماذا احتفظت برسائله؟ فتختلط عليها الاجابة. رغم الحرب لم تنس ان تحمل هذه الرسائل من الشام حيث كانت تقيم مع ولدها وتأتي به الى بيروت مع ماضيها.

وفي ذلك تناول مغرٍ للعلاقة بين الرجل والمرأة التي لا تؤمن بها المرأة، في مقاربة عصرية وفي مقاربة لا تخلو من تمجيد الماضي الذي يسكننا وهو فعلا يمثل الحقيقة الوحيدة التي بين ايدينا، الحاضر مجهول كما المستقبل البعيد: متعة ان نستمع الى الصديقان في تناول ذكرياتهما ايام الطفولة في الشام وما في الامر، من ذكر للأمكنة والاسماء وحكايات منها رواها الطبيب عن بائع العطور في الصالحية الذي لم يتزوج، لكنه لما مات اجتمعت النسوة من حول جثمانه: انه حبيب ابو وردة الذي كان يحب عبد الحليم وكان طريفا يحب الناس ويهب امواله للمحتاجين، فرششن العطور التي صنعها لهن على جثمانه. ولا تزال تلك الرائحة عالقة في انفه. لم تخل الخماسية من اشارة للمصاهرة بين اللبنانيين والسوريين ووضع لبنان كملجأ اول للنخبة السورية المثقفة والناجحة.

لا تغيب فيروز بأغانيها الدافئة عن اي مشهد من خماسية " الغرام المستحيل" هذا الغرام الذي يجمع الطبيب رفيق (جمال سليمان) بالرسامة السورية المصابة بالسرطان (كندة علوش) والتي تجمع منه التبرعات ومن اصدقائها ومعارفها الذين لا تخجل احداهن من القول "خذي ما تشائين لا اريد ان ارى. لا عين ترى ولا قلب يحزن"، للاهتمام باللاجئين السوريين لاسيما الاطفال منهم.

اما الحرب فأتت في مقاربة مختلفة دون العودة الى اتهامات واسباب وكأنها نقاش فلسفي وتحليل سياسي استشرافي: "الحروب دائما تحدث في بلادنا منذ 400 سنة ونعود ونبني من جديد وننسى" و"السلم استراحة بين حربين". كما عكست هذه الخماسية انانية الفرد التي يحاول البعض اخفاءها خجلا ممن حولهم: "ليس ذنبي انني خلقت في هذا البلد وبهذا الزمن"، " اريد ان اعيش، اتيت مرة الى الحياة" و"الحرب قد لا تنتهي بعشر سنوات". "كل الشعوب تمر بالحروب لتمتلك الوعي: قلنا شهران او ثلاث ونعود". "عندما تهدأ الاوضاع سأعود الى الشام، الهروب افضل من وجع القلب". و"لكن هذه قصتنا ولا نستطيع ان نهرب منها". "وكأن الحرب لا تعنيك كأنها في الاسكيمو… النقاش عن الحرب يجب ان يكون بين العقل والمشاعر". "الوجع على الناس طريقة للحفاظ على التوازن". "في الحرب تشتت لعائلات اصبح كل منا في مكان، في الحرب خطف وقصف ونقص في متطلبات الحياة".

إعتمد  المخرج على تصوير مشهد الطريق بشكل ملفت وكأنها مسار للحرب السورية. طريق فيها السوريون مرغمون على المضي حتى النهاية. كما لاحظت ان بعض الممثلين السوريين يلقون التحية بالفرنسية وهذا تغير، له علاقة بالمكان اي لبنان والتأثر بعاداته.

وفي " الحب المستحيل" اشارة الى اهمية الفنون والرياضة كأسلوب يقي الاولاد من الانحراف نحو المخدرات مثلا.

رندى ارملة صديق الطبيب التي هربت من الحرب بولدها الوحيد، في روتينها اليومي استماع لأخبار الحرب وحضور للأفلام القديمة، هي في حالة حنين دائم الى الماضي حيث لا حرب. نقاشاتهما طويلة وشبه يومية هي ملاذه في فشله وضعفه وهو ملاذها في محنتها :حين اختبأ ابنها عند بنت الجيران عقابا لأمه التي كانت تحب يوما الطبيب، وشريكا لهمومها: يبثها شوقه للشام ولعيادته ولأغراضه، تبثه الشعور بالوحدة وكيفية مقاربتها للحل اذ تقترح عليه ان يتزوج اليوم كفرصة طالما يعيش حالة حب كي لا يمرض و"تأتي من تتزوجك من اجل فلوسك"،  فيجيبها انه يتمنى ان يموت قبل هذا اليوم. "انت تحاول ان تثبت ان كل امرأة واقعة في حبك، غاوي جمع علاقات كما جمع الطوابع لتثبت انك دون جوان". فيجيبها ان "الزواج متل الموت". انت نرجسي مغرور لا تعرف ان تحب.

اهم ما في اهل الغرام انه يناقش العلاقة العاطفية في فشلها والمقاربة مقنعة حيث ان "الزمن يغيرنا فتتغير مشاعرنا. "الحب ينتهي كما كل شيء في الحياة". ان مطلع اغنية الشارة " الا حبّذا حبيب تحملت منه الاذى.." بصوت ذكوري وانثوي معا، يوحي جيدا بالتغير الذي يعتري هذه العاطفة التي في تبدلاتها تحمّل طرفي العلاقة اوزارا وجروحا عاطفية قد لا نُشفى منها.

نستطيع القول ان " اهل الغرام" بمجمل خماسياته تجاوز انقسام ممثلي وصناع الدراما فكان العمل يضم الموالي والمعارض. وفيه مواجهة مع الصور النمطية عن العلاقات العاطفية والانسانية، وعرض للتفاوت في التفكير حول نفس الموضوع بين الاجيال، وفيه اتهام للإعلام بأنه " تشويش على الواقع" وكلام جرايد، وهذا تعبير متداول لدى شعوب الدول العربية التي لا تصدق ما تقوله الجرائد "لأنها مأجورة". وفيه عرض لمفاتن اللجوء: في باريس اشعر انني انسان، ولضياع السوري ما بين انقاذ نفسه والتمسك ببلده، فترى هذا الصراع واضح بين من يقول اذا خربت البلد ضروري ان نخرب معها (ما دخلني) ما يحصل هو جنون يجب ان نهرب منه. وبين من يتمسك بالبقاء لانه يحب البلد حتى في خرابها الاخير. وبين مفهوم اذا ما لعبت بالنار لن تحرق اصابعك.  

اما خماسية "امرأة كالقمر" المقتبسة عن قصة لتشيخوف، فقد جاءت جريئة ببصمة سلافة معمار التي تذكرنا بأدوارها القوية في " زمن العار" و"ما ملكت ايمانكم"، و"اصبع حمرا".

وجدت ان" الغرام المستحيل" كان نموذجاً للخماسيات الاخرى التي حملت العناوين التالية : "بعدك حبيبي"، "شكرا على النسيان"، "يا جارة الوادي"، " مطر ايلول". هذه الخماسيات قاربت العلاقات العاطفية من منظور عصري متأثر بكل التطورات المحيطة بالمواطن منها الحرب وانعكاسها في الوجدان والوعي معا وكفاءة المرأة العلمية ومضاهاتها للرجل وعمل المرأة واحتلالها مراكز مرموقة. وهذا ما نجده في "حكم الهوا"، المسلسل السوري في ثلاثياته التي تحاكي " اهل الغرام" في خماسياته.

وتجدني هنا اتحدث عن مسلسل " حكم الهوا" من اخراج محمد دقاق، الذي رغم اعجابي به لاسيما في التركيز على صورة المرأة السورية الراهنة، لكنه لم يكن مختلفا عن صيغة مسلسل " اهل الغرام" الفارق بينهما ان الاول صوّر في سوريا اما الثاني فتم في لبنان بما ان بعض النجوم السوريين لا يدخلون سوريا امثال جمال سليمان.

والفارق الآخر ان قصص الغرام و العلاقات العاطفية تجري وفي الخلفية تكون الحرب موجودة دائما. والفارق هنا ان العمل كان ضمن ثلاثية وليس خماسية.

في " حكم الهوا" قصص حب وحياة يومية وتصارع بين الافكار السائدة المسيئة للمجتمع وبين تلك الجديدة البنّاءة كعمل المرأة نادلة في مطعم وفي مقهى دون ان تخلو التجربة من ازدراء وتحرش. رفض الفتاة العاملة التخلي عن عملها في ثلاثية "خسارة" ورفض قوامة الرجل عليها الذي بمجرد ان "يكتب كتابه" عليها يحاول فرض امر ترك العمل عليها. ومحاولة المرأة الالحاح في المطالبة بألا يكون العمل المنزلي وقف عليها، والا تكون نتيجة المساواة اي ذهابها الى العمل ضريبة باهظة عليها.

العنصر الرئيسي هي المرأة او الفتاة، الضوء مسلط عليها في خضم هذه الحرب الشرسة. وكيف كانت تداعياتها عليها ، اذ تكون الخاسر الاول والاكبر التي تضطر الى التنازل عن حقوقها المكتسبة مع الرجل بسبب غيابه اما للانخراط في الحرب او الهجرة او الموت.

في الحرب تعود المرأة اشواطا الى الوراء، وتصبح هي المطالبة بالتضحية.  يعود التخلف ليسود مفاهيمنا وافكارنا وتصبح العادات والاعراف اقوى من القوانين، اذ ان الدولة شبه غائبة في مهمة الحرب على جبهات القتال. وتصبح اشكالية الطلاق حين تكون الدولة في محنة وجودية هم فردي وخاص جدا. قلة ممن يفكرون بالقضايا الكبرى. ومن الصعب خوض قضايا رأي عام في ظل الحرب. تنعدم جدلية الخاص والعام تحت وطأة القنابل والسيوف.

نعيش التناقض الحاد الذي يفرضه انفصام المجتمع عما يحصل بسبب الحرب، فنرى الواقع الذي يجعل العادات في مهب الريح حين يفرض موت الاب على الفتاة الممنوعة عن العمل الخروج لكسب لقمة العيش وفي مكان آخر نرى التخلف والغدر بالصداقة حين تتلقف احداهن خطيب صديقتها وتقبل بالزواج منه.

في ثلاثية "خسارة"، نخسر فيها الارواح والانفس ونخسر فيها الكرامة والقيم الجميلة التي تبني مجتمعات والخاسر الاكبر هي المرأة. ولكن يبقى لنا في " حكم الهوا" شيء من الامل اذ ان الحب هو الامل، هو الدافع للمضي في الحياة رغم وحشية وقسوة الحرب. وكما تغني كلمات الشارة "لو ما الهوى ما بيضحك الياسمين/ لو ما الهوى ما بيفرح الحزين".

امام هذه الاعمال المشرقة، التي تعبر عن نضوج في المقاربات الدرامية لمواضيع كالحب والحرب والعلاقات الاجتماعية وعمالة المرأة، تصبح الدراما السورية مطالبة بنهضة، وبالحفاظ على خط القوة والمنافسة، وبنهل دروس تجربتها القيّمة والفريدة منذ التسعينات، وليس الذهاب الى السهل والى محاكاة مسلسلات قديمة وطرح مواضيع ممجوجة لأنها مطلوبة. فالدراما السورية كما استطاعت ان ترتقي بذائقة المشاهد العربي لعقود سبقت الحرب، تستطيع اليوم ان تمتلك خصائص صناعة الرأي ونشر الافكار الجديدة البنّاءة، ومواكبة الواقع وتحولاته السريعة.

نجوى زيدان، كاتبة وصحفية عربية من لبنان

أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، 2017

“صونيا كنيبيك” تُوثّق إرهاب الروبوتات الجوية الأميركية في أفغانستان

يتوقف الموكب للصلاة في جنوب افغانستان في منطقة تعد معقلا لحركة طالبان، وفجأة تنهمر على الناس من السماء صواريخ “هلفاير”، فتحترق العربات الثلاث ويقتل 23 مدنيا.
وغذى هذا الهجوم الذي يعود تاريخه إلى شباط/ فبراير 2010، ويستند إلى تحليل صور التقطتها طائرات أمريكية يسيرها مشغلون وصفهم تحقيق عسكري في ما بعد بانهم “يفتقرون إلى الدقة والمهنية”، الانتقادات المتصاعدة ضد الحرب السرية التي تخوضها الولايات المتحدة باستخدام طائرات بدون طيار/”درون’ز”.
واختلط الامر على المشغلين الموجودين في قاعدة عسكرية في نيفادا، ولم يميزوا بين مسافرين عاديين ومقاتلي طالبان في اثناء تحليلهم لتسجيلات فيديو غير واضحة التقطتها طائرة “بريديتور” في افغانستان. وتسببت استنتاجاتهم الخاطئة بمجزرة على بعد آلاف الكيلومترات.
وأكد المشغلون انهم لم يروا على الصور غير رجال بلباس عسكري في ثلاث عربات، لكن الواقع ان العديد من النساء كن بين الجرحى والقتلى وكن يرتدين ملابس زاهية الألوان.
وتشكل هذه المأساة وما تكشفه عن البرنامج العسكري السري الذي تقوم به الطائرات الاميركية بدون طيار أو “الروبوت الجوي” موضوع فيلم “ناشونال بيرد” (الطائر القومي) الوثائقي المحرج الذي سيعرض في 11 تشرين الثاني/نوفمبر في الولايات المتحدة.
ويتتبع الوثائقي مسار ثلاثة ممن يقومون “بكشف المستور” والذين قرروا الحديث عن الامر لشعورهم القاتل بالذنب.
وتقول المحللة العسكرية السابقة للصور الملتقطة بالطائرات ليزا لنغ لوكالة فرانس برس “كان علي أن أفعل شيئا لان ما يجري (غير مقبول أخلاقيا) وبات خارج السيطرة”.
وفي الوثائقي، تكشف عن رسالة تهنئة تلقتها لانها ساعدت في التعرف على 121 ألف مقاتل خلال سنتين، وتدعو المشاهدين الى استنتاج أعداد القتلى، منذ ان أعلنت الولايات المتحدة الحرب على طالبان بعد اعتداءات 11 ايلول/ سبتمبر 2001.
وبفعل حملة الإعدامات الجوية التي تنفذها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية باستخدام الروبوت الجوي/ الطائرات من دون طيار، أصبحت الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر استخداما في العالم لما يعرف بعمليات”القتل العمد”. وانتقد “فيليب ألستون” المقرر العام للأمم المتحدة لشؤون عمليات الإعدام من دون محاكمة، في تقرير له برنامج “القتل العمد” الذي تتبناه الولايات المتحدة، لأن هذا البرنامج يؤكد على”حق خاص بها، يتوسع على نحو مطرد، ويخول أميركا استهداف من تراه من أفراد في مختلف أجزاء المعمورة في نطاق قتالها المستمر ضد تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات المسلحة”.
ومن الصعوبات التي تواجهها حرب الطائرات المسيرة وفق ليزا لنغ، النقص في مصداقية الصور غير الواضحة التي يتم استنادا اليها، اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة او الموت.
ولكنها تعتبر أن المشكلة الكبرى تتمثل في البعد الجغرافي والعاطفي لمشغلي الطائرات المسيرة عن الاهداف المحتملة التي تتوقف عليها قراراتهم.
وتقول ادارة الرئيس باراك اوباما انها قتلت 2500 متطرف بين 2009 ونهاية 2015 معظمهم في غارات نفذتها طائرات بدون طيار. وتقر بان 116 مدنيا قتلوا في غارات لطائرات مسيرة في باكستان واليمن والصومال وليبيا.
لكن مكتب التحقيقات الصحافية الاستقصائية يقول ان العدد اكثر من ذلك بست مرات.

شبه تأكيد
في 2013، اكد أوباما الذي ضاعفت حكومته الاعتماد على الطائرات المسيرة ان هذه الغارات تتم فقط في حال كان هناك “شبه تأكيد” بانه سيتم ضرب الهدف الملاحق.
وقال”ألستون” في تقريره إنه إذا كان الدفاع عن النفس يمكن أن يبرر لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام هذا النوع من الضربات في باكستان، التي يُعتقد أن مخططي هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد جاءوا منها، فإن ذلك لا يبرر لها استخدام تلك الضربات في بلدان أخرى مثل اليمن والصومال مطالباً واشنطن في الوقت ذاته بأن تكون أكثر انفتاحاً بصدد ذلك البرنامج. ومن المقرر أن يقدم”ألستون” ما توصل إليه من نتائج إلى مفوضية حقوق الإنسان في جنيف.
ويعد تقرير” ألستون” الذي يشتمل هذه النتائج واحداً من أهم التقييمات النقدية التي قدمت حتى الآن عن هجمات الطائرات من دون طيار، وهي تكتيك زاد استخدامه كثيراً في عهد أوباما.

وتقول مخرجة “ناشونال بيرد” صونيا كنيبيك “في تلك الفترة لم نكن نعرف الكثير”.
وسبق لكنيبيك أن أخرجت أفلاما وثائقية عن عائلة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وكارثة فوكوشيما النووية والدعارة في المانيا.
وبالاضافة إلى رحلة ليزا لنغ، تمكنت المخرجة من تتبع المشغلة السابقة للطائرات بدون طيارهيذر لاينبو التي تعاني من إجهاد ما بعد الصدمة، و”دان”، محلل المعلومات الذي خضع للتحقيق في إطار قانون مكافحة التجسس الأمريكي.
وسافرت كينيبيك مع ليزا لنغ الى أفغانستان للقاء أقارب ضحايا هجوم 2010 او الجرحى المصابين بجروح خطرة الذين تعرض بعضهم لتشوهات او لبتر الاطراف جراء انفجار الصواريخ.
وتقول المخرجة انها تريد اثارة نقاش وطني مغيب وضروري لمعرفة ان كان الأمريكيون يريدون شن حرب الطائرات بدون طيار باسمهم وكيف يمكن تنظيمها وضبطها.
وتسأل “ما هو مستوى الدقة المطلوب قبل إلقاء قنبلة على منزل؟ هل نعرف بنسبة مئة بالمئة من يتواجد داخل المنزل ومن نقتل؟”.
ويقول مركز الابحاث الامريكي المستقل “نيو امريكا” إن بلدانا اخرى في طور الانضمام الى الولايات المتحدة في حرب الطائرات بدون طيار، إذ باتت 86 بلدا تمتلك هذه التكنولوجيا ذات الاستخدام التجاري او العسكري. وهناك 16 بلدا تعتمد على هذه الطائرات في برامج لتنفيذ ضربات عسكرية.

وكان موقع “Theintercept” قد نشر تحقيقا بعنوان “آلة القتل” تضمّن وثائق سرية تكشف تلاعب الإدارة الأمريكية وتزييفها لأعداد الضحايا الذين قتلوا خلال غارات طائراتها في أماكن عدة من العالم. وذكر الموقع الأمريكي أن الإدارة تعطي أرقاما أقل بكثير من الواقع بشأن الخسائر في صفوف المدنيين الذين تسببت في مقتلهم من خلال غارات طائراتها بدون طيار في عدة مناطق من العالم.
وتقول المخرجة “سيعرض (ناشونال بيرد) في حين يهم الرئيس اوباما بمغادرة البيت الابيض، وقد يكون تولي ادارة جديدة فرصة لاعادة تقييم فعالية هذه البرامج العسكرية التي تفتقد للشفافية وكلفتها الانسانية”.
وتقول ليزا لنغ “ينبغي أن نفهم أن هذه الطائرات المسيرة هي (اداة) للارهاب بالنسبة للناظر اليها من الارض”.
وفي نهاية تقريره المشار إليه طلب”ألستون” من إدارة أوباما تحويل المسؤولية عن تنفيذ هذه الضربات من “سي.آي.إيه” إلى القوات المسلحة، على أساس أن الأخيرة أكثر انضباطا وأكثر خضوعا لقواعد المساءلة من الأولى علاوة على أنها أكثر إلماماً وتدريباً على تنفيذ قانون الحرب.
يشار إلى أن صدور تقرير”الستون” كان تزامن مع قيام بعض أعضاء الكونغرس بتقديم طلبات إحاطة حول برنامج الطائرات بدون طيار. ففي نهاية شهر آذار / مارس الماضي، حذر خبراء قانونيون اللجنة الفرعية لمجلس النواب الأميركي بأن هجمات الطائرات من دون طيار يمكن أن تكون سبباً في توجيه اتهامات دولية لموظفي ومسؤولي الحكومة الأميركية.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الأحد، 6 تشرين الثاني/ نوفمبر، 016

“‏وثائقي بشير” : ‏جورج غانم متلاعباً على تاريخ لبنان

قيل :»المنتصر هو من يكتب التاريخ»، في لبنان، المختلف على تاريخه القديم والحديث وعلى شخصياته وقياداته، الكل منتصر، ويترك التأريخ ليتوزع مبتوراً، بين الجهات السياسية والطائفية، كل يقاربه تبعاً لأهوائه ومصالحه.
في الأجزاء الخمس التي عرضتها محطة mtv منذ 23 آب/أغسطس، من السلسلة الوثائقية «بشير» (إعداد:جورج غانم-إنتاج:إيلي خوري m.medias)، والتي اختتمت أخيراً، مع ذكرى اغتيال بشير الجميل، أعاد الإعلامي جورج غانم، الذي خبر العمل التوثيقي لسنوات طوال، تسليط الضوء حول شخصيات تاريخية وجدلية رسمت بعض معالم التاريخ الحديث في لبنان.

في التعاطي مع بشير الجميل،الشخصية المثيرة للجدل حتى بعد مرور 34 عاماً على إغتياله، لم يعر غانم -وهو المعايش لفترة نشأة وحياة بشير الجميل-أي إعتبار لحقيقة أن عمر الجميل كان 35 عاماً، والفترة المتحدثة عنها السلسلة، لا تزال تقبع في الذاكرة القريبة للبنانيين، بكل تفاصيلها، ولا يمكن إغفال أجزاء منها، أو إقتطاعها لرسم مسار مغاير يخدم من يقص هذا التاريخ.
هذا ما فعله غانم في هذه الأجزاء الخمس: (1) من «لبنان الى لبنانين»، (2) »الغزو السوري» (3) »بين الحلم والحكم». (4)»زمن القيادة». (5) »حلم وكابوس»، في تحويله الفترة الممتدة بين عامي 1947 ـ 1982 الى متاهة / puzzle، ركب عليها الأحداث وقصّها بطريقته وذاتيته الفاقعة، وصولاً الى تحقيق الغاية : أسطرة بشير الجميل.
لم يثبت غانم طيلة سرده لهذه الأجزاء والمحفوفة بالإشكاليات والجدل، على شخصية واحدة للقاص : تماهى الإعلامي المخضرم الى حد الإنصهار في مديح وصناعة مداميك شخصية بشير، القيادية والثورية، التي «تجسّد أحلام الشباب»، وبين شخصية أخرى اتخذت من الحياد سبيلاً، في حين أن الحياد محرّم في هذه الأمكنة، خاصة لدى تناول «إسرائيل» وإحتلالها لفلسطين،وأيضاً علاقتها بـ»حزب الكتائب»، وببشير الجميل بالذات.

لا يستطيع غانم في إفتتاحية جزئه الأول أن يسقط فعل الإحتلال والإغتصاب لفلسطين،ويقفز الى قرار الأمم المتحدة في تقسيم هذه الأرض بين «يهودي وعربي»، كما قال، ويلغي أن الإحتلال سبب مباشر لتهجير الفلسطيني الى لبنان الأمر الذي اعتبره غانم بمثابة «قنابل» تزنر هذا البلد.

zainab-hawi

زينب حاوي 

مهّد غانم طويلاً، ضمن250 دقيقة تلفزيونية، إمتدّت على 4 اسابيع متتالية، اختيروا من ضمن عشرات الساعات المصّورة والصور الفوتوغرافية، لكي يقدم التبريرات لمجازر الكتائب وفصائل أخرى، لا سيما في «تل الزعتر» (1976). حيث اعتبر أن المخيمات الفلسطينية، وقتها، «مدججة»و»تخنق بيروت»، فيما يغفل عمداً حصول إبادة جماعية بحق اللاجئين الفلسطينيين في ذلك المخيم، مذكراً، حصراً، بموت رئيس المجلس الحربي للكتائب وليم حاوي دون غيره. يعطي تبريراً للمجزرة بأنها حدثت بغية «الدفاع بشكل عفوي»،عن المسيحيين.
طيلة مسلسل «بشير» الذي أخذ 3 سنوات لإنجازه، دارت الرتابة على جزئه البصري بمعنى تقسيمه بين الشخصيات المقربة المستصرحة، وبين عرض أجزاء من الأرشيف، والتعليق الصوتي لغانم. مع التنويه بتثبيت الشخصية البصرية التي تدمغ بها عادة شركات إيلي خوري، وتطويع غانم للغة العربية الفصحى، وهذا ميدانه، واللعب على الكلمات لتعطي قوة وودفعاً للخطاب السائر عليه طيلة عملية السرد.
خرقت شخصيتان فقط، من الجهة المعارضة لبشير الجميل : الوزير السابق ألبير منصور وسعد الله مزرعاني اللذين تحدثا فقط عن اعتراضهما على المشروع الإسرائيلي الي حمله بشير الجميل.
المشاهد لسلسلة «بشير»،وبعد 34 عاماً على مقتل الجميل، لا يستطيع مع كل الأدوات التقنية والسردية، أن يجتذب شريحة مفترضة الى صف فريق الجميل، إذا كان ذلك الجذب هو هدف إنتاج هذا الوثائقي. لكن المسلسل ظل قابعاً في المنحى التفخيمي والدعائي، وهذا هدفه بالطبع، وهو يخدم حصراً الجهة التي تناصر الجميل وتريد أن »تنظّف» كل تاريخه، وترفعه إلى مصاف الأسطورة.

زينب حاوي، صحافية عربية من لبنان
أول تشرين الأول 2016

“أرق” للمخرجة اللبنانية ديالا قشمر …

لم يكن سهلا ان ترمي المخرجة بنفسها على “حي اللجا”، وعلى الشبان الذين اختارتهم لحكايتها في فيلمها “أرق”. هم الذين لا يعيشون فقط على هامش الواقع، انما ايضا في زاويته السوداء العميقة. ليست جرأة ما قامت به وحسب. أنه شغف أيضاً واصرار على تقديم حكاية غير مسبوقة عن مهمشين لهم اهل وعائلات ومنازل ورفقة وشارع وحيٌّ، ولديهم كل اسباب الحياة. كلها الا الامل المقتول بفعل الكثير من واقع الحياة نفسها الذي قادهم للارتماء في آتون المخدرات. ومهما تم تعداد الاسباب الاجتماعية ـ  الاقتصادية، والظروف الصعبة التي ابعدت شباب “أرق” عن المدرسة، ودفعتهم إلى البطالة، فإن كل هذا لا يكفي. فالأهم موت حلمهم وغرق الامنيات في حيز ضيق لم يتمكنوا من اختراق سقفه، حيز نرى على شاكلته نماذج في اماكن عديدة من هذا الوطن .. لبنان.

استمد “حي اللجا” على تخوم العاصمة اسمه من اللجوء. كان محطة لكل الهاربين من قراهم الى المدينة. كان للحي وقع في احداث 1958، ثم اصبح اسماً مرادفاً لأحياء كثيرة تعج بها ضواحي العاصمة. أما السمة التي كانت تصبغ ساكنيها فهي أنهم من القبضايات و أو الزعران. وما زلنا نسمع على ألسنة من عاصروا حقب ماضية، حكايات تروى في امسيات السمر، والامر متواصل حتى الان.

دخلت ديالا قشمر الحي وعاشت من الشبان لحوالي ثلاث سنوات، كي تستطيع ان تنتزع منهم ما احتاجته للعمل : الثقة حدّ الصراحة. حدّ الكشف على مكنوناتهم. حدّ التهور بما يطلعوننا عليه من حقائق.

لساعة ونصف عشنا مع ” ارق ” قشمر في وثائقي، كانت فيه المخرجة عين ترصد وتسمع وتسجل. لم تتدخل. لم تطرح الاسئلة. بل دائما كانت تترك الشباب على سجيتهم في الحديث. في اختيار المواضيع. في قول مباشر عما يجول في خاطرهم. ليعرفونا من خلال كل ذلك على طبيعة حياتهم وكيف يعيشون والى أين يحلموا بالوصول. هي لم تكتف بذلك بل تعرفت على عائلاتهم دخلت منازلهم ساهمت بالكثير من محاولات اخراج بعضهم من هذا الواقع، أمنت العلاج والطبابة لهم، بجدية، كي تغير بعضاً مما يواجهوا.

نقلت ديالا صورة من واقع حقيقي موجود وقائم، نجده في كل المناطق وليس محصورا بطائفة، أو منطقة. انما هو انعكاس شفاف لما يعانيه قسم كبير من شعب هذا الوطن وناسه. انها ضريبة الولادة والعيش هنا …

كان لافتا ان من كانوا يدلي به الشباب من اراء وافكار، لم يكن كلاماً عابراً او هامشياً، بل وصل حدّ ابتداع مقولات وحكم وشيء يشبه الشعر. رسم ذلك نظرتهم ورؤيتهم للمحيط كله لأحوالهم والى ما يصبون اليه. لقد نجحت ديالا قشمر في إخراج معاناتهم من اطار ضيق يخنقهم. سعت كي تفتح لهم نافذة امل .. نجحت في ما رسمت، اقله على مستوى ما ارتضت لنفسها من مهمة. تخطت الجانب التوثيقي المحض، الى ما هو ارقى، الى نقل صورة واقعية عن مأساة بعيدة عنا قليلاً، لكنها تعايشنا وتسكننا الى أبعد الحدود.

علي طحطح، كاتب وناقد عربي من لبنان
الإثنين 26 أيلول/سبتمبر 2016

أردوغان الآخر في «انقلاب وادي الذئاب»

في تغريدة لها على «تويتر» أعلنت شركة «Pana» المنتجة للمسلسل التركي «وادي الذئاب» إنتاج فيلم «يحاكي محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ليلة الخامس عشر من تموز الماضي تحت عنوان: انقلاب وادي الذئاب». موضحة أن الجزء الجديد من المسلسل يأتي وقوفاً عند رغبة الجماهير، وضمن مشروع أطلقته الحكومة التركية «لتعريف الرأي العام بالأحداث التي شهدتها تركيا في تلك الليلة، مستعينة بمسلسلات حققت شهرة خارج البلاد».

لطالما كانت المؤسسات السياسية والمؤسسات الإعلامية متداخلة الأهداف والرسائل، لكن يبدو أن تركيا استبدلت الإعلام بالدراما. لا غرابة في بلد يضيّق على الصحافة والإعلام والحريات يوماً بعد يوم. فهل يريد أردوغان توثيق سياساته من خلال الفنّ رغبة منه في الحفاظ على صورة «البطل» المنتصر حتى ولو عبر شاشات «الوهم»؟

تحاول تركيا الدخول إلى العالم العربي ثقافيا وسياسيا من خلال الدراما بدبلجتها إلى العربية وباللهجة السورية تحديداً. لا يمكن إنكار أن المسلسلات التركية المدبلجة حققت حضورًا على الساحة العربية والسورية وأصبح لها شريحة واسعة من الجمهور، تصنع له «نماذج أبطالٍ» يتماثل معها.

الجماهير تتابع، تنجذب، تطلب المزيد. وتميل بحسب «الرغبة» أيضاً وتغيّر المسار فجأة. كل ما تفشل في تحقيقه على أرض الواقع ترغب في رؤيته عبر الدراما. وهذا ما فعله «وادي الذئاب» منذ جزئه الأول في العام 2007. يُبثّ حاليا الجزء العاشر من المسلسل ويتناول معاناة اللاجئين السوريين. كما تحول في فترة من الفترات إلى مصدر لإثارة القلق في اسرائيل بالنظر إلى ما يكشفه من فضائح وممارسات لمافيات الجريمة المرتبطة بها من تهريب أسلحة ومخدرات وصواريخ وعمليات غسل أموال. في الحلقة العشرين من الجزء السابع أيضاً يتوجه البطل «مراد علمدار» إلى سوريا للمساهمة في تسليح المعارضة. أما في «وادي الذئاب ـ العراق» الذي عرض في العام 2006، فنشاهد كيف يقتل «مراد» جنرالًا أميركيًا. لم يكن الحدث الدرامي هذا سوى تغطية على اعتقال 11 ضابطاً تركياً في كردستان – العراق على يد جنود أميركيين في العام 2003. تناول الفيلم أيضاً تفاصيل تتعلق بسجن «أبو غريب». ولم ينج الفيلم نفسه من انتقادات الأكراد لأنه يروّج أنهم «عملاء للأميركيين ويعملون معهم ضد الأتراك والعرب». إضافة إلى أجزاء المسلسل، أنتجت الشركة فيلمين آخرين، «وادي الذئاب ـ غلاديو» في العام 2009، و «وادي الذئاب – فلسطين» في العام 2010.

فهل قصص «الأبطال الخارقين» لا تزال مقنعة في عصر نزّاع إلى الشكّ بأكثر الانتصارات واقعية؟ هل أصبح بالإمكان إفراغ كل شيء واختراع تاريخه الوهمي؟ تكمن المشكلة الأساسيّة في أن صنّاع العمل الدرامي أوالسينمائي يعتقدون أنهم يعرفون وحدهم حقيقة ما يجري في الساحات وما يحدث على الشاشة، مفترضين أن جمهورهم لا يعرف. الجمهور بات يعرف أكثر من أي وقت مضى، لكنه يرغب أحيانًا في أن يستلقي ويتابع ويصنع «أبطاله» أيضاً كيفما شاء وفي اللحظة التي يشاء.

لا يبدو صراع «وادي الذئاب» أساسياً في حبكته. ينفلت إلى الواقع، يصارع في تحقيق نصر «درامي» تبعاً للوقت. حتماً تستطيع السينما بالصور تجسيد أشدّ الأفكار غرابة وواقعية؛ لكن يبقى الفارق كبيرا بين التجارة العابرة والسينما النوعية ذات المنهج المدروس الذي يوثّق حقيقةً «سياسة بلد».

ليس «وادي الذئاب» أكثر من صندوق يبحث أصحابه عن مغزى مُلتبس لأبطال «مهزومين»، يحققون نصرهم «الخاص» مكللاً بـ «خسارات» الواقع. فهل ستبقى الدراما التركية أسيرة حبكات كرتونية ساذجة وفجّة تفتقد في حدّها الأدنى الإقناع؟ وهل يصحّ القول بأن «علمدار» هو «الأنا» الآخر لأردوغان بوصفه مشروعاً سياسيًا دراميًا بامتياز والعكس يصحّ أيضاً؟ لنا أن نتخيّل فيما لو أن حكومات الدول جميعها عاجزة عن إيصال قضاياها إلى الرأي العام إلا من خلال المسلسلات. ما كان ليحصل في هذا العالم؟

روز سليمان
السفير، 26 آب 2016 

«الندم»: كفاءة الدراما السورية في قراءة الواقع

استمر الحصار العربي هذا العام للأعمال الدرامية السورية، كجزء من الموقف السياسي ضد سوريا. أدت مقاطعة العديد من الفضائيات، لا سيما الخليجية منها، لأعمال المواسم الرمضانية المنصرمة، إلى كساد نصف الإنتاج. لكن الدراما تشبثت، رغم كل ذلك، بالحياة من خلال إنتاج أعمال هادفة، تتناول الأزمة السورية وتداعيات الحرب، في محاولة للحفاظ على مكانتها في وجدان المُشاهد السوري أولا والمشاهد العربي ثانيًا.
من أعمال هذه السنة مسلسل «الندم» إخراج الليث حجو، للكاتب حسن س. يوسف الذي لزم الصمت دراميًا منذ اندلاع الحرب معتبرًا انه من المبكر الخوض في ما يجري، ليقدم هذا الموسم عملاً حقيقيًا وجريئا. في «الندم» العنوان واضح وصريح، استطاع من خلاله الكاتب أن ينقل ما في نفسه الى وجدان الناس كما يفعل الشعراء تمامًا، فيتماهى المشاهد مع الشخصيات في حياتهم اليومية على إيقاع أصوات القصف والتفجيرات والطائرات. هذه الحياة التي ندخلها من أبواب العائلة والحب وعالم التجارة والأعمال والأمن.
نعيش فصول الحكاية من خلال رواية يكتبها الابن الأصغر لعائلة صناعيّ سوريّ وطني بنى نفسه من الصفر ووظّف أمواله داخل بلده. وما المَشاهد التي تأخذنا الى داخل مصنع اللحوم الحديث بتقنياته الجديدة وبمستوى النظافة التي نلمسها من خلال ملابس العاملين إلا محاولة لتبيان مكانة الصناعة في الاقتصاد السوري بوصفها أحد أهداف الحرب الدائرة منذ العام 2011، التي تسبّبت بخسارة العديد من المصانع المُنتجة للغذاء والدواء والملابس.
يلجأ الابن الأكبر للعائلة الى بيع المصنع ليدخل في عالم التعهدات والمقاولات، ما فتح الباب لذوي الشهية من أصحاب الأموال والمستأثرين باقتصاد البلد من خلال علاقات تضمن مصالحهم مع أصحاب السلطة. عكس «الندم» عالم النفعية الفاسد الذي أطلق العنان لفئة رجال الاعمال، للتحكم بمفاصل الدولة.
يتجرأ «الندم» على تعرية تداعيات الحرب على سُلّم القيم. نجد أنفسنا أمام شخصيات تمتهن النصب والخطف لقاء فدية وبيع وقود «النظام» الى المسلحين الذين يحاصرون المدن السورية، في محاولة لفضح السلوك الانتهازي للأفراد والجماعات. ومن جهة أخرى، يشير الى أهمية تشريع القوانين لتدارك الانسياق وراء هذه الظواهر أي قانون عقوبة الإعدام لكل خاطف، في محاولة لتثبيت دور الدولة التشريعي والتنفيذي.
في شوارع مدينة دمشق التي يعرفها معظم العرب، انفجارٌ هنا وصاروخ هناك، يحصد الأرواح البريئة. في ساحة المرجة التي لا تبعد كثيراً عن موقع التفجير، تجوب سيارات حديثة الصنع مزدانة بالبالونات على وقع الزمامير والزغاريد، في مشهدية تعكس التناقض في المجتمع السوري المنقسم إلى عالمين.
كان لأجهزة الأمن السورية حصتها في «الندم». فهي تعتقل من دون تهمة واضحة وتخفي السجين عن أهله فيدفعون الرشى الطائلة لمعرفة مصيره. أما التهمة فجاهزة: إنه جاسوس. لا هو سجين معترف به ولا يمثل أمام محكمة، في إشارة واضحة الى التجاوزات بحجّة الأمن الوطني. فهل من يتعلم أن «حبّ سوريا والإعجاب بها كما هي» كما يدعي الابن الأكبر للعائلة، لا يكفي لتقدمها وتجاوز محنة حرب الإرهاب.
الجديد الذي قدمه لنا «الندم» بدون كلام، هو دخول «حزب الله» على خطّ الحرب. الصورة تتحدث عن نفسها، يمشي الراوي في الشوارع وفيها تجوب سيارات عسكرية كُتب عليها «حزب الله» ورفعت أعلامه على موسيقى الأناشيد الحماسية. العنصر الآخر هو تدخل روسيا وتساؤل المواطن السوري (البائع)، عما إذا كانت روسيا ستنهي الحرب. هذا الطرح الدرامي المباشر يعبّر عن ارتباط الدراما بالسياسة، فلا تكتفي بالتلميح والصورة، بل تتعداها الى تسمية الأمور بأسمائها.
نجد في «الندم» تداعيات الحرب كلها. من انقطاع للكهرباء، والعودة الى «الترانزستور»، وأصوات القصف، وتسول الأطفال، وتشرد العائلات، الى الاحتيال وسرقة الأدوية وبيعها في الطرق، الى التداول بأسماء الأسلحة والصواريخ وكيفية سقوطها، الى الاعتقال التعسفي وخوف الناس من المجهول، الى الغلاء وفقدان البضائع في الأسواق، الى ملازمة المنازل واللجوء الى «الفايسبوك» كفضاء للتواصل الاجتماعي وللتعبير عن الرأي، الى النفايات في نهر بردى
في شريطٍ يثير الحزن والدهشة، يعبر النصّ الدرامي إلى هجرة الأزواج الجدد، وانتشار التدخين في صفوف الفتيات، إلى سكن الطالبات، وممارسة الدعارة. نلمح في صورة عائلة «أبو عبدو الغول» (سلوم حداد) واقع سوريا اليوم، فالرجل الذي دخل بالصدفة عالم تجارة اللحوم والمواشي ينتقل الى التصنيع مع سوريا الحديثة. يريد الصناعي توريث أولاده، «جيل يسلم جيلا بالمعروف والعمل بنور رب العالمين». لكنّ الابن الثاني يتمرّد فيهاجر، وفي ذلك تماهٍ مع تخلي المعارضة السورية عن الإجماع الوطني لتصبح معارضة الخارج، حيث يقول أبو عبدو «هو لا يريدني، أنا لا أريده»، فيرسل لولده جواز سفره، كمن يسهّل له سلوك التخلي عنه، أي عن البلد.
غاص «الندم» في المحنة السورية داخلا الى عمق النفس الإنسانية خلال علاقات الحب والزواج والعلاقات العائلية (أبو عبدو الأب الذي يناديه ابنه بسيد القوم)، ليكشف لنا عمق الأزمة السياسية وحجم الأخطاء التي ستقود حتمًا الى فعل ندامة، أراده الكاتب فعلا مطلوبًا من المواطن السوري.
في «الندم» تغدو الحرب حدًّا فاصلاً بين القديم والجديد، ومنها المفاهيم: الحرب العبثية، الأخلاق النسبية، الوفاء والإخلاص واجب، الاختلاف هو الحقيقة المؤكدة في الحياة، الحرب كالمرض، الشرع والقانون (تقديم الشرع على القانون مسايرة للدين)، الموت نشيد الغفران، الحرب امتحان إنساني.
فرحٌ عارمٌ بمطر دمشق يعرضه «الندم» في مشهدية رائعة تعبّر عن تطهّر المجتمع السوري من أخطائه، فالندم هو لوم الذات وتطهرها مما اقترفت، هو عتاب للنفس تصدح به كلمات أغنية الشارة: «قلبي علينا، افترقنا حين التقينا، قلبي علينا واذ توقفنا مشينا. كلٌ على درب، كلٌ بلا قلب، كأننا ما تعارفنا وكأننا ما هوينا».
مسلسل «الندم» دليل على كفاءة الدراما السورية في قراءة الواقع، بعد مضي خمس سنوات من الحرب.نجوى زيدان، كاتية وصحفية عربية من لبنان/ رئيسة تحرير موقع الحقول
السفير، 9 تموز /يوليو 2016
https://assafir.com/Article/212/501856/AuthorArticle