رساله أخرى إلى أحفادي : سيطيب لكم قراءة كتاب”هذيان فتاة في العشرين”

احفادي الأعزاء، طالعت هذا الكتاب بشغف ولذهّ ، قرأته،  أحببته،  كتبت لكم التالي :احببت أدب نجوى زيدان ، راقني رسم الصور في قصصها ، كاد أشخاصها يخرجون منها أحياء ، كدت ألمسهم لمس اليد ، يعبّرون بعواطفهم النبيله عن إنسانية الإنسان . ألون قصصها بألون بساتين رأس بيروت بورودها وأزهارها وعرائشها وأشجار التين نقطف من حبّها .  فإن طاب ما قدمته لكم سابقا" من الأدب القصصي لأديبات وأدباء أمثال : أحلام مستغانمي في رائعتها فوضى الحواس ، وأخرى عابر سرير ، وسلوى الحفار الكزبري في ذكريات الأندلس ، والدكتور هشام البارودي في ثلاثية بيروت ،  ونوال السعداوي في قصة زينه  ، وإكرام الداعوق في قصة حيّ التنك  ، والطيب صالح في موسم الهجره إلى الشمال  ، والدكتوره فاطمه قدوره الشامي في كتابها عن رؤساء الوزارات أيام الستينيات ، فسوف يطيب لكم أدب نجوى زيدان في قصصها تحت عنوان :  "هذيان فتاه في العشرين"(*).
ولمزيد من ترغيبكم في قراءتها إستنبطت من رواياتها العناوين التاليه  : 
– جيران الحاره بين رأس بيروت والمناره 
– كشف الستاره عن الأنثى المحتاره 
– إحساس الناس من كل الأجناس 
– نبضات القلوب بين الحبيب والمحبوب
– رفع النقاب عن عيون الأحباب 
والآن أباشر حديثي حول ما قالته سيدة الكتاب في المقدمه ، عن خوض تجربتها الأولى في إصداره ، وهي التي خاضت سابقا" غمار ميدان الصحافه المكتوبه ، وإعداد البرامج التلفزيونيه للشباب بصورة خاصه ، والمجتمع بصورة عامه .
                                                                 1  
من آرائها في الوجود قالت : إنه عندما يمضي قطار الزمن ، تظهر قيمة المكتوب في طيات التاريخ ،  قد تتكرر الأحداث مع عبور الوقت لتعود مجددا" بأشكال مماثله  وتبرز صورها بالوان حديثه . 
حكايات هذا الكتاب ، مائده شهيه لمن أُغرم مطالعه الماضي الجميل وقصصه الرومنسيه . روايات ولدت بين أنامل كاتبه مّميزه ، لها باع طويل في نقل الأحاسيس الكامنه في الصدور تدفعها عبركلمات تجسّم المعاني  . إلتقطت بيدي الأزهار والنباتات التي إفترشت بساتين رأس بيروت والمناره أيام العزّ .   ما علينا،  أعود لإيجاز ما كتبته نجوى ، ولو كنت أفضل يا أحفادي أن تبحثوا عن هذا الكتاب بين أمتعتي التي أورثتكم إياها ، لتقرؤه بأنفسكم .  روت نجوى قصة باب الحاره وباب الجاره  أُم جان التي إنتظرت إبنها المغترب وتوفيت ولم تره . جنزّها جيرانها الإسلام بسبب الحرب الأهليه   .                                            قالت نجوى أن مطرح أم جان في الذاكره مرتبط ببستانها ، ونبات الزعتر البري والقرصعنه و الهندبه ، لتطرح أخيرا" سؤالا" من الأعمق : هل تموت الأمكنه مع موت أصحابها في عيون من كانوا يحبونهم ؟
راقني تلذذ الكاتبه بإطلاق بعض السباب الذي ورثته عن أم جان ، في مواجهة قرف الأيام ، مما شجعني شخصيا" على قذف السباب ايضا" للحاله التي نحن فيها . 
كتبت عن الأرمله التي توفي زوجها فإرتاح وريحّ ، وعن المائده والأطباق الشهيه ثوابا" لروحه ، المائده التي لم تخلو من الحلوى ، لأن في المعده خلوه لا يملؤها إلاّ الحلوى . عرضت أيضا" حديث المعزيات والآراء عن إيفاء العدّه للزوج المتوفي ، كما ذكرت ما ناقشوه من أمور محرّمه لا يعرف سبب تحريمها إلاّ من كان ضالعا" في الدين والإيمان . يجري ذلك والأرمله تتناول خفية الطعام من فتوش وحمص بطحينه . لتبقى المعزيات يرددن مقولة : الرجل في البيت رحمه ولو كان مجرد فحمه . 
                                                                       2
في قّصّة  أم السعد  ذكريات عن بابور الكاز ، أعتقد أنه من ماركة (بريموس). وصفت الطبليه التى تستعملها ، شرحت الكاتبه معنى الطبليه هامشيا" ( لم أرى لزوما" لشرحها لأنه لا يمكن لجيلكم أن يتصوركيفية إستعمالها لوضع أطباق الطعام)  . إنها أيضا" قصة إبنتها المقعده التي وقعت في صغرها وجاءت الوقعه على إبن الجان وفقا" لما فسرته الجاره الخبيره بأمور الجنّ . في يوم كان أبو السعد يصنع قضبان الدبق لإلتقاط العصافير . توفيت صاحبة البستان التي كانت تقول لحفيدتها : (خدي ياستي خرجية المدرسه) وبقيت روحها تحوم فوق التينه والعريشه  وبقيت قنينة ماء الزهر على رف المطبخ عند نجوى . 
تروي الكاتبه قصه التوق لتجربه الجنس للمرّه الأولى لدى فتاة الرابعة عشره . إنه حبّ جارف لرجل يتجاوزها سّنا" ويختلف عنها دينا" ويجعلها بمواجة الأهل.  إنه حبّ الأفلام والروايات العاطفيه إنه الإحساس بالرغبه العارمه . هي بين يديه تبادرها الرغبه تتردد تجاه النشوة الموجعه لتسلمّ قيادتها إلى عاصفة هوجاء ينهمرعلى أثرها المطر ، إنها التجربه التي يتحدث عنها الكبار بصوت خافت . 
لدى قراءه هذه القصه عادت بي الذاكره إلى رائعة أحلام مستغانمي في فوضى الحواس عند دخولها أعماق أنثى عاشقه لرجل أوقد فيها الغرام وأشعل العشق في كيانها ، خلع عنها عقلها بنظراته ، عرف ملامسة الكلمات كملامسة أنثى .  شفتاه تعبرانها ببطء متعمد وكأنه يقبلها بأنفاسه . هو رجل العتمة والظلام يضرم الرغبة ويرحل ، تمتطي إليه جنونها ، إنه سيد الوقت ليلا" ، يدحرجها من فوق شلالات شاهقة للجنون ، يمضي بها من شهقة إلى أخرى ، يجذبها إلى حيث لا تدري .  
تشير الكاتبه في قصه ّ السنين الأربعين  إلى إمرأه إستباقيه  تسأل لماذا سبقها الزمن الذي سحرت فيه الكثيرين من الذكور في طريقها إلى المدرسه ؟  أين الأستاذ الذي أولّع بها ؟ هل هي عاشقه ؟ أم عبور ذلك الشاب في بالها هو صدفه ؟  لا إن هذا الشاب لم يعد يعجبها ، هو حصرم رأته في حلب . 
                                                                    3
في روايتها عن  لعبة إمرأه  وصفت رجلها في ليلة مؤرقه ، حملت أفكار توقظ  الحنين إلى الحب . روت حكايتها مع رجل مكبل بالصمت ، أتقن في النهايه وبعد جهد جهيد النظرإليها مدة أطول وأتقن الكلام الأكبر . كلمات نجوى في هذه القصه إستحضرتني أيضا" رائعة أحلام مستغانمي في كتابها فوضى الحواس ، عندما تكلمت عن عاطفة أنثى إختلج صدرها بأمواج الحب المتلاطمه ، واصفه رجلها بعاتي الصمت  مغلق أبواب الكلمات ، جرت وراءه لتتحداه ، وتقول له ما لم تقله أنثى لرجل . 
عن قصّة بحيرة  ماريا لاخ   لدى تجوالها في بلاد الجرمان ، قالت إنها من روائع الطبيعه ، دفعتها الذكرى للمقارنه بينها وبين بحيرات عميق في سهل البقاع ، قالت عن بحيرة ألمانيا : في جمالها صمت القبور ، وفي بحيرات عميق صراخ الحبور . وعن تجوالها بمحاذاة  ضفاف نهر الرين   النهر الأوربي الطويل ، الذي تعبره السفن ، تقول أنها إستعادت ذكريات مسيرتها على رصيف كورنيش المناره بجوار بحر رأس بيروت ، نعم لنا بحرنا الفقير الأحلى ، ولهم نهرهم الطويل الذي يتأمله كبار السن جلوسا" بالقرب من ضفته ، ويمرّ الكلب المدرب رافعا" يده ليسلم على العجوز الناظره إلى النهر . عندما رفعت نجوى الصوت وغنّت لأم كلثوم بجانب شاطىء النهر ، عكرت صمت الألمان .  أنها تسمع بائع (البرفان) على كورنيش عين المريسه ، ينادي على بضاعته لتنقلب كلماته إلى (قرفان – قرفان) . 
وإلى قصة التجاوز التي روت فيها ما أصاب الشابه التي قطعت علاقتها نهائيا" بالرجل الذي أغرمت به ، ثمّ ما لبثت أن زارته حاملة الأزهار لتقدمها إليه كفعل غير معتاد يتجاوز العرف يبدل الأدوار بين الجنسين . تفاجأت بردة فعله الكارثيه ، الأمر الذي دفعها إلى رفع شعار:  الرجل لا يهدى الورود أبدا"  . بقي السؤال الذي حيّر من حولها عمّا إقترفه هذا الرجل بحقها ، دون جواب . الرجال وحدهم يعرفون جواب هذه الأحجيه لأنهم متشابهون .
يليها قصة المرأة التي لم تتجّوز . لقد وضعت عواطفها في الثلاّجه لتتجمد كالموت أو الإنفجار ظلما" . لكن الزمن الغافل قد يستفيق فجأة دون إنذار لتصادف غافل من الرجال جاء في لحظة زمنيه من كوكب آخر صدفة. عندما سلمت عليه بيدها ، شعرت بعودة الحياة إلى كيانها . موجة عشق طاغيه أصابتها رغم الشيب في شعرها . قال لها أنه يتعبد في حضورها في معبد الحب أمام المحراب . جميع من أحاط بها إنتقلوا إلى كوكب آخر ، وبقيت أنفاسهما الملتهبه وحدها تحرك الهواء.  هنا توقفت القصه بسبب إنقطاع الكهرباء . 
تبعها قصّة أم يوسف و  شريط التسجيل  الذي بعث به إبنها  المسافر إلى بلاد الأجانب ، دعت الجيران ليسمعوا ما سيقوله لها ، أحضرت المحارم لإلتقاط الدموع في أثر سماع صوته وكلماته . كانت تردد أغنية وديع الصافي ( على الله تعود يا ضايع في بلاد الله ) . حقق إبن أم يوسف النجاح في غربته وأغدق عليها الهدايا دون أن يعود ، لكنها بلغت من العمر عتيا . أعذاره متكرره  ، أضحت الهدايا في نظرها شباشيل ، همها عودتة لتزوجه وتفرح به وترى أولاده . توفيت أم يوسف ولم يحضر الإبن جنازتها . 
إلى  الموعد إنها قصة المرأة التي  دخلت المقهى المطل على بحر هادىء مع إرتفاع قليل في موجاته ، كانت العصافير تلمّ غذاءها عن الأرض فرحه ، تفرّ مزعورة عندما يداهمها الخطر . هل اتت إلى موعد لاتريده أن يحصل ؟ هل هي مغامرة أنثى تتوق إلى الذكر ؟ جلست تراقب ذلك الشاب الوسيم الذي يصغرها في أعوامها الأربعين إنه الموعد الذي يستحيل إنعقاده . تتساءل لماذا لاتذهب لتجلس على طاولته دون النظر إلى إبتسامته التي تنمّ عن النصر؟ لماذا لا تفصح له عن رغبتها في تقبيله و تقول له ما رأته قي منامها ورفضها أن تستيقظ بعده ؟ 
رآها ، إقترب منها ، كلمّها . إبتهجت كطفل تحوم حوله فراشة . إنها تتجاوزه بسنوات ، قد تصلح له أُما" . الأفكارالمتلاطمه داخل رأسها الجاسم فوق جسدها دون موافقتها ،  يريد الهرب منها . بكت عندما سمعت وديع الصافي يغنيّ (شو بدي فيك يا قلبي) . إنها الحقيقه لقد صارحمله ثقيل عليها كما  أصبح العيش ثقيل في مدينه تقاوم لأجلها فتهزأ بها . إنها ضجره .  
                                                          4
تنتقل بنا الكاتبه إلى حكاية  هذيان فتاة في العشرين إنها القصه التي حملها عنوان الكتاب . هي فتاة العشرين الجميله النضره ، ذات الجسد المكبوت ، تحلم بفارسها آت إليها من دين مختلف ، هي الفتاة التي نالت الدلال في أسرتها ، تحصل على ما تريده دون عناء . إرتمت في أحضان أول حبّ لها ، تنازلت عن دينها مع رجل ذهبت إليه بقدميها  تاركة دراستها . 
إنكسرت من الليلة الأولى، والخطوة الأولى مع عائلتة المتواضعة، تضاربت المواقف مع هذا الزوج وإرتفع منسوب التوتر . شعرت بهزيمتها ونيلها العقاب على ما فعلته ، لم تتخيل أنها ستصبح رخيصة إلى هذه الدرجه ، وأن الحب سيقودها إلى هذه الحال . هو رجل جاهل معقّد ، له تحقيق رغباته ، ولها الحرمان منها . وبقي من الناس من يقول المثل الدارج ( من يأخذ من غير ملته يقع في علته) . وتعود إلى أهلها علهّم يسامحوها على خطيئتها القاتله . 
في وداع العروس : البارحه تزوجت، وغدا" تسافر إلى الغربه . من خبر الرجال من النسوه الحضور لوداعها ، قدموا النصح للفتاة الصغيره ليلة زفافها .  (لا تقولي له لا )  (لاتكسري هيبته) . نسوه نصحوا العروس فيما خبروه خلال أيامهم الخوالي ،  بترويض الرجل و التعايش معه وعدم الخضوع لمطالبه دائما .
العروس خائفه لأنها ذاهبه إلى الغربه ، إنها في حيرة من أمرها ، بأيّ نصيحة تأخذ وأيّ تجربة هي الأفضل ، لاسيما ما قالوه من أن الأولاد ليسوا برابط متين بين الزوج والزوجه ، وما قالوه عن الطلاق وكيف يمكن جعل الرجل خاتما" في أصبعها . إلى أن تطرق الحديث إلى شكوى الزوجات من شخير الزوج ، ومن الإنتظار وإمساكه بالبدايه والنهايه ، و أخيرا" من الطبع اللئيم . 
ماذا قالت نجوى عن بطاقات المعايده   في الزمن الرديء ، في زمن التنهد الطويل والحسره من الفراق وغربة الإحباب ، إنها بطاقة المعايده التي تصل منهم ، حامله حزمة المشاعر والأماني إلى أهلهم في البلد مع أحلام الرجوع من الغربه .   يتمنون أن تعود فرحتهم  بالعيد ، وتزول المآسي التي سرقت الكثير من العمر ، ومن أسرار حملتها موجات بحر بيروت المشرئبه وجنينة الصنائع وشارع الحمرا  والمناره . كتبوا   نريد العيش مع كلّ الناس في الوطن  يجمعنا الحبّ والصداقه والألفه  الآن لم يبق بيننا سوى الرسائل و بطاقات المعايده التي تشير إلى الحرب ، والسؤال عن مستقبلنا والمنطقه . إننا نحلم بالعوده إلى زياد الرحباني في نزل السرور  .
 ليس لنا الآن سوى لإنتظار وحنين قهّار في طيات المكاتيب لنحيا من خلال المراسلات .
                                                                     5  
إلى هنا تنتهي قصص نجوى في أدبها الوجداني الذي يشي بعواطف الحب والمحبه ، يلامس حزن الأمهات على فلذات اكبادهن  و يعطي الوطن حقهّ من التعلق به . قراءتها تغريّ بالمتابعه لما فيها من متعه أو هكذا شعرت وأحسست . 
في كلمه أخيرة ، أسجلّ ما ورد في خاطري  وأقول لأحفادي بأني تمنيت أن أستفيق يوما" من الموت ومن تحت التراب بعد مرور ألف عام، لأرى أجيال الأجيال من أحفاد أحفادي وأسألهم : هل قرأتم ما كتبته لكم من ملخصات لأشهر كتاب : الأدب والفلسفه والدين والتاريخ والعلوم وعلم النفس ؟ 
أشك في ذلك لأني أعلم  الصعاب التي ستواجهكم في قراءه المكتوب ياللغة العربيه . منذ الآن ألمس ما أصاب عقولكم من تحوّل نحوى اللغات الأجنبيه وإهمال اللغه العربيه . ما تودون شرحه من معاني الكلامات العربيه ، تنطقون به باللغة الأنكليزيه أو الفرنسيه لتفسير مضمونه .        
لا يا رب أستحلف بعزتك  لا تبعثني حيا" يوم ذاك .
عبد الرحمن القيسي، قارئ وناقد عربي من لبنان
نهاية ربيع 2017   

(*) "هذيان فتاه في العشرين"، مجموعة قصصية للكاتبة نجوى زيدان، منشورات دار الفارابي، بيروت، لبنان، كانون الثاني 2017.

إميل لحود ماذا يتذكر… عن وقائع بدون “رتوش”؟

في كتاب "إميل لحود يتذكر"(*)، يشير الرئيس اللبناني السابق في أكثر من صفحة إلى انه كان مقصرا وغير مدرك لأهمية ودور الاعلام . الامر يعود لتربيته العسكرية , حيث الالتزام بالقوانين التي تمنع التعاطي مع الاعلام . وقد اعترف في الصفحات الاخيرة، بان عدم اهتمامه بالاعلام وتأثيره في الرأي العام وخاصة في ظل المواقع التي تسلمها ، قيادة الجيش ولاحقا رئاسة الجمهورية، كان نقطة تسجل عليه واستغلها اخصامه وانه انتبه للامر في وقت متأخر. 
المسرح الاعلامي كان متروكا اذا لهم، وخاصة حين ادركوا انه بعيد عن هذا المجال . استغلوا ذلك وكانوا من خلال اشراف بعضهم وامتلاك بعضهم الآخر لوسائل اعلامية قد جعلوها ساحة مواجهة معه . واستطاعوا عبر ذلك بث رواياتهم واكاذيبهم وتزوير الحقائق والوقائع بما يتلاءم ويناسب مصالحهم ووجهة نظرهم . 
من هنا يأتي كتاب " اميل لحود يتذكر " ليسد ثغرة في حقبة زمنية كانت تشهد احداثا على مستوى عال من الاهمية , سواء على المستوى المحلي او على مستوى المتغيرات التي كانت تمر بها المنطقة .  كثر منّا لم يطلعوا على حقائقها ووقائعها الصحيحة , او انهم كانوا اسرى الاعلام وما يبث وخاصة في ظل الاستغلال الطائفي – المذهبي الذي برع به سياسيو تلك الحقبة , كي يهربوا من مواجهة الاستحقاقات . هنا نحن امام شواهد صادمة وسرد عن طبقة سياسية ما زلنا نتفاجأ كل مرة بالمزيد من فضائحها . 
من الوقائع التي يتذكرها الرئيس لحود , نتبين اننا لم نكن يوما نعيش في وطن , وان المحاولات القليلة التي جرت عبر تاريخنا، تجربة الرئيس فؤاد شهاب كمثال، وتجربة لحود التي يستعرض بعضها في الكتاب، والتي اريد لها ان تؤسس فعلا لوطن اجهضت وتكالب عليها المتضررون من اصحاب الاهواء والمصالح , السياسيون زعماء الطوائف , الذين وبحسب الكتاب وبالوقائع , كانوا يحاربون للابقاء على مكتسباتهم ومصالحهم ولا يتوانوا عن ربط ذلك بطوائفهم . سعوا لذلك دون اي مراعاة للوطن وللشعب , وما كانوا ليرتدعوا حتى ولو كان ذلك سيتسبب بانهيار البلد.
ما يتذكره الرئيس لحود لم تعد من الأسرار . بل هي امامنا معلومات ومواقف وتراكم لما جرى بينه وبين الطبقة السياسية التي حاولت وجاهدت لمنع قيامه بأي مشروع جديّ لبناء اسس لوطن. هنا يمكن الاشارة الى محطات ومواقف ومشاريع كثيرة . كلها كانت تلقى الصّد من اخطبوط السياسة عندنا. ضمان الشيخوخة مثال .. تسليح الجيش وحقائب الرشوة .. الاعتداء على الاملاك العامة وسرقتها .. السطو على المساعدات التي جاءتنا بعد عدوان "إسرائيل" على لبنان في تموز عام 2006 .. الخليوي وكيف سعوا لبيعه للقطاع الخاص بمبلغ مليار دولار فيما عائداته السنوية حين اصبح في عهدة الدولة كانت ضعف هذا المبلغ .وطبعا هناك الكثير منها وما ذكر يمثل عينة بسيطة مما كان يحصل .ويؤشر للطريقة التي كانت بها السلطة الحاكمة تدير الدولة ما بعد الحرب , وما بعد اتفاق الطائف . ويصبح الجواب على عدم تطبيق اتفاق الطائف واضحا دون الحاجة الى تفكير كبير. كان الهدف مصالح زعماء وشخصيات وطوائف . 
هي اسئلة بسيطة عن معاناة وصبر والاهم مواجهة. لم يذعن فيها الرئيس لحود ولم يستكن . ما كانت لتحصل لولا وجوده في موقع الرئاسة وقبلها في قيادة الجيش الذي اعاد اليه اللحمة الوطنية , رغم كل الصعوبات والعراقيل. هو الذي وصل الى سدة الرئاسة على ثوابت لم تتغير . النزاهة والاستقامة والحق لصاحبه . فيما كابد الآخرون بممارساتهم الكيدية والانصياع لمصالحهم والمحاربة من اجلها , وحاولوا دائما الاستقواء عليه بمواقعهم الطائفية , وايضا بالخارج , القريب منه والبعيد.
كل ما لديهم كان عرضة للبيع والشراء في سوق نخاسة مصالح خاصة . وفي سبيل ذلك يوظفون مواقعهم ويصرخون , مسخرين كل شيئ دون هوادة . كل هذا امامنا على صفحات ما يتذكره الرئيس لحود . 
غيض من فيض ما يمكن ان يحفل به تاريخنا مع هؤلاء , الذين قدر لنا ان نكتشف في الكتاب جزءا من ممارساتهم . فكيف لو فتحنا كل اسرار عهودهم ؟ .
وفي اهم ما خلص اليه الرئيس لحود من خلال معايشته لتلك المرحلة ولما تلاها وحتى الان وبمقدار معرفته لواقع البلد , يشير في خلاصة ما يتذكر ومن تجربته المريرة ,  ان الحل الوحيد لإعادة بناء الوطن , ليس سوى عبر قانون انتخاب جديد على اساس لبنان دائرة انتخابية واحدة , مع النسبية .ويعتبر ان حصول ذلك سيكون الخطوة الاولى على طريق بناء وطن , وليس مزرعة على قياس فلان او علان ..وهذا الامر هو في حقيقة الامر المقياس لوطنية اي مسؤول , والاّ سوف تبقى هذه الطبقة السياسية – الطائفية مهيمنة , تورث فسادها الى اولادها والاحفاد …
تبقى لنا على الكتاب ملاحظات أخرى. فهناك اخطاء مطبعية كان يجب تلافيها . تكرار حول وقائع واحداث في محطات مختلفة. واخيرا التبويب لم يكن موفقا حيث ترك الكاتب سرد الرئيس على ما هو عليه. كان الافضل ان يوظف الكاتب المادة التي بين يديه بما يتناسب مع وقعها السياسي الصحفي والتاريخي , ووضعها في اطارها الذي يمكن معه الاستفادة القصوى من هذا الكم الغزير من الذكريات . 
علي طحطح، كاتب وشاعر عربي من لبنان
(*) "اميل لحود يتذكر "، احمد زين الدين، منشورات شركة القلم للاعلام والاعلان، الطبعة الاولى 2016. 

السنة والشيعة : التقارب الخفي والعداء العلني قراءة في كتاب فرج فودة : “زواج المتعة”

يعتبر الدكتور فرج فودة  أحد ضحايا التطرف الإسلامي التكفيري الذي دفع فيه د. فرج فودة حياته بعد مناظرة عن الدولة الدينية والمدنية اقيمت بمعرض الكتاب سنة ١٩٩٢. شارك د. فودة في تأسيس حزب الوفد الجديد ، وشنت ضده جبهة علماء الازهر هجوما كبيرا عليه وطالبت بعدم ترخيص حزبه (المستقبل) ، واصدرت بيانا بتكفيره بجريدة النور سنة ١٩٩٢. كان مدافعا عن الدولة المدنية وكرس جل كتاباته بالتحذير من الاسلام السياسي  الذي اعتبره مبطنا بالارهاب من قبل الاخوان المسلمين.  ومع هذا لم ير ان الاسلام السياسي تيارا واحدا بل قسمه الى ثلاثة اقسام  : التيار التقليدي والذي يتمثل في جماعة الاخوان المسلمين. التيار الثوري : المتمثل في الجماعات الاسلامية المسلحة التي نشأت في اواخر الستينات. والتيار الثروي المتمثل في اصحاب الثروات المتضخمة التي تكونت نتيجة العمل في السعوديه او في مصر بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات.

رأي د. فودة ان الفكر السني والشيعي فكر متتطابق، باستثناء موضوع الامامة ومدى اختلاط امور السياسة بالدين . كتاب زواج المتعة هو طرح سواء كان مباشرا ام غير مباشر يشير الى هذه التقاربات من خلال طرح موضوع زواج المتعة كمبحث نقاش. قبل الخوض بأي نقاش اصر د. فودة بمقدمته بداية ونهاية على التأكيد برفضه الشخصي لزواج المتعة وانه ليس بداعية له ، ويرفض ان تقوم به بناته وبنات المسلمين . واكد كذلك بأنه لا يدعي الفقه ولا التبحر في العلم. مع العلم انه حاصل على الدكتوراه في الفلسفة الاسلامية. فيقول : ” ما انا الا مسلم يجتهد في دينه لدينه.لذا فليس لي رأي شخصي قاطع في الخلاف حول المتعة ، لكني ادعي الأمانة في عرض الرأي والرأي الآخر.”[1] والرأي والرأي الآخر هنا هو رآي السنة والشيعة.

لقد أكد د. فوده في مقدمته ان اسباب كتابة هذا الكتاب يعود الى ان الحقيقة ضالة المؤمن اولا ، فالطريق الى الحقيقة  لا بد ان يمر بالتعرف على الرأي والرأي الآخر. فالحقيقة كما يؤكد د. فودة لا تكون ابدا بطمس آراء الاخرين او تسفيهها او الهروب من مواجهتها،اما جهلا بها او استعلاءا عليها او رفضا للنتائج من البدء.

وثانيا ، يرى الدكتور فودة ان أسوأ خصائصنا الفكرية تتمثل في الإعتقاد بالصواب المطلق حتى في فروع الفروع وتفصيلات التفصيلات.مما يترتب عليه الخطأ المطلق لمن يختلف معنا. فمن اسوأ خصائصنا التفكيرية على حسب د. فودة هو اسلوب التفكير الاحادي الاتجاه. فالحقيقة المطلقة سبيلها فقط من خلال اسلوبنا نحن فقط في التفكير. ، ولا احترام لاسلوب الاخرين و ولا اعتقاد بان لهم منهجا وعقلا واسانيد. “فالمنهج لدينا ما ننهج. والعقل في مفهومنا هو ما نعقل. والاسانيد في تصورنا هو ما يساند افكارنا ومنهجنا ونتائجنا.”[2]

اما ثالثا ، فهو اننا نعرف كيف نتفق ولا نعرف بعد كيف نختلف.

الكتاب في مجمله محاولة فكرية تفكيرية للكشف عن خطأ منهجنا في التفكير .  ومحاولة لعرض حوار كسبيل للجتهاد في اكتشاف ما لم نعلمه ونتعلمه بعد. يؤكد الكاتب انه من خلال هذا العمل ،يريد ان يعرض للقارىء بان مفاهيمنا حول ما نعرف ونقرأ حتى في حالة رؤيته على انه صادق وموثق ، ونقتنع فيه ، قد نغير رأينا عند رأي معاكس . او نتمسك في رأينا حتى لو اقتنعنا ، فقد تصل الامور الى موقف تستبه فيه الامور ،ونجزد انفسنا في منطقة شائكة بين الحل والحرمة.

يذكر الدكتور فودة مآزق ما يترتب على موضوع زواج المتعه والتي تستند الى اسباب عديده منها :
خطورة الاستناد لاجتهادات عصور سابقة . مع الحاجه لاجتهاد معاصر.
مأزق الدعوة للعودة الى الجذور دون مراجعة.
مأزق استلهام النص وحده دون إعمال العقل.
مأزق الفصام بين الاصولية والمعاصرة، فالاولى نقل والثانية عقل .
المأزق الذي يقود اليه تقييم نصوص السن على اساس السند ،وليس المتن.
الاسى لخلاف المسلمين، دون طائل يجنى سوى تمزق الصفوف. ودون محاولة لرتق الخلاف وتلافي اسبابه.
ضياع الحقيقة بين الجهل والتجهيل والتجاهل من الفريقين. مأزق التناقض بين قضية فحواها الاباحة ومضمونها الحرية، وبين اجتهادات اخرى في قضايا تتصل بها. فحواها القيد، ومضمونها التشدد.

الكاتبة ناديا حرحش

بدأ الكتاب من خلال تساؤل للكاتب مفاده ، ” كيف اهمل كل طرف ما اورده الطرف الاخر وهو غير قابل للاهمال؟ وكيف ارتضوا لانفسهم ان يصلوا الى النتائج دون تمعن في حجج المخالفين؟ “[3]

زواج المتعة في السنة والقرآن
الحوار بين السنة والشيعة :السنة ترى ان المتعة حرمت الى الابد ، وترى الشيعة بأن المتعة حلال الى الابد .فتستند السنة الى مراجعها المعتمدة من صحاح واسانيد وتفاسير وسنن.

وتستعرض الشيعة حججها البرهانية بالاستناد لنفس المصادر وعلى احاديث واردة في نفس تلك المصادر.

وفي الحالتين يحتكم الطرفان لنفس الايات القرآنية ولكنهما يخرجان منها بتفسيرات ودلالات مختلفة، لا تلتقي ولا تتفق بالمطلق. بل يخرج كل طرف بعكس ما يخرج به ذلك ، ويخرج ذلك بنقيض تفسير هذا وسنده.

: وكل طرف يلقي بحجته ،فتظنها نهاية المطاف ، فاذا بالطرف الاخر يثبت انها بدايته،وانها مردود عليها،بل كأنها لم تكن . وكل رأى لكل طرف مهما بلغت وجاهته ، له رد يبدو لك وكأنه لا رد عليه…فاذا بالرد جاهز، واذا بدحضه ممكن .. واذا بك بعد عشرات الاراء والردود تعود الى نقطة البدء من جديد. ” [4]

يقول الامام الشافعي : ” لا اعلم شيئا احله الله ثم حرمه ، ثم احله ثم حرمه سوى المتعة.”

زواج المتعة يعني ” ان المسلم يستطيع ان يتزوج مسلمة او كتابية، بعقد زواج محدد المدة (ساعة مثلا) ،مقابل مبلغ معين (خمس جنيهات مثلا) يتفقان عليه. فإذا انتهت المدة ،انتهى الامر بغير طلاق.

عند سماع هذا التعريف يبتسم اهل السنة ابتسامة المنتصر ويرددون : يكفي هذا الكلام لينهي الحوار ، فالامر واضح ولا يحتاج الى نقاش. فكيف يمكن لعاقل ان يعتبر ما تم ذكره زواجا؟ هل يقبله احد لاخت او ابنه؟ هذا بغاء وليس زواج.

فيرد الشيعة منزعجون من بدء الحوار بهكذا تهكم. فالامر ليس امر عاطفة او مشاعر او عبارات ثقيلة. بل هو امر نصوص وقواعد ووثائق واحكام دين. فوصف المتعة بالبغاء هو مسيء ليس فقط للشيعة ولكن للسنة ،لأنها اساءة للاسلام الذي يتبعه الفريقين حتى ولو اختلفت السبل.

فيؤكد الشيعة بأن المتعة اول ما ابيحت كان في عهد الرسول ومارسها الصحابه ، فهل يجوز وصفها بالبغاء؟ فصحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن ابي داوود وابن ماجة،والنسائي ،والترمذي، والدارمي،وموطأ مالك ،ومسند ابن حنبل. وبها جميعا توثيق بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحل المتعة في حياته وان بعض الصحابة مارسوها برخصة من الرسول عليه الصلاة والسلام. اما بالنسبة لاحاديث التحريم ، فهي متضافرة على ان الرسول عليه الصلاة والسلام  قد احلها من قبل.

يعتمد الشيعة على مبدأ تكرار التحريم في التحليل. فلماذا يتم الحديث عن تحريم المتعة عده مرات ؟ الاصل ان الامر يحرم مرة واحده وينتهي الامر. الا ان في حالة المتعة تم ورود عدة احاديث تؤكد انه حرم بعد ممارسته باكثر من موقع وتسلسل تاريخي. مما يفيض الكلام من جهة الشيعة هنا الى اثبات ان المتعة كانت تمارس في زمن الرسول الكريم  عليه الصلاة والسلام  ومارسه الصحابة واستمر حتى عهد عمر رضي الله عنه، عندما منعه نهائيا.

لا يرى السنة هنا موضعا للرد كذلك. فالعرض التاريخي هنا ليس هو المطلوب . فالهدف هو الوصول الى رأي فقهي قاطع في شأن التحريم الى يوم القيامة على لسان الرسول  عليه الصلاة والسلام . وتكرار التحريم في عدة مواقع ومواضع يزيد من ثبات التحريم. فلقد ذكر ذلك في سبعة مواضع آخرها كان في حجة الوداع.

فيرد الشيعة بأن الرد السني هنا كذلك لا يخرج عن طور المراوغة. وهم يتصورون ان الحجة لجانبهم بينما هي ضدهم .

فيرجع الشيعة السؤال الى بدايته : هل حلت المتعة في عهد الرسول  عليه الصلاة والسلام ؟ الجواب نعم .

تستمر المناقشة الى وصف المتعة انه بغاء من قبل السنة . فيكون تساؤل الشيعة هنا ، هل يتفق هذا مع اباحة الرسول عليه الصلاة والسلام  لها في حياته وممارسة الصحابة لها؟

لا يعجب هذا التساؤل السنه لانه من وجهة نظرهم اقحام الحوار في الجزيئيات والابتعاد عن مواجهة التحريم القاطع والاصرار على التوقف على زمن الرسول  عليه الصلاة والسلام . وليغلقوا المناقشة في هذه النقطه اجابوا: ” ما احله الرسول متعة . ولكن اتيانه اذا ثبت تحريم الرسول له يدخله باب البغاء”.

وبالنسبة للسنه فالاثبات جلي وواضح . فلقد تكرر التحريم اكثر من مرة وفي اكثر من مكان وفي اكثر من زمان ، باعتراف من الشيعة بانه تكرر سبع مرات في سبع ازمنة في مراجعهم. فهذا انكار من جانبهم .

فيرد الشيعة: أن هذه النقطة في صالحهم . فتكرار التحريم في الامكنه والازمنة لسبع مرات يدل على انه كان هناك جدال حول هذا الموضوع وفي كل مرة كان يشرع فيما بين تلك المرات . ويصر الرد الشيعي بالقول على ان هناك تضارب وعدم معقولية في الروايات التي يصر الشيعة على الاعتقاد بأنها مدسوسة. ام اذا ما كان التحريم المتتابع كان يتخلله الممارسة ، مما يطلق عليها اسم بغاء بالنسبة للسنة . فهذا اتهام للصحابة  وهو غير مقبول. اما بالنسبة للتواريخ التي ذكرت لتحريم الرسول عليه الصلاة والسلام  للمتعة فتوحي بالشك في نسبتها الى الرسول  عليه الصلاة والسلام  . فمثلا ، التحريم الاول كان في السنة السابعة للهجرة في محرم من غزوة خيبر. هذا يعني ان الرسول ترك المسلمون يمارسون هذا البغاء طيلة عشرين عاما .ثم تتوالي تواريخ التحريم في السنوات المتتالية حتى السنة العاشرة. فبين غزوة حنين واوطاس ايام . وبين حنين وفتح مكة نحو شهرين . فتحليل وتحريم المتعة في شهر واحد ثلاث مرات . او تحريمها وتحليلها في ثلاث سنوات لسبع مرات غير منطقي ومثير للشك .[5]

ويضيف الشيعة بأن السنة تستند في تحريم المتعة الى احاديث من نفس المراجع،تؤكد ان المتعة كانت مباحة في عهد الرسول  عليه الصلاة والسلام  وفي عهد ابي بكر وفي عهد عمررضي الله عنهما. وان الذي حرمها هو عمر رضي الله عنه وليس الرسول  عليه الصلاة والسلام. وتلك الاحاديث كثيرة ورواتها ثقات وكثر.

اما السنة فترد ، بأن الشيعة ترتكب الخطيئة ثم تندفع في تبريرها بحجج لا سند لها الا في مخيلتهم.  وعليه فتقدم السنة حديثا لرد الشيعة عليه ،أخرجه عبد الرازق عن علي رضي الله عنه قال :” نسخ رمضان كل صوم ، ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث.”

فيرد الشيعة بأن هذا الحديث مكذوب لسبب بديهي ، لجهله ببديهيات الفقه. فمن قال ان لا زواج بغير امكانية حدوث طلاق؟ الا انه لا يمنع وجود حالات تبين فيها الزوجة بلا طلاق وهي : الامة المتزوجة اذا اشتراها زوجها ، الزوجة الملاعنة،الزوجة المرتدة،الزوج المرتد، الزوجة الصغيرة التي ارضعتها زوجته الكبيرة، زوجة المجنون،والزوجة التي ملكت زوجها المملوك بأحد اسباب الملك.  وبالمثل هناك حالات من الزواج الدائم الذي لا توارث فيه مثل: الامة اذا كانت زوجة، الزوجة القاتلة، الزوج القاتل، الزوجة الذمية والزوجة المعقود عليها في المرض الذي امات زوجها ولم يدخل اليها.

فهذه الامثلة تثبت ان الزواج بذاته لا يقتضي التوارث ولا الطلاق.[6]

اما بالنسبة للعدة ، فيرد الشيعة ان التهجم السني على كل ما هو شيعي هو المشكله . فالسنة تهاجم بلا الرجوع الى مصادر الشيعة . ففي موضع العدة ، فالفقه واضح بهذا الامر : يوما لمن لا ترى حيض، واربعة شهور وعشرة ايام للمتوفي عنها زوجها.

هنا يرد السنة ان الشيعة يستخدموا الحالات الشاذة للقياس. فالقول الشاذ يلتمس الى عذر شاذ. فاذا ما كان النقاش مبني على نصوص السنة كحكم بين الاطراف ، يجلب السنه ردا  من هناك . ففي مناسبة  الحديث السابق كان الرد فيها على ابن عباس في ترخيص المتعة. وعندما ينحصر القول بين بن عباس وعلي رضي الله عنهما ، فان السنة ترجح قول علي رضي الله عنه. ومن المستحيل ان يكون علي على غير علم بما حرم الرسول عليه الصلاة والسلام  . وهذا الحديث كان متكررا في المصادر التي نحتكم اليها . فضلا عن ان الحديث نقل بعد وفاة الرسول  عليه الصلاة والسلام  .

فيجيب الشيعة : اذا ما كان الحديث بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام  ، وهو فعلا حسب المراجع ، واذا ما كان في الرد على بن عباس رضي الله عنه، فهذا يعني ان بن عباس رضي الله عنه كان يرخص المتعه كذلك بعد وفاة الرسول  عليه الصلاة والسلام . فبالحديث ان علي رضي الله عنه قال: ان الرسول  عليه الصلاة والسلام حرم المتعة يوم خيبر ، وكان هذا التحريم الوحيد ، فبالتالي هو التحريم الاخير . وفي هذه الحالة تسقط كل احاديث سبرة بن معبد الجهني التي يتوقف السنة عندها كثيرا في هذا الصدد.فحديث علي رضي الله عنه يؤكد على تحريم المتعة في زمن عمر ، مما يؤكد كذلك ان هذا يعني ان التحريم لم يأت زمن الرسول  عليه الصلاة والسلام.

ويأخذ الشيعة هنا الطبري كمرجع. ففي تفسير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن لابي جعفر محمد بن جرير الطبري –دار المعرفة بيروت-المجلد الرابع ص ٩) : ذكر حديث الامام علي رضي الله عنه بسنده : ” قال علي رضي الله عنه –لولا ان عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى الا شقي.”

فيرد السنة ، ان الطبري مؤرخ لحوادث التاريخ ومفسر للقرآن الكريم ولكنه ليس مرجعا معتمدا للحديث عند السنة. فيصر السنة ان المرجع يجب ان يكون صحيح البخاري .

ولكن تصر الشيعة هنا ان البخاري نفسه ذكر انه انتقى نحو اربعة الاف حديث من حوالي ستمائة الف حديث.اي ما صح لديه اقل من واحد في المئة . وعليه فان الشيعة تجزم بأن ما صح لديه لم يكن كله صحيحاولا بد انه تم زج هكذا احاديث . فلا يعقل ان يكون قد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام  انه قال “انه اوتي قوة ثلاثين رجلا في الجماع (البخاري ١\٧٣ ط دار الشعب) . فهل يعقل ان يكون هذا وصفا لرسول الله . والحديث يذكر انه كان يطوف بنسائه الاحدى عشر بساعة واحده . فهل هذه معجزة الرسول ؟ام قدراته؟ بل اكثر، ما شأن المسلمين بقدرات الرسول الجنسية وحياته الخاصة؟ وحديث عن عائشة رضي لببه عنها  بان رسول الله  عليه الصلاة والسلام  كان يأتيها وهي حائض بعد ان تتزر(البخاري ١\٩٧)  حديث يتناقض مع القرآن الذي جاء فيه ( ويسألونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن…) (البقرة ٢٢٢)

وبالنسبة للمتعه، فماذا تقول السنة في حديث الرسول  عليه الصلاة والسلام  الوارد في البخاري في باب ” نهى الرسول عن نكاح متعة اخر” ونصه على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام  : ” ايما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ،فإن احبا ان يتزايدا او يتتاركا تتاركا.”

وماذا بالنسبة لاحاديث رضاعة الكبير.فالقول فيه مخجل . وتنسيبه لعائشة مخجل ومعيب . والاكثر من ذلك فهذا مثبت في سنن ابي داوود والنسائي وبن باجة والدارمي وموطأ مالك ومسند ابن حنبل . فاذا ما كانت المتعة بغاء ما ذا يسمى هذا؟

فبالنهاية لا يعقل ان يكون كل ما ورد هنا او هناك صحيحا ، والبخاري ليس اعلى شأنا من الطبري في الاحتجاج . وحديث الطبري السابق وارد بعدة طرق في تفسير الثعلبي وتفسير الرازي وتفسير ابي حيان والنيسابوري .

اما حديث سبرة ، فلقد طعنه السنة انفسهم . فتارة يذكر ابو سبرة ان حل الرسول المتعة وتارة حرمه . وتارة ما بين المواقع المختلفة لزمن الحديث يكون سبرة هو من استمتع بالمرأه وتاره يكون الكلام عن صديقه. …فكيف يستقيم هكذا حديث؟ وهل يكفي لاستقامته ان يرد في الصحاح او السنن او المسانيد؟

وهناك الكثير من الاحاديث التي تؤكد تحريم المتعة فقط على زمن عمر رضي الله عنه وليس قبل ، كاحاديث جابر بن عبد الله الانصاري ، وعمر بن حصين وهناك واقعة محددة هي واقعة عمر بن حريث.

فمن حق عمر رضي الله عنه ان يحتهد ولكن من حقنا  ايضا ان لا نعلي اجتهاده فوق القرآن الكريم وفوق سنة الرسول عليه الصلاة والسلام  يحاجج الشيعة

.رد السنة كان في ان الشيعة لا تعرف علم الحديث ، فلا يتفرق بين الحديث الضعيف ،والحديث الحسن، والحديث الصحيح،ولا بين المتواتر والمشهور،ولا بين الروايات المختلفة للحديث الواحد.وكيف يتم ترجيح رواية على اخرى ،وقبول رواية ورفض ثانية.

هنا يؤكد السنة ان الفرق بين الشيعة والسنة هو فرق في المنهج : والمنهج الشيعي لا يعود الا الى الشرك والالحاد في نهاية المطاف ، لأنه بالنسبة لهم يجب ان يخضع كل شيء  للعقل والحجة والمنطق . صحيح ان التفكير مطلوب وكذلك التدبر وتحكيم العقل . ولكن هذا يجب ان يكون ضمن قلب مليء باليقين والايمان لا الشك.

فالحجة الشيعية على حسب قول السنة هي اقتراء على الصحابة والخلفاء الراشدين. .

وتستمر المحاججة بين الطرفين ….

مما سبق ويستمر لهذه للحظة من التاريخ العربي المسلم ، فان كلا الطرفين يستند الى نفس النصوص في السنة لاختلاف الرأي وعكسه كذلك. وفي كلا الحالتين فان الفريقين لا ينطلقا في دفاعهما وهجومهما من فراغ. فالحقيقة هنا حتى لو قصر المنهج في قبول الحديث او رفضه على السند، او على وروده في الصحاح،او على تواتره في كتب الاحاديث المعتمدة.سيصل الى نتيجة يأباها العقل والضمير، وهي ان زواج المتعة حلال وحرام في ان واحد. وان الرسول حرمها الى الابدوان عمر الذي حرمها بعد ان كانت مستمرة في عهد الرسول وعهد ابي بكر وعمر كذلك، وان علي اعلن حرمة المتعة وان عليا لم يعلن ذلك،انما اشار الى تحريم عمر لها بقول فيه غير قليل من الانكار في ان واحد. وان عبد الله بن عباس اصر على حل المتعة في اخر حياته، وانه تراجع عن حل المتعة الا في حالة الضرورة في اخر حياته في ان واحد.

ما سبق لا يقول ان هناك تشكيك ولكن هناك داع لاعمال العقل وترجيح الحجج وموازنتها بالمنطق وضرورة ان يتوازى السند والمتن في الحكم على صحة الحديث. وهو منهج يراه البعض اثما ويراه البعض ضروره.  .

[1] كتاب زواج المتعة صفحة (٥)

[2] كتاب زواج المتعة صفحة (٦)

[3] كتاب زواج المتعة صفحة (١١)

[4] كتاب زواج المتعة صفحة (١٣)

[5] الترتيب الزمني لتواريخ التحريم كان على هذا النحو:

١- خيبر: شهر محرم في السنة السابعة

٢- عمرة القضاء في شهر ذي الحجة في السنة السابعة

٣ غزوة حنين في شهر شوال في السنة الثامنة

٤ اوطاي في شهر شوال في السنة الثامنة

٥ تبوك في رجب في السنة التاسعة

٦ حجة الوداع في ذي الحجة من السنة العاشرة. كتاب زواج المتعة صفحة(٢٣-٢٤)

[6] الشيخ عبد الله نعمة –روح التشيع-دار الفكر اللبناني-بيروت ١٩٨٥ ص ٤٦٨ كتاب زواج المتعة صفحة (٢٧)

ناديا حرحش، كاتبة، وناقدة عربية
15 آذار / مارس 2017
ملاحظة المحرر : كل أخطاء النحو والصرف في المقال، وقد وردت في الأصل، ولم تتم مراجعتها لعدم توفر المصادر الأصلية التي اعتمدت عليها الكاتبة.

للقراءة في المصدر 
http://nadiaharhash.com
 

 

“الابتكار الفنان في استهداف الأمريكان” أو حرب الإرهاب اللامتوازية asymmetric على أميركا

تكشف وثائق “جبهة النصرة” عن أن “فك الإرتباط” مع “تنظيم القاعدة”، أي انفصال الجولاني عن الظواهري، هو مناورة تكتيكية موجهة، تحديداً، لخداع الجمهور الغربي، الذي تعرض لتعبئة مكثفة ضد “القاعدة” طيلة العقدين الأخيرين، باعتباره مصدر الإرهاب الإسلامي. وهذه الوثائق تبين أن “النصرة” ما زالت تدرب كوادرها ومقاتلها على عقيدة “القاعدة” التي وضعها اسامة بن لادن، باستهداف القوى الغربية، وخاصة الأميركيين. وأن حربها الجارية ضد “الروافض”، هي حرب على “العدو القريب الشيعي”، تمهد للحرب على “العدو البعيد الصليبي”.

أحدث هذه الوثائق هو الكتيب التدريبي الذي يحمل عنوان “الابتكار الفنان في استهداف الأمريكان”، الذي يجري تداوله ضمن معسكرات “جبهة النصرة” ومدارسها الدينية، وهو من تأليف الإرهابي الإسلامي المعروف “أبو عبد الكريم الغربي”. ويتضمن الكتاب شرحاً وافياً لعناصر “النصرة” ـ “القاعدة” عن كيفية شن حرب إرهابية asymmetric لا متوازية، داخل أراضي الولايات المتحدة الأميركية. ويوضح كيفية الحصول على الأسلحة المناسبة من خلال كل مفاصل الحياة الإجتماعية ـ الإقتصادية في أميركا نفسها.

ينطلق كتيب “الابتكار الفنان في استهداف الأمريكان”، من مقولة سياسية ـ أيديولوجية تعتبر “أمريكا هي رأس الأفعى”. وهذا يعني أن على أعضاء تنظيم “جبهة النصرة” أو “جبهة فتح الشام”، كما باتت تعرف بعد “فك الإرتباط”، عدم الانشغال بالأفرع والذيول الغربية وحدها، لأنهم “إذا ضربوا الرأس مات الجسد”. ويلفت المؤلف “أبو عبد الكريم الغربي” إلى “أن ضرب أميركا يمنح المنفِّذ مقعداً في أعلى درجات الجنة، لأن ضربها فيه تأييدٌ لمعظم قضايا المسلمين، بينما ضرب غيرها قد لا يكون فيه تأييد إلا لقضية واحدة”.

يدعو الكتيب أنصار ومؤيدي “جبهة النصرة” إلى ابتكار واعتماد طرق ووسائل جديدة غير مألوفة لتنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح الأميركية، من دون أن يكون بإمكان استخبارات أجهزة الولايات المتحدة التنبؤ بها أو توقعها. وهذه الطرق والوسائل التي يعرضها الكتاب، مستخلصة إلى حد كبير من مفهوم الحرب اللامتوازية asymmetric.

يدعو كتيب “جبهة النصرة” المقاتلين إلى التخلي عن وسائل الإرهاب التقليدية كالمتفجرات والرصاص. يقول الكتيّب : “لا متفجرات .. لا مشكلة”، فأسطوانات الغاز قد تحل المشكلة. ثم يشرح طريقة استخدام هذه الاسطوانات عبر وصلها مع الكهرباء، مع إضافة غالونات البنزين والشظايا المعدنية بجانبها، لكي تحدث أكبر ضرر ممكن. كما يركز على “استخدام أسلحة الدمار الشامل” المؤلفة من حمض الكبريت وسيانيد البوتاسيوم وبرمنجنات البوتاسيوم.

من بين الوسائل والأدوات المبتكرة في الكتيب، التركيز على استخدام السموم. إذ بإمكان “المجاهد” الذي يعمل في فندق أو مطعم أن يضع سماً بطيئاً، ذو مفعول غير فوري، في طعام الزبائن. ولا يخشى الكتيّب من انتهاك حرمة الأطفال، إذ ينصح عناصر “النصرة” باستخدام الأطفال من أجل التجسس على “الكفار” أو ، أو حتى قتلهم، “تحت شعار اللعب والبراءة”، كما جاء في الكتيب.

يقترح الكتيّب 25 أداة أو وسيلة لتدمير المصالح الأميركية، بما يؤدي في النهاية، إلى انهيار الولايات المتحدة، حسب ما ورد في الكتيب. وأهم هذه الأساليب هي: تخريب السدود المائية، نسف الجسور، حرق الغابات والمحاصيل الزراعية، التسبب بالازدحامات المرورية (لأنها تؤدي إلى خسائر مادية تقدر بمليارات الدولارات)، إفساد مصادر المياه وتسميمها، تخريب شبكات الصرف الصحي وشبكات تصريف مياه الأمطار، استهداف محطات الكهرباء، استهداف الطائرات عند إقلاعها أو هبوطها دون الحاجة إلى خطفها.

ومن بين الأدوات والوسائل التي يقرحها كتيب “أبو عبد الكريم الغربي” لشن الحرب اللامتوازية asymmetric على الولايات المتحدة، يذكر : تدمير شبكة غاز التدفئة، اختراق شبكات الحاسوب ونشر الفيروسات، تحريض العنصريين والمظلومين والمرضى النفسيين على أعمال الشغب والفوضى، سرقة المصارف والشركات الغنية، إسقاط المباني عبر إحراقها، القيام بعمليات النصب والاحتيال للاستحواذ على أموال الكفار، بيع الغذاء المسموم بسعر رخيص.

لقد ابتهجت دول “التعاون الخليجي” وتركيا بخطاب أبي محمد الجولاني الذي أعلن فيه “فك ارتباط” تنظيم “جبهة النصرة” الذي يقوده في سوريا، مع تنظيم “القاعدة” الذي يقوده ايمن الظواهري عبر العالم. في الولايات المتحدة الأميركية ظهرت البهجة أيضاً، من تحول “النصرة” إلى “جبهة فتح الشام”. والسبب بسيط : إن تخلي الجولاني عن الإسم القديم للتنظيم المدرج على لوائح الإرهاب في مجلس الأمن الدولي، يسهل على هذه الدول مواصلة دعم الإرهاب الإسلامي في سوريا، ويحررها أمام الرأي العام الغربي من تهمة دعم منظمات مرتبطة بـ”القاعدة”، تحت لافتة “المعارضة المعتدلة”.

مركز الحقول للدراسات والنشر
18 آب 2016

“عبور” زينة قاسم …

استلمت الكتاب واودعته طاولتي

” عبور” انه العنوان، قرأته عشرات المرات اثناء جلوسي اتابع عملي على الحاسوب وقرأته عشرات المرات وانا امر بجانب طاولتي، اذ وضعته كما اطار الصورة، للمشاهدة!

الصورة هنا كلمة ” عبور”  بالاحمر، اصبحتُ مُحاطة بها وكأنها منفصلة عن الكتاب، الذي اقتحمته مرة اعاين العناوين وصفحة الاهداء واعيده الى مكانه واعدة نفسي بقراءته.

مرت ايام، نقاش يدور بين الاصدقاء في لقاء بمقهى بيروتي على البحر، وجدتني استخدم كلمة عبور اكثر من مرة اثناء مجادلة حول التسامح، هذا الحس النادر والعصي على الكثيرين منا، ها انا استدعي كلمة “عبور” الى قاموسي معتبرة ان التسامح بحاجة الى ما يشبه العبور من حالة الى حالة من الحنق والغل الى التسامي وقوة التجاوز، وانفصلت عن الحديث الدائر بعد ان اثرته  وورطت الجالسين بجدال عالي النبرة:

” عبور” تلك الكلمة التي استخدمتها هي عنوان الكتاب – الصورة على طاولتي، كلما مررت به استبعدته عن لائحة قراءاتي، وها انا اكرر كلمة عبور اكثر من مرة.

رغم عودتي المتأخرة تلك الليلة، كنت تواقة الى طاولتي لالتقاط  الكتاب بالعنوان الاحمر” عبور”  وتذكرت كيفية وصوله الي:

 بصوتها البعيد، الدافىء، الحزين، الخجول، ارسلته الي…

من الغلاف الى الغلاف، اقلب الصفحات، واكفكف الدموع

وابحث في اسئلتها عن اسئلتي

 وابحث في عزائها عما يعزيني

 وابحث في هواجسها عن موت طلال اليافع، عن هواجسي امام موت احبتي واسترق من حزنها الكثير من حزني على نوال اصغر شقيقاتي التي رحلت باكرا

قلب زينة ام طلال قلب يلهف للقبض على ساكنيه كما قلبي يلهف وراء ابي حين رحل ورحل معه الامان المطلق.

امتلكني الكتاب واستنفر احاسيسي وعقلي فشعرت انني لا اقرأ  بل  اسمع صوت زينة ام طلال، يخاطبني، يروي لي قصة العبور المضني، يحضرني صوتها الهادىء الدافىء المتأوه بصمت ورقي.

zeina kassem1

شريط صور يتداعى في مخيلتي، لم ينته مع استفاقة فجر بيروت البارد، تصدرته صورة طلال في جسده الفتي الملقى على احدى الطرقات القاسية من بيروت: جدل لن ينتهي اليوم لانه لم ينته بالامس:

الموت هو الحقيقة الوحيدة في حياتنا وكل الحياة التي نحياها تصبح سرابا وفي اصدق الحالات تصبح حكايات وذكريات وصور في قلوب من نحب.

ما الفرق بين موت وموت وما الفرق بين موت بعد حياة وحياة بعد موت وهل هناك بين بين، لسنا فلاسفة…

يحولنا الموت الى فلاسفة للحظات او فترات نجيد فيها طرح السؤال الصحيح، ونتأمل في كم من الاجوبة ينهال فوق دماغنا بما لا طاقة لنا على الاحاطة

ارغمتني زينة قاسم بتأملاتها ومحاولاتها التفسيرية وفي مشّائيتها صوب البحر هذا الحاضن للاحزان المكفكف للدمع الشافي الى حين من الالم،

 ارغمتني على البوح امام نفسي بأنني اخاف، لكنها اقتحمت ارادتي تحثها على احتواء الخوف بالتزام الصمت تارة ومعايشة الحزن حتى الثمالة طورا واجتراح فعل الحياة منذ الآن الى يوم كان محتوما، كما فعلت  هي.

عبر طلال من الموت الى الحياة، مع امه زينة، التي اصّرت ان تنجبه مرة ثانية، وعبرت زينة من الحزن السلبي الى الحزن الايجابي في مشوار لم ينته ولكنه سوف يتوقف في محطة انقاذ لروح تلاقت مع روح طلال على طريق عبور، ذهب طلال وعادت الروح

زينة قاسم، لا شيء سوى الصمت استطيعه امام عبورك…

نجوى زيدان
الخميس‏، 09‏ حزيران‏، 2016

الميدان صانع التاريخ : هزيمة المنتصرين ـ المقاومة في الجبل (1982 ـ 1985)

صدر في تشرين الثاني من العام 2015 كتاب للمؤلف غالب ابو مصلح، يعرض لحقبة المقاومة الوطنية في الجبل في مواجهة الاجتياح الاسرائيلي للبنان وعملائها الفاشيين، والتي انتهت بتحويل الهزيمة إلى انتصار.

الاجتياح الاسرائيلي : مشروع اميركي بأدوات اسرائيلية ولبنانية
ينطلق المؤلف من الربط الوثيق بين احداث 1982 ـ 1985 وبين تاريخ جبل لبنان كجزء من تاريخ منطقة المشرق العربي، مشيرا إلى انهما كانا هدفاً استعماريا دائما، تغذيها ذكريات إمارات الفرنجة ابان الحروب الصليبية. ويخلص إلى ان الاجتياح الاسرائيلي والاحداث التي تلته لم يكونا سوى استمرار وتكرار لمحاولات السيطرة التي كانت دائما تواجه من قبل القوى القومية والوطنية العربية. مؤكدا وبالوثائق ان الاجتياح الصهيوني للبنان لم يكن إلا جزءاً من مشروع اميركي لتحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية اميركية كبرى.

يتضمن الكتاب سردا تاريخيا وتفصيليا لعملية الاعداد التاريخية للساحة اللبنانية للحظة الاجتياح وكذلك الساحتين الاقليمية والدولية، والتي تولتها الولايات المتحدة الاميركية من خلال دعم المارونية السياسية وتسويقها عربيا، وتفكيك النظام العربي عبر إخراج مصر، واستنزاف العراق وايران في حربهما، وشن حرب على سوريا من خلال “الاخوان المسلمين”.

ويشير المؤلف إلى كيفية اصطدام كل هذه التحضيرات بالواقع اللبناني، عندما فشل الجيش الاسرائيلي بتحقيق اهدافه العسكرية،  وكذلك فشل القوات اللبنانية في حسم معركة الجبل، ما ارغم الاسرائيلي على الانسحاب لاحقا إلى نهر الاولي، في ظل استنهاض الجماهير الوطنية، وعودة المقاومة الفلسطينية والقوات السورية لتلعب دورا اساسيا في التصدي لهذا المخطط –العدوان، وإلحاق الهزيمة به لاحقاً، والتي تجلت بالانسحاب الاسرائيلي ومن ثم الاميركي وصولاً إلى اسقاط اتفاق 17 ايار وعودة القوات السورية والفلسطينية إلى بيروت.

المواجهة والقتال بدلاً من القبول بالامر الواقع
يركز الكتاب على توثيق تطور المقاومة الوطنية في منطقة الشحار الغربي، والتي بدأت  بإتخاذ مجموعة من القيادات الوسطية السياسية والفكرية في الحزب التقدمي الاشتراكي، قرار القتال عند بدء الاجتياح، رافضة قرار قيادتها بعدم القتال. ويروي المؤلف واقعة لقائه برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في المختارة، وكيف وجده “وحيدا في قصره، شديد التوتر”.  وعندما سأله المؤلف: “يعني انت لا تريد ان تقاتل”، فاجابه ” إذا كنت تستطيع القتال اذهب وقاتل”. ويضيف ” كان وليد جنبلاط يعتقد ان القتال في تلك المرحلة هو انتحار، وان زج الطائفة الدرزية، وهو المؤتمن عليها، في معركة كهذه فيه خطر كبير على وجودها.

يظهر الكتاب التعارض الذي كان قائما بين القيادة السياسية التقليدية في الجبل، وبين تلك المجموعات التي اخذت على عاتقها مواجهة المشروع الاسرائيلي في الجبل، ويعبر عن هذا التعارض من خلال سلسلة من المواقف والاحداث، ومن بينها الاجتماعات التي عقدت برعاية امين الجميل وضمت كلاً من وليد جنبلاط ومجيد ارسلان عن الدروز وبيار الجميل وكميل شمعون وفادي فرام عن المسيحيين، وتم خلاله الاتفاق على تسيير دوريات مشتركة وإنشاء لجان مختلفة. وفي مقابل هذه الاجتماعات، كان قرار المجموعات المقاومة التي رفضت المهادنة مع معسكر العدو المركب: الولايات المتحدة الاميركية، اسرائيل، النظام اللبناني والقوات اللبنانية.

يعرض المؤلف للرؤية الاستراتيجية التي تبلورت بعد مضي اشهر قليلة على الاجتياح الاسرائيلي، وعلى مواجهة المشروع الصهيوني- الفاشي في لبنان. هذه الرؤية التي حددت الاصدقاء لبنانيا وفلسطينيا وعربيا ودوليا،  والتف حولها مجموعة من القوى الوطنية في الجبل، التي ترتبط بعلاقات سياسية وصداقة، عملت على تشكيل لجان المواجهة وتوفير متطلبات الصمود، وتنفيذ العمليات العسكرية ضد القوات الاسرائيلية وعملائها من القوات اللبنانية.

يفيض المؤلف بعرضه للتناقضات السياسية والطائفية التي رافقت نشوء لبنان، وكيف ان مهمة الطبقة الحاكمة لم تكن حلاً للازمات بل إدراتها، وبالتالي رفع الولاء للطائفة وقياداتها بدلاً من الولاء للوطن وحجب التمايزات الطبقية. وينتهي في هذا السرد إلى اتفاق الطائف الذي يرى ان أدبيات المصالحة الوطنية طمست الفروقات بين أداء القوى الاجتماعية المختلفة ووضعت الجميع، من تعامل مع المحتل، ومن قام بإرتكاب المجاز الطائفية في المقام نفسه مع حركات المقاومة بداعي ان كل الفرقاء ارتكبوا “تجاوزات”.

الميدان هو صانع الانتصارات
تكمن اهمية الكتاب في كونه يقدم سردا تاريخيا تفصيليا ليوميات المقاومة في الجبل، وللمواجهات البطولية التي خاضتها القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية إلى جانب الجيش السوري، معتمدا على معايشته التفصيلية لهذه المقاومة من موقعه كأحد القيادات التي اخذت على عاتقها إدارة المواجهة مع المشروع الصهيوني-الفاشي، ومستعينا بمجموعة من المراجع بعضها يعرض لهذه اليوميات من موقع الخصم، مثل مذكرت القيادي القواتي في حرب الجبل “بول عنداري”، ويقيم رابطا بين هذه اليوميات وما اظهرته بعض المراجع الاسرائيلية والامريكية والفرنسية في اسلوب سلس. ويقدّم الكاتب تحليلاً لانعكاس التاريخ الميكروي في إعادة صياغة التاريخ الماكروي بكل مستوياته، محاولاً الاحاطة بكافة المشاهد المحلية والطائفية والمناطقية والاقليمية والدولية، ومستخلصا العبر منها، غير مكتفٍ بما قدمته وسائل الاعلام. الكتاب يشد التفكير والتحليل إلى ما يجري في الميدان. يبرز كيف تطورت المواقف وتغيرت بين فترة واخرى، بسبب التطور وقدة الفعل والمواجهة في الميدان.

غالب ابو مصلح في هذا الكتاب يعيد الاعتبار للميدان في صناعة التاريخ. يقدم عرضا يعيد التأكيد ان الانتصارات لا يصنعها القادة، بل المقاتلون في الميدان، فعلى ثباتهم وتفانيهم ووضوح الرؤية لديهم واستعدادهم للتضحية تتحطم المخططات العدوانية، فيهزم المنتصرون وينتصر المهزومون.

الداخل الاسرائيلي كان حاضراً  ايضاً في الكتاب، وانما من خلال انعكاس اثار الميدان اللبناني على الكيان الاسرائيلي، مفصلا هذا الانعكاس على المستوطن، على المؤسسات والاداء الاقتصادي، على القوى السياسية والمالية العامة، في ارتفاع الدين العام وخفض سعر الشيكل بنسبة 23%، وانهيار اسعار اسهم المصارف بنسبة 33%. رصد يظهر ان الوهم والضعف لم يقتصرا على معنويات الجيش الذي قيل انه “لا يقهر”، بل اصاب عمق المجتمع الاسرائيلي بعد اقل من عام على الاجتياح بسبب عجزه عن تحقيق اهدافه، وبسبب الخسائر البشرية والمادية التي انعكست في احد جوانبها ارهاقاً للميزانية العامة.

عندما يتحدث المؤلف عن هزيمة المنتصرين، لا يشير فقط إلى انسحابهم من الجبل ومن الجزء الاكبر من لبنان، بل يلقي الضوء على  مسار الانهيار الاستراتيجي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وافتضاح حقيقة صورته في المجتمع الدولي، والفشل في تحقيق الاهداف الاميركية من الحرب التي قامت الادارة الاميركية بالتحضير لها منذ العام 1981، والتي كلفت الجيش الاسرائيلي بشنها لتجنب ردود فعل عسكرية مثل احتمال رد الاتحاد السوفياتي عليها.

الكتاب ليس عرضا فقط لوقائع المقاومة في الجبل، او تحليلاً لمواقف القوى المتصارعة، وإنما هو توثيق ايضا لاحداث وشخصيات ربطت مصيرها بالمشروع الاسرائيلي، وكذلك يعرض للتباهي الاسرائيلي عشية الاجتياح بقدراتهم وبالاهداف التي يسعون لتحقيقها بدخولهم بيروت خلال 48 ساعة، مبرزاً اهمية عامل الوقت الذي صنعه صمود مقاتلي المقاومة الفلسطينة والحركة الوطنية اللبنانية والجيش العربي السوري وتأخيرهم نجاح العملية الاسرائيلية مما اتاح للاتحاد السوفياتي ممارسة ضغوط على اميركا واسرائيل.

خالد محي الدين، باحث في العلوم الإجتماعية
أواخر أيار 2016
العنوان الكامل للكتاب :
هزيمة المنتصرين ـ المقاومة في الجبل (1982-1985)
المؤلف : غالب أبو مصلح
الطبعة الأولى، تشرين الثاني/نوفمبر 2015، عين كسور/لبنان، من دون دار نشر.

قراءة في كتاب غالب أبو مصلح : “هزيمة المنتصرين : المقاومة في الجبل (1982 ـ 1985)”

خاص ـ الحقول / ما خطر ببالي في عام 1983 ـ 1984 حينما كنا في تلك الجبال الشامخة نقاتل عملاء "إسرائيل"، وجيش "إسرائيل"، أني ساقف بعد ثلاثين عاماً، وأتحدث في موضوع "حرب الجبل"، بل "المقاومة في الجبل" حسب تصحيح الكتاب. فلم يكن لدى المقاتلين في تلك المقاومة "يوميات" ترصد وتوثق مشاركتهم الميدانية. كان المقاتل ـ الفرد، حينذاك، بسبب طبيعة مهمته، يحصر تفكيره في النصر أو الشهادة.
وحتى إذا رغب المقاتل بتوثيق العمليات التي يشارك فيها، فإن أدوات التوثيق الفوري لديه كانت محدودة أو معدومة. فالقلم والورقة والمسجل الصوتي والكاميرا، كانت تتطلب مهارة محددة وإعداداً معيناً لاستخدامها. هذا الضعف التوثيقي الذي كنا عليه كمقاتلين ـ أفراد، عوضته الأحزاب والقوى الوطنية بشكل ضئيل جداً. سننتظر ربع قرن قبل أن تصبح كاميرا الهواتف النقالة أداة توثيق، يمكن أن تدمج ضمن ترسانة السلاح الفردي للمقاتل.
يوثق مقاتلو اليوم تاريخهم، أولاً بأول و"يصنعون" مواداً تاريخية خام، يمكن أن تفيد قطاع الإنتاج الثقافي والفني والتعليم المدرسي والجامعي. هذه الهوة التكنولوجية واضحة في كتاب الشيخ غالب أبو مصلح، الذي يعالج الضعف التوثيقي لدى مقاتلي الأمس، بالإعتماد الملحوظ على مواد التاريخ الشفهي. بهذا الأسلوب يكشف أبو مصلح، عرضاً، فداحة الخسارة التي لحقت بالذاكرة الإجتماعية ـ السياسية، نتيجة إهمال الأحزاب والقوى المقاتلة حفظ تجاربها، أي تاريخها. مع العلم بأن كاميرات الفيديو سبقت الهواتف النقالة في البرهان على أن أثر الممارسة المصورة في وعي الجمهور أقوى من النظرية المكتوبة.
من المفهوم أن يركز الكتاب على أهمية "المقاومة في الجبل". وألا يجعلها جزءاً من "حرب الجبل". فهناك بالذات، كانت منطقة عاليه والمتن الأعلى في تلك السنوات، تشكل بؤرة المنعطف الإستراتيجي للخروج من مسار الهزيمة القومية، الذي بدأ مع استسلام أنور السادات أمام "إسرائيل". كما للخروج من مسار الحرب الأهلية التي جعلت "إسرائيل" طرفاً قوياً في المعادلات الداخلية. وفي تلك المنطقة، بالذات، تمكنت المقاومة من تحرير الجبل، وإعادة وصل المحور القومي الممتد ما بين بيروت (ومنها الضاحية الجنوبية) ودمشق.
لقد اسهمت "المقاومة في الجبل" بتوسيع العمق القاري العربي والإقليمي والدولي للمقاومة الوطنية نحو طهران ونحو موسكو أندروبوف أيضاً. وهذا النهوض عزز قدرة لبنان على المضي في تطوير حرب المقاومة الوطنية ضد عدوان "إسرائيل" ـ الولايات المتحدة حتى التحرير عام 2000. في هذا السياق التاريخي يبرز الدور القومي للجيش العربي السوري. فقد قاتلنا بسلاحه، كما قاتل بسلاحه معنا في تلك السنوات المجيدة. وهذا "الجيش العربي الأول" ما زال يقاتل اليوم لحفظ خط المقاومة الوطنية.

يضعنا كتاب الشيخ غالب أبو مصلح في قلب هذا المنعطف، بتوثيق شهادات صانعي أحداثه. وهذا عمل جليل للكاتب، في بلد ما زال يفتقر إلى كتاب التاريخ الوطني. مع أن الدستور الجديد، نص على ذلك. لكن كتاب أبو مصلح ليس تاريخاً. إنه أكثر من شهادات للمقاتلين، بما في ذلك شهادته الشخصية. إنه تاريخ جهوي للمقاومة الوطنية، في منطقة بعينها وفي مرحلة بذاتها. وهذا التأريخ الصغري / الميكروي، هو منهج مقبول ومعترف به في منهجيات البحث التاريخي.
يلقى الكتاب تأييداً ومعارضة بسبب موضوعه. فهو يطرح عدداً من الإشكاليات "اللبنانية" على المؤرخ، عالم الإجتماع، الصحفي، القائد السياسي، وحتى المواطن ـ المثقف. ومنها مثلاً، تداخل وقائع الحرب الأهلية، الحرب الطائفية وحرب المقاومة الوطنية. وهو تداخل ينعكس بصور مختلفة في وعي النخب الإجتماعية والسياسية ويؤثر على تعريفها لماهية "الوطني" و"الوطنية" في الحياة العامة.
يوضح الكتاب مسؤوليتنا، كمواطنين، عن تغيير النظام السياسي الطائفي، واستمرار المقاومة الوطنية وتعزيزها. لأن هذا النظام الرأسمالي "المحلي" وقلبه الرأسمال المالي، ما زال يسرطن الإجتماع السياسي الوطني بالتمييز الطائفي والمذهبي. بينما يستمر عدوان النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة وعبر العالم على وطننا ومواطنينا. من هذه الناحية، يسهم الشيخ أبو مصلح في الجدل اللبناني "الإشكالي" حول "السلاح" وعلاقة المقاومة بالدولة.
يقوي الكتاب النظر الوطني إلى المقاومة الوطنية، ومنها "المقاومة في الجبل"، باعتبارها عاملاً دولتياً وعنصراً مكوناً للدولة. والوثائق التي أوردها الكاتب حول دور المقاومة في التحرير، أي في تخليص الوطن، أو بعض أجزائه، من قيود الإحتلال، إنما ترينا كيف أن المقاومة، بأوسع معنى اجتماعي ـ سياسي، استعادت وما زالت تستعيد الدولة، وتخرجها من سيطرة العدو "الإسرائيلي"، لتعيدها إلى الشعب.
يقودنا الشيخ غالب أبو مصلح على مدى الكتاب إلى إدراك عالمية المقاومة ومحلية أعدائها في لبنان. عالمية المقاومة هي جزء من جوهر القوى الوطنية / القومية التي تعبر عن إرادة الحرية والإستقلال للشعب والوطن، من خلال دورها الحاسم في الصراع الشامل مع القوى الإمبريالية ـ الصهيونية. أما ركيزة هذا الدور فليس السلاح وحسب، وإنما الشعب المقاوم "في الجبل" وفي كل بقاع الوطن.
بالمقابل، تأتي محلية أعداء المقاومة من طبيعة القوى الرجعية في المجتمع اللبناني. فهذه القوى التي لا تطلب سوى السلطة والثروة، لنفسها طبعاً، تقبل، مطيعة، بما قسمته لها الولايات المتحدة ـ "إسرائيل". وهي لا تطمح لأكثر من شغل وظيفة الوكيل المحلي عن الإمبريالي ـ الصهيوني، وتستضعف الشعب.
إن مبادرة صاحب الكتاب في تأليف هذا العمل الفضيل تدعونا إلى تطوير بحوث ودراسات علمية جديدة عن وقائع وأحداث التاريخ الإجتماعي ـ السياسي اللبناني المعاصر. من الغريب أن علم اجتماع الحرب، مثلاً، لم يتطور في لبنان بشكل كاف رغم توالي الحروب "بيننا" و"علينا"، واستمرار حرب المقاومة الوطنية وتطورها الرائد ضد عدوان "إسرائيل" من أواسط القرن الماضي وحتى الآن؟.

علي نصَّار
مدير موقع الحقول

14 نيسان 2016
نشر في جريدة الأخبار على الرابط التالي :
al-akhbar.com/node/253067

رئيس الوزراء البريطاني كاميرون “نكح خنزيراً نافقاٌ”، و”حشاش” و”كحولي”!

يتهم كتاب “سيرة غير مرخص لها” يتوقع صدوره في أكتوبر، رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بارتكاب تجاوزات خلال سنوات دراسته في جامعة “أوكسفورد” والمشاركة في حفلات ذات طابع جنسي.

ونشرت مقتطفات أولى من الكتاب الذي وضعه الملياردير “لورد آشكروفت”، النائب السابق لزعيم حزب المحافظين، في صحيفة “ديلي ميل” الاثنين 21 سبتمبر/أيلول وقد أثارت ضجة كبيرة على شبكة الإنترنت.

وفي الكتاب إشارة إلى أن كاميرون نكح خنزيرا نافقا خلال سهرة أقامتها جمعية سرية في أوكسفورد، تعرف باسم “بيرس غافيستون” المتخصصة في “الطقوس الغريبة والخلاعة الجنسية”.

ورفضت رئاسة الحكومة البريطانية التعليق على محتويات هذا الكتاب.

وذكرت “ديلي ميل” أن “السيرة السياسية هذه هي الأكثر إثارة في العقد الحالي” وستخلف ضجة.

واعتبرت صحيفة “ذي غادريان” في المقابل أنها لا تستحق هذه التسمية وستكون “مجرد إزعاج لكاميرون” إذ أن “غالبية المعلومات السلبية المنشورة معروفة من الآن وهي لا تحمل أي مفاجأة أو عواقب فعلية”.

ويقر لورد آشكروفت، وهو رجل أعمال ثري ومقرب جدا من المحافظين، أنه كتب “كال مي دايف”، انتقاما لأنه “لم يحصل على المنصب المهم الذي وعده به” كاميرون بعد انتخابه العام 2010. وهو يعزز شهادة زميل دراسة سابق لرئيس الوزراء الذي أكد أنه تناول الحشيشة معه.

وقال هذا المصدر إن كاميرون كان من ضمن مجموعة من مدخني الحشيشة تدعى “فلام كلوب” في أوكسفورد.

واكتفى رئيس الوزراء البريطاني ردا على أسئلة كثيرة حول المسألة في الماضي بالقول، إنه مر “بالتجارب التقليدية لأي طالب”.

وجاء في الكتاب الجديد أن ديفيد كاميرون كان يتمتع “بشعبية كبيرة في أوساط النساء عندما كان طالبا في أوكسفورد، وكان عضوا في نادي “بولينغدون” المخصص للنخبة الثرية والمعروف عن أعضائه إفراطهم في استهلاك الكحول.

ويؤكد “لورد آشكروفت” أيضا، أن كاميرون كان علم اعتبارا من 2009 بأنه غير مقيم ضريبيا في بريطانيا، في حين يؤكد رئيس الوزراء أنه لم يطلع على الأمر إلا في 2010 بعد انتخابه للمرة الأولى رئيسا للوزراء.

ويعتبر آشكروفت أحد كبار المتبرعين للحزب المحافظ الذي كان أمينا لخزينته ونائبا سابقا لرئيسه.

نقلاً عن صحيفة “ديلي ميل” البريطانية
22 أيلول 015

“معركة قادش الثالثة : أسرار حرب القصير” (عَمَّ يقاتل “حزب الله” في سوريا)

في العام 1273 قبل الميلاد كانت معركة “تل قادش” التاريخية في ريف القصير بين المصريين والحثيين للسيطرة على آسيا، والتي سميت “حرب قادش الثانية”، لانها قررت مصير العالم حينها لثلاثة قرون. وبعد أكثر من ثلاثة الآف عام ومن “تل قادش” أيضا دخل “حزب الله” الحرب في سوريا لتعود منطقة القصير المنطلق لتغيير الوجه الاستراتيجي للعالم وتغيير وجه المنطقة لأجيال قادمة. هذه إحدى الخلاصات التي يخرج بها كتاب “معركة قادش الثالثة : أسرار حرب القصير”، للكاتب الصحفي الزميل نضال حمادة، والذي وقّعه في معرض بيروت الدولي للكتاب الأسبوع الماضي.

بوتين لبندر: ” سوف نقطع رؤوسهم”

يتميز الكتاب بسرد ذاتي من المؤلف نفسه، الذي يؤكد أنه تابع جزءاً كبيراً من الأحداث بوجوده في الميدان، ويقول :”قدر لي أن أكون في محيط تل النبي مندو أو تل قادش يوم سقوطه بيد المسلحين في 8 نيسان 2013، كنت حينها في بلدة العقربية… كان رجال حزب الله يراقبون سقوط التل ويدركون في قرارة أنفسهم أن دخولهم المعركة أصبح أكثر من ضروري، هذا الدخول أصبح حتمي لبقائهم وإلا الخناق قد أطبق عليهم مع مشاهد سقوط تل قادش بيد المسلحين التكفيريين”.

يسوق الكاتب حمادة في كتابه هذا أحد عشر فصلاً يروي فيها أحداثاً كانت تدور بين زاوريب الحرب العسكرية من جهة وزواريب الحرب السياسية وأشكالها المختلفة من جهة أخرى. يمهّد الكاتب في بحث يتمحور حول المجال الاستراتيجي للأزمة السورية، وينقل عن العقيد الركن السابق في الجيش الفرنسي “ألآن كورفيس” أن التحول في موازين القوى العالمية بدأ في العام 2007 في حرب جورجيا عندما تدخلت القوات الروسية ضد حكومة الرئيس الجورجي “سكاشفيلي” بعد مهاجمة الأخير بدافع من أميركا لأوسيتيا الجنوبية ذات الموقع الاستراتيجي الحيوي لروسيا، فتحرك الروس لأول مرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكانت بداية العودة الروسية قوة عالمية وقالت بذلك للغرب إنها لا يمكن أن تقبل بعد الان أي تخطٍ لمصالحها الحيوية.

وكان “بوتين” في قمة غضبه وكان يصيح عاليا في وجه ساركوزي، الذي توسط لحل الأزمة بين روسيا وأميركا، “سوف أشنق سكاشفيلي كما شنق بوش صدام”. ولكن قبل ذلك كانت تداعيات أحداث 11 أيلول 2001 قد سمحت لأميركا أن تصبح في قلب المعادلة الأمنية والاستراتيجية للمنطقة ما أعطى واشنطن رافعة سياسية تحتاجها للبدء في استغلال الموارد النفطية لأسيا الوسطى بعيدا عن النفوذ الروسي. وهذا الوضع خلق تحالف ثلاثي بين روسيا والصين وإيران بانت ملامحه الواضحة في الأزمة السورية.

وفي الزيارة الشهيرة الأولى التي قام بها رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان إلى روسيا لثنيها عن دعم سوريا عرض بندر على بوتين تاريخ التحكم السعودي بالسلفية العالمية المحاربة من أفغانستان حتى سوريا مرورا بالعراق والشيشان وأن السعودية بإمكانها منع هذه القوى من محاربة روسيا في آسيا الوسطى شريطة مساعدتها في تغيير النظام السوري. فاستعاد بوتين مع بندر لغة التهديد وقال له إنه لن يسمح بتدخل عسكري غربي في سوريا وفي حال أتى السلفيون إلى روسيا “سوف نقطع أرجلهم وروؤسهم”.

غلاف كتاب نضال حمادة أسرار معركة القصيرولكن على ما يبدو لم يتأتَ لبوتين هذه الثقة العالية في قطع أرجل وروؤس السلفيين المحاربين إلا بعد معركة القصير المصيرية، وبعد ثبات الجيش السوري في معركة دامت سنتين ونصف.

الطوق حول “الهرمل” سرّع من تدخل حزب الله :

يقول الكاتب إنه كان يشاهد عن قرب وبأم العين المعركة التي انتهت بسقوط التل بيد المسلحين دون أي تدخل من الطيران الحربي السوري لمنع سقوطه الاستراتيجي. وعلى ما يبدو كان سقوط التل الخطأ الكبير الذي ارتكبته الجماعات المسلحة في ريف القصير، إذ إنه دخل عمق المناطق اللبنانية في منطقة حوض العاصي وأصبح طريق الهرمل – الساحل السوري مقطوعاً بفعل نيران هذه المجموعات، وأضحى الهدف الأساسي من معركة القصير هو الوصول إلى الساحل عبر الشمال اللبناني، ويؤمن طريق السلاح من البحر إلى حمص ودمشق عبر مدينة القصير الاستراتيجية. فضلا عن اكتمال الطوق حول مدينة الهرمل من ثلاث جهات وسيطرة حلفاء هؤلاء المسلحين (عرسال) ناريا على طريق الهرمل – بعلبك ما يهدد حزب الله في عمقه الديمغرافي والاستراتيجي. وكان الخيار الذي لا بد منه أمام قيادة حزب الله استعادة القصير ومركزها لمنع التكفيريين من الوصول إلى حدود الهرمل “خزان” حزب الله الاستراتيجي على الحدود مع سوريا.

وبعد عشرة أيام من سقوط “تل قادش” شنّت قوات الجيش السوري ومقاتلي حزب الله هجوما واسعا على محورين انطلاقا من تل النبي مندو في الغرب ومن بلدة حوش السيد علي باتجاه قرية أبو حوري. وجرت عملية التقدم بحسم سريع وكبير فتم تحرير عدد كبير من القرى في ريف القصير. وشكّلت بلدة سقرجا في الريف الغربي للقصير منذ بداية الأحداث السورية نقطة تمركز قوية للمسلحين وكذلك كانت مركزا لقصف القرى الحدودية اللبنانية. في الهجوم الذي شنّه الجيش السوري وحزب الله واللجان الشعبية سقطت كل القرى المحيطة بسقرجة وأصبحت البلدة شبه محاصرة، فعادت نغمة الوساطات السابقة وكان واضحاً أن المسلحين يريدون كسب الوقت. وبعد أخذ ورد بين المسلحين والجيش السوري وتدخل وساطات لتأمين خروجهم من القرى لم تتوصل إلى اتفاق، فتقدم رتل من الجيش إلى مداخل بلدة عين التنور التي هربوا إليها، وكان فيها تجمع آليات وأربع دبابات وسيارات رباعية الدفع تحمل رشاشات مضادة للطائرات.

مفاوضات عسيرة خلال سير المعارك :

وفي يوم 26 نيسان أصبحت مدينة القصير بين فكي كماشة وسط هذا التقدم السريع والحاسم. فبدأ هجوم حزب الله والجيش السوري على مدينة القصير في شهر أيار بعد أن تمت السيطرة على مجمل القرى الواقعة غرب نهر العاصي والتي تشكل حلقة الوصل بين القصير والشمال اللبناني ما أجبر المسلحين على سحب المئات من حمص للحفاظ على مواقعهم في القصير، فتمكن مقاتلو حزب الله وجنود الجيش السوري من عزل المدينة وإطباق الحصار عليهم. وذلك بعد استقدام تعزيزات من درعا ومن دمشق مستفيدا من انهاك فصائل المسلحين وتشتت استراتيجيتهم بين القصير وحمص. وفي بداية أيار بدأت معركة القصير التي كان فيها نحو 20 فصيلا من المسلحين الذين تمكنوا في البداية من صد الهجوم بعد وصول تعزيزات لهم من مناطق عديدة.

معركة القصير كانت مفصلا في حرب سوريةفي نهاية شهر أيار 2013، قبل أيام من تحرير القصير استعاد الجيش السوري السيطرة على مطار الضبعة وقسم كبير من جنوب المدينة. وقطع بذلك خطوط الإمداد عن المسلحين الذين تمركزوا في شمال المدينة ووسطها وغربها. ويروي مصدر ميداني كبير للكاتب أن حزب الله كان يريد تجنيب قصف المدنيين بأي شكل، بينما كان هؤلاء الدرع البشري للجماعات المسلحة. وكان هناك اتصال بين الدكتور علي زعيتر والدكتور قاسم الزين مدير المستشفى الميداني لوضع ألية تجنّب المدينة معركة دامية. وكانت الأمور تسير نحو اتفاق للانسحاب يحافظ على وجود المدنيين ويتم نقل الجرحى إلى المستشفيات اللبنانية دون التعرض لهم ويؤمن طريق انسحاب للمسلحين من دون سلاحهم غير أن وصول العقيد عبد الجبار العكيدي عطّل الاتفاق، وعندما شعر بقرب النهاية فرّ مع جماعته قبل يومين من تحرير المدينة، بعد أن خسر نحو 70 من رجاله.

في تلك الأثناء كان المسلحون يقولون إن لديهم 400 جريح وخرج جورج صبرا على الإعلام طالباً من رئيس مجلس النواب اللبناني “نبيه بري” التدخل لإخراجهم. وأتفق أن يؤمّن حزب الله الجرحى، الذي لم يكن عددهم أكثر من 80، إلى لبنان ويسلمهم للصليب الأحمر الدولي على أن تتم عملية الانسحاب بهدوء. وعند الساعة الثانية ليلا بدأت وحدات الاستطلاع في حزب الله تخبر غرفة العمليات أن انسحابا كبيرا يتمّ من القصير من ناحية الشمال نحو قرية البويضة في مخالفة للاتفاق. وخلال الانسحاب الذي اطلقوا عليه “رحلة الموت” استمر 36 ساعة اشتبكوا أكثر من مرة مع الجيش السوري وخسروا نحو 130 مسلحاً.. وبعد أن طلبوا الاستغاثة من حزب الله تمّ تأمين طريقهم للانسحاب وتسليم الجرحى للصليب الأحمر الدولي بأمر مباشر من قيادة حزب الله في بيروت.

أين ذهب مسلحو القصير بعد الهزيمة ؟!:

هذا باختصار شديد لأهم مراحل معركة القصير الشهيرة، والتي توسع فيها الكاتب في تفاصيل واكبها هو بنفسه في الميدان. وبات من الملح طرح سؤال أين ذهب المسلحون بعد هزيمتهم في القصير؟!..

دخول حزب الله في القصير حسم المعركة سريعافي اتصال معتاد بينه وبين أحد اصدقائه القدامى من سكان القرى اللبنانية المحاذية لريف القصير قال (م.س) أحد قادة المسلحين في حرب القصير:”لو يسمح لنا حزب الله بالعودة إلى القصير حتى نقاتل إلى جانبه هذه المرة بعد الذل والاستغلال الذي نعيشه هنا في جرود عرسال من أهالي هذه المدينة، ومن أهالي القرى والبلدات السورية المواجهة لها في قرى القلمون الدمشقي”. ويضيف القائد العسكري السابق في لواء الفاروق في القصير وريفها في حديث مع الصديق اللبناني :”لو استمعوا لمطالبي بالانسحاب من المدينة بعد سقوط قرى غرب العاصي لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه حاليا، لقد دمّرنا أنفسنا بسبب حماقة وتعصب بعض المنتفعين الذين كانوا أول من تمكن من العبور لحظة الهروب الكبير نظرا لإمكانياتهم المادية الكبيرة التي أمنت لهم الهروب كما كانت تؤمن لهم الانشقاقات، بينما بقي المقاتلون في أتون الجحيم ولولا الممرات التي سمح بها حزب الله وكفل امانها لسحقتنا مدفعية الجيش وطائراته عن بكرة أبينا”.

نكتفي بهذا القدر من متون الكتاب تاركين لكم فرصة التعرف على تفاصيل شيقة بقدر أكبر، تضم بين دفتيها العديد من الحقائق الميدانية التي رافقها الكاتب عن كثب والتي سوف يسجلها التاريخ للأجيال القادمة.

زينب الطحان، صحفية عربية من لبنان

23 كانون الأول / ديسمبر 2013

الإستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” تعترف : هكذا تخلينا عن عملائنا في لبنان

يصدر، قريباً، كتاب اسرائيلي تحت عنوان «نافذة على الساحة الخلفية»، يوثّق لواقع تخلي تل ابيب عن عملائها في لبنان، خلال انسحاب الجيش الاسرائيلي عام 2000 وبعده.
الكاتب هو المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية (أمان)، يائير رابيتس، الذي عمل منذ عام 1968 ضابط استخبارات في الجبهة الشمالية (اللبنانية ــ الفلسطينية)، وقائداً لوحدة الاستخبارات البشرية، 504، في منتصف السبعينيات، وهي الوحدة المسؤولة عن تشغيل العملاء في الدول المجاورة لاسرائيل، ومن بينها لبنان.

وقد نشرت صحيفة «هآرتس» مقتطفات من الكتاب، تتضمن كثيراً من الوقائع والاحداث التي رافقت رابيتس طوال اربعين عاما خدم فيها في الاستخبارات العسكرية، ومنها ما كان بحسب تعبيره، «مليئا بالدم والاهانات» لمن عمل من اللبنانيين مع الاستخبارات الاسرائيلية.

يشير رابيتس، الى انه في منتصف السبعينيات، وعندما كان قائدا للمنطقة الشمالية في وحدة الاستخبارات المسؤولة عن تشغيل المصادر البشرية (504)، حرص على تطوير علاقة خاصة مع «القرى المسيحية» في جنوب لبنان. و«تطوّرت هذه العلاقة، ووصلت في ما بعد إلى إقامة ميليشيا مدعومة من إسرائيل، عرفت باسم جيش لبنان الجنوبي»، مشيرا الى انه عمل في موازاة ذلك، على «إقامة علاقات مع حزب الكتائب في لبنان، وتطورت العلاقة أكثر، بعدما عمل من عام 1982، وحتى عام 1985، رئيساً لبعثة الموساد، التي كان مقرها في شرق العاصمة اللبنانية».

يؤكد رابيتس انه «غير نادم على اي خطأ يتعلق بالعلاقة مع حزب الكتائب في لبنان»، بل يوجه انتقاداته إلى أصحاب القرار في تل ابيب، والى الخبراء «الذين زرعوا الوهم لدى (الرئيس السابق) بشير الجميل، ومجموعة القتلة التي كانت محيطة به»، ويقول في كتابه: «شاهدت رجال (الوزير السابق) إيلي حبيقة وهم يشحذون السكاكين، قبل انطلاقهم لتنفيذ المذبحة في صبرا وشاتيلا، وسمعت ما كانوا يقولونه بشأن نياتهم استخدام السلاح الأبيض فقط». مع ذلك، يؤكد انه لم يكن على علم مسبق بالمجزرة، ويقول: «لم اعلم بهدفهم، فهذا الامر لم تكن له علاقة بوظيفتي». ويتهم رابيتس في كتابه «ضباط وحدة العلاقات الخاصة في الموساد، الذين سمحوا ــــ بسبب قلة معرفتهم بالكتائب ــــ بجر الجيش الإسرائيلي الى تطهير لبنان من المنظمات الفلسطينية، ليتراجع الكتائبيون عن كل الاتفاقات المعقودة معهم»[1].

وعن خطوة الانسحاب من جنوب لبنان، يشير رابيتس الى انه «مقتنع بأن الهروب المتسرّع من لبنان، في ايار 2000، بناءً على قرار رئيس الحكومة آنذاك إيهود باراك، عزز من قوة حزب الله، وقدرته على توجيه ضربة قاتلة لقدرة الردع لدى الجيش الاسرائيلي، بل وايضا، تشجيع الفلسطينيين على إشعال الانتفاضة الثانية في العام نفسه». وشدد على ان «وصف (الأمين العام لحزب الله، السيد حسن) نصر الله لإسرائيل ببيت العنكبوت، لم يأت عبثا. ولو كنت صاحب القرار في حينه، لكنت امرت (قبل الانسحاب من جنوب لبنان)، بفرض حظر تجول على القرى الجنوبية، وجمع السلاح والعتاد، ودعوة عناصر ميليشيات لحد الى مراسم وداع محترمة، وهو الامر الذي لم يحصل».

وتحدث رابيتس عن»وعود فارغة» أغدقها الضباط الاسرائيليون على عناصر ميليشيا لحد، الذين «يعيشون الآن في اسرائيل في ضائقة كبيرة جدا». وأشار إلى أن «كل مسؤولي المؤسسة الامنية الاسرائيلية، الذين صنعوا مجدهم بفضل هؤلاء، اختفوا فجأة من الميدان، وتركوهم لمصيرهم». وأوضح: «اعلن الضباط الاسرائيليون امام مسامع عناصر لحد، طوال السنوات التي سبقت الانسحاب عام 2000، أن الجيش الاسرائيلي سيحرص على ان يعوض لهم بدل كل بيت يخسرونه بيتا آخر، وبدل كل شجرة شجرة اخرى، بل وبدل كل عنزة عنزة اخرى… ولولا المساعدات التي تؤمنها جمعية مساعدة عناصر الجنوبي الخيرية، لكانوا جميعا تلقوا فقط، مجموعة من الماعز، لا أكثر».

وكشف رابيتس ان «المؤسسة الامنية في اسرائيل، انتهجت سياسة التمييز بين الضباط الرفيعي المستوى في ميليشيات لحد، الذين حظوا باهتمامها، وبين العناصر الصغار، الذين اضطروا الى الاكتفاء بما تقدمه وزارة الاستيعاب الاسرائيلية من مساعدات متواضعة». وأشار إلى أن لديه «حسابا مليئا بالاعتراضات على الاصدقاء في الوحدة 504، الذين تعاملوا بشكل مهين مع عناصر لحد، وتخلوا عنهم واطلقوا امامهم جملة من الوعود الكاذبة، وهو الامر الذي ينعكس سلبا على عمل الوحدة، لان السلاح الاساسي لدى وحدة تشغيل العملاء، هي السمعة الحسنة وعدم التخلي عن عملائها»[2].

واشارت «هآرتس»، اضافة الى ما ورد في كتاب رابيتس، الى انه في اللحظة التي سيصدر فيها الكتاب، «قررت اسرائيل ايقاف دفع الرواتب وبدل الايواء السكني لعناصر ولاجئي الجيش الجنوبي، الامر الذي يعني ان اللاجئين الصغار من هؤلاء سيجدون انفسهم في الشوارع، الامر الذي يعد خيانة اخرى من انتاج المدرسة التي تتبعها اسرائيل».