خالي.. سيرة.. ومنام يُخرجه الى الحياة

سأحدثكم عن خالي ( يوسف فياض عبدالله).. الذي تفتّحت عيناه على الدنيا في العام ١٩٢٩.. ودرس- وهو في الخامسة من عمره- ثلاثة أشهر عند المدّرس القرآني خليل عيسى ، كانت كافية لطفل ذكي واعٍ لكي يتأبّط قرآناً جامعاً ختم على قراءته من الصفحة الأولى الى الأخيرة وهو في حضن الطفولة الواعي…
تشهد له كل حقول البلدة (قليا ـ البقاع الغربي) وجنباتها.. وقبل ذلك لمعوله ، أنه لم يترك زاوية إلا و" نكش" وغرس و" حلش"( حصد).. ما زرع..
كانت حتى الأمس القريب له دابة تحمله الى حيث تينه وزيتونه وقمحه وسمّاقه، وعدسه، .. وبالتأكيد الى" صحرة" المأثي (القثاء) والبطيخ… وجنى يداه…
غلال ضيعتي من محراثه.." فدّانه" يعرف سفوح الضيعة كما يعرف مراعيها.. على بيدره كان " مورج" (وفي بعض المصادر نورج) الأمس الذي أنتج وأطعم وأهدى وأغنى..
كنا عندما نركب خلفه على ذلك المورج نشعر أن بساط الريح يطاردنا فلا يلحق ، وأن أعراس الدنيا لا تتسع لفرحتنا.
مذ تفتّحت عيناي على هذا العالم وصورة خالي تتكرر هي هي.. صلاة الفجر على المصطبة تصاحبها سُبّحة سوداء أكلت منها يداه ما كوّرته الأيام حتى كادت " بلوراتها" تستغيث وهي تستريح تحت يد ما سبحت لغير الله.. أدعية تترى وقرآن يُتلى.. ومن أحسن من خالي صوتاً في التلاوة والتجويد..
لا أعتقد أن أحداً في هذا العالم هو أكثر سعادة من خالي.. كابوس محراثه أغنى مما يملك " بيل غيتس" وعصا معوله المنحوتة من سنديان " لوسي" المجاورة هي الأبهظ ثمناً من ممالك أهل الأرض.. سعادة خالي لا توصف، هي مزيج من قناعة الفقراء وخليط من مرحٍ لا تمر مواسمه إلا في حقول الحصّادين.. ولاتتعثّر أنامله إلا في تراب الواثقين..
لا وصف ولا توصيف لإيمان هذا التسعيني .. ثقته بالله لا تضاهيها ثقة العارفين.. تسابيح كلماته تلاحق عبارات المتكلمين.. وتمتمات تهليله وتكبيره .. تسابق أفواه المتحدثين.
منذ طفولتي والى أشهر خلت أتابع هذه " البركة" التي لا تضاهيها حركة.. أرأيتم تسعيني لا يأكل إلا من كد يده..!!.
ألمحتم ذاك الذي تنحني الأيام عند عقوده التسعة ولا يتدّفأ إلا على ماجمع من حطب أرضه
وما " تغذّت " عليه فأسه التي كان يشق بها جماد الحطب لأشهر خلت..!.
والله.. ما نظرت الى يديه مرة إلا واستذكرت ذاك العامل الذي انحنى له رسول الله( ص) مقبلا يده وهو يقول:" هذه يد لا تمسها النار".
حكايات خالي بيادر المواسم البيض في بلدتي، على ترابها تزدهي أغمار أعمارنا.. مذ احتضننا بين يدي قرآنه، و.." سلمنا" عرش " سفينة النجاة" التي هي حقله الآخر .. يتلو منها مجالس العزاء.. ويعطينا إياها ويطلب منا أن نقرأها في مجلسه
بين يدي زواره من عاشقي الحسين( ع).. في كربلاء.. فنقرأ.. ونقرأ.. ونرقى بين الناس..
حتى عندما كانت الأعراس في بلدتي تقتحم فُسحة المسجد في زمن ندرة المتدينين، كان خالي يقتحم بمجالسه أعراسهم ويدق ناقوس إيمانه على أبوابهم..
مه ..لما أُكمل القصة عن خالي الذي يشتاق المثقفون عندنا للجلوس الى مائدته الثقافية.. يغترفون من شاعريته " الفلاّحية" وحكاياته التي هي مزيج من تجاربه.. و أشعار الشيخ علي زين.. ولطائف" أبو كامل".. ونوادر أهل المنطقة.. لا بل أهل الدنيا، ويشهد أهل البلدة لسلته الممتلئة بزاد الأحدوثة المعبرة.. وأحسب أن أكبر الخاسرين هو الأديب الشعبي الراحل سلام الراسي الذي لم يتسن له الإرتواء من عناقيد وتين هذه السلة الحاملة لفاكهة كل الفصول..
"الفيسبوك" لا يتسع لتجارب هذا الخال.. وأنا على كل حال متهم بالمطولات.. دعوني أختصر:
بالأمس القريب أُدخل خالي على عجل الى المستشفى( يعني بعد أشهر من مغادرة يداه لفأسه ومعوله).. أحاط به النزيف .. قال الطبيب لنجله الأكبر الأستاذ عبدالله ليس أمامك ألا خيارين:
إما أن تحمله الى البلدة وتنتظر لحظات وداعه الأخيرة، إما أن نُجري له بعد ساعات عمليه له من الحظ فيها وفي الحياة واحد بالمئة..
وبالطبع سكن الأستاذ عبدالله الى الخيار الثاني.. وفي غمرة هذا السكون، وبانتظار تلك السويعات كان خالي يغط في نوم.. ولكن في رحاب منام إستيقظ بعده على صوت الطبيب يبلغ الأستاذ عبدالله بأن النزيف توقف لوحده!!.
استفاق خالي ليروي لإبنه والحاضرين منامه:
رأيت ولدا 
صغيراً يخرج من غرفة منزل ولدي عبدالله وهو يتلو الآيات من سورة الأنبياء:
( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون..)
ثم يخرج من الغرفة الثانية – من سطحها الذي ينشق- ولد آخر وتتواصل الآيات:( لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون..)
ثم يتبعه ولد آخر ينزل من سقف الغرفة الثالثة و تكرّ السُبحة القرآنية:(لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون…) الى آخر الآية١٠٨ من سورة الأنبياء..
اليوم زرت خالي الخارج من المستشفى متأبطاً قرآناً، متطلعاً الى رحمة الله.. عاكفاً على محاكاة عقوده التسعة التي لم يُزعج فيها أحداً غير محراثه وفأسه ومعوله.. فهو العاشق للعمل المنكّب على حب الناس الماشي في فصول سيرته الأخيرة على طريقة النحل في الطير..
وتطول القصة عن خالي.. ولا تنتهي.

هاني عبدالله، كاتب وصحفي ومناضل عربي من لبنان
النص منشور على صفحته الإفتراضية يوم السبت، 17 آب/أغسطس، 2019

عـائـــــدٌ مِـنَ الغـيــــــم… (شميسة غربي/ كاتبة جزائرية)

اليــــوم عــــــاد…
نزل عن راحلته بعد أن شعر بدوارٍ رهيب؛  يُغلّفُ رأسه. تحسّسَ ضباباً يغزو عينيْهِ، استشعر رعشة في مفاصله، حاول الحركة؛ لكن ترَصّدهُ عجز كبير….خمّنَ: " أ..أ.. أصرخ … لعلّ صوتي يصل إلى كائن ما…؟"
تنحْنح ببطء؛ وكأنه يتفقّدُ حِباله الصوتية…. تنحنح ثانية، ثمّ صرخ… أو تهيّأ له أنه صرخ!
لحظات… تساقطتْ من شلّال العمر، صحِبتها رياح شديدة هبّتْ؛ فكستْ وجهه حبُيْباتٍ من التراب. رفع إحدى يديه، يحاول إزاحة الحبُيْبات مِنْ على وجهه، تضاعف عددها أمام إصرار الرياح… حُبيبات أخرى تتجمّعُ على صدره… يشعر وكأنّ نمْلاً؛ يُمارسُ – على جسده العاجز-  طقوس الاِجتهاد في اذّخار المؤونة….!
مِنْ رُكبتيْه إلى مُنْتهى ساقيْه؛ تتكلّسُ عروقه، يُحاول أن يتزحزح… المحاولة؛  تُصادف هبوب عاصفة جديدة؛ تقتلعه من المكان… يتدحْرج….ويتدحْرج إلى ما لا نهاية…! 
لا يعي؛ كم مرّ عليْهِ من الوقت؛ إلى حدِّ هذه اللحظة التي صحا فيها… لم يعد يشعر بالدوار، غادر الضباب عيْنيْه، اِنتعشتْ عروقه، أحسّ بخفّةٍ في جسمه؛ تُحفّزُهُ ليقوم، ليمشي، ليجري، ليصعد عتبة الحياة عند أوّل محطة ترتسم على جُدران ذاكرته…! 
أزْمنة بِعيْنِها… تستدرجه… أسرابٌ من الطيور تتجمهر فوق المكان، يُرْهِف السّمع لرفرفاتها… يتصورُها تراتيلَ حالمة تخْترِقُ سمفونية الأساطير، لتنسج من ذرّات الهواء دفاتر اليقين على حوافّ سنوات العمر المتهالكة…! وبين أزمنة راكضة، وأخرى اغتالتها الرياح؛ تتراءى له آثار بلدته الجميلة، يرنو إليها وجمر الشوق يُلْهِبُ جوارحه… 

رحلة… البارحة….
خرج "يوسف" إلى الغابة؛ بِنية الِاحْتطاب مثل العادة… فجمْعُ الحطب هي الحِرْفة التي ورثها عن أجداده…ظلّ قرابة  صباحٍ  كامل مع القليل من فترة الزوال؛ ينتقي الأجْوَد مما تزخر به هذه الغابة الكبيرة… مِنْحة طبيعية؛ ضمنت له ولأجداده من قبلُ؛ العيش المستور حيث اشتهرت الأسرة بالتسويق للحطب وبيْعِه خاماً لِدكاكينَ صغيرة في قريته وفي القرى المجاورة، بينما تتكلف هذه الدكاكين بالاِتّصال بتُجّار المدينة…
 على فرس؛ بعربةٍ خشبيةٍ عتيقة، كان يحمل حزم الحطب، ويتفنن في ترتيبها وكأنه يرتّبُ أحلامه على خارطة الغيب؛ المنفلت من رزنامة القادمات من الأزمنة…! 
قضى الساعات الأولى من الصباح في انتقاء الأجود… بعين فاحصة، وذراع قوية، وهمة عالية، كان يخوض مغامراته داخل فضاء حرّ… فضاء رسمته الجذوع والأعشاب والأوراق المتساقطة من الأشجار الباسقات…وكأنها إنما تسقط؛  لتُعانِق الأرض في حميميةٍ أخيرة على ناقوس خريفٍ أصْفر، امتصَّهُ الشّحوب، وقضمَتْ عودَهُ العِلل….!
لحظات للراحة… يتناول "يوسف" خلالها بعض الخبز والتمر والتين المجفّف… وجْبةٌ يسدُّ بها رمقه ريثما يعود إلى البيت؛ وقليلاً ما كان يستبدلُ هذه الوجبة بحبّاتِ بيضٍ مسلوقة وحفنة زيتون أسود، يرتشف بعدها كأس الشاي الذي تعوّد عليه إلى حدّ الإدمان…إنه شايُ والدته؛ المُعَتّق داخل إبريق حافظ للسخونة طيلة اليوم…. كان يرتشف كأس الشاي بُمتعة كبيرة؛ تتخللها تأمّلات عميقة لهذا السكون العجيب الذي يلُفُّ الغابة… وهذا الهواء العليل الذي يغسل أطرافها وكأنه يُنَقّيها من إثمٍ آدمي؛ سيُطاردُها حتّى أجلٍ معلوم…!

عندما تتكسر الإغفاءة…!
كثيراً ما كان يُغمض عينيْه في إغفاءة لذيذة؛ تمحو مَشقّة يوْمه…. وتسمح  له  بأن يحلم بغدٍ أفضل… غد…  يكون فيه هو "التّاجر الكبير"… هو الآمِر…. هو المُهاب.. الذي يُحسَبُ له  ألف حساب… كان يحلم  بنقلة كبيرة في حياته.. لكن سرعان ما تتحوّلُ هذه الإغفاءة اللذيذة إلى مُحادَثة نفْسِية؛ غارقة في الشّجن…  سئم من قلق الأيام… من الدّرس الذي تُكرِّرُه عليْه  نفسه في كلّ حين: "يليق بك أن تختار مسلكاً جديداً في حياتك… الأجْدرُ لك؛  أن تبحث عن عملٍ آخر، يضْمن  مُستقبلك… يرْتقي بكَ إلى حيْث الرّفاهية؛ التي ستسمح لك بتحقيق أمْنيتك… تريدُ أن يكون لك إسمٌ؛ يخشاه  ذلك الذي ردّكَ  مقهوراً يوم خطبْتَ ابْنته…! لمْ يكتفِ بِردّك، وإنما راح يُنكّثُ عليك أثناء جلساته مع مَنْ يُشبِهونَه في المقهى… !  الصبي "حمادة" الذي يشتغل في مقهى "جلولي"  هو مَنْ أخبرك… كنتَ تعطف على هذا اليتيم، وتسأل أمّك أن تمنحه عطفها أيْضاً… فتطعِمه الوجْبة السّاخنة، وتخيط ما تمزق من ثيابه، تعالجها بالترقيع الدقيق، حتى تبدو الرُّقع وكأنها رُسومات للزينة…! فأمُّك في شبابها كانت خيّاطة ماهرة، تقصدها نساء القرية بالطوابير…."  هذه المحادثة النفسية لازَمَتْه لِوقتٍ طويل، ولم يعد بالإمكان تجاهلها…. 

"حمادة"… الشاهد المحجوب…
"حمادة"؛  الصبي الذي اختفى والده في ظروفٍ غامضة…. وماتت والدته بصعقة كهرباء في إحدى الليالي البارِدات من ليالي  فصْلٍ مُمْطر، وطبيعة غاضبة، حانقة، هزّتْها بَشاعة الآدَمييّن يومَ  تبرأوا من الآدمية….!  تناوب الجيران على إيواء حمادة الصغير، طيلة السنوات الأولى مِن فقدهِ للوالديْن… وعندما اشتدّ عوده؛ توسّط له بعض الجيران لدى صاحب مقهى البلدة؛ حتّى يُشغِّله عنده…. ها هو يُنظّف الطاولات… يكنس الأرض… يغسل الكؤوس… يُنضّدُ الكراسي بعْدَ مُغادرة المُرْتادين… بين الفينة والأخرى؛ يمسح زجاج الباب بعد أن يصعد على كرسي خشبي قديم؛ فيتمكن من تنظيف الجهات العليا من الباب، ثمّ ينزل ويجرّ الكرسي إلى الجهة الأخرى؛ حيث  توجد بعض الصور المُعلّقة على الجدار؛ فيمسح الغبار عنها، وهي التي تآكلتْ أطرافها، وقد يتأملها للحظات… يسهو في تفاصيلها.. صورٌ بالأبيض والأسود لِوُجوه أشخاص، لِأماكن، لِجثامين، تحْتها كتابةٌ رثّتْ سطورها، ولم يبق منها سوى أحرفٍ متفرقة. ولأنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، لم تكن تهمّه الحروف المتناثرة، بقدر ما كانت تهمُّه الوُجوه المصوَّرَة… كان يتساءل في كل مرة: "لِمنْ هذه الصّور…؟ هل هي لِأسْرة "جلّولي" صاحب المقهى…؟ أمْ أنّها لِلناس الذين تعاقبوا على تشغيل هذا المقهى…؟  تتوقف تساؤلاته؛  يوم استمع لأحد الجالسين وهو  يحكي لرفاقه عن تلك المآسي التي أغرقتْ هذا المكان أيام الاستعمار… كان الرجل يشير بإحدى يديه إلى الصور المعلّقة، يروي بُطولاتِ أصحابها ويترحّمُ عليهم بين الرِّواية والأخرى.. يُعقّبُ بعض الجُلّاس بحماسٍ كبير: "شموع  الحرية لا تخبو… فرسان الشهادة لا يموتون…"    يفهم الصبي "حمادة " قيمة تلك الصور، ويحرص على  مسح الغبار عنها في  كل آن… تساوِرُه أمْنية: "ليت صورة أبي كانت  مع هذه الصور…!" أمْنية البراءة لِطفلٍ؛ لا يعي أنّ والدَه قدْ وُلِد بعْد الاِسْتقلال ِبسنواتٍ عِدّة….!


شميسة غربي

كان "حمادة"  لا يغادر المقهى إلّا عندما يكلّفه "جلولي"  ببعض الأمور الصغيرة؛ أو إذا ذهب لزيارة والدة "يوسف" بعد أخذ الإذن من العمّ "جلولي" . في الليل؛  ينام في زاوية منعزلة حيث يوجد فراشٌ وغطاء؛ تكرّم به صاحب المقهى على الصبي… هذه الملازمة للمقهى ستجعله فيما بعدُ؛ عالِماً بعقلياتِ المُرْتادين وأنواعِهم… طباعهم…. حكاياهم…. أمْزجتهم…. أخْلاقهم…. وحتى بعْضاً مِنْ أسْرارِهم؛ حين يرْوُونها أمامه؛ بهمْسٍ فيما بيْنهم، ظنّاً منهم أن النّادل الصّغير غير آبهٍ بكلامِهم….كان حين يقوم بتقديم الخدمات؛ يشتغل بيديْه وأذنيْه…! وقد يُبحْلقُ في هذا المُتحدّث أوْ ذاك، فتشْخَصُ عيْناهُ لِغرابةِ ما يسْمع… ويودُّ أن يتقاسم هذه الغرابة مع "يوسف" فيروي له حكايات المُرتادين؛ بينما تكون أمُّ يوسف بصدد إعداد أُكلة تقليدية للصبيّ، أو تكون منشغلة بغسل ثيابه ومحاولة تجفيفها أمام الموقد….
في إحدى الأمسيات؛ دخلتْ وجوهٌ جديدة إلى المقهى، كانت في حدود ثمانية رجال… رحّب بهم العمّ "جلولي" وأمر الصّبي بالإسراع في خدمتهم وتلبية طلباتهم.. إجتمعوا حول فناجين القهوة، وراحوا يثرثرون؛ بينما "حمادة" يشتغل بِيَديْه وأذنيْه….! لم يفهم الصبي معظم الكلام، فمُرورُه بيْن الطاوِلات؛ لتقديم الخدمات لِبقية المُرْتادين؛ كان يُنَغِّص عليْه دقّة الإلتقاط  لِما يسمع…! بعد مضي بعض الوقت؛ قام اثنان منهم، قصدا العمّ "جلولي" وطلبا منه أن يخرج معهما في هدوء إلى حيث الباب الخلفي للمحلّ….  أراد أن يسأل عن السبب؛ لكن جمَد َالسُّؤال في حلقه؛ حين نبّهَهُ أحد الإثنين إلى خنجر تحت معطفه….! يلتفت الصبي؛ يُلقي نظرة على  السِّتةِ  الباقين حول الطاولة،  يتظاهر بِجمْع كراطين السّكر الفارِغة، وعُلب القهْوة المُسْتهلكَة؛ يحْمِلُ ما استطاع، ويخرج لِرمْيها في المَفرَغة؛ حيث الباب الخلفي…وحيث أصوات الرجال تعلو وتنخفض….! سمع "حمادة " ما فيه الكفاية….! أدرك أنّ هؤلاء يطلبون من العمّ "جلولي" أشياء تتعلق بأعيان البلدة: تنقلاتهم، أصْهارُهم، معارفهم، ممتلكاتهم، مواعيد تواجدهم بالمقهى، وأشياء أخرى لم يفهمها الصبي بسبب انخفاض الأصوات بين الفينة والأخرى…. لم يكن العم "جلولي" يردد سوى عبارتيْن اثنتيْن: " لا علاقة لي بالأعْيان، ولا يهمُّني أمْرُهم…."  وعندما سألوه عن أسماء الموظفين من أبناء البلدة، علق ساخراً: " أنا صاحب مقهى، لا صاحب مكتب حكومي…!" رفع أحدهما إحدى يديْه ليصفعه، غير أن الآخرَ تدخّلَ وجرَّ صاحبَه؛ مُتمْتِماً  بكلام؛ لم يستوعبه لا العم "جلولي" ولا الصّبي "حمادة"  الملتصق بالجدار والذي أغرقته الدّهشة فتسمَّرَ في مكانه ونَسِيَ عمله  داخل المقهى…. بعد لحظات؛ عاد الرجلان إلى الداخل، يتوسّطهما العمّ "جلولي"  بعد أن أمَرَاهُ بالهدوء ووَعَدُوه ُبعَدمِ أذِيته، طالما حفظ لسانه…..! 
غادر ثمانيتهم المقهى؛ بينما جلس العمّ "جلولي"  على كرْسيّه المعتاد، العرَقُ يُبلّلُ معظم جسده والدهشة تأكل فؤاده… أما "حمادة" فدخل بين الطاولات؛ يخدم أصحاب الطّلبات، ولا يستوعب الذي حدث، غير أنه يودُّ اقتسامه مع "يوسف" عند أول فرصة تسمح له بالخروج من المقهى..
بين توْقيتيْ المغرب والعشاء؛ إستأذن الصبي وخرج قاصداً بيْت "يوسف"، ليسترجع ملابسه المغسولة من عند الحاجة "رَحْمَة"، وفي طريقه؛ مرّ ببيْت العمّ "جلولي" لِيُسلّمَ بعض الأغراض التي كلّفه صاحب المقهى بتوصيلها إلى أهله… 
في عجالة، لخّص "حمادة" أحداث المقهى لذلك اليوم… "يوسف" يستمع… والحاجة "رحْمَة" تجمع الثياب المغسولة بعناية؛ داخل كيس بلاستيكي وتسلّمها للصبيّ؛ مع صحنٍ من الكسكس الذي عطّر الأجواء بِعَديدِ توَابِله…. يُقبّل "حمادة" يد العجوز وينطلق سعيدا كعادته إلى مأواه… المقهى….!  أمّا "يوسف" فجفاه النوم تلك الليلة؛ رغم التعب الذي نخره طوال اليوم وهو بين جمع الحطب وإغفاءة الغضب….! 

الفـتـيــــل….
لم تكن أحاديث النفس؛ لتفارق "يوسف" عند كل إغفاءة…. أو عند لحظات التّأمل التي تبحر به في عوالم بعيدة… لم يكن يستطيع الخلاص من هاجسه الشديد: " إلى متى وهو حطاب ابن حطاب… السلالة كلها اشتهرت بهذا اللقب… متى يتغير الوضع…؟ " إنه يشعر بضيق يكتم أنفاسه، ويخلخل توازنه، يحاول إخفاء حاله عن والدته الحاجة رحْمة؛ حتى لا تصاب بالخيبة….! فهي  تُقدّس هذه الحرفة، وترى فيها كل الخير والبركة، تستيقظ مع أذان الفجر، تصلي وتدعو لِابْنها… ثمّ تُعدّ فطور الصباح وتذهب لتوقظ "يوسف"؛ ظنّاً منْها أنّه يغط في نومٍ عميق… ولكنه في الحقيقة، كان يسمع خطواتها ويحْسِبُ كلّ حركاتها وهي تتنقل بين أرْجاء البيت الصّغير، لتستقرّ – أخيراً – في المطبخ، حيث سيدخل يوسف ويُقبل يدها ويجْلسان لتناول فطور الصباح… ثمّ تُودّعه وتُسلّمه زاده المعتاد….يمرّ يوسف بالإسطبل ليأخذ الفرس ويتجه صوب الغابة…. روتين يومي؛ يُضاعف امتعاضه، يخنق أحلامه… يبصق كذا مرة على الأرض؛ وكأن في حلقه ما يودّ التخلّص منه…يدخل الغابة بعد وقتٍ قصير، يركن دابته إلى جذع شجرة بعد أن أحكم عقالها، ويمشي متأنياً، يمسح بعينيْه جمال المكان، رغم ما ينفثه صدره من الآهات الحارقة..! 
قضى صَباحَهُ بين الجمْع والاِنْتقاء… حتى إذا حلت فترة الراحة، استلقى على ظهره؛ متأمّلاً عرض السماء… كان يتتبّع  بعيْنيْه الواسعتيْن؛ طولَ الأشجار، ويتخيل لو أنه كان بالإمكان؛ في يومٍ ما؛ أن يصل إلى أعلاها ويطلّ من فوقها على الأرض… على الناس… على الحياة… سخر من نفسه عندما خطر بباله أن أغلب تُجّار بلدته؛ يقضون مُجْمل أيّامهم في السّماء؛ مثل الطيور… ينتقلون من دولة إلى أخرى، وعندما يعودون؛ يتباهون في مقهى العمّ "جلولي" بما رأوه… بما سمعوه… بما اشتروه…. بما عاشوه… يتغامزون… يتندّرون و"حمادة" مثل آلةِ التّسجيل؛ لا يفوته شيء….! سحب "يوسف" نفساً عميقاً، اعتدل في جلسته، أخرج زاده المعتاد؛ وبدأ يتناول ما وقعتْ عليه يده؛ بينما العينان في تيهٍ بعيد والذهن في شرود شديد، لم يستفق منه إلا على وقعِ أقدامٍ؛  تقترِبُ من وراء ظهره…. استدار واللقمة بين أصابعه…. أراد أن يقف… لكنهم  أشاروا عليه  بالبقاء جالساً. تحلقوا من حوله؛ بعد أن تخلصوا من الأجْرِبة الثقيلة التي كان بعضهم يحملها على كتفيْه… واحد منهم؛ لم يشأ إلقاء جرابه، ظلّ محتفظاً به، وظهره مسنود بأكوام الحطب التي جمعها "يوسف" منذ الصباح.
بين الذهول والفزع… تتقطع الكلمات….يحاول  "يوسف" أن يتلفظ  بما تبادر إلى ذهنه؛ غير أن العجز يشلُّ لسانه… يُبحْلق في هؤلاء… إنّهم ثمانية….! يتذكر حكاية الصبيّ… ينتظر ما المطلوب منه… أو قلْ ينتظر مصيره….! 
كانت تعاليمُ كبيرِهِم واضحة… وجّهَها إلى يوسف في عنْجَهية مقيتة… لم يكن من العسير إقناع الحطاب ! سيفعل ما يريدون، فهو ابن البلدة؛ العالِم بتفاصيلها، وهو ذاك البعيد عن الشكوك، سيحمل "الأجربة الثقيلة" تحت حُزم الحطب الكثيرة، ستبدو الحمولة عادية… يدخلها إلى الإسطبل؛ يرْكنها في إحدى الزّوايا المُظلمة، ويغطيها  ببعض الحطب، ويسلّمهم نسخة من مفتاح الإسطبل،  حيث يتسللون  ليلاً لمباغتة العباد وتعليق الرّقاب….!  سيكون له نصيب من الأموال المنهوبة، سيرتقي في سُلّمهم وفي منْطِقهم؛ إلى الدرجات العليا… سيندم ذاك الذي رفضه عندما تقدم لخطبة ابنته… سيثأر من أيام الغبن والقلق والتفكير المضني الذي سيسلمه إلى مقصلة الجنون….! تعاونَ "يوسف" معهم إلى أقصى حدّ.. وجدوا فيه الخادم الأمين، "التابع" الذي قدّم الولاء، عندما زاغت عيناه وهي ترصد المنهوب من الأموال والحِلية … بل وتتسع العمليات لتشمل المناطق المتاخمة للبلدة، يشارك فيها "يوسف" بنفسه… يقتل دون أن يرفّ له جفن… يصبح واحداً منهم… في النهار قِناع.. وفي الليل قِناع…! يرتزق مع المُرْتزِقة، همُّه الوحيد أن يحقق الرّبْح الكثير في الظرف الوجيز…! شهوة القتل تتسع… يلاحظ  "يوسف" أن الإغارات لم تعد خاصة بجلب الأموال…. يستعصي عليه الفهم ! يستغل تواجده إحدى الأمسيات؛ بالقرب مِنْ "كبيرِهِمْ" وحين  يلمس رِضاهُ ونشوَتهُ  بعملية الليلة الماضية… يُبادرُ إلى السّؤال: "لماذا نُهاجِمُ مَنْ لا منفعة لنا من مهاجمته…!؟ " يتظاهر "كبيرُهُم"  بِعَدَم الِاهْتمام… يتحسّسُ خنجره، يُمرّرُ عليه أصابعه الخشنة، يمد يده إلى كأس الشاي ويرتشف رشفة كبيرة؛ ثم ينهض… قبل أن يخطو خطوته؛ يلتفت إلى يوسف؛ يحدجه بنظرة لها ألف معنى….
هجوم الليلة الموالية، سيُعَزّزُ ارتيابَ "يوسف"…! هاجموا مُنشآتٍ إدارية، فجّروا مكاتب عامة، جمعوا سكان البلدة، تناوبوا على تعذيبهم قبل تقتيلهم، اختلط صراخ النساء ببكاء الأطفال، أحرقوا الرطب واليابس، توعّدوا من بقي على قيد الحياة؛ أن دوره آتٍ لا محالة….! دم ونار ودخان…. عويلٌ وشهيق… جسدٌ صغير يتململ تحت الرّكام، ينتفض بين الكراسي المحترقة والطاولات المُهَشّمة، يرفع إحدى يديْه في الهواء الملغوم…. يُلوِّحُ مُحاوِلاً لفتَ انتباهِ ذاك الشبح الذي يُطلُّ من وراء النافذة المكسورة….! يتقدم الشبح الملثّم، يرفع الصبيَّ إلى أعلى، ينظر إليه بإمعان… يهمُّ بالكلام…. غير أنّه يترَاجع، ويكتفي بإخراجه من الركام، من الدخان، يُجلسُهُ وراء الحائط الخلفي؛ يربت على كتفيْه… ويرْكض في الاتّجاه الآخر… يُفاجَأ بِكبيرِهم؛ ينْتصبُ أمامه؛ ويأمرُهُ أنْ يلتحق بالبقية….!
لا يدري "يوسف" كيف صدرت عنه تلك الصرخة المدوية في وجْه الآمِر.. كيف انتفض انتفاضته هذه…؟ لا يدري كيف انقضّ عليه؛ ولفّ أصابعه على رَقبته؛ مُحاوِلاً خنْقه… مِنْ أيْنَ استشعر شجاعة كهذه…! مازال يضغظ ويضغط على الرّقبة… وقبْل أن يسقط الوحش؛ إذا بأحدهم يتسلّلُ وفي يده ساطورٌ؛ يرْفعُها إلى الأعْلى؛ ويَهْوِي  بها على رأس "يوسف"…. ثم يرْمي بالسّاطور؛ ويُسارع إلى جسّ نبْض "عرّاب الموت"….! 
خلال إغماءته؛ والدّمُ يتدفّقُ منْ وَراءِ إحْدى أذنيْه، تتراءى له صورةُ وَالدتِه وقد عُلّقتْ على جذع شجرة، والساطور يُقطع أطرافها ويرمي بها فوق أعشابٍ حانقة؛ تستنكر فظاعة المشهد….! 
يصرخ يوسف صرخته الأخيرة… تستيقظ "الحاجة رحْمة" من نومها؛ في حال ذعْرٍ شديدة….تهرول  نحو غرفة ابنها، يمتقع لونها وهي تضع يدها على جبين "يوسف"؛ العَرَق يُبلّلُ كل الجسد، تُبَسْمل، تُحوْقل، تحاول أن  تقرأ المُعوّذتيْن؛ تناجي الأولياء الصالحين وتستنجد ببركاتهم، تُمرِّرُ يدَها على رأسه المُشتعلة بالحُمّى…تهزُّهُ هزّاً مُتتابِعاً..  تهْرعُ إلى خزانة خشبية صغيرة، تستخرج منها قارورة قطران صغيرة، تُمرّرُها تحت أنْف "يوسف"…. الرّائحة الحادّة؛ تتوغل في تجاويف الأنف، يسعل يوسف، يفتح عينيْه ببطء شديد؛ تقع عينُه على والدته بقامتها الطويلة… يتنفس الصعداء….!
 تبتهج الحاجة رحْمة؛ وهي ترى بوادر الِانْتعاش على مُحيّا الشاب…. لحظات، يتحامل بعدها "يوسف" على نفسه؛ يعتدل في فراشه؛ بينما تتلهى والدته؛ بترتيب وسادتيْن وراء ظهره ليستند عليْهما… يشعر بالتهابٍ على مُستوى الأنْف؛ يتحرك ليُغادر الفراش؛ فتتدفّقُ قطرات الدم من أنفه… يدعو والدته أن تأتيه بقطعة قطن…. تسارع إلى خزانتها وهي تدعو الله أن يعود هذا الشاب إلى سابق عافيته. تتأمل وجهه وهو يحشو أنفه بالقطن؛ تحْضُرُها صورَة والدِه حين كان يتعرّض للرُّعاف… كانت تُسعفه بماء الخلّ، يغمسه في القطن؛ ثم يحشو به أنفه، وعندما تدعوه لمراجعة الطبيب، يبتسم ويكرر عبارة واحدة: "الرُّعافُ  لا يقتل !" 
يقطع يوسف تأملاتها؛ يُقبّلُ رأسها، ويُكرّرُ عبارة وَالده: " الرُّعافُ لا يقتل !" تمسح على رأسه، وتدعوه لاِحْتِساءِ فِنْجان قهْوة…. يُلبي الدّعْوة؛ وكُله أمل في التّخلص من هذه الكوابيس التي دفنتْه في الغيم، واستكثرت عليه ضوء الشمس..! بين الرّشفة والأخرى، يتخيل عودته إلى غابته الجميلة، بطقوسها المهيبة، بخيراتها الكثيرة، بِعُشبها البهيج وهو يستعدّ لمعانقة قطرات المطر بروحانية لا تفهمها سوى السماء.

أ. د. شميسة غربي، مدينة سيدي بلعباس ـ الجزائر
‏الخميس‏، 06‏ كانون الأول/ ديسمبر‏، 2018

أكرم حسن منذر ينشر روايته الأولى : “نزيف السنديان” 

ومضات مشرقة من تاريخ سورية ونضال أبنائها جسدها الكاتب أكرم حسن منذر في روايته الأولى “نزيف السنديان” المأخوذة عن قصة واقعية ترسم ملامح الماضي بكل صعوباته وتحدياته ومفاخره.

الرواية التي نسج خيوطها منذر من قصص وحكايا كامنة في ذاكرة أشخاص عاشوها وكتب ووثائق تاريخية استند إليها كما يبين لمراسلة سانا بالسويداء تناولت موضوعات متنوعة وطنية واجتماعية ووجدانية جسدت مشاعر الحب والألم والفراق وحب الأرض والانتماء للوطن والتضحية في سبيل الدفاع عنه وحالة التآخي بين مكونات الشعب السوري ورفض محاولات المستعمرين العثماني والفرنسي تقسيم الوطن وتجزئته.

اختار الكاتب أحداث الرواية ضمن مسميات أماكن افتراضية ضمن جغرافية جنوب سورية بين دمشق والسويداء وكذلك لبنان وفرنسا منذ بداية القرن الماضي زمن الاحتلالين العثماني والفرنسي وما بعدهما محاولا تكريس ما زرعه الآباء و الأجداد من قيم إنسانية ووطنية نبيلة.

ويقول منذر في مقدمة روايته: “ينزف السنديان ويعصف خريف العمر بأغصانه وتتعرى روحه لكنه لا ينحني بل تشمخ فروعه للسماء… فالجذور بنت الصخور ترضع من صبرها وتقوى بإيمانها وتتباهى بعناد بازلتها.. وفية لأعشاش حضنتها عطوفة على تراب حمى ثباتها سخية البهاء في حزنها عصية على البوح وقت الفراق فالطيور تعود لأوطان أعشاشها إثر هجر ولو بعد حين لتجد أذرع السنديان فاتحة فضاءاتها لاحتضانها رغم اليباس”.

الرواية الصادرة عن دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع تقع في 245 صفحة من الحجم المتوسط تشكل لوحة فنية وأدبية لمرحلة تاريخية مليئة بأحداث استمد منها أبناء سورية ثقافة الصمود والمقاومة.

يذكر أن الكاتب أكرم حسن منذر 59 عاما ينحدر من بلدة القريا في محافظة السويداء وخريج كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق وله مشاركات أدبية في صحف عربية.

خزامى القنطار ـ السويداء 
سانا، 25 تشرين الثاني، 2018

الذاكرة الجماعيّة بين الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ : دراسة نقديّة لرواية “الزعتر الأخير”                                     

لطالما كانت فلسطين أمُّ الجراح العربيّة، جرحاً نازفاً في خاصرة العرب منذ سبعين سنة، وكلّما أراد القطُّ الغربيُّ مداعبة الفأر العربيّ الصريع: لا يقتله فتنتهي اللعبة، بل يبقيه في العناية المركّزة في أروقة معاهداته وتحت وقع اتفاقيّاته، ليكون الوصيّ الحريص على قضم أرضه وارتشاف نفطه، وتدمير تراثه، ليظلّ منتشياً بلعبة القطِّ، التي لن تنتهي قبل أن ينضب معين العرب من الذهب الأسود المدفون في باطن أرضٍ فشل أصحابه في ردّ الطامعين. وها هو الشرق منبع الحضارة القديمة يصبح ببساطة مدفناً لأبنائه ومحرقة لشهدائه وأحراره وشاهداً على حضارة تندثر إلى غير رجعة.
فهل يخرس الأدب أمام هذه الأهوال؟ أم يتحرّك ليقصّ صورة الشقاء المتنقّل الذي شرّد كثيرين، وغرّب أجيالاً مازالت ترزح تحت وطأة النزوح والضياع؟؟ وهل على الأديب أن يتناسى مرارة الواقع فينام على وسادة الأحلام الورديّة، وينسى مهمّته الأساسيّة وهي أن يكون لسان حال الإنسان ومعاناته، وماذا يقول لأولاد الوطن؟ هل يستسلم ويسلّمهم وطناً وهميّاً بلا أرض ولا ماء ولا سماء؟ إلى وطنٍ شبحٍ بلا هويّةٍ؟
لا غرابة أن يطلع من رحم المعاناة أديب وفيّ يعزّ عليه أن يسكت عن الظلم وينضمّ إلى موكب الأدباء الملتزمين، من أدباء المقاومة الفلسطينيّة، إنه مروان عبد العال في روايته" الزعتر الأخير" الذي وثّق بغنائيّة عالية مراحل محو الهويّة الفلسطينيّة، وتأبّط الذاكرة الجماعيّة والتزم قضيّة وطن سليب، ما زال يبحث عن بصمة بعدما أحرقت أصابع المقاومين وجرفت جثثهم جرّافات التعتيم الإعلاميّ لترمي بهم في جوف حوت التاريخ الأبكم. 
الالتزام الوطني وفنّيّة الرواية
احتضن عبد العال في روايته الوقائع التاريخيّة، ليصوّر همجيّة رافقت الإنسان بدءاً من معركة قابيل الشرّ أمام هابيل الخير، مركّزاً على تاريخ الكائن العربيّ الذي يتجرّع كؤوس السمّ، فيقصّ لنا حكاية وجع العربيّ في مأساة استمرّت منذ ألقت الحرب العالميّة الثانية أوزارها وجلبت من الغرب ما جرفته آلتهم الحربيّة من شرور، والرواية على نفحتها الفلسفيّة ولمستها الشعريّة هي وثيقة تاريخيّة واجتماعيّة تصف النكبات التي حلّت بالفلسطينيّين، عبر لوحات وحشيّة واقعيّة  من مجازر وتهجير وقتل وسلب وحروب وظلم وقهرٌ، في تأطير أسطوريّ لمنمنمات فسيفسائيّة تعرّض لها الفلسطينيّ منذ تهجيره واقتلاعه من جذوره، لذلك تحكم القبضة الروائيّة بشخصيّاتها المعانية الشاردة في أنحاء المعمورة، كما تيس الماعز في البراري- الذي شاء الكاتب تسميته زعتر- فكلّ الوطن زعتر: النبت والحيوان والإنسان في وحدةٍ متآلفةٍ تنتجها أرض الزعتر" فلسطين". تعاني معارك الشرّ النشط التي لا تنتهي، مع الخير الساكن: عارضاً صورة التناقض بين شرٍّ غربيٍّ فاعل مقابلَ خيرٍ ساكنٍ ومنفعل، يتلقّى الضربة تلو الأخرى وكأنّه عاجزٌ عن دفعها بلغةٍ لا تخلو من الشاعريّة خطّ العرب نتفاً من ذكريات متناثرة خبّأها الزمان من نكبة ١٩٤٨ إلى نكسة ١٩٧٦، إلى الحرب في الأردن إلى تل الزعتر في الحرب الأهليّة ١٩٧٥، لتتوالى التسميات المهينة التي لحقت بالفلسطينيّ باحثاً في سراديب الذاكرة عن هويّةٍ مشرّدة  في الشتات، بعدما كان جزءاً من زعتر الأرض وزعتر الماشية وزعتر المكان حينما كانت ثقافة الرعي هي السائدة.
بداية الرواية عمائيّة تذكّرنا بأساطير الخلق حينما هبط آدم الأرض وزوجه، فوجد نفسه جزءاً من الطبيعة الوحشيّة مصدر الخير والعطاء ومصدر الشرّ والشقاء، يقول:" تقتحمني اللحظات الوحشيّة" (ص٤١) فندخل معه زمن الرعي حين قاد حيواناته الأليفة، ليسوسها إلى حيثما تشتهي، ويتماهى معها فيتناسى هموم الكون. مع هذه البداية الهادئة تقمّص الكاتب شخصية الراعي الذي يعيش براحة نسبيّة وفقر شديد، ليكتب أرشيف طفلٍ عايش الهجرة القسريّة، ويسجّل هدأة الأمان الظاهر، مدوّناً لحظات سرديّة استرجاعيّة بعدما لفظه القدر على ضفاف بلدٍ شقيق، ليعاني أزمة فقدان الجذور، يقول:" أيّا الزعتر لا يوجد شقاء أخير، فأنت في تجربة مستمرّة لاكتشاف قدرتك على التحمّل"(ص٤١).
والكاتب مع التزامه الوطنيّ بدا وكأنّه لم يهتمّ ببنية الرواية المعهودة من تكوين شخصيّات أساسيّة وأخرى ثانويّة والعمل على تصعيد المشاهد إلّا لماماً، بل عمد إلى تقسيمها إلى هيولى شخصيّات حالمة وأخرى معتدية متوكّئاً على نفحة شعريّة لإشعال النصّ عاطفيّاً، وعلى الوقفات الفلسفيّة لإشعاله فكريّاً، في بنية روائيّة مسطّحة، ركّزت على استعطاف القارئ وتوجيه انتباهه نحو النزاع التاريخيّ بين الخير والشرّ الذي خفت ومع التقدّم في الرواية لترسو أخيراً على شبه استسلام مبطّنٍ بشيءٍ من رفضٍ مقنّع وثورة مكبوتة، في شرقٍ واهٍ كان يحكمه انتدابٌ غربيٌ وضع الأسس لمستقبلٍ يضمن مصالحه، التي وجدها في تسليم فلسطين إلى أغراب اتّبعوا استراتيجيّة والترويع لتشريد شعبها في أطراف المعمورة.
فسيفساء الذاكرة 
بعد أن هجرته الأمكنة واقتلع البطل من أرضه، تمسّك الكاتب بما شعّ من فسيفساء الذاكرة ليكون صاعقاً فجّر حلم العودة واستنجد بذاكرة الجماعة لتكون الخرطوشة الأخيرة في معركة تحقيق الحلم في ظلّ تشرّدٍ عانى منه الأمرّين، وحضور مهدّد بالامّحاء والذوبان في مجتمعاتٍ جديدة بحثاً عن لقمة العيش وأملاً في تأمين مستقبل للأجيال القادمة مبنيٍّ على أرض الواقع وإن كان جافّاً، لا في فيافي الأحلام، وإن كانت جناناً. لذلك بدت هذه الذاكرة وكأنّها صرخة رفضٍ ضدّ خطر الذوبان والغربة الداهمة، "فعندما تكون ذاكرتك حصينة لا تشعر بالغربة"(ص٩٩) فهل الذاكرة نعمة أم نقمة؟
يبدو أنّ عبد العال فضّل أن يكون لسان الفلسطينيين قبل أن يصابوا بذاكرتهم الجماعيّة، فراح في روايته يستنطق لحظات ثمينة محفوظة في ردهات الذاكرة، ويتقمّص رجالات الأمس من الجرحى والقتلى جرّاء الاحتلال الإسرائيلي، يصوّر بمرارة أبطال الماضي من الأطفال الذين أحرقوا وشوّهوا ورميت أجسادهم بين الجثث، ليرسم مسارات النزوح الفلسطيني إبّان النكبة، مسطّراً حال السكّان وأغلبهم من الفلّاحين والرعاة المعتمدين على أرضهم وطبيعة بلادهم المعطاء لتكون باب رزقهم، فيؤرّخ لبطولات ويسجّل مدوّنات من النكسات المتتالية كادت تدخل طيّ النسيان، قائلاً: "عدت لأحفر في التاريخ لا لكي أدفنه"(ص٤٢) ويستعين بذلك بذاكرة الجماعة قبل أن ترحل إلى غير رجعة، على أمل أن يتبيّن من خلال تسجيلاته لذاكرة فلسطين الخيط الأبيض من الأسود، فيظهر الحليف من العدوّ، فهل ينبت من الزعتر الأخير زعترٌ آخر؟ ومتى يستفيق العرب من هول الصفعات التي يتلقّاها من الغرب ويتخلّص من وطء هيمنته؟؟وهو  يعرف جيّداً أنّ البكاء على أطلال وطن ليس هدفاً وضعه عندما خطّ زعتره الأخير، ولن تكون بالتالي روايته حائط مبكى يتلطّى عليه الفلسطينيّ ليندب وطنه عندما يفرغ من أعماله ويحاول أن يتلمّس وجوده، على مثل قول المجنون في ليلاه: (على الطويل)
نهاري نهارُ الناسِ حتّى إذا بدا        ليَ الليلُ هزّتني إليكِ المضاجعُ
فأيُّ مضجعٍ يبحث عنه؟ وقد سكن وطنه الأغراب، وهل يبكي وطناً غاب؟ أم أنه يحاول إقامة الحدّ بين فاقد وطنٍ ومغتصب ٍ، رافضاً الذوبان في المحيط بعد أن فقد صلته بالأديم الجبليّ أو السهليّ، بنبته وحيوانه وناسه، وعاش كابوس اللاإنتماء المخيف، لذلك ركب قطار الذاكرة وأقلع بالقلم صوب تخوم وطنٍ، أو هيولى وطن، مسترجعاً تاريخاً لم يزل حيّاً في بطون الذاكرة، أملاً في استعادة الموروث جسداً وأرضاً وتاريخاً، ودفاعاً عن كينونة الهوية الفلسطينيّة وديمومتها، مثبتاً حقّه بالإقامة على أرضه والعودة إلى دياره.
فلسطين هي نقطة الارتكاز الوائيّة مع تلميع صورة الأنا على التفاعل مع ماضيها عبر لملمة شتات الذاكرة، ورفض سلطة الواقع والحلم المحروق بالعودة. إنّها الذاكرة في محاولة للملمة شتاتها وبناء مشاهد من فيلم العودة المنتظر، مثلما يعتمد الطبيب النفسيّ في علاجه على أسلوب التداعي الحرّ للذكريات المطمورة بعناية، فيساعد بأسئلته المركّزة على أن تطفو من جديد فيتحرّر المريض من وطأتها، كذلك استقرأ عبد العال الذاكرة الجماعيّة ليحرّر قومه ويساعدهم على تزفيت حلم العودة ورسم خارطته عبر استقراء الذاكرة المعتمة المشوّهة والمشوّشة جرّاء التشرّد. وعدوّه في ذلك اثنان: الزمن والغرب، الأوّل خفيٌّ لا يأبه لتشرّده وضياعه ولا يفقه عذابه، والعدو الثاني هو الغرب الذي مهّد لهذا الظلم وغضّ الطرف عن جرائم النزوح العنصريّ والإقليميّ، وسلّم الصهاينة أرضاً غالية تكفيراً عن ذنوبٍ ارتكبها، وأسّس للوباء القاتل الذي استوطن أرض العرب ليحقّق أحلامه بأرض الميعاد ويسلخ أحلام أهلها بالأمان. لقد استعاض الكاتب عن تلوين روايته بشخصيّات كثيرة بتلوينه باللامتوقّع من الأسئلة الشاعريّة لدفع النص نحو واجهة الاهتمام التاريخيّ، يقول:" ماذا يفعل عاشقٌ شريد مثلي بهذا الخيال"؟ (ص١٥٥) ويبحث عن مرفإ لصحراء الذاكرة المتعبة ويتساءل:" كيف تستريح ذاكرتي؟"(ص١٦٣) مستنطقاً الأيّام الدامية، رافضاً أن يتلطّى خلف قلقلة النسيان مع أنّ " في النسيان حرّيّة" (ص٣٨) ويتشبّث بمظاهر وطنه القديمة: الطاحونة والبئر ومعصرة العنب والزيتون، رافضاً الوقوع بين براثن عالم من الخداع يحتقر طيبة البادية (ص٦٧) أو أن تبتلعه "ثقوب المدن الكبيرة"(ص ٦٧) ومستعمراتها بإنسانيّتها المشوّهة، بعدما أضاع تراب وطنه وحجارته، (ص١٩٢) ويستذكر لحظات توحّد الإنسان مع الطبيعة وعناصرها ليرقص مع التيس "زعتر" رقصة ثنائيّة دائريّة درويشيّة تجسّد حميميّة العلاقة التي تخلّى عنها عند تخلّيه عن رباطه بالطبيعة وارتدائه إنسانيّة مشوّهة تتكبّر عليها وتحتقرها. لذلك راح يحتضنها بمحبّة: "أحضنك يا صديقي الماعز لأشعر بدفء جسدك"(ص٧٤) وكأن الوطن الحلم يحتضن جميع أنواع الزعتر فهو الأم والأب للجميع. فالذاكرة الجماعيّة في "الزعتر الأخير" لم تستعد فقط ما حصل منذ خمسٍ وسبعينَ سنةً بل استرجعت" غيبوبة مزدحمة بالذكريات"(ص٩٠) في فيلم وثائقيّ يدور باستمرار إلى الوراء ليسترجع موقعنا على الأرض.
الانتماء الكونيّ
وإذا كان لكلّ كتابة أدبيّة أصيلة بعدٌ فلسفيٌ، فإنّ بعد" الزعتر الأخير" الفلسفيّ طقسيٌّ يدفع النص إلى بعده التاريخيّ في وضعٍ احتمائيّ عبر الولادات الروحيّة، إنّه انتشاء الذاكرة تتجدّد باستمرار بضوضاء النشيد الكونيّ، فقد أعلى الكاتب من ثقافة الرعي التي تحتقرها المجتمعات الحديثة وجمّل حياة البدويّ و حين كان يسكن بيوت الشعر متنقّلاً معها، بحثاً عن أرضِ رعيٍ جديدة، ويصغي إلى حيواناته ويرضخ لمتطلّباتها ليبني حياته على هذا الأساس التلاحميّ معها ليفجأ وهو أعزل تقريباً إلّا من سلاح فرديّ يردع الذئاب ويصدّ شرّها، بتنظيمات  من مخلّفات الحرب العالميّة الثانية وكأنّ العالم كان ما زال مهيّئاً لمزيدٍ من المجازر تحسم الأمور تنفيذاً لمعاهدات واتفاقيّات جرت وفق أهواء المنتصرين ومصالح هم ولم تراعِ حقوقاً أو تحفظ مقدّسات. فمُحي الزعتر الأصيل في فلسطين، واختفت أيضاً العلاقة الوطيدة مع الطبيعة بعناصرها الوحشيّة، ليصوّر الإنسان وقد قفز في قرنٍ تاركاً قديمه ومتشبّثاً بجديد غريبٍ غير آمن، ليغرف من أرضٍ محدودة القدرات ويستنزفها عن غير وعيٍ، ويجرف معه حقّ الأجيال القادمة في التمتّع بحقوقٍ سُلبت في غفلةٍ منها. 
وكأنّنا في حضرة هذه الرواية في غمرة استرجاع لكينونة الإنسان الذي تناسى أصله، أو قل في حفل استرجاعٍ للانتماء الكونيّ، فجاءت لتطارد ذاكرتنا المطموسة، ولم تتوقّف عند الاسترجاع الذاكريّ القريب، بل للتذكير بالماضي الإنسانيّ المشرّد حديثاً في أصقاع متطلّبات حضاريّة باستطاعتنا ببساطة التخلّي عن معظمها، فالكماليّات قد تحوّلت إلى ضروريّات وبتنا أسرى لمتطلّبات مستحدثة تكبّلنا أكثر ممّا تحرّرنا، وتحجزنا أكثر ممّا تطلق سراحنا وتبهجنا، وطمرت الحقيقة عن أعيننا ونسي ابن آدم أصله من أديم الأرض واحتقر حيوانات سخّرها الخالق لخدمته، وراح يطالب بالأخذ متناسياً العطاء.
 لقد وظّف عبد العال روايته لخدمة إيقاعين: إيقاعٌ وطنيّ وآخر إنسانيّ كونيّ، في خشونة قد تصدم القارئ فتهزّه من سباته، ليتنبّه إلى حميميّة العلاقة المنسيّة مع الطبيعة وكائناتها، وكأنّ الكاتب في رحلة استعادة حلم العودة، قد حمله يراعه إلى العودة إلى زمن البراءة الأولى، زمن العماء. فلماذا التركيز عليه وقد استحوذ القسم الأكبر من " الزعتر الأخير"؟ أهو لتذكير حضارة الغرب بالماضي وأخذ العبرة؟ أم هو رسالة شرقيّة موجّهة للغرب الصاعد والمنهمك بحماسه لاحتواء العالم؟ أم أنّ عبد العال أراد أن يرشق الجميع بكمشة زعتر لعلّ عطرها الأخّاذ يدفعهم إلى الاستيقاظ ورؤية الأمور من منظورٍ غير نفعيّ، فما من حضارة سادت إلّا بادت، ولن تبقى سيادة الكون بيد شعبٍ واحد، وسرعان ما يختطف المشعل شعبٌ آخر وفق المفهوم الخلدونيّ، وعلى أمل ألّا يكون الزعتر الأخير الصرخة الأخيرة قبل أن يضيع الأمل في تحقيق حلم العودة ويتبخّر وتتغبّش صورته وتصبح ملحمة الزعتر طيف ذكرى يلفّها الضباب. 

هلا الحلبي، أستاذة مادة الاسلوبية الشعرية وتجويد المقال ـ الجامعة اللبنانية
ــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر : العنوان الأصلي للدراسة هو :
فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بين الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ                 
دراسة نقديّة لرواية "الزعتر الأخير" لمروان عبد العال

مروان عبد العال: أيوب يقطف «الزعتر الأخير»

«في الصراع بيننا وبين الصهاينة، إنّ من يفوز في سرد الحكاية والتاريخ هو من يفوز بالمعركة». تأتي «الزعتر الأخير» (دار الفارابي) للكاتب والسياسي الفلسطيني المعروف مروان عبدالعال ضمن سلسلة اعماله الثماني التي تتمحور حول القضية الفلسطينية. تصدر الرواية عن «دار الفارابي» التي يحبها السياسي الفلسطيني، مشيراً إلى أن للدار فضلاً عليه، فهي «أطلقت رواياتي السابقة».

لكن لماذا «الزعتر الأخير»؟ يجيبنا: «الزعتر نبتة طاهرة لا تنبت إلا في القمم العالية بين الصخور، وتتمتع برائحة مميزة. أعتقد أنّ هناك معركة هوية على الزعتر حول ما إذا كان عبرانياً أو كنعانياً. والأهم أن الرواية تحكي قصة شخصية قريبة كثيراً مني، لكنني بنيت عليها الخيال، واستطعت أن أحولها بشكل أو بآخر إلى رواية. هناك تداخل بين ما هو واقعي وخيالي في رواياتي، وهو شيء مميز أسميه الواقعية السحرية. بطل الرواية كان راعياً في فلسطين، لكنه انغمس في الصراع والكفاح، ولم يتحول المنفى بالنسبة إليه إلى حالة نقص، بل إلى حالة تمرد.

ونتيجة الأحداث التي حلت به، أصيب بمرض نادر اسمه «الفرط في الاستذكار» حيث يذكر كل شيء، ويتمنى أن يخفّف من ثقل تلك الذكريات. أخذه الزمن إلى تل الزعتر. وللعلم، فإن أهالي تل الزعتر الذين ماتوا، لم يخبرونا بأي شيء، والرواية تنطلق من سؤال الموت: هل الموت يستطيع أن ينهي الذاكرة؟ لكن الذين عاشوا، لديهم تذكّر كبير وتحديداً لأحداث اليوم الأخير من تل الزعتر لأنه يوم الخديعة حين خرج الناس المدنيون وقتلوا بطريقة وحشية». هل لفرط التذكّر رابط مع فكرة «الزعتر الأخير»؟ يرد: «ذلك أمرٌ تجيب عنه الرواية». لكن لماذا «الأخير»؟ «الفكرة هنا مرتبطة بأكثر من شيء. هناك الكثير من الناس الذين خرجوا من فلسطين يعتبرون أن آخر رمان تذوقوه في حياتهم كان في فلسطين، ولا يأكلون الفاكهة. هو نوع من الحنين، فالأخير تعني الحبيب الأخير، وأحياناً الجرح الأخير، والجرح الذي لا أريده أن يتكرر. هذا المنفى يتكرر، لكن الألم والجرح لا يجب أن يتكررا».

استغرقت كتابة هذه الرواية أكثر من عامين، لكنّ فكرتها راودت الكاتب قبل ذلك بكثير. يعرف أن الثقل كبير عليه وعلى أي كاتب ينتمي إلى توجهه الفكري، فالمقارنة مع غسان كنفاني ورعيل الكتّاب الأوّل ثقيل. إلا أنّ عبد العال يرفض فكرة «الوراثة». يعلّق: «لا وراثة في الأدب. التوريث قد يحصل في السياسة والإقطاع السياسي، لكنه لا يمكن أن يحصل في الثقافة ولا في الرواية ولا الأدب. هناك ظروف مختلفة تماماً تصنع تجربة أي مثقف أو أديب. بالنسبة إليّ، الإبداع هو إضافة، والوفاء لغسان هو إضافة. هذا هو التحدي الجدي».

لم يكن عبد العال يتوقع أن يصبح روائياً، وها هو اليوم يعمل لإكمال روايته الاولى «سفر أيوب». يقول لنا: «أول كتاب لي صدر بالمصادفة من دمشق، وتحديداً عن «دار كنعان» هو «سفر أيوب». لم يكن في بالي أن أصبح روائياً، لكنني أمتلك ذاكرة شفوية جمعتها من الروائيين الأوائل في حياتي وهم والدتي وجدتي وجدي ووالدي الذي كان مهتماً كثيراً بالكتب وكان رساماً. و«سفر أيوب» كانت روايتي الأولى التي كتبت فيها حكايا من فلسطين بما فيها حكايات جدي الذي خرج بطريقة غريبة مع فرسه الأبيض. هي سفر من «الأسفار» ورحلة الأسفار لا أعتبرها انتهت، فهي رواية مستمرة. أعتبر بأنّ معركتنا مع الاسرائيلي تكمن أيضاً في السرد. الرواية الفلسطينية أصيلة بنت المكان والزمان، والأهم يجب أن نقدم أدباً لائقاً ومقاوماً. أعتبر أن كل أدب مبدع هو أدب مقاوم. أنا تعلمت شيئاً من الأدباء السابقين، فمحمود درويش كان يقول إنّ «الأدب الرديء مثل السلاح الرديء»».

ملاحظة : جرى حفل توقيع رواية «الزعتر الأخير» لمروان عبدالعال، يوم الاثنين 4 كانون الأول/ ديسمبر، 2017، في معرض بيروت للكتاب، جناح دار الفارابي
عبد الرحمن جاسم
نقلاً عن "الأخبار" اللبنانية، الخميس ٣٠ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١٧
 

رساله أخرى إلى أحفادي : إبنتي الحبيبة زينة أهدتني كتاباً عنوانه : “هذيان فتاة في العشرين”

احفادي الأعزاء، طالعت هذا الكتاب بشغف ولذهّ ، قرأته،  أحببته،  كتبت لكم التالي :احببت أدب نجوى زيدان ، راقني رسم الصورفي قصصها ، كاد أشخاصها يخرجون منها أحياء ، كدت ألمسهم لمس اليد ، يعبّرون بعواطفهم النبيله عن إنسانية الإنسان . ألون قصصها بألون بساتين رأس بيروت بورودها وأزهارها وعرائشها وأشجار التين نقطف من حبّها .  فإن طاب ما قدمته لكم سابقا" من الأدب القصصي لأديبات وأدباء أمثال : أحلام مستغانمي في رائعتها فوضى الحواس ، وأخرى عابر سرير ، وسلوى الحفار الكزبري في ذكريات الأندلس ، والدكتور هشام البارودي في ثلاثية بيروت ،  ونوال السعداوي في قصة زينه  ، وإكرام الداعوق في قصة حيّ التنك  ، والطيب صالح في موسم الهجره إلى الشمال  ، والدكتوره فاطمه قدوره الشامي في كتابها عن رؤساء الوزارات أيام الستينيات ، فسوف يطيب لكم أدب نجوى زيدان في قصصها تحت عنوان :  "هذيان فتاه في العشرين"(*).
ولمزيد من ترغيبكم في قراءتها إستنبطت من رواياتها العناوين التاليه  : 
– جيران الحاره بين رأس بيروت والمناره 
– كشف الستاره عن الأنثى المحتاره 
– إحساس الناس من كل الأجناس 
– نبضات القلوب بين الحبيب والمحبوب
– رفع النقاب عن عيون الأحباب 
والآن أباشر حديثي حول ما قالته سيدة الكتاب في المقدمه ، عن خوض تجربتها الأولى في إصداره ، وهي التي خاضت سابقا" غمار ميدان الصحافه المكتوبه ، وإعداد البرامج التلفزيونيه للشباب بصورة خاصه ، والمجتمع بصورة عامه .
                                                                 1  
من آرائها في الوجود قالت : إنه عندما يمضي قطار الزمن ، تظهر قيمة المكتوب في طيات التاريخ ،  قد تتكرر الأحداث مع عبور الوقت لتعود مجددا" بأشكال مماثله  وتبرز صورها بالوان حديثه . 
حكايات هذا الكتاب ، مائده شهيه لمن أُغرم مطالعه الماضي الجميل وقصصه الرومنسيه . روايات ولدت بين أنامل كاتبه مّميزه ، لها باع طويل في نقل الأحاسيس الكامنه في الصدور تدفعها عبركلمات تجسّم المعاني  . إلتقطت بيدي الأزهار والنباتات التي إفترشت بساتين رأس بيروت والمناره أيام العزّ .   ما علينا،  أعود لإيجاز ما كتبته نجوى ، ولو كنت أفضل يا أحفادي أن تبحثوا عن هذا الكتاب بين أمتعتي التي أورثتكم إياها ، لتقرؤه بأنفسكم .  روت نجوى قصة باب الحاره وباب الجاره  أُم جان التي إنتظرت إبنها المغترب وتوفيت ولم تره . جنزّها جيرانها الإسلام بسبب الحرب الأهليه   .                                            قالت نجوى أن مطرح أم جان في الذاكره مرتبط ببستانها ، ونبات الزعتر البري والقرصعنه و الهندبه ، لتطرح أخيرا" سؤالا" من الأعمق : هل تموت الأمكنه مع موت أصحابها في عيون من كانوا يحبونهم ؟
راقني تلذذ الكاتبه بإطلاق بعض السباب الذي ورثته عن أم جان ، في مواجهة قرف الأيام ، مما شجعني شخصيا" على قذف السباب ايضا" للحاله التي نحن فيها . 
كتبت عن الأرمله التي توفي زوجها فإرتاح وريحّ ، وعن المائده والأطباق الشهيه ثوابا" لروحه ، المائده التي لم تخلو من الحلوى ، لأن في المعده خلوه لا يملؤها إلاّ الحلوى . عرضت أيضا" حديث المعزيات والآراء عن إيفاء العدّه للزوج المتوفي ، كما ذكرت ما ناقشوه من أمور محرّمه لا يعرف سبب تحريمها إلاّ من كان ضالعا" في الدين والإيمان . يجري ذلك والأرمله تتناول خفية الطعام من فتوش وحمص بطحينه . لتبقى المعزيات يرددن مقولة : الرجل في البيت رحمه ولو كان مجرد فحمه . 
                                                                       2
في قّصّة  أم السعد  ذكريات عن بابور الكاز ، أعتقد أنه من ماركة (بريموس). وصفت الطبليه التى تستعملها ، شرحت الكاتبه معنى الطبليه هامشيا" ( لم أرى لزوما" لشرحها لأنه لا يمكن لجيلكم أن يتصوركيفية إستعمالها لوضع أطباق الطعام)  . إنها أيضا" قصة إبنتها المقعده التي وقعت في صغرها وجاءت الوقعه على إبن الجان وفقا" لما فسرته الجاره الخبيره بأمور الجنّ . في يوم كان أبو السعد يصنع قضبان الدبق لإلتقاط العصافير . توفيت صاحبة البستان التي كانت تقول لحفيدتها : (خدي ياستي خرجية المدرسه) وبقيت روحها تحوم فوق التينه والعريشه  وبقيت قنينة ماء الزهر على رف المطبخ عند نجوى . 
تروي الكاتبه قصه التوق لتجربه الجنس للمرّه الأولى لدى فتاة الرابعة عشره . إنه حبّ جارف لرجل يتجاوزها سّنا" ويختلف عنها دينا" ويجعلها بمواجة الأهل.  إنه حبّ الأفلام والروايات العاطفيه إنه الإحساس بالرغبه العارمه . هي بين يديه تبادرها الرغبه تتردد تجاه النشوة الموجعه لتسلمّ قيادتها إلى عاصفة هوجاء ينهمرعلى أثرها المطر ، إنها التجربه التي يتحدث عنها الكبار بصوت خافت . 
لدى قراءه هذه القصه عادت بي الذاكره إلى رائعة أحلام مستغانمي في فوضى الحواس عند دخولها أعماق أنثى عاشقه لرجل أوقد فيها الغرام وأشعل العشق في كيانها ، خلع عنها عقلها بنظراته ، عرف ملامسة الكلمات كملامسة أنثى .  شفتاه تعبرانها ببطء متعمد وكأنه يقبلها بأنفاسه . هو رجل العتمة والظلام يضرم الرغبة ويرحل ، تمتطي إليه جنونها ، إنه سيد الوقت ليلا" ، يدحرجها من فوق شلالات شاهقة للجنون ، يمضي بها من شهقة إلى أخرى ، يجذبها إلى حيث لا تدري .  
تشير الكاتبه في قصه ّ السنين الأربعين  إلى إمرأه إستباقيه  تسأل لماذا سبقها الزمن الذي سحرت فيه الكثيرين من الذكور في طريقها إلى المدرسه ؟  أين الأستاذ الذي أولّع بها ؟ هل هي عاشقه ؟ أم عبور ذلك الشاب في بالها هو صدفه ؟  لا إن هذا الشاب لم يعد يعجبها ، هو حصرم رأته في حلب . 
                                                                    3
في روايتها عن  لعبة إمرأه  وصفت رجلها في ليلة مؤرقه ، حملت أفكار توقظ  الحنين إلى الحب . روت حكايتها مع رجل مكبل بالصمت ، أتقن في النهايه وبعد جهد جهيد النظرإليها مدة أطول وأتقن الكلام الأكبر . كلمات نجوى في هذه القصه إستحضرتني أيضا" رائعة أحلام مستغانمي في كتابها فوضى الحواس ، عندما تكلمت عن عاطفة أنثى إختلج صدرها بأمواج الحب المتلاطمه ، واصفه رجلها بعاتي الصمت  مغلق أبواب الكلمات ، جرت وراءه لتتحداه ، وتقول له ما لم تقله أنثى لرجل . 
عن قصّة بحيرة  ماريا لاخ   لدى تجوالها في بلاد الجرمان ، قالت إنها من روائع الطبيعه ، دفعتها الذكرى للمقارنه بينها وبين بحيرات عميق في سهل البقاع ، قالت عن بحيرة ألمانيا : في جمالها صمت القبور ، وفي بحيرات عميق صراخ الحبور . وعن تجوالها بمحاذاة  ضفاف نهر الرين   النهر الأوربي الطويل ، الذي تعبره السفن ، تقول أنها إستعادت ذكريات مسيرتها على رصيف كورنيش المناره بجوار بحر رأس بيروت ، نعم لنا بحرنا الفقير الأحلى ، ولهم نهرهم الطويل الذي يتأمله كبار السن جلوسا" بالقرب من ضفته ، ويمرّ الكلب المدرب رافعا" يده ليسلم على العجوز الناظره إلى النهر . عندما رفعت نجوى الصوت وغنّت لأم كلثوم بجانب شاطىء النهر ، عكرت صمت الألمان .  أنها تسمع بائع (البرفان) على كورنيش عين المريسه ، ينادي على بضاعته لتنقلب كلماته إلى (قرفان – قرفان) . 
وإلى قصة التجاوز التي روت فيها ما أصاب الشابه التي قطعت علاقتها نهائيا" بالرجل الذي أغرمت به ، ثمّ ما لبثت أن زارته حاملة الأزهار لتقدمها إليه كفعل غير معتاد يتجاوز العرف يبدل الأدوار بين الجنسين . تفاجأت بردة فعله الكارثيه ، الأمر الذي دفعها إلى رفع شعار:  الرجل لا يهدى الورود أبدا"  . بقي السؤال الذي حيّر من حولها عمّا إقترفه هذا الرجل بحقها ، دون جواب . الرجال وحدهم يعرفون جواب هذه الأحجيه لأنهم متشابهون .
يليها قصة المرأة التي لم تتجّوز . لقد وضعت عواطفها في الثلاّجه لتتجمد كالموت أو الإنفجار ظلما" . لكن الزمن الغافل قد يستفيق فجأة دون إنذار لتصادف غافل من الرجال جاء في لحظة زمنيه من كوكب آخر صدفة. عندما سلمت عليه بيدها ، شعرت بعودة الحياة إلى كيانها . موجة عشق طاغيه أصابتها رغم الشيب في شعرها . قال لها أنه يتعبد في حضورها في معبد الحب أمام المحراب . جميع من أحاط بها إنتقلوا إلى كوكب آخر ، وبقيت أنفاسهما الملتهبه وحدها تحرك الهواء.  هنا توقفت القصه بسبب إنقطاع الكهرباء . 
تبعها قصّة أم يوسف و  شريط التسجيل  الذي بعث به إبنها  المسافر إلى بلاد الأجانب ، دعت الجيران ليسمعوا ما سيقوله لها ، أحضرت المحارم لإلتقاط الدموع في أثر سماع صوته وكلماته . كانت تردد أغنية وديع الصافي ( على الله تعود يا ضايع في بلاد الله ) . حقق إبن أم يوسف النجاح في غربته وأغدق عليها الهدايا دون أن يعود ، لكنها بلغت من العمر عتيا . أعذاره متكرره  ، أضحت الهدايا في نظرها شباشيل ، همها عودتة لتزوجه وتفرح به وترى أولاده . توفيت أم يوسف ولم يحضر الإبن جنازتها . 
إلى  الموعد إنها قصة المرأة التي  دخلت المقهى المطل على بحر هادىء مع إرتفاع قليل في موجاته ، كانت العصافير تلمّ غذاءها عن الأرض فرحه ، تفرّ مزعورة عندما يداهمها الخطر . هل اتت إلى موعد لاتريده أن يحصل ؟ هل هي مغامرة أنثى تتوق إلى الذكر ؟ جلست تراقب ذلك الشاب الوسيم الذي يصغرها في أعوامها الأربعين إنه الموعد الذي يستحيل إنعقاده . تتساءل لماذا لاتذهب لتجلس على طاولته دون النظر إلى إبتسامته التي تنمّ عن النصر؟ لماذا لا تفصح له عن رغبتها في تقبيله و تقول له ما رأته قي منامها ورفضها أن تستيقظ بعده ؟ 
رآها ، إقترب منها ، كلمّها . إبتهجت كطفل تحوم حوله فراشة . إنها تتجاوزه بسنوات ، قد تصلح له أُما" . الأفكارالمتلاطمه داخل رأسها الجاسم فوق جسدها دون موافقتها ،  يريد الهرب منها . بكت عندما سمعت وديع الصافي يغنيّ (شو بدي فيك يا قلبي) . إنها الحقيقه لقد صارحمله ثقيل عليها كما  أصبح العيش ثقيل في مدينه تقاوم لأجلها فتهزأ بها . إنها ضجره .  
                                                          4
تنتقل بنا الكاتبه إلى حكاية  هذيان فتاة في العشرين إنها القصه التي حملها عنوان الكتاب . هي فتاة العشرين الجميله النضره ، ذات الجسد المكبوت ، تحلم بفارسها آت إليها من دين مختلف ، هي الفتاة التي نالت الدلال في أسرتها ، تحصل على ما تريده دون عناء . إرتمت في أحضان أول حبّ لها ، تنازلت عن دينها مع رجل ذهبت إليه بقدميها  تاركة دراستها . 
إنكسرت من الليلة الأولى، والخطوة الأولى مع عائلتة المتواضعة، تضاربت المواقف مع هذا الزوج وإرتفع منسوب التوتر . شعرت بهزيمتها ونيلها العقاب على ما فعلته ، لم تتخيل أنها ستصبح رخيصة إلى هذه الدرجه ، وأن الحب سيقودها إلى هذه الحال . هو رجل جاهل معقّد ، له تحقيق رغباته ، ولها الحرمان منها . وبقي من الناس من يقول المثل الدارج ( من يأخذ من غير ملته يقع في علته) . وتعود إلى أهلها علهّم يسامحوها على خطيئتها القاتله . 
في وداع العروس : البارحه تزوجت، وغدا" تسافر إلى الغربه . من خبر الرجال من النسوه الحضور لوداعها ، قدموا النصح للفتاة الصغيره ليلة زفافها .  (لا تقولي له لا )  (لاتكسري هيبته) . نسوه نصحوا العروس فيما خبروه خلال أيامهم الخوالي ،  بترويض الرجل و التعايش معه وعدم الخضوع لمطالبه دائما .
العروس خائفه لأنها ذاهبه إلى الغربه ، إنها في حيرة من أمرها ، بأيّ نصيحة تأخذ وأيّ تجربة هي الأفضل ، لاسيما ما قالوه من أن الأولاد ليسوا برابط متين بين الزوج والزوجه ، وما قالوه عن الطلاق وكيف يمكن جعل الرجل خاتما" في أصبعها . إلى أن تطرق الحديث إلى شكوى الزوجات من شخير الزوج ، ومن الإنتظار وإمساكه بالبدايه والنهايه ، و أخيرا" من الطبع اللئيم . 
ماذا قالت نجوى عن بطاقات المعايده   في الزمن الرديء ، في زمن التنهد الطويل والحسره من الفراق وغربة الإحباب ، إنها بطاقة المعايده التي تصل منهم ، حامله حزمة المشاعر والأماني إلى أهلهم في البلد مع أحلام الرجوع من الغربه .   يتمنون أن تعود فرحتهم  بالعيد ، وتزول المآسي التي سرقت الكثير من العمر ، ومن أسرار حملتها موجات بحر بيروت المشرئبه وجنينة الصنائع وشارع الحمرا  والمناره . كتبوا   نريد العيش مع كلّ الناس في الوطن  يجمعنا الحبّ والصداقه والألفه  الآن لم يبق بيننا سوى الرسائل و بطاقات المعايده التي تشير إلى الحرب ، والسؤال عن مستقبلنا والمنطقه . إننا نحلم بالعوده إلى زياد الرحباني في نزل السرور  .
 ليس لنا الآن سوى لإنتظار وحنين قهّار في طيات المكاتيب لنحيا من خلال المراسلات .
                                                                     5  
إلى هنا تنتهي قصص نجوى في أدبها الوجداني الذي يشي بعواطف الحب والمحبه ، يلامس حزن الأمهات على فلذات اكبادهن  و يعطي الوطن حقهّ من التعلق به . قراءتها تغريّ بالمتابعه لما فيها من متعه أو هكذا شعرت وأحسست . 
في كلمه أخيرة ، أسجلّ ما ورد في خاطري  وأقول لأحفادي بأني تمنيت أن أستفيق يوما" من الموت ومن تحت التراب بعد مرور ألف عام ، لأرى أجيال الأجيال من أحفاد أحفادي وأسألهم : هل قرأتم ما كتبته لكم من ملخصات لأشهر كتاب : الأدب والفلسفه والدين والتاريخ والعلوم وعلم النفس ؟ 
أشك في ذلك لأني أعلم  الصعاب التي ستواجهكم في قراءه المكتوب ياللغة العربيه . منذ الآن ألمس ما أصاب عقولكم من تحوّل نحوى اللغات الأجنبيه وإهمال اللغه العربيه . ما تودون شرحه من معاني الكلامات العربيه ، تنطقون به باللغة الأنكليزيه أو الفرنسيه لتفسير مضمونه .        
لا يا رب أستحلف بعزتك  لا تبعثني حيا" يوم ذاك .
عبد الرحمن القيسي 
نهاية ربيع 2017   

(*) "هذيان فتاه في العشرين"، مجموعة قصصية للكاتبة نجوى زيدان، منشورات دار الفارابي، بيروت، لبنان، كانون الثاني 2017.

يوم الجمعة: الشعب ما عاد يريد شيئاً

يوم الجمعة، المُصلون يخرجون من جامع في بيروت لم يُنجز عُمرانه بعد، ما زال قيد الإنشاء، في العادة يفترشون الباحة الأمامية المقابلة للبناء، التي كُتب على مدخلها اسم الجامع والذي يعود لأحد الأئمة الأربعة. في الشارع الخلفي للجامع ارتفعت اكوام النفايات، وسُدّت الطريق على السيارات كما على عابري السبيل وغرقت المستوعبات الخضراء الصدئة، تحت وابل الأكياس المربوطة أو المتروكة على غاربها، تلفظ ما في داخلها نحو الاسفلت.

انه اضراب عمال التنظيفات منذ ثلاثة ايام والمدينة تضج بروائح نفاياتها.

يخرجون متلاطمين، في مشهد يشبه الى حد بعيد، خروج التلامذة الى الملعب، فرصة الساعة العاشرة، لا اعلم اذا ما كان هذا التوقيت لا يزال معمولا به في المدارس حتى اليوم.

هُنا، يمشون في الشارع المحاذي للجامع كأنه ملعبهم، شارع حيث يصعب على السيارات عبوره كما على المشاة من غير المُصلّين، لا سيما النسوة المنتظرات حتى انتهاء توافد مُصلي يوم الجمعة. على وجوههم علامات الخلاص من الفرض الاسبوعي، مبتهجين، يتنفسون الصعداء ويتفرقون، كل في طريقه نحو المنزل، انه وقت الغداء، بعضهم يتوقف عند الملحمة في زاوية الشارع، يأخذ معه الكبة النيئة، وآخرون يتوقفون عند الخضري “يفاصلونه” على اسعار الفاكهة، يحملونها معهم الى عائلاتهم. والفقير منهم يكتفي بلفة خبز وقنينة المشروب الغازي الأمريكي المفضّل لدى اهل بيروت ولدى العمال السوريين في ايامنا هذه.

نزولا باتجاه السراي الحكومي السابق، فرُغ الجامع المقابل له من المصلين، الا بضعة من الشبان المرتدين للملاءات البيضاء، الراخين لِحاهم، يخدمون شيخهم الذي ما لبث في الداخل يتابع امور الارامل ويوزع “الحسنات”، بما اوتي من اموال مغفولة المصدر او حصص من الأغذية تبّرع بها احد “المحسنين الكبار”، اما من داخل البلاد او خارجها.

ثلة من النسوة، يقفن خارج مبنى الجامع، كل منهن تدخل بدورها الى حضرة الشيخ، طبعا بإشارة من شاب يعمل في خدمته، تدخل امرأة تجاوزت الخمسين من العمر، لا يطول بها المقام عند الشيخ المحسن، فتخرج كالخائبة تحمل كيسا من النايلون الأسود في داخله: كيلو من الارز وكيلو من السكر وكيلو من العدس وكيس شاي لا يتجاوز الاوقية وعلبة من البسكويت صناعة تركية.

شابة تتوارى وراء النسوة، المنتشرات، المنتظرات في الخارج، تفضل ان تظفر باللقاء الاخير مع شيخ الجامع، من الاعلى، ترتدي حجابا اخضرا لماعا، ومن الاسفل حذاء بكعب عال، يختفي لونه تحت تنورتها الطويلة، لباسها غير متناسق على جسد جميل، رموشها كثيفة وكحلتها السوداء زادت من الق عينيها.

ها هي امرأة في العقد الثالث تخرج من باب الجامع الموارب، بعد ان طال بها المقام قليلا، تطل عليهن بمكياجها الرخيص وحجابها البالي الالوان، وحذائها المتسخ، وعباءتها السوداء المغبرة والفضفاضة. تبتسم لقريبتها المنتظرة علامة تقول بأنها ظفرت بورقة نقدية. النسوة هنا يفضلن “الكاش” على المؤن.

انتهت المقابلات، وبقيت ذات الحجاب الاخضر اللماع ترسل ابتسامتها لخادم الشيخ الى ان اشار اليها بالدخول، فلملمت نفسها ودخلت مسرعة، وخادم الشيخ لم ينس ان يغلق الباب خلفها قليلا، وهو ينتظر من حوله ريبة مما يفعله. طال بها المقام، زائرة مختلفة عمن سبقنها من نساء، عفوا، طالبة حسنة من نوع آخر والشيخ نيّته سليمة ولا يعرف سوى الحلال. يخاف غضب لله عليه يوم القيامة حيث لا ينفعه مال ولا بنون، صحيح انه متزوج ولديه ثلاثة نسوة، لكنه ارادها الرابعة، وهو لا يأتي بمنكر فقد أُجيز له.

سألها: “هل انت طاهرة اليوم حتى اكتب عليك؟” احمرّت وجنتاها، وأرخت رأسها خجلا، ففهم الشيخ الفطين فقال لها: بسيطة، يوم الجمعة “الجاي” (القادم) تأتين إليّ بعد الصلاة ومعك هويتك ونتمّم الامر”. لم تُجبه الا بموافقة من رأسها وبسمة فاترة.

خرجت منفرجة الشفاه، تُخبّىء شيئا في جيب تنورتها الطويلة، كانها ورقة المائة الالف الخضراء، دفعة واحدة، وتتأبط كيسا كرتونيا فيه زجاجة عطر وعباءة زهرية ومنديلا مناسبا من الزهر الفاتح جدا.

لم أنتبه الى امرأة في العقد السادس من العمر، في يدها المحمول “الموبايل”، تنتظرها في الزاوية الملاصقة للحديقة العامة، وعندما وصلت اليها، ضحكت بصوت مسموع، ناظرة خلفها، متحسبة ان تكون في مرمى عيون خادم الشيخ ويرى فعلتها. نهرتها المرأة الهرمة ولكزتها بكوعها : امشِ ندخل الحديقة، نسولف هناك.

كانت السماء مُتعكرة بفعل غيمات تشرينية، والهواء يحمل الينا برودة الخريف في مدينة لم تعد تشبه نفسها، في مدينة تشعرنا بالغربة في كل يوم، في مدينة تتخلى عنا.

دخلتا الحديقة، اعمال فنية جميلة تُطالعك وقد رُصفت في اماكن متفرقة من الحديقة، وخيمة صُنعت من اوراق الجرائد، يا لها من فكرة في زمن، تستجدي فيه الصحيفة قراءها بعدم التخلي عنها! هذا عمل فني من وحي الواقع.

رف من النسوة السوريات يدخلن الحديقة، غير آبهات بالاعمال الفنية، يحملن هواتفهن المغلفة بأغطية براقة تلمع تحت شمس تشرين الخجولة. تشحط خلفهن فساتين طويلة ملونة او عباءات سوداء ويتضاحكن مسرورات بلقاء بعضهن بعيدا عن الحرب في بلادهن القريبة البعيدة ويتسرب من ايديهن اولادهن باتجاه مرجة الالعاب، اما من كان طفلا في العربة المجرورة، فهو سيبقى في مكانه وعلى مسكة عربته اكياس البزر والعصير والبسكويت لتزجية الوقت.

اتخذتا ركنا في الزاوية الشمالية بعيدا عن الجامع. فاجأتها بسؤالها: “هل سيكون لك مسكناً؟”. ضحكت كالمعتوهة وهي تميل بجزئها الاعلى من جسدها نحو المرأة الهرمة بحركة دلع واجابت: “ما ادري، الجمعة الجاي حيكتب عليّ”.

مرّت امرأة عجوز بجانبهما، تحمل قنينة ماء صغيرة وكيس اسود، فنظرت ناحيتهما متفاجئة: “أأنتما هنا”، ضحك الجميع وألقت العجوز بجسدها المثقل بالسنين، الى جانبهما. ودار حديث غير مسموع تنتابه الضحكات بين جملة وجملة. فتحت العجوز كيسها واخرجت خسّة وهبها اياها الخضري، قصفت الاوراق وقدمتها الى جليستيها واخذت تلوك بدورها ورقة بعد ان نفضتها.

فتاة في العاشرة من عمرها تمر بصحبة امها بالقرب منهن، فتنزلق قدمها وتقع ارضا، يصرخن جميعهن: الله الله، الله يحرسك، تساعدها الام على النهوض، وتُناولها العجوز قنينة الماء: “الله يسمي على قلبك، صابوها بالعين”، يوسّعن في المكان كي يُجلسن الام وابنتها التي انزلقت للتو بسبب حذائها الاسود اللمّاع غير المناسب لارتياد الحديقة.

نظرت المرأة التي جاءت برفقة الشابة التي كانت عند الشيخ، نحو الفتاة الصغيرة، بفستانها الأسود القصير يتوسطه رفرافان على الخصر من ناحية اليمين ومن ناحية الشمال، وتحته “كولون” نايلون اسود مشبّك. ملابس هذه الطفلة شبيهة او مقتبسة عن “موضة” ملابس فتاة ناضجة. لباس في تفصيله الكثير من الاغواء. توجهت المرأة الى ام الطفلة وسألتها بلؤم: “تريدين تجوزيها؟”. فدُهشت الام واجابت ببراءة: “بعدها صغيرة”. فردت عليها بجرعة لؤم إضافية: “ترى هاللبس ما يجيب غير الفحولة”. صُعقت الام: “من لهجتك مبينة سورية. نحنا مش متل عندكن، ما عنا هالشي، ما منجوز البنت صغيرة”. اجابتها: “اي والله، انا كل بناتي تجوزوا بعمرها يعني اكبر شوي، من عندكن، اكبر وحدة ما يجي عمرها 17 سنة”.

ارتبكت المرأة البيروتية وعلّقت:” شكلو ما رح تتركو لبنات البلد عرسان” وضحكت واقفة على قدميها، مادّة يدها الى ابنتها ان تقوم لمتابعة النزهة.

هُنا شلة من الرجال العجائز يدخنون ويلعبون الورق ويتصايحون بين فينة واخرى. شابان يتمشيان، مُتأنقان بشكل مضحك، فيه الكثير من التأخر عن “الموضة”، يبحثان عن نصيبهما من الجنس الآخر. اطفال يلهون بأصوات مسموعة وطفلة صغيرة ترتدي بنطالا تحت فستانها، تقول لأخيها الاصغر: “ما تروح لبعيد بيخطفوك” وام تقصقص البزر الابيض تنده من بعيد: اسمع كلمة اختك”. نسوة توزعن على المقاعد الخشبية وفي ايديهن سجائر دخانها يتصاعد، كأنهن في اعلان تجاري عن التدخين. اناس يمارسون الرياضة ويتابعون اعمالهم عبر الهاتف او يثرثرون مع اصدقاء.

امرأة تدخل توزّع الابتسامات على حراس الحديقة، ماشية بتأن اذ من خلفها يمشي ردفيها، وفيهما الطُعم، علّها اليوم تظفر بصيد ذكري ثمين. امرأة تُمارس هواية المشي السريع على وقع الاغاني، تضع نظارتيها الشمسيتان الكبيرتا الحجم على عينيها والسماعات الكبيرة الحجم ايضا على اذنيها، ترافق الاغنية بصوتها كأنها تعيش في عالم “الكارا أوكيه”.

اصوات عجلات الاطفال وكلمات من محادثات هاتفية طويلة تُسمع من هنا ومن هناك وضحكات النسوة المنفلتة، تحيات تُلقى على حين غرة بين اناس تعودوا اللقاء في ارجاء الحديقة ، وصراخ العجائز لاعبي الورق، كل ذلك على وقع اصوات البنائين وآلاتهم التي تصدر الضجيج في الجهة المقابلة للحديقة.

آذان العصر يرتفع وترتفع معه اعداد المتنزهين. انها حديقة المُشاهدات الحيّة في بيروت التي تمضي الى الموت بإرادة شعب لم يعد يريد شيئا، ليس فقط يوم الجمعة بل كل الايام. فهو في كل يوم ينتظر عودة الكهرباء بعد انقطاع ويعبّىء المياه من الصهاريج الناشطة تجارتها منذ سنين. ويرتاد شارعا آخر اذا ما تكومت النفايات في شارع حيّه، وهو يتبادل النكات يوم انتخاب الرئيس ويحتفل ليلا بتحقيق حلم عمره 26 سنة وتنصيب زعيمه رئيسا للبلاد، ويطلق الالعاب النارية بتكليف زعيمه رئيسا لتشكيل الوزارة، ويسير في مواكب الفرح في طرقات المدينة التي تحتضر: في بيروت.

نجوى زيدان، كاتبة وصحفية عربية من لبنان 

بيروت، تشرين الثاني، 2016

بريد مؤجّل لأمي

على النجد القريب من دارنا، كان هناك بيت مهجور. أحدهم قبل سنين طويلة تزوج وأنجب ولدَين، وعمّر ذاك البيت لينتقل من بيت أمّه إليه ويحيا حياة الزوجية. ثم في ليلة غريبة، تقيّأ كثيراً ومات، وترك الولدين وأمهما وأمّه أيضاً، ولم يكتمل البيت. ظلّ بدون سقف وبدون أبواب ونوافذ. نمَت الشجيرات بداخله، وبقي قابعاً في ذلك النجد يشرف على قريتين ووادييْن مختلفَين، يتجمّع أمامه مراهقو القرى، وتستريح بجانبه النساء حاملات الحطب والحشائش ومؤونة البيت اللاتي يجلبنها من الدكان في الوادي المقابل للبيت. ثم تحوّل أخيراً إلى صفّ لمحو الأمية.
في نهاية العام 2014، وقع الحدث الأهم بالنسبة لنساء قريتنا. فقد قرّرت إحدى الفتيات المتخرجات من المدرسة الابتدائية أو ربما الإعدادية، أن تتطوع لتكون أستاذة لمحو الأمية في القرية. وبمساعدة من هنا وهناك استطاعت الحصول على المنهج. واتفقت النساء على الموقع، وقالت الفتاة أنها ستعطيهن حصّتين في الأسبوع. يتجمعن في العصرية، بعد أن يكملن إطعام أطفالهن وماشيتهن، وبعد أن يلبين طلبات أزواجهن، ويتأكدن من تقسيم عمل البيت على الفتيات والأولاد، فتلك تجلب الماء وذلك يرعى الماشية وتلك تعجن لخبز العشاء، وبعد أن يكنّ قد اغتسلن من عمل اليوم.. ومن المؤكد أنهن جميعاً يضعن الكحل وأغلبهن يطلين “الهرد” على وجوههن، ويرتدين جلابياتهن النظيفة، ثم يغدون إلى الأعلى، إلى النجد، حاملات الدفاتر التي كتب عليها أبناؤهن بخط كبير ومنسق أسماءهن، وتبدأ معهن الأستاذة الصغيرة حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، وتشجعهن على حفظ القرآن: ويكون القرآن والصلاة الصحيحة من أسمى أهدافهن لتعلم محو الأمية. قد يكون الهدف الأول (حسبما يقلن)، لكني أعتقد أن الأولوية صارت لحفظ أرقام هواتف أبنائهن المبعثرين في المدن. فلكم سمعتهن يتمنين لو كن يستطعن الاتصال بمفردهن دون استجداء الأولاد الصغار.
أسأل أمي: ها، كيف الدراسة؟ تضحك: خلاص يا بنتي كبرنا، تدخل الكلمة من هنا وتخرج من هنا. ومع أني أكلمها عبر الهاتف ولا أرى إشاراتها، لكني أعرف أنها تشير إلى أذنيها. لكنها لا تقول الحقيقة. هي فقط تتواضع، فهنّ جميعاً مكافحات، صبورات، فلاحات حقيقيات إنْ أقدمن على شيء فلا بد أن ينجزنه. كان الندم حينها ينهش قلبي، وكان إحساسي بالعار عميقاً وجللاً: كيف لي أن أواجه أمي وذاتي الآن بعد مضي كل هذه السنين التي تمنيتُ فيها لو أن أمي تقرأ ولم تخطر على بالي فكرة أن أعلّمها بنفسي؟ ما زلت أندم حتى اللحظة، لكني أعد نفسي بأني قد أستدرك هذا يوما ما. أيّامها اكتفيت فقط بأن أشجعها، وأخبرها بأني سأبعث لها بعد شهر واحد رسالة على الموبايل لتقرأها. تضحك أمي من جديد وتقول لي: على الله يا بنتي.
yemen art

لوحة حكيم العاقل ـ اليمن

كانت أمي تكافح وتنافس جاراتنا الفلاحات. لدى جاراتنا فتيات صغيرات يذهبن للمدرسة، يساعدنها في عمل البيت ويساعدنها في التعلم، بينما أمي لديها ذكور من حواليها، متجولين أو مسافرين، والفتاة الوحيدة مشغولة بأعمال ما في المدينة. لكن إخوتي الأصغر عادوا إلى القرية وساهموا في تشجيعها وتعليمها. كانت تتشاجر معهم وتتشاجر مع أبي ولا تحتمل نزقه وطريقته في التدريس. أخبرتني أن جارتنا الصغيرة عفراء تأتي أحيانا إليها لتستمع إلى ما حفظته من القرآن، وتصحّح لها ما أخطأت به. كانت تمضي بصعوبة، لكنها كانت تمضي، وأنا سعيدة غاية السعادة، سأضيء من سعادتي طريقها، ومستعدّة لأن أهب في سبيل تعليمها القراءة والكتابة عيناً ويداً. كان حلماً أن تقرأ لي أمي مقالاً منشوراً في صحيفة وترى بجانبه صورتي، من فئة الأحلام البعيدة وشبه المستحيلة. لكنه فجأة بدا ممكناً. وأمي المنشغلة دائماً وجدت وقتاً لطموح شخصي بحت لا علاقة له بنا أو بماشيتها أو بالأرض.
حين اندلعت الحرب وعلقت في المغرب، كان لدي من الأحاديث والألم ما لا يمكن التحدث به، لا يمكنك أن تقول أي شيء عبر الهاتف، ولا يمكنك أن تبكي أو تصوغ ردّات فعلك. لذا تصبح الكتابة هي الخيار الأسهل. فجأة اندلعت الحرب، وفجأة صرتُ مشردة، وفجأة تسرب مني الكلام فخسرت الأصدقاء، وفجأة استبدلت كل حديث ببكاء يومي.. وكل هذا يمكنك فقط أن تكتبه، لكن ماذا إن كان الشخص الذي يجب أن يقرأ كل هذا لا يمكنه القراءة؟ أمي تظل أمي، أينما كنتَ وكيفما كنتَ، تعتقد أن أمك يمكن أن تحميك من كل سوء وأن تحمل عنك كل ألم، تماما مثلما كنا صغاراً إن جُرحنا نبكي ونهتف: أماه! وفي المغرب لم أكن أريدها أن تحمل ألمي، كنت فقط أريدها أن تعرفه، فسألتها برجاء مرّ إن كانت ما تزال تدرس، فنفت هذا قائلة أن كل شيء توقف: الدراسة وسيارة القرية التي تحمل كل المؤونة للدكان الوحيد، وحتى شبكة الهاتف وهي تحدثني من على قمة الجبل، شارحة لي هي وإخوتي بأن لا مكانا آخر تصله شبكة الهاتف غير ذلك المكان، فطائرات التحالف قصفت أبراج الاتصالات.
كتبت إليها كثيراً. كنت أكتب إليها رسائل طويلة جداً، أشرح فيها كل شيء بطريقة غير مرتبة، ورسائل قصيرة أحتفظ فيها بملاحظات الهاتف، رسائل أخرى أبكي فيها، رسائل أعتذر فيها، رسائل أعدها بأني سوف أعود، رسائل أتمنى فيها لو تقرأ كل ما سبق. بقيت تلك الرسائل في أماكنها لم يقرأها أحد ولا حتى أنا، وأمي لم تكن تهتم بكل هذا: لا بأني أريدها أن تقرأ ولا بمدفعيات الحوثيين التي تدك القرى المجاورة، ولا بطائرات التحالف، ولا بشبح المجاعة. كانت تصعد إلى قمّة الجبل كي تلتقط شبكة الهاتف وتحدثني بينما يصلها صوتي متأخراً، وفي كل محادثة كانت تؤكد عليّ: عودي إلى القرية! إنّ هراء الكتابة هذا شيء، أنا فقط أتهرب من خلاله، لكن أمي لا تحتاج لأن تقرأ كي تعرفني وتعبر لي عن كل شي بجملة واحدة: “عودي إلى القرية”. فهي بهذا تختصر كل شيء: الحرب والأمن، الحب والفقد، الوصل والبعد.
ما زلت أحسد أولئك الذين تقرأ أمهاتهم، أحيانا أحسدهم بشدّة، وأتمنى أن أخبرهم كم هم محظوظون، وأن أطلب منهم أن يكتبوا لأمهاتهم.. كثيراً. وأحيانا أخرى أجدني متصالحة: صحيح أن أمي ستقرأ ما أكتب، لكنها أيضا ستعرف أكثر عن هذا العالم البشع، وروح أمي أنقى حتى من أن تعرف وأرهف بكثير من أن تحتمل، وأمي لا تحتاج لأن تقرأ كي تفخر بي وكي تعرفني وكي تحسّ بي، لكني سأخبرها هنا أن الحرب ستنتهي يوماً، وسأعود أيضاً وسنتعلم معاً.. هي أن تجد مرة أخرى وقتاً لطموحها الشخصي وأنا بأن أقتسم معها طموحي الشخصي بحيث ستقرأ هذا، بينما ابتسم وأنا بجانبها.

ريم مجاهد، كاتبة من اليمن
24 آب/ أغسطس 2016

قصة قصيرة : يوم على تخوم الوطن الفلسطيني

قفز قلب “يحيى” من مكانه فرحًا عندما سمع المذيع، يعلن بدء انسحاب جيش الاحتلال “الإسرائيلي” من جنوب لبنان… بدأ يُحدّث نفسه متسائلاً: هل صحيح ما أسمعه؟! هل يمكن أن يكون المذيع قد أخطأ في قراءة الخبر؟! حاول أن يقنع نفسه أن ما سمعه ليس خطأ، وإنما هو ما يحصل فعلاً: لقد هزمت المقاومة “إسرائيل” وجيشها الذي حاول الكثيرون اقناعنا أنه لا يُهزم!!

بدأت الأفكار تتوارد إلى ذهن “يحيى”، بشكل كبير وغير متسلسل.. قبل تحرير جنوب لبنان في (25-5-2000)، ظنّ الكثيرون أن هزيمة “إسرائيل” أمر غير ممكن.. كانت هذه الأفكار “المنهزمة”، موجودة في وقت كان يقاتل فيه المقاومون في جنوب لبنان وفلسطين، ويصنعون النصر ويُلحقون الهزيمة بجيش الاحتلال “الإسرئيلي”، فكان هذا البعض من أصحاب النفوس الضعيفة والمنهزمة يرى أن “إسرائيل” لا يمكن هزيمتها، فهي تملك جيشًا “لا يقهر”..  ويُدلّلون على ذلك بالنكبة والنكسة واجتياح لبنان والجولان!!.

كان “يحيى” من أصحاب الرأي القائل إن هزيمة “إسرائيل” ليست أمراً ممكناً فحسب، إنما هو الأمر الحتمي، لأن الوقائع التي صنعها المقاومون بدمهم وجهادهم تؤيد ذلك.. وفي العام 2000، تجسّدت الحرية على أرض الجنوب اللبناني بناء مكتملاً، وما كان حلماً ومستحيلاً ـ برأي البعض ـ، غدا ممكناً، تحريراً وفرحاً، وطيوراً مُزقزقة بفجر الحرية التي صنعها المقاومون بدمهم شهادة ونصراً، وبعذاباتهم وصبرهم حرية وفرحاً.

لقد أصبحت ساعات التحرير مميزة، إذ لم يشعر العرب قبل هذه اللحظات بطعم النصر الحقيقي على جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، فقد سادت في أوقات كثيرة أجواء القهر، وكلمات التّبجُّح التي خنقت الإنسان العربي وساهمت بصنع الهزائم.. شعر “يحيى” أثناء وجوده في القرى والبلدات المحررة أن نُسيمات الهواء فيها مختلفة؛ لقد رأى الطيور غير خائفة، والسماء صافية على غير عادتها، والأرض مبتهجة بعودة أصحابها وكأنها تريد أن تستريح من عناء الاحتلال. لقد تجسّد ذلك بمشهد رؤية النسوة اللاتي يزغردن بأعلى الصوت، ويرافقهن الأطفال الذين يلعبون باطمئنان، وهم يرفعون شارات النصر، وتعلو وجوههم بسمات تهزأ بالمحتل وعملائه، وتقول: “انتصرنا”.

لقد جال “يحيى” في “المناطق المحررة حقاً”؛ فقد جال من الطُّرة، والسويداء، والدبشة، وعلي الطّاهر، وشقيف، وكفر تبنيت، وأرنون، وسحمر، ويحمر، ووصل إلى مرجعيون وحاصبيّا والخيام، وكفر كلا، والعديسة وبنت جبيل،

ورأى هذه البلدات تبتهج فرحاً بالتّخلّص من كابوس الاحتلال. وفي “قلعة الشقيف”، التي فجّر جنود العدو بعضاً منها، تجوّل “يحيى” هناك. لم يترك منطقة إلّا وتجوّل فيها؛ صعد إلى دشم المراقبة، ودخل إلى حيث كانوا ينامون!!

وبعد ذلك زار “يحيى” معتقل الخيام؛ فهنا توجد أسماء العملاء، وهنا غرف المعتقل وزنزاناته؛ غرف لا تدخلها الشمس،  والرطوبة العالية تعشعش في كل زوايا المكان. أما الأغطية والفرشات فلم تُغسل منذ دهر أو أكثر، لا تستطيع الاقتراب منها، فكيف بالمعتقلين الذين كانوا ينامون عليها لسنوات طوال؟!!

في معتقل الخيام، رأى “يحيى”، المواطنين وهم يخرجون من غرفة ليدخلوا إلى أخرى وهم متأثرون جداً ببشاعة هذه المشاهد المرعبة، والظلم الذي لحق بالمعتقلين. وبعد ذلك قام بجولة في ساحة المعتقل ودخل إلى غرف التحقيق فرأى الأدوات التي استخدمها العملاء في تعذيب المعتقلين، بدءًا بالكهرباء، وطشت الماء، إلى عامود الكهرباء الذي يُعلّق عليه المُعتقل عدة ساعات مُغطّى الرأس بكيس أسود. في هذه الأثناء، بدأ أحد المعتقلين المحررين من بلدة الخيام شرحاً عن أيام العذاب التي قضاها هنا في هذا المعتقل، لكنّه ما نسي أن يذكر الفرح القادم.

وعندما همّ “يحيى” بالمغادرة رأى صبياً لا يتجاوز عمره تسع سنوات يمسك والده بيده، ويلبس بزة عسكرية، ويحمل بيده الأخرى مسدساً بلاستيكياً، يقول لوالده:

– “إيمتا بدّي حارب اليهود؟!!”.

 فأجابه والده بقوله:

– “عندما تكبر”.

فقال الصبي:

– “بس أكبر بيبطّل فيه يهود”..

 فضحك الوالد وضحك “يحيى” معه، فنظر الصّبي باستغراب شديد، وتوارى خلف والده خجلاً.

بعد ذلك، انطلق “يحيى”، إلى ميس الجبل، فعيطرون فبنت جبيل، فالعديسة، وهناك وقف ليرى ولأول مرة أرض فلسطين الحبيبة، الموقف لا يوصف، دمعت عيناه، وزاده ذلك شوقاً إلى أرضه ووطنه.. ومازاد الطين بلة ـ كما يقول المثل الشعبي ـ، رؤيته لفلاح من المستوطنين، وهو يحرث بمحراثه الأرض الفلسطينية، فلم يتمالك أعصابه، فرشقه بعدد من الأحجار، التي لم تصبه ولم تصل إليه!!

هناك وعلى مقربة من فلسطين ومع “شمس البلاد” التي بدأت بالمغيب؛ أحسَّ “يحيى” ولأول مرة بشعور غريب؛ فقد تنفّسَ هواء غير الهواء، وشمّ رائحة عطر ليمون وبرتقال يافا وبيّارات حيفا، وأيقن كم هي قوية ذاكرة الفلسطينيين؛ فرغم التشريد والغربة عن المكان، إلا أن ذلك عزّزه حضور قوي للذاكرة جعلت الأجداد يجتهدون بنقل كل ما يتعلّق بفلسطين لأبنائهم، وكذلك فعل الأبناء فتركّز الوعي الجمعي أن الوطن لنا، وأن الغاصبين لا بد أنهم راحلون.

وعلى مقربة من أرض الوطن تذكّر “يحيى”، قول الشاعر: كان لي بيت هناك، وأحلى أحلى ذكريات، فتذكّر بلدته “بلدة الشيخ” التي لم يزرها”، وتقع على بعد خمسة كيلومترات جنوب شرق مدينة حيفا. ورغم أنه لم يعش فيها، ولكنّها سكنته. وظل كما الكثيرين يحافظ على مفاتيح المنازل وأوراق (الطابو) ككنز ثمين، رغم أنها تحت الاحتلال ومُسيّجة بأسلاك شائكة، وليس فيها إلا أكوام من حجارة وأنقاض لمنازل مُدمّرة مُبعثرة بين الأشواك ونباتات الصّبار وشجر التين والزيتون المُهمل بفعل الاحتلال… لكنها تضم قبراً لرمز من رموز الجهاد والمقاومة، وهو قبر الشيخ المجاهد عز الدين القسام قائد ثورة عام 1936، الذي ربطته علاقة نسب مع القرية وله ذكريات جميلة مع أهلها..

ومع مغيب الشمس، كانت روح “يحيى” تكاد تغيب؛ فهو لا يريد مغادرة المكان القريب من الوطن.. ولا يريد العودة إلى مخيم “عين الحلوة”، وإنما يريد إكمال المسيرة والعودة إلى وطنه الذي تفصله عنه بضعة أمتار، وسياج، وجنود ومستوطنون.. غابت الشمس، لكنها أشرقت في قلب وعقل “يحيى”، من جديد أن هذه الأرض مهما طال الزمن ستعود إلى أصحابها…

هيثم أبو الغزلان، كاتب ومناضل عربي من فلسطين المحتلة
20 أيار 2016
مركز الحقول للدراسات والنشر