“حبيبُ التراب” : تحية إلى ذكرى أبو علي محمود مغنية (الرفيق محمود الصفير)

“حبيبُ التراب” : تحية إلى ذكرى أبو علي محمود مغنية (الرفيق محمود الصفير)

كانت المرةَ الأولى التي أصعدُ فيها منبرَ صور ولا يكونُ محمود مغنية في مقدمةِ الصفوفِ كعادته في أمسياتي وندواتي كافة التي غالباً ما كان عرَّابها ومُنسّقها في المدينة وقضائها، أو بالأحرى في المدينة وفضائها الذي يغدو أكثر حريةً ورحابةً، وأكثر أخوَّةً ومودّةً ومسرَّات بوجوده وبحضوره الأليف الأنيس، الرهيف الشفيف.

رحتُ أفتشُ عنه بين الوجوهِ فلم أره، لكنني حين أَنصَتُّ إلى دقاتِ القلوبِ سمعتُ صدى صوتِهِ الودودِ ورنينَ ضحكتِهِ المؤنسةِ، ولمحتُ طيفَهُ في عيونٍ تغصُّ بالدمعِ شوقاً إليه، وخلته يقولُ لي جملتَهُ المعهودةَ: هَدِّي البال، هَدِّي البال.

وكيف يهدأُ البالُ أيها الغالي ورحيلُكَ تركَ فَجوةً في القلبِ وثقوباً في الروح، كيف يهدأُ البالُ والطَّيِّبُون أمثالُكَ يَرحلونَ تِباعاً كأنَّ الله يشتاقُ سريعاً إليهم فيستدعيهم إلى الملكوتِ الأعلى…

يُعزينا يا أبا عليّ، أيها المقاوِمُ والمناضِلُ والنقابيُّ والمثقفُ الثوريُّ، يُعزينا أنكَ كنتَ دائماً على ضفةِ الحقِّ، منتصراً للمُستضعَفين والمسحوقينَ والمظلومينَ وللضحايا، ضحايا الاحتلالِ والعدوانِ الإسرائيليِّ، وضحايا الإفقارِ والحرمانِ على يَدِ نظامٍ طائفيٍّ فاسدٍ مُفسِدٍ.

كنتَ على الدوامِ حاضراً في الميدان، ميدانِ النضالِ بأشكالِه كافةً، لم تتركْ جبهةَ قتالٍ تعتبُ عليك، ولا خندقاً إلا وافترشتَ ترابَهُ. لأنك ابْنُ الترابِ المجبول بعرقِ الناس، وابْنُ الأَرْضِ المُشجرةِ بالشهداءِ، وَابْنُ الجنوبِ الذي صارَ بالنصرِ والشهادةِ كُلَّ الجهات، وَابْنُ القريةِ المُعلَّقةِ على حبالِ الصلوات ونذورِ الأمهات، وَابْنُ الأسرةِ التي حفرتْ بإزميلِ الكدحِ والعرقِ صوَّانَ الفقرِ وشظفَ العيش، وَابْنُ الذين حفظوا بدمائِهم ما تبقَّى من ماءِ وجهِ العرب.

هنا، في الجنوب، لا يتفتحُ فقط زهرُ الليمونِ المُمَلَّحِ برذاذِ الأبيضِ المتوسط، بل يتفتحُ أولاً وردُ الشهداء الذين بذلوا أرواحَهم لتبقى هذي البلادُ حرّةً مُستقلةً وليبقى أهلُها كرماءَ أعزاء.

هنا في الجنوبِ، يتفتحُ وردُ الشهداء الذين نغرِسُ جثامينَهم في الترابِ مِلْحاً مباركاً لأرضٍ عزيزةٍ طاهرةٍ، لأنه إذا فَسُدَ الملحُ فبماذا يُملّح؟ ومِلْحُ الشهداء لا يَفسدُ ولا يُفسِدُ، وكذلك مِلْحُ الفلاحين المقاوِمينَ الطيبينَ الصادقينَ كَمحمود صفير(محمود صفير اسمه الحركي) الذي كان حقاً بمثابةِ الملْحِ لمائدةِ الأخوَّةِ والصداقةِ والشجاعةِ المنقطعةِ النظير، ومثَّلَ على الدوامِ المعنى الجوهريَّ النبيلَ السامي لصفةِ مناضل. فما كان يوماً طالبَ منصبٍ أو مكسبٍ ولا ساعياً وراءَ جاهٍ أو سلطة.

يَحارُ المرءُ من أيِّ الأبوابِ يدخلُ إلى عالمِ محمود مغنية، وأبوابُهُ متعددةٌ واسعةٌ رحبَةٌ رحابةَ قلبِهِ وعقلِهِ ووعيهِ المبكِّرِ بقضايا شعبِهِ ووطنِهِ وأمّتِهِ، ويَحارُ بأيِّ الأسماءِ يناديه، وكُلُّ أسمائِهِ حُسنى لأنها مرتبطةٌ بنضالاتٍ ما خبتْ يوماً شعلتُها، وما انطفأَ لحظةً أوارُها.

في مسقطِ رأسي عيناثا حكاياتٌ تحفظُها الأوديةُ والتلالُ والهضابُ عن رفيق لا تختلفُ سمرتُهُ عن سُمرةِ البلادِ التي آمنَ بحتميةِ تحريرِها، فصعدَ إلى أعلى النضالِ وأصدقِهِ وأنبلِهِ، مضى إلى الكفاحِ المسلحِ والمقاومةِ الثوريةِ، فأطلَّ بالابتسامةِ التي تسبقه إلى مجالسيه وعارفيه، وبالرصاصةِ التي لا تحيدُ عن بوصلتِها. أطلَّ على فلسطينَ الحبيبةِ من تلالِ مارون الرأس وفريز ومسعود وشلعبون حيث لا تزالُ تلك الهضابُ العامليةُ تحفظُ جيداً اسمَهُ وملامحَهُ وقسماتِهِ التي ترشحُ عزماً وصدقاً وطيبةً ونبلاً ومودّةً.

طبعاً لم أعرفْ محمود مغنية فقط في حكاياتِ الناسِ والرفاق، فمن حُسْنِ حظي أن لي عِوَضَ القريةِ الواحدةِ قريتين اثنتين هما: عيناثا المكتوبةُ بدمِ الشهداءِ وحبرِ الشعراء، وطيردبا المحفورةُ في الذاكرةِ والوجدانِ ملعبَ طفولةٍ وأحلامَ مراهَقةٍ، وتفتُّحَ وَعيٍ وبداياتِ نضال، وبين القريتين صِلاتُ دمٍ وَنَسَبٍ وعلْمٍ وفقهٍ ونهرٌ من مناضلين وشهداء.

هكذا عرفتُ أبا عليّ مناضلاً يتَّقِدُ جرأةً وحماسةً ويغلي شغفاً وغيرية، لا يتوانى عن تلبيةِ نداءٍ ولا يُقصِّر حيالَ واجبٍ. حتى خَلْفَ أسلاكِ المعتقلِ الإسرائيليِّ الذي تشاركناه في عتليتَ داخلَ فلسطينَ المحتلةِ وفي أنصار هنا في جنوبِ لبنان، كان محمود يقتسمُ كسرةَ الخبزِ القليلِ مع أسيرٍ جائعٍ أو مُعتَقَلٍ أصغرَ سناً، وكانت غيريتُهُ وأريحيتُهُ ونخوتُهُ خيرَ سندٍ لنا.

يُقالُ إن الكرَمَ لا يتمثَّلُ أو يتجسَّدُ حين يكون مخبزُكَ ملآنَ فتعطي منه رغيفاً لجائعٍ. الكَرَمُ هو ألَّا يكونَ لديكَ سوى رغيفٍ واحدٍ فتتقاسمُهُ مع جائع. إلى هذه النوعيةِ من الكُرماءِ انتمى أبو علي. كان كريماً بشجاعته (البخيل لا يُمْكِنُ أن يكونَ شجاعاً، والجبانُ لا يُمْكِنُ أن يكونَ كريماً)، بمودّتِهِ، بصداقتِهِ، بنخوتِهِ، مثلما كان كريماً بعواطفِهِ ومشاعرِهِ الجياشةِ الصادقةِ تجاهَ شريكةِ عمرِهِ ورفيقةِ دربِهِ السيدةِ الفاضلةِ والأختِ المناضلةِ أم علي التي تقاسمَ وإياها الحلوَ والمرَّ، وَبَنَيَا معاً أسرةً جميلةً، توزَّعَ أفرادُها الاختصاصاتِ العلميةَ إدراكاً من الأبوين لِحقيقةِ أنّ المَعرِفةَ هي سلاحُ العصرِ الأول، فكان الكابتن علي والمهندس عماد والدكتور حسن والأستاذة يولا.

محمود مغنية ابْنُ أسرةٍ شقَّتْ أثلامَ الحياةِ الصعبةِ القاسيةِ، مثلما يشقُّ الفلاحونَ أثلامَ التربةِ بعزمِ محاريثِهم المبارَكةِ. ولئن كان البعضُ يُولَدُ وفي فمِهِ مِلعقةٌ من ذهبٍ، فقد وُلِدَ محمود مغنية وفي فمِهِ ملعقةٌ من تعبٍ، تعبِ الأهلِ في تربيةِ أسرةٍ كبيرةِ العدد، وتعبِ القريةِ التي قاومت الحرمانَ مثلما قاومت الاحتلال. لذا لم يكن مُستهجناً أن ينخرَط أبو علي، بعد أن أدّى واجبَهُ العسكريَّ المُقاوِمَ على أكملِ وجه، في النضالِ الثقافيِّ والنقابيِّ، وهو المنحازُ بالفطرةِ والسليقةِ ثم بالوعيِّ والإدراكِ إلى بيئتِهِ المكافحةِ، والمدركُ أن الثقافةَ والمعرفةَ وارتفاعَ منسوبِ الوعي عند الناسِ هي أمورٌ حتميةٌ وضروريةٌ ولا مَفرَّ منها لتقدُّمِ الشعوبِ وتطوُّرِ المجتمعات…

السَّلامُ عليكَ أيها المقاومُ الجنوبيُّ الأسمرُ. السَّلامُ على يديكَ اللتين امتشقتا القلمَ والبندقيةَ معاً، السَّلامُ عليك أيها العاشقُ الماطرُ حُبَّاً وحناناً. السَّلامُ على عينيكَ المشعَّتين كنجمتين في ليلِ القوافل. السَّلامُ عليكَ أيها البَهيُّ النقِيُّ الطاهرُ العلَمُ، السَّلامُ على روحِكِ الحرَّةِ الأبيةِ المُحلِّقة.

تعرفُكَ العصافيرُ التي حطتْ على شجرِ أحلامِكَ الخضراءِ النضرة. تعرفُكَ البنادقُ التي توارثَها المقاومونَ جيلاً تلو جيلٍ ورايةً تلو رايةٍ ذخيرةَ نصرٍ وفألَ خير. تعرفُكَ الهضابُ المُطلَّةُ على الوعدِ الصادقِ باستعادةِ فلسطينَ حرَّةً أبيةً. تعرفُكَ التظاهراتُ والاعتصاماتُ والندواتُ والأمسياتُ النابضةُ بالشِّعرِ والعشقِ والمسامراتِ الأنيسةِ المُبهِجة، لأنها بلا تَكلُّفٍ ولا تصنُّعٍ منزهةٌ عن الغاياتِ مترفعةٌ عن الوشاياتِ والنميمةِ البغيضةِ.

نَمْ يا حبيبَ التراب، نَمْ يا نَقِيَّ السريرةِ وبَهِيَّ السيرةِ، نَمْ قريرَ العينِ يا جميلَ الخَلْقِ والخُلُقِ. فما أنت إِلَّا جذعُ شجرةٍ مثمرةٍ ها أغصانُها وارفةُ الخُضرَةِ والظلال، وها زهرُهَا يتفتَّحُ ويُثمرُ طيّباتٍ يانعات.

زاهي وهبي، أديب وصحفي عربي من لبنان

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » ذكرى