كيف نفهم الاقتصاد العالمى الراهن؟

كيف نفهم الاقتصاد العالمى الراهن؟

كيف نفهم مسار ومصير الاقتصاد العالمى فى الآونة الراهنة؟ سؤال بالغ الجدية وينتظر إجابات ملائمة. وفى محاولة ــ ولو أولية ــ للإجابة عن هذا السؤال، قام كل من «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» ــ «أنكتاد»، و«منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» ــ «يونيدو»، باستحداث إطار منهجى يتم من خلاله استعراض وقياس التطور الراهن فى الاقتصاد العالمى، يقوم على مفهوم «سلاسل القيمة المضافة العالمية». وخلاصة هذا المفهوم أن عملية الإنتاج السلعى والخدمى، يتم تدويلها بالكلية، وفق صيغة تقسيم العمل الدولى «الرأسمالى» غير المتكافئ بين مجموعتين: مجموعة الدول المتقدمة أو الأكثر تطورا، معبرا عنها تقريبا بمجموعة الدول الصناعية السبعة G7 ومن معها فى المقدمة، ومجموعة الدول النامية، التى تنقسم من داخلها إلى: مجموعة دول ناهضة (أو ناهضة صناعيا أو «ديناميكية»)، ومجموعة أخرى أقرب إلى المفهوم الدارج للأسواق الناشئة ثم شرائح متتالية على مقياس الدخل: بلدان متوسطة الدخل، وأخرى منخفضة الدخل، وكذلك بلدان أقل نموا، وبلدان أخيرة فى القاع هى «أقل الأقل نموا».
هذا الاستقطاب الثنائى، على المستوى «الجيو اقتصادى»، بين مجموعتين عريضتين، الذى لا يستبعد، بل يستدعى، قدرا ملحوظا من التدرج داخل «المجموعتين القطبيْن»، يتبعه استقطاب شديد التعقيد على المستوى الإنتاجى والتكنولوجى. وفى هذا السياق، استحدثت بعض الأعمال البحثية والتقارير الدولية ــ خاصة «التجارة والتنمية» للأنكتاد ــ تقسيما أفقيا للأنشطة الاقتصادية إلى ثلاث شرائح لعملية الإنتاج إلى: مرحلة ما قبل الإنتاج (السلعى والخدمی)، ومرحلة الإنتاج، ومرحلة ما بعد الإنتاج.
***
بالتوافق مع التقدم أو (الثورة) فى المجال الرقمى، يشير مفهوم «سلاسل القيمة المضافة العالمية» إلى أن عملية الإنتاج تنقسم إلى شرائحها ومراحلها الثلاثة هذه فى إطار تكوين وتوزيع «القيمة الاقتصادية»، حيث تتوزع القيمة المضافة على امتداد سلسلة إنتاجية وجغرافية، حيث تتكون السلسلة الإنتاجية من ثلاث حلقات (ما قبل الإنتاج ــ الإنتاج ــ ما بعد الإنتاج) بينما نجد أن امتدادها الجغرافى يشمل الكرة الأرضية بكاملها.
هذه السلسلة موزعة الحلقات بشكل غير متكافئ: فبينما تقوم الدول المصنعة الأكثر تطورا فى العالم بالتركيز على مرحلتى ما قبل الإنتاج وما بعد الإنتاج من السلسلة؛ يترك للبلاد النامية، باختلاف شرائحها أن تعمل على الحلقة الوسطى: أى الإنتاج. والإنتاج هنا سلعى وخدمى، أى تصنيع و«تخديم». التصنيع بهذا المعنى يتحول إلى ما يقترب من مفهوم «التشطيب الصناعى» fabrication كعمل إنتاجى يتركز على الجانب العينى البحت، سواء كان كثيف الاستخدام لرأس المال العينى (الآلات والمعدات) أو كثيف الاستخدام للعمل متوسط المهارة ومنخفض المهارة.
وبينما تذهب الخدمات المتقدمة علميا وتكنولوجيا إلى الدول المتقدمة، فإن الصناعة ــ التشطيب الصناعى السلعى ــ تذهب أجزاء متزايدة منها إلى الدول النامية والناهضة صناعيا، بدرجات مختلفة، لتظل فى إطار ما يسمى باقتصادات المصنع.
ويتم الاستقطاب المزدوج داخل الإنتاج المدول، ممثلا فى سلسلة القيمة المضافة العالمية، ليس فقط بعدم التكافؤ بين الطرفَيْن المتطرفَيْن، من أقصى سلسلة إلى أقصاها، ولكن أيضا بعدم التكافؤ داخل كل طرف منهما حيث: ينقسم العالم النامى (الثالث سابقا) إلى عوالم ثلاثة أو أربعة، وتنقسم المجموعة المتقدمة إلى متقدمة وأكثر تقدما. وذلك ــ بتعبير آخر ــ يعنى التقابل بين التخصص النسبى للدول المتقدمة فى إنتاج «اللا ملموسات» ــ أى البنود ذات الطابع «الناعم» أو المعرفى، وبين تخصص البلاد النامية فى إنتاج «الملموسات» أى المصنوعات والمزروعات والمعادن والنفط.

الطابع الاحتكارى للأسواق
تعمل الدول النامية والناهضة فى بيئة يغلب عليها طابع المنافسة. وإن توزيع المراكز التصنيعية للبنود «الملموسة» على امتداد الكرة الأرضية فى قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، يقابله احتكار النهايات الطرفية «الناعمة» لدى أمريكا الشمالية وبعض أوروبا + اليابان، وإلى حد ما الصين.
يعمل المنتجون، الموردون، فى العالم النامى بالمعنى الواسع، عن طريق التوكيلات والتعاقد من الباطن، «وإسناد عمليات التشغيل إلى الغير» (التعهيد) بالاستفادة مما تتيحه «تكنولوجيا الإنتاج المرن»، والتصميم بمساعدة الحاسبات، والحوكمة بالإدارة اللامركزية، وتجزئة العلميات الإنتاجية، وذلك من أجل الدخول إلى الأسواق العالمية، على أساس المنافسة. ويلاحظ هنا أن سوق المنتجات المصنعة (= المفبركة) الخاصة بالبلاد النامية سوق للمشترين إلى حد كبير، ذات سمات تغلب عليها المنافسة، وأحيانا المنافسة شبه الذرية أى بين أطراف عديدين أو كُثُر، حيث عمليات الإنتاج غير المحمية بالقواعد القانونية للملكية الفكرية.
هذا بينما أن سوق التكنولوجيا الرقمية المتقدمة التى تنتجها الدول المتقدمة تخضع للسمات الاحتكارية، حيث الحماية المشددة للملكية الفكرية مثلا لدى منتجين قلائل. ومن الملاحظ أنه فى بعض الأحيان تسود لدى الدول المتقدمة الصيغة المسماة «الاحتكار المطلق» وخاصة فى مجال تملك التكنولوجيا التى تتيح حصْد المكاسب لمالكيها، ليس كربح بالمفهوم الاقتصادى، ولكن كريع أو «شبه ريع» بالارتكاز على التملك والاختصاص الحصرى لحقوق الملكية الفكرية. ولكن فى غالب الأحيان تأخذ السوق ذات الطبيعة الاحتكارية للمنتجات الرقمية، صورة «المنافسة الاحتكارية»، ولكن الأكثر شيوعا فى سوق التكنولوجيا الرقمية هو «احتكار القلة».
ومن أجل إدارة أو حوكمة الاحتكارات للدول المتقدمة، تكون للشركة القائدة فى كل قطاع إمكانية التحكم فى مسار سلسلة القيمة المضافة إزاء المنتجين المتسمين بالكثرة فى البلاد النامية بالذات. وهذه الشركات القائدة شركات عملاقة تتحكم كليا فى السيطرة على «القدرات» فى المجال الإنتاجى المعين، وتشيد الأسوار والحوائط الحمائية إلى أقصى حد من حولها، بما فى ذلك احتكار براءات الاختراع، والتشدد فى منح التراخيص بأسرار الصنعة Knowــhow. وحينما تتماسك عدة شركات عملاقة للسيطرة على حيز إقليمى معين، فإنها تكون كلية القدرة تقريبا، بما يسمح بمنح موقع احتكارى للدولة التى تنتمى إليها هذه الشركات (وخاصة فى أمريكا وأوروبا)، والتى تنطلق منها لتعبر الجنسيات لا تقف دونها حدود جغرافية أو قيود اقتصادية وتشريعية فى البلدان المضيفة لاستثماراتها المباشرة وغير المباشرة.
وبينما أن الصيحة السائدة فى هذه الآونة على الصعيد الدعائى للعالم الرأسمالى المتقدم هى التجارة الحرة التى تُفْرض على بقية العالم، فإن الاحتكارات عابرة الجنسيات تمارس تسلطها دون اعتداد بـ«وهم حرية التجارة». ذلك هو العنوان الفرعى لتقرير «التجارة والتنمية» الصادر عن «الانكتاد» لعام 2018 والمعنون على النحو التالى: القوة والمنصات ووهم حرية التجارة.
***
هذا الطابع الكلى للقدرة، لدى الشركات العملاقة، ودولها شديدة القوة، يتأكد من خلال توزيع المنصات التكنولوجية ــ الرقمية فى العالم اليوم.
إذ يلاحظ أن أكبر منصات الأسواق وأكثرها قوة، تقع مقراتها بصفة غالبة فى الولايات المتحدة، ويوجد قليل فى الصين. وقد نمت منصات التجارة الإلكترونية بشكل مستمر، ويملك بعضها أعدادا مليونيه من المستخدمين مثل على بابا (400 مليون مستخدم فى الصين فقط) ــ وأمازون (340 مليون مستخدم على امتداد العالم) وeBay (167 مليون مستخدم فى العالم). وبالمثل فإن منصات أسواق الخدمات مقامة بصفة أساسية فى الولايات المتحدة أو شرق آسيا، وتتعامل بصفة رئيسية فى مجال التمويل والإسكان والفندقة واللوجيستيات والنقل.
كما أن سبعة منصات من إجمالى أكبر 11 منصة للمدفوعات النقدية تنتمى إلى الولايات المتحدة، والبقية فى الاتحاد الأوروبى. وأكبر أربعة منصات للأسواق وتمويل الاستثمارات، من بينها ثلاث منصات من الولايات المتحدة وواحدة فقط فى الصين.
وتتضح هيمنة الولايات المتحدة أيضا فى مجال منصات التواصل الاجتماعى والمضامين، حيث السبعة الكبار منها كلها تأتى من هذا البلد. والاستثناء الوحيد هو الصين التى استطاعت أن توسع نطاق عمل مواقعها الخاصة بالتواصل الاجتماعى من خلال منع الشركات العالمية من الدخول إلى سوقها المحلية. وبالمثل فإن منصات البحث الإنترنتى تسيطر عليها المنشآت الأمريكية، ماعدا Baidu فى الصين، وYandex فى الاتحاد الروسى. ويصدق هذا أيضا على أنظمة الموبايل حيث تسيطر عليها ثلاثة بشكل تام، جميعها من الولايات المتحدة: أندرويد وتستحوذ على 81,7% كنصيب سوقى، ثم ios بنصيب 17,9%، وأخيرا «ويندوز» 0,3%. أما المنصات الرقمية الصناعية أو إنترنت الأشياء IOT فإنها تسيطر عليها أيضا الشركات من الولايات المتحدة وأوروبا.
وبذلك كله يتعزز واقع الاحتكار فى أسواق التكنولوجيا الرقمية العالمية، بناء على الانقسام غير المتكافئ فى بنْية سلاسل القيمة المضافة العالمية، كما رأينا.
***
فما الحل؟ نرى أنه يكمن الحل الأمثل (وربما المثالى!) فى أن تقوم البلاد النامية بإحداث نوع من الاستقلالية النسبية عن سلاسل القيمة التى تديرها وتحتكرها الدول «المركزية» فى النظام العالمى (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية فى المحل الأول)، جنبا إلى جنب مع العمل على بناء سلاسل إقليمية للقيمة (من خلال التكامل العربى – كأولوية فى الحالة المصرية مثلا) بل وسلاسل محلية مترابطة أيضا.
ويبدأ بناء سلاسل القيمة الإقليمية ــ كما فى الحالة العربية المتصورة ــ من خلال استحداث نوع من تقسيم العمل الإنتاجى والإنمائى، وتوزيع الأدوار الإنتاجية والتجارية بين البلدان الداخلة فى منطقة التكامل، لغرض خدمة عملية التحول الهيكلى والتنموى لدى المجموع الإقليمى، العربى مثلا.
ولكن هذه قصة أخرى تستحق أن تروى بقدر مناسب من التفصيل فى مقامات أخرى.

محمد عبدالشفيع عيسى، أستاذ باحث فى اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية، معهد التخطيط القومي ـ القاهرة.
الأحد، 29 سبتمبر/ أيلول، 2019  

الشؤون الدولية » Homepage Slides » أهم المقالات » تجارب