منظمات أميركية “تصدِّر الديموقراطية” إلى الجزائر عبر سفيان جيلالي وأشباهه

منظمات أميركية “تصدِّر الديموقراطية” إلى الجزائر عبر سفيان جيلالي وأشباهه

"سفيان جيلالي يستلم جائزةً عالمية!". تكتب بضع كلمات مفتاحية على شاشة هاتفك لتتأكد أن الخبر ليس مزيفاً، فهو منشور في جميع الصحف الجزائرية تقريباً. ومن بينها صحيفة "الوطن" التي أفادت بأن "منظمة بوميد/POMED ـ مشروع الديمقراطية للشرق الأوسط غير الحكومية، حصلت يوم الأربعاء الماضي في واشنطن، على جائزة "قادة الديمقراطية" الدولية التي تم منحها لسبع شخصيات، من بينهم سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد" في الجزائر[1].  
لقد تمّ منح سفيان جيلالي "جائزة قادة الديمقراطية في واشنطن"، مقابل الترويج للديمقراطية في بلدٍ عربي. فهل رأينا شيئاً مشابهاً من قبل؟. لماذا يجب الاحتفاء بهذه المناسبة في كل مكان؟ هل يجهل "الحاصل على الجائزة" ووسائل الإعلام التي تروّج له مهمة أو دور المنظمات والهيئات الأميركية المتخصصة بتصدير الديمقراطية إلى الخارج؟.

 

منظمات أميركية لـ"تصدير الديموقراطية"

على الضدّ مما جاء في صحيفة الوطن، وهي تروّج لـ"الربيع العربي" بكل خرابه وفوضاه، فإنّ "بوميد" ليست منظمة غير حكومية بالمعنى الحرفي للكلمة.تعرّف بوميد نفسها بحسب ما هو مكتوب على موقعها الإلكتروني أنّها "منظمة غير ربحية وغير حزبية كرّست نفسها من أجل تفحّص السبل التي يمكن من خلالها تطوير أنظمة ديمقراطية حقيقية في منطقة الشرق الأوسط وكيف يمكن للولايات المتحدة دعم هذا المسار"[2]. إذن وكما يمكن قراءة ذلك بوضوح في إعلانها عن مهمتها، فإن منظمة "بوميد" مرتبطة بشكلٍ مباشر بسياسة الحكومة الأميركية.

من خلال مصادر مفتوحة نتحقق من أنّ "بوميد" تعمل بالتنسيق مع منظمة "فريدوم هاوس" [3]، ومن أنّها تتلقى التمويل من منظمة "معهد المجتمع المفتوح/ OSI" الذي أطلقه ويموله الملياردير الأميركي جورج سوروس [4]. في سنة 2016 مثلاً، تلقت “بوميد” منحةً تقدّر بنحو 550 ألف دولار من تلك المنظمة [5]. كما أنّ تتلقى تمويلاً من الوقف القومي للديمقراطية / NED [6].

وفي نص كتبته ونشرته في سنة 2015 حول هذه المنظمة [7]، قلت أن "من بين المؤشرات ذات المغزى، دعونا نلاحظ أنّ من بين أعضاء مكتب مستشاري بوميد هنالك المدعو لورن دبليو. كرانر، رئيس المعهد الجمهوري الدولي/ IRI، الذي يرأس مجلس إدارته السناتور جون ماكين [وهو جمهوري متطرف توفي في آب 2018] وكينيث وولاك، رئيس المعهد القومي الديمقراطي / NDI، الذي ترأس مجلس إدارته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت[8].

في محاولته "توضيح" الدور الذي تلعبه منظمة "بوميد" في أحداث "الربيع العربي"، صرّح مديرها التنفيذي ستيفن ماكليرني لصحيفة نيويورك تايمز قائلاً : " لم نقم بتمويلهم (ناشطو الانترنت العرب) لكي يبدأوا بالمظاهرات، بل قمنا بمساعدتهم في دعم تطوير كفاءتهم وتشابكهم". واضاف: "لعب هذا التدريب دوراً بما آلت إليه الأمور لاحقاً، لكنّها كانت ثورتهم هم [“الربيع العربي”]. ليس نحن من بدأها” [9].

قلما يتحدث مسؤولو المنظمات الأميركية المتورطة في مهمة "تصدير"الديمقراطية بوضوح، كما فعل ماكليرني. وهنا يجب أن نوضح، لا سيما لمواطنينا الذين لا يملكون اطلاعاً كافياً عن هذه المنظمات،  الأميركية التي تقوم بهذه المهمة، يتوجب أن نوضح أن NED و NDI و IRI و OSI و FR هي جزء من الترسانة الأميركية الخاصة "بتصدير" الديمقراطية إلى دول الوطن العربي[10]. وقد لعبت هذه المنظمات الممولة من الحكومة الأميركية، ما عدا منظمة المجتمع المفتوح/ OSI، دوراً نشطاً، مكشوفاً في "الثورات الملونة" و"الربيع العربي" [11].

قيادة أميركية لـ"الحراك" بواجهة محلية

ونعيد التذكير بأنّ منظمة "بوميد" نظمت مؤتمرين مكرّسين خصيصاً لـ"الحراك الجزائري". الأول، جرى في واشنطن، بتاريخ 15 نيسان/ أبريل 2019، وأداره المدير التنفيذي لـ"بوميد" ستيفن ماكليرني بنفسه [12]. والثاني عقد في تونس بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 2019 تحت عنوان: “الجزائر والسودان: أمواج من التغييرات الديمقراطية أم أحلام مجهضة ؟” [13]. وبينما عرّف أحد الذين قدموا مداخلةً عن نفسه، عز الدين الصافي، بأنه القائم بأعمال برنامج منظمة "معهد المجتمع المفتوح"، كان المدعو أمين غالي هو من يدير الندوة. وللعلم، فإن غالي من الوجوه القديمة المعروفة في "الربيع" العربي. وهو "ناشط تونسي" يشغل منصب مدير البرامج في منظمةٍ اسمها "مركز الكواكبي للانتقال الديمقراطي"، منذ سنة 2008. الجدير بالملاحظة، أنّ مركز الكواكبي يتلقّى التمويل من "مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط / MEPI، وهي برنامج تابع بشكلٍ مباشر لوزارة الخارجية الأميركية. كما عمل غالي سابقاً مع عدة منظمات من بينها "فريدوم هاوس" [14].

يتضح إذن، أنّ "بوميد" التي منحت "جائزة عالمية" إلى رئيس "حزب جيل جديد" الجزائري سفيان جيلالي، ليست سوى منظمة أميركية لـ"تصدير الديمقراطية"، ومنطقة عملها تنحصر في ما يسمى "الشرق الأوسط وشمال افريقيا". وهذا ما يشرح سبب حضور "بوميد" في "الجلسة العالمية التاسعة للحركة العالمية من أجل الديمقراطية". في تلك الجلسة، وكانت أشبه بالقدّاس الابتهالي "للتبشير الديمقراطي" المصنوع في الولايات المتحدة الأميركية، والتي انعقدت في داكار عاصمة السنغال، سنة 2018، كان من بين المشاركين كارل غيرشمان رئيس الوقف القومي للديمقراطية / NED، كينيث وولاك رئيس المعهد القومي الديمقراطي / NDI، سكوت ماستيك نائب رئيس المعهد الجمهوري الدولي / IRI، أندرو ويلسون المدير التنفيذي للمركز العالمي للشركات الخاصة / CIPE، شاونا بادرـ بلاو المديرة التنفيذية لمركز تضامن، و بالطبع ستيفن ماكليرني، المدير التنفيذي لمنظمة "بوميد"[15].

في خطابه خلال حفل توزيع "جائزة قادة الديمقراطية"في العاصمة الأميركية، كشف ستيفن ماكليرني عن دور أوسع للفائز بـ"الجائزة العالمية" سفيان جيلالي، فقد ذكَّر ماكليرني الحضور بأن جيلالي كان أحد مؤسسي منظمة "حركة مواطنة" وأسهب في إبراز الدور الذي لعبته هذه المنظمة في "الحراك الجزائري" الراهن [17]. لكن ماكليرني كان يكشف في الوقت نفسه، أن "بوميد" وأنه هو كمدير تنفيذي لهذه المنظمة الأميركية يتابعون عن كثب ما يجري حالياً في الجزائر.

لكن ماكليرني و"بوميد" ليسوا الوحيدين الذي تذكروا دور سفيان جيلالي في تأسيس منظمة "حركة مواطنة" الجزائرية. فقد أبدى كلّاً من سلوبودان دينوفيتش وسرديا بوبوفيتش في مقال نشراه بتاريخ 22 آذار/ مارس 2019، أي في بداية الحراك الجزائري، اهتماماً بالتظاهرات في الجزائر، لكنهما لم يذكرا سوى منظمة وحيدة [18] تبرز فيه، وهي "حركة مواطنة".

والذين لم يسمعوا باسميهما من قبل، نوضح أن سلوبودان دينوفيتش وسرديا بوبوفيتش، هما الصربيين الشهيرين اللذين أسسا "مركز كانفاس" / CANVAS، أي "مركز التدريب على تطبيق الأعمال والاستراتيجيات اللاعنفية"، وهو يعدّ المدرسة التدريبية لثوار المستقبل في العالم بأسره. ويتلقى "مركز كانفاس" التمويل من "فريدوم هاوس" [19] و “المعهد الجمهوري الدولي” [20] وغيرهما. قبل تأسيسهما مركز كانفاس كان سلوبودان دينوفيتش وسرديا بوبوفيتش من بين قيادات "حركة أوتبور/ OTPOR،  التي كانت خلف سلوبودان ميلوسيفيتش إسقاط آخر رئيس منتخب في يوغوسلافيا السابقة. وهذا "النجاح الثوري"، أدار عجلة الثورات الملونة و"الربيع العربي" لاحقاً [21].

بعد معرفته كل هذه المعلومات، سوف يكون من المثير للاهتمام معرفة ما الذي سوف يفعله سفيان جيلالي بجائزته: هل تراه سوف يمتلك جرأة عرضها باختيالٍ خلال مسيرات أيام الجمعة القادمة أم سوف يفضّل رميها في غياهب التاريخ؟.

أحمد بن سعادة، كاتب ومفكر عربي من الجزائر
ترجمة على إبراهيم.
مقتطف اخناره محرر الحقول من نص منشور على صفحة الكاتب، يوم الإثنين 28 تشرين الأول / أوكتوبر، 2019، وذلك تحت عنوان : الجزائر: يا للفرح! سفيان جيلالي يستلم جائزة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

 

[1] Farouk Djouadi, « Soufiane Djilali parmi les 7 lauréats du prix POMED pour la démocratie », El Watan, 17 octobre 2019, https://www.elwatan.com/edition/actualite/soufiane-djilali-parmi-les-7-laureats-du-prix-pomed-pour-la-democratie-17-10-2019

 

[2] POMED, « Mission Statement», https://pomed.org/about/#mission-statement

 

[3] POMED, « The State of Reform: Human Rights, Democratic Development and Individual Freedoms in Saudi Arabia and the Arab Gulf States », 1er novembre 2007, http://1-byte.co.uk/pomedtheme/event/the-state-of-reform-human-rights-democratic-development-and-individual-freedoms-in-saudi-arabia-and-the-arab-gulf-states/

 

Atlantic Council, « Renewing US Engagement with Libya », 10 septembre 2013, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/renewing-us-engagement- with-libya/

 

Deirdre Paine, « Human Rights Groups Hold DC Event for Murdered Journalist Khashoggi », The DC Post, 24 septembre 2017, https://thedcpost.com/jamal-khashoggi-washington-dc-event/

 

POMED, « Al-Sisi in Washington: Egyptian President Seeks Support for Power Grab », 9 avril 2019, https://pomed.org/event/sisiindc/

 

[4] Carnegie Endowment for International Peace, , « Egypt’s Elections : Boycotts, Campaigns, and Monitors», 19 octobre 2010, https://carnegieendowment.org/2010/10/19/egypt-s-upcoming-elections-boycotts-campaigns-and-monitors-event-3053

 

[5] Open Society Foundations, «Awarded Grants», 2016, https://www.opensocietyfoundations.org/grants/past?grant_id=OR2016-30742

 

[6] NED, « 2009 Annual report : Egypt », http://www.ned.org/publications/annual-reports/2009-annual-report/middle-east-and-north-africa/description-of-2009-gra-2(voir document en ligne).

 

[7] Ahmed Bensaada, « Arabesque$ », Ed. Investig’Action, Bruxelles (Belgique) 2015 – Ed. ANEP, Alger (Algérie) 2016.

 

[8] POMED, « Board of advisers », http://pomed.org/about-us/board-of-advisors/ (Page consultée en 2015; Elle n’est actuellement plus en ligne)

 

[9] Ron Nixon, « U.S. Groups Helped Nurture Arab Uprisings », New York Times, 14 avril 2011, https://www.nytimes.com/2011/04/15/world/15aid.html

 

[10] Ahmed Bensaada, « Huit ans après, la printanisation de l’Algérie », AhmedBensaada.com, 4 avril 2019, http://www.ahmedbensaada.com/index.php?option=com_content&view=article&id=475:2019-04-04-22-50-13&catid=46:qprintemps-arabeq&Itemid=119

 

[11] Voir réf. 7

 

[12] POMED, « Algeria: What’s Happened? What’s Next? », Washington le 15 avril 2019, https://pomed.org/event/algeria-what-has-happened-whats-next/

 

[13] POMED, « L’Algérie et le Soudan: nouvelles vagues de changements démocratiques ou rêves anéantis? », Tunis le 19 juin 2019, https://pomed.org/event/algeria-and-sudan-new-waves-of-democratic-change-or-dashed-dreams/

 

[14] Bertelsmann Stiftung, « The Arab Spring: One Year After, Transformation Dynamics, Prospects for Democratization and the Future of Arab-European Cooperation », Europe in Dialogue 2012, http://aei.pitt.edu/74000/1/Arab_Spring_One_Year_After.pdf

 

[15] Ahmed Bensaada, « Belalloufi, le RAJ et l'importation de la démocratie », AhmedBensaada.com, 2 mai 2019, http://www.ahmedbensaada.com/index.php?option=com_content&view=article&id=490:2019-05-02-15-00-34&catid=46:qprintemps-arabeq&Itemid=119

 

[16] Voir réf.10

 

[17] YouTube, « Sofiane Djilali Awarded the POMED 2019 Leaders for Democracy Award », 21 octobre 2018, https://www.youtube.com/watch?v=YqaeuXNHMeY

 

[18] Slobodan Djinovic et Srdja Popovic, « Is It Spring Again? », Slate, 22 mars 2019, https://slate.com/news-and-politics/2019/03/algeria-sudan-protests-democracy-youth-movements.html

 

[19] Maidhc Ó. Cathail, « The Junk Bond “Teflon Guy” Behind Egypt’s Nonviolent Revolution », Dissident Voice, 16 février 2011, https://dissidentvoice.org/2011/02/the-junk-bond-%E2%80%9Cteflon-guy%E2%80%9D-behind-egypt%E2%80%99s-nonviolent-revolution/

 

[20] Tony Cartalucci, « CIA Coup-College : Recycled revolutionary “props” », Info War, 20 février 2011, http://www.infowars.com/cia-coup-college-recycled-revolutionary-props/

 

[21] Pour plus de détails, voir réf.7 ou réf.10

الشؤون الدولية » Homepage Slides » أهم المقالات » تقرير