قضايا “الثورة اللبنانية” : مدام إكس والثورة المضادة! (2)

قضايا “الثورة اللبنانية” : مدام إكس والثورة المضادة! (2)

سبق واتفقت مع وليد، الذي كان في أحد الأيام طالباً في صفي عندما كنت أُدرِّسْ في معهد الفنون الجميلة في دير القمر أن نلتقي في ساحة الشهداء، وأتصل بي مساء أمس ليخبرني انه بانتظاري أمام مسجد الأمين في ساحة الشهداء، وهكذا التقينا، وكان برفقة صديقة زوجته مدام إكس (وإبقائي لإسم السيدة الشابة مجهولاً لأن الهدف من النص الراهن هو إلقاء الضوء على محتوى النقاش وليس على الجانب الشخصي).

وكما هي العادة، فإن التعارف مع شخص جديد يستدعي تبادل الاسئلة عن العمل والسكن و.. و.. ، وتبين ان الشابة إكس (اللبنانية) تعمل في أحد مراكز  الابحاث في فرنسا في مجال علوم الأعصاب (neuro science)، وهذا ما أثار فضولاً إضافياً لدي، لأنني من المهتمين في مسائل نشاط الدماغ واتابع بحماسة كل جديد علمي في هذا المجال.

والشابة إكس مقيمة في فرنسا وحضرت الى لبنان خصيصاً بدعوة من إحدى منظمات أن جي أوز NGOs (المنظمات غير الحكومية) حيث أدارت على مدى يومين ورشة عمل للناشطين في هذه المنظمة. وهذا التفصيل كان ليبدو عادياً إنما ما استوقفني هو التالي:
اولاً: إن السيدة إكس اللبنانية لم تحضر بنفسها تطوعاً، إنما تمت تغطية تكاليف سفرها وإقامتها (مع طفلها الذي لم يتعدَ الثلاث سنوات) إضافة الى أن تنظيمها لورشة العمل كان لقاء بدل مالي، وطبعاً، ليس لائقاً بالنسبة لي الغوص في هكذا تفاصيل انما ما أكدته لي أن منظمة الأن جي أوز الداعية هي من تكفل بكل التفاصيل.
ثانياً: أصرت الشابة إكس على توصيف ما يجري بأنه ثورة (هذا ما كانت تروج له في ورشة العمل)، وتناقشنا في الموضوع من منطلق أنه، حسب اعتقادي، فإن تعريف الظاهرة هو مسألة أساسية في مدى علمية الانعكاس الموضوعي لها في وعينا، والتعريف، أي تعريف (definition)، يمثل الحل ( synthese) مع بلوغ التناقض ذروته بين الشكل والمضمون، أي يمثل الدلالة الاكثر شمولية للفكرة بأقل عدد من الكلمات، حيث لكل كلمة أهميتها في البناء العقلي. وبالتالي، فأنه للثورة شروطها غير المتوفرة في الحراك، لأن الثورة تستهدف تدمير كل البنى القديمة (بغض النظر عن العناصر الاخرى)، بينما ما نشهده هو حركة احتجاجية على الواقع القائم من دون وجود رؤية مشتركة للجديد المحتمل. الملفت ان مدام إكس أصرت على رفض اي معايير في تعريف الثورة، وأبدت عدم موافقتها لأنني عرضت عليها نماذج عن ثورات تاريخية (ثورة اوكتوبر الروسية، الثورة الصينية، الثورة الكوبية) لإبراز السمات الملازمة للثورات الاجتماعية الكبرى، لانه بنظرها لا ينبغي اعتماد اي مقاييس في التحولات الاجتماعية.

إفترقنا، وتيقنت مجدداً أن الخطة التي صاغها مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغينيو بريجنسكي عن دور "الان جي أوز" في الثورة المضادة عبر ما يسمى "الثورات الملونة"، والتي يتم اعداد "الناشطين" فيها، على غرار مدام إكس في معاهد الديمقراطية والنيرو سيانس، ليجهضوا اي عملية تغيير حقيقية باتجاه الانفكاك عن الهيمنة الامبريالية ، ما زالت تلك الخطة أساسية في الاستراتيجيات الاميركية للهيمنة. وهذا يُحمِّل القوى اليسارية الوطنية مسؤوليات مضاعفة لحماية الحراك اللبناني من قوى الثورة المضادة.

الدكتور طنوس شلهوب، استاذ جامعي ـ لبنان
الجمعة 15 تشرين الثاني، 2019

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » نقد