رحيل الرسامة التشكيلية نزيهة سليم … ورثت “النفس الثوري الذي تربى عليه العراقيون”

رحيل الرسامة التشكيلية نزيهة سليم … ورثت “النفس الثوري الذي تربى عليه العراقيون”

يموت مثقفو العراق بصمت هذه الأيام. فالإحتلال الأميركي بسط قدرا من الظلام على أرض الرافدين، حتى حجب عن العالم أنوار عبقرية العراقيين. في هذا المقال يتحسر أحمد بزون على الرسامة التشكيلية نزيهة سليم، يندبها قليلا، يرثي موتها، يفهمنا أنها من بنات الشعب العراقي المحترم، وقد صورته ولونته بريشتها طيلة حياتها :

لا يستمد رحيل الفنانة العراقية نزيهة سليم، عن 81 عاماً، قوته من حضورها الطاغي في الساحة الفنية، فيسنواتها الأخيرة، إنما من خلال غيابها القسري والكآبة التي تضرب مزاجها والعزلة التي تتحصن خلفها أولاً، وكونها آخر عنقود عائلة محمد سليم الموصلي ثانياً. تلكالعائلة التي شكلت عصباً قوياً في التشكيل العراقي، إذ ما زال نصب الحرية يرتفع فيميدان التحرير بوسط بغداد. ورغم كل الإهمال الذي طال إرث جواد سليم، ما زال تاريخهيلمع، رغم كل الغبار الذي غطّى منزله الذي توفيت فيه نزيهة سليم، والذي كانت الوعودتُضرب، منذ أكثر من عشرين سنة، لتحويله إلى متحف، من دون أن يتحقق وعد منها.

يكشف رحيل نزيهة سليم كل السلطات التي تدعي حرصها على الفن والفنانين، فالفنانة التي كانت تعيش عزلتها القاتلة، وتعايش مرضها الصعب، وتحاول مداواة نفسها ببعضالفن، وفقرها ببيع بعض لوحات البيت لتسد رمقاً، لم تكن لتتلقى أي التفاتة، لا مننظام صدام حسين السابق، الذي ساهمت مع أخوتها في إسناد متحفه بالمزيد من الأعمال،ولا من النظام الجديد الذي يدّعي المغايرة والغيرة على الفن والثقافة.

بقيتنزيهة سليم تقفل الباب على نفسها خوفاً من عصابات السرقة والقتل، وقد كانت إبانالغزو الأميركي للعراق تعيش عزلة حتى عن سماع الأخبار ، إذ لم تكن تملك راديو تعرفمن خلاله ما يجري في الخارج، تنتظر موتها وتعيش مرضها، في أي لحظة. وقد توقفت عنالرسم، وغابت أخبارها عن الوسط الفني والإعلامي العراقي والعربي، وباتت الأخبارعنها شحيحة، فأتى خبر رحيلها فاجعة مزدوجة وغياباً متجدداً. صحيح أن بعض الجمعيات،وحتى وزارة الثقافة، تذكرتها في السنوات الثلاث الماضية، لكن بميداليتين أو ثلاث،لا تسمن ولا تغني من جوع.

يذكّرنا رحيلها، بتاريخ الفن العراقي، بعائلة فنيةبدأت بالوالد محمد سليم الموصلي، الذي كان له ولولديه سعاد وجواد سليم دور كبير فيتأسيس أول جمعية للفن هي «جمعية أصدقاء الفن»، وهي أخت جواد سليم الذي لا يزالنصبه، نصب الحرية، يدهش العراقيين، ويشكل رمزاً بارزاً للفن العراقي وللنفس الثوريالذي تربى عليه العراقيون، وقد صمد هذا النصب عندما انهارت أنصاب كثيرة في بغدادوسواها من مدن العراق، وهي أخت الفنان سعاد الأكبر بين أخوتها، والذي حمل اسمهالخاص، وإن كانت شهرة جواد وديناميته جعلتاه يتخطى جميع أفراد العائلة لا بل العديدمن الأسماء التشكيلية العراقية الكبيرة. نزيهة هي الأصغر، وتأتي بعد نزار، الذي كانله حضور مهم هو الآخر في الساحة الفنية العراقية.

ومع كل الدور الكبير الذيلعبته عائلة فنية مؤسسة للفن إن على مستوى الرواد أو مستوى الجمعيات الفنية، فقدشاركت نزيهة سليم في أكثر معارض «جماعة بغداد للفن الحديث»، التي أقيمت في داخلالعراق وخارجه. وساهمت في تأسيس جمعية الفنون التشكيلية، وكانت مساندة لجماعةالرواد الفنية.

بغداديات

وهي مثل أخيها جواد استطاعت أن تخلع عنها ثوبالدراسة الفنية في بلاد الغرب، لتنتبه إلى موضوع تأصيل الفن بالاستفادة طبعاً منمنجزات الغرب. فالفنانة التي راحت ترسم نساء بلادها والحارات والعمارة البغداديةبروح شرقية بارزة، تعلمت في باريس، وكانت أولى نساء بلادها في «البوزار»، وأولىالفنانات العرب، ومعها الفنانة اللبنانية سلوى روضة شقير (مواليد 1916)، المتخرجاتمن البوزار في باريس العام ,1951 وإن كانتا على خلاف في التوجه، فنزيهة سليم اتجهتنحو الواقعية المطعمة بالحداثة وتطوير الشكل بالتجريد، والثانية اتجهت نحو التجريدالصافي المطعم بالفن الإسلامي.

 

لم تهمل نزيهة سليم الموضوع ولا الواقع الذيينتمي إليه هذا الموضوع، أو تنتمي هي إليه، فقد راعت إلى حد بعيد مجتمعها وتماهتمعه، وإن شعرت باصطدامها به في البداية، قبل أن تنتقل إلى شيء من المحافظة، وتكفّعن رسم صديقاتها وأحلام صباها، نحو رسم الفلاحات وبائعات اللبن والمرأة العراقيةالتقليدية وقارئة الفنجان. وإذا كانت تنحو في خطوطها نحو التبسيط وبعض العفويةالطفولية، فلأنها أساساً أحبت رسوم الأطفال وقضت عاماً كاملاً في التخصص بدراسةرسوم كتب الأطفال ومسرح الأطفال في ألمانيا الديمقراطية (سابقاً).
تقول لفاطمةالمحسن، في حوار نادر قطفته منها بعناء، العام 2003: «تأثرت بأستاذي فرناند ليجيهالفنان المعروف، ثم عملت بورتريهات تأثراً بموديلياني وأسلوبه. وعندما عدت إلىبغداد في الخمسينيات، استأنفت مشروع رسم النساء، الذي بدأته على النهج الواقعي أولالأمر، أعطي للريفيات وبائعات اللبن مبلغاً من المال، وأطلب منهن الجلوس أمامي، وكلصديقاتي وطالباتي رسمتهن، فكانت بعض معارضي تسبب إشكاليات عائلية، فالعوائلالمحافظة ترفض صور بناتهن، فأضطر إلى الامتناع عن عرضها، وهكذا كنت أذهب أنا إلىالأسواق والجوامع والطقوس الشعبية ومنها عزاء الحسين والأعراس وغيرها».

مأساة

تلك هي، بكل بساطة مواضيع الرسم والمناهل التي أخذت منها أشكال لوحاتها وشخوصهاوألوانها، تصوّر الواقع، وتجتهد في تحميله شاعرية التراث والروح الشرقية العراقية،بل شاعرية العمارة والريف وأشكال البسطاء من الناس.

كان والدها معلمها الأول،فهو العراقي الذي خدم ضابطاً في الجيش العثماني، وكانت له مساهمته الفنية مع سواهمن المؤسسين في الفن التشكيلي العراقي، ثم كان أخوها جواد سليم أستاذها الثاني،الذي علّمها في كلية الفنون وتأثرت به قبل أن تنطلق نحو فرنسا، وتطلع من قرب علىالحداثة الفنية في بلاد الغرب، وبعد عودتها، متأثرة ببغدادياته وبنائيته وصوغحداثته المحلية، قبل أن تنطلق نحو تبسيط أكثر وتلقائية وارتجال، تناسب الموضوعاتالشعبية التي ركزت عليها. وربما بتميّزها عن أخيها وريادته في الفن التشكيلي،كامرأة عراقية تترك أنوثتها وشعريتها الرقيقة أثرها في فضاء اللوحة، بعيداً عن ذلكالعنف التعبيري الذي قد يعتمده الرجال، كان لها فضل المساهمة في نهضة الفن التشكيليالعراقي، الذي بدأ يعيش طفرة مهمة وانتعاشاً ملحوظاً بالمقارنة مع المنطقة العربية،خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

سُرق الكثير من لوحات نزيهةسليم التي كانت في المتحف العراقي الكائن في مركز صدام للفنون، أثناء وبعيدالاجتياح الاميركي للعراق العام ,2003 ولم يبق من تلك الاعمال، حسبما ورد في أخبارالفن العراقي، سوى القليل منها.

 

لا شك في أن شهرة أخيها جواد سليم في الساحةالفنية العراقية والعربية، كانت تحجب شهرتها وتجربتها، وقد اعترف الإعلام العراقيبالتقصير من ناحيتها، لكنها امرأة مؤسسة، ثانية نساء الفن التشكيلي في العراق بعدمديحة عمر (1909ـ 2006)، التي لعبت دوراً ريادياً في اللوحة الحروفية العربية، بلكانت صاحبة اللوحة الحروفية العربية الأولى، العام .1946
تختصر نزيهة سليم،بغيابها، المعاناة التي عاشها الفنان العراقي.

الثقافة والفنون » شخصية