سليم غزال، الراهب الذي عمل مع الشعب

بطرس حلاق، ناقد وباحث وأكاديمي سوري، أستاذ الأدب الحديث في جامعة باريس الثالثة. صاحب «تاريخ الأدب العربي الحديث» (أكت سود)
‏الأحد‏، 10‏ تموز‏، 2011

سليم غزال، الراهب الذي عمل مع الشعب

أسّس كنيسته على القضية الفلسطينية، وأدّى دوراً مهمّاً في الحوار الإسلامي المسيحي، وعمل على إعادة تأهيل مقاتلي الحرب الأهلية. محاولة لاستعادة مسار «الأب سليم» بعد أشهر على رحيله، في ضوء الانتفاضات العربيّة التي انتظرها وبشّر بها.
غاب سليم غزال (١٩٣١ ـ ٢٠١١) والمجتمع العربي على أهبة ولادة جديدة. فلندع جانباً عبارات معهودة تصح عنه كما عن بعض أمثاله: راهب ورع، إنسان متفان، راع غيور… شدني إليه وعيه لرسالته الروحية، على أنها موقف مواطن تجاه مواطنيه، لا موقف الداعية والمرشد، قالباً مساراً تقليدياً نشأ عليه مثل آخرين، ينطلق من الروحانيات ثم يستكملها أو لا بالتزام اجتماعي أو إنساني. تلقيت أخبار نشاطه عقب حرب الجبل المشؤومة عام ١٩٨٥ قبل أن أتعرف إليه وأنشط معه.
جابه شبه منفرد عاصفة دبّر لها السياسي الإسرائيلي، وانخرط فيها زعماء شرهون لسلطة تقصي كل آخر. آنذاك قام الجار ضد الجار لمجرد أنه من غير طائفة. بيد منبسطة للجميع وقف في وجه الميليشيات، داعياً إلى ترميم الصدع لإنقاذ الإنسان والوطن. بنى مؤسسات تعيد تأهيل المقاتلين، تُدرب الشبيبة على مهن يعتاشون منها، وتستعيد الحوار بين الأهل على اختلاف فئاتهم. أنقذ ما أمكن إنقاذه.
في سياق راهن تتجاذبنا فيه قوى الردة، وانتفاضة المجتمع المدني، أود أن أشير إلى ملامح أساسية في شخصية سليم غزال ترهص بهذه الحركة المباركة. كان باستطاعة ذلك الفتى البقاعي أن يحصر أفقه في رسالته الروحية، مع ما تستلزمه من نشاط اجتماعي، لولا أنه شرّع روحه لواقع الحياة المتشعب. تحسس ثم تبنّى قيم النضال الفلسطيني الناهض في تلك الفترة، فاهتدى إلى الصخرة الصلبة التي يؤسس عليها رسالته الروحية. كان الانتماء إلى الإنسان بثقافته وطموحاته المشروعة ـ أي إلى الوطن الذي يكتمل به الإنسان عبر التزامه بمشروع جمعي منفتح ـ حجر الكيمياء الذي فجّر إبداعه.
الملمح الثاني في شخصيّته يتعلق بصيغة الانتماء إلى ما يسمى عندنا الحداثة. تاريخياً، تزيّت التقدمية عندنا حتى منتصف القرن العشرين بالفكر الليبرالي الغربي، كما جسده طه حسين وأمثاله. غير أنّ مد الفكر الاشتراكي، ولا سيما بصيغته الماركسية، وصعود المعكسر السوفياتي حليفاً لحركات التحرر في العالم، دمغا «البورجوازية» بسمة الرجعية المرتبطة بالاستعمار، واحتكرا مفهوم التقدمية، ما دفع التيارات القائلة بالتغيير، إلى الانحياز إلى موقف إلحادي يتصدى للتيار الديني من جهة، وللأحزاب الليبرالية من جهة أخرى. أصبح المعيار الأكيد في الانتماء إلى التقدمية اعتناق مبدأ الإلحاد، أو التظاهر به أمام الرفاق. أضحى الضمانة الوحيدة لصدق موقف القائل بالتقدمية، وبما يستتبعها، أي العلمانية، بوصفها المخرج من التشتت الطائفي والإثني والإيديولوجي. ولا حرج بعدها أن يحتفظ «التقدمي» في حياته الشخصية بمواقفه التقليدية من المرأة والزواج، وارتباطه العائلي أو القبلي، وتعالي المديني عن الريفي… ولا بأس أن تبقى العلمانية موقفاً فضفاضاً غير مؤسس على واقع اجتماعي تاريخي.
نتج عن ذلك أن نُسخ جيل كامل من الرواد (من الأفغاني إلى العلايلي مروراً بالكواكبي ويوسف العظمة وحتى بموسى الصدر)، وأن اشتبه بكل من لم يعلن إلحاده. خلط للمستويات وللمواقف، لم ينفضح إلا حين ارتد عدد من «التقدميين الأقحاح» إلى مواقع دينية طائفية أو ارتموا في أحضان الرجعية السياسية، قذافية كانت أو سعودية. في هذا السياق، تنتصب قامة سليم غزال لتشهد لأولوية الممارسة العملية من دون الموقف الايديولوجي، محكاً للانتماء إلى التقدمية. الإنسان بثماره الفعلية النابعة من قناعة شخصية لا بمواقفه المعلنة.
ونصل إلى علاقة المثقف بالسلطة. المثقف مؤهل طبيعياً لتسلّم السلطة. فهو المعلم والموجه والقائد للعامة لمجرد أنها أمية، لكن الواقع الاستبدادي احتواه أو أقفل أمامه الطريق، ما جعله انقلابياً، وغريباً عن ديموقراطية التي يتشدق بها ليل نهار. كأن السلطة فعل وجود، ومسلك يترسخ في أعماق التربية التقليدية والبنية العائلية. سليم غزال بنى مساره على نقيض هذا التقليد. أنشأ مؤسسات حديثة ونهض بمسؤوليات شتى، ما حوّله سلطة حقيقية. غير أنه ميز بين المسؤولية والسلطة. قام بالأولى ولم يسعَ إلى الثانية. ولم يتقلد سلطة مؤسساتية إلا في سبيل خدمة، منها قبول الأسقفية ودور النائب البطريركي، متبوّئاً قمة هرم السلطة في طائفته. ولا أدل على زهده بالسلطة إلا استقالته من منصبه حين شعر بأنه عاجز عن تنفيذ مشاريعه الإصلاحية.
في كل ما سبق، يلتقي سليم غزال مع القيم التي تحرك الثورة العربية الراهنة. ولا شك في أنّ سليم غزال كان يتوسم تلك الانتفاضة النابعة من المجتمع المدني، على اختلاف مكوّناته. وعندي أيضاً أنه كان سيعتز بما يحرك المواطن السوري اليوم، وإن هو إلا توأم بالتاريخ والثقافة والنسب للمواطن اللبناني الساعي، هو أيضاً وفي سياقه الخاص، إلى بناء مجتمع مدني جديد. نعم، سليم، عليك رحمات الله والوطن غزيرة، يا وجه الوطن الجميل.

الثقافة والفنون » شخصية