رياض سلامة في ثلاثة عقود : نظرة شاملة على السياسات الكارثية لمصرف لبنان ؟

لا يتحمّل حاكم مصرف لبنان، وحده، المسؤولية عن «كوارث» السياسة النقدية، مع أنه المسؤول الأول عنها. لوزارة المالية حق الرقابة وواجبها على سياسة المصرف المركزي. تمارس وزارة المالية رقابتها على المصرف المركزي عبر مفوّض المراقبة، وعبر مدير عام وزارة المالية في المجلس المركزي للمصرف، كما عبر واجب حاكم مصرف لبنان رفع الموازنة السنوية للمصرف إلى وزير المالية، وحق وزير المالية في الرقابة اليومية على عمليات القطع لدى المصرف المركزي. كما لمجلس النواب حق وواجب الرقابة على سياسة المصرف المركزي وأعماله.
أما استقلالية مصرف لبنان، فهي نسبية ومحصورة في النطاق المهني، وهي سقطت مراراً على أكثر من صعيد: حين أجبرت حكومة الرئيس رشيد كرامي مصرف لبنان على شراء سندات الخزينة بفوائد تقلّ كثيراً عن معدّلات التضخّم (حُدِّدت الفائدة بـ20%، حين كان معدّل التضخّم يزيد عن 80%)، حين لم تكتتب المصارف بالمبالغ التي تحتاجها الخزينة. وسقطت هذه الاستقلالية والحصانة عندما دفع الرئيس رفيق الحريري، حال وصوله إلى السلطة عام 1992، حاكمية المصرف إلى الاستقالة، ليأتي بفريقه الخاص إلى حاكمية المصرف؛ وكان على رأس هذا الفريق مدير المحفظة الاستثمارية الخاصة لرفيق الحريري في مؤسسة التوظيف المالي «ميريل لينش»، رياض سلامة.
تصبح إقالة حاكم مصرف لبنان من منصبه «واجباً» عندما يخلّ بواجباته التي حدّدها قانون النقد والتسليف بشكل واضح. تنكّر حاكم مصرف لبنان لواجباته، وتجاوزها إلى سياساتٍ وأعمال لا علاقة للمصرف المركزي بها. لذلك، لا بد من محاسبته ومحاكمته، وإنزال أشدّ العقوبات بحقه، رغم ما يتمتّع به من «حصانة» أميركية.
تنصّ المادة 70 من قانون النقد والتسليف على الآتي:
«مهمة مصرف لبنان العامة هي المحافظة على النقد لتأمين أساس نموّ اقتصادي اجتماعي دائم. وتنصّ مهمة المصرف بشكل خاص ما يلي:
ـ «المحافظة على سلامة النقد اللبناني
ـ المحافظة على الاستقرار الاقتصادي
ـ المحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي.
ـ تطوير السوق النقدية والمالية»
كما تنصّ المادة 72 على الآتي:
«على المصرف أن يقترح على الحكومة التدابير التي يرى أنّ من شأنها التأثير المفيد على ميزان المدفوعات وحركة الأسعار والمالية العامة، وعلى النمو الاقتصادي بصورةٍ عامة… يُطلع المصرف الحكومة على الأمور التي يعتبرها مضرّة بالاقتصاد والنقد».
كما يشدّد قانون النقد والتسليف على دور المصرف في القيام بدراساتٍ اقتصادية، ويفرض على الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع العام ومؤسسات القطاع المشترك تقديم ما يحتاج إليه من إحصاءات ومعلومات، كما تنصّ المادة 73 من قانون النقد والتسليف.
ينصّ قانون النقد والتسليف في «القسم الثالث» منه على إنشاء لجنة استشارية من ستة أعضاء، «أربعة يُختارون بالنظر إلى خبراتهم في الحقول المصرفية والتجارية والصناعية والزراعية، ويُختار واحد من مجلس الإنماء والإعمار، والسادس من أساتذة الاقتصاد الجامعيين، من الجنسية اللبنانية». إنّ تكوين هذه اللجنة يدلّ على شمولية مهمة مصرف لبنان، أو على الأقلّ على تساند قطاعات الاقتصاد وترابطها، وإعطاء السياسة النقدية أبعادها الشاملة، الاقتصادية والاجتماعية. فما الذي حقّقه مصرف لبنان، طيلة 27 عاماً من تحكّم رياض سلامة، في إطار المهمّات التي حدّدها قانون النقد والتسليف؟

كتب | غالب أبو مصلح - أبجد

سياسة الفوائد، أو «كلفة الأموال»
كان من المتوقّع، من أجل تحقيق «نمو اقتصادي واجتماعي دائم»، وبعد سنوات عجاف طوال، أن يخفّض مصرف لبنان الفائدة الحقيقية (معدّل الفائدة الجارية ناقص معدّل التضخّم) إلى حوالي الصفر، كما يقول علم الاقتصاد، وأن لا يتعدّى الفرق بين الفائدتين الدائنة والمدينة 1%. ترفع المصارف المركزية في العالم الفائدة الحقيقية إلى حوالي 4% إذا استهدفت كبح معدّلات التضخّم؛ وتخفّضها إلى حوالي الصفر إذا استهدفت رفع معدّلات نمو الناتج المحلي القائم. إنّ خفض الفائدة الحقيقية على التسليف يشجّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج الحقيقي، ويرفع معدّل المردود الصافي لتوظيف الأموال المقترَضة من السوق المالية.
كان لبنان، سنة 1993، يعاني كثيراً من تفشّي البطالة وتوسّع نطاق الفقر ودمار مؤسسات الإنتاج والبنى التحتية. كان بأمسّ الحاجة إلى سياساتٍ نقديةٍ تنموية، إلى تشجيع ورفع معدّلات الإدّخار، وخفض معدّلات الفائدة الحقيقية على التمويل إلى حدود الصفر. لكن حاكم مصرف لبنان (مع ربط سعر صرف الليرة بالدولار وكبح معدلات التضخّم) رفع الفائدة الحقيقية على الاقتراض إلى حوالي 18%، بينما المردود المتوقَّع على التوظيف المنتج في قطاعات الإنتاج السلعي لا يتعدّى 6% في أحسن الأحوال. بذلك، طُرِدت قطاعات الإنتاج الحقيقي من السوق المالية اللبنانية.
مَن الذي يحدّد معدّلات الفائدة في سوقٍ ماليةٍ حرّة؟ إنّ عاملَي العرض والطلب يحدّدان معدلات الفوائد في سوقٍ حرّةٍ منافسة. وبما أنّ المصرف المركزي هو الذي يخلق الأموال ويضخّ السيولة ويحدّد معدلات السيولة المطلوبة، وهو الملاذ الأخير للمصارف للاقتراض بالعملة اللبنانية، ويحدّد فائدة «الحسم وإعادة الشراء»؛ فهو الذي يتحكّم بمعدلات الفائدة بالليرة. ومع ربط سعر صرف الليرة بالدولار، فالمصرف المركزي يتحكّم أيضاً بفائدة الإقراض بالدولار، مع حرّية صرف الليرة بالعملات الأجنبية. لكن ما حدث في السوق المالية اللبنانية كان أمراً آخر. كانت معدلات الفائدة على سندات الخزينة، والمرتفعة بشكل مفتعل، تشكّل العمود الفقري لهيكليّة الفوائد في السوق المالية اللبنانية. ألغى ثالوث جمعية المصارف – مصرف لبنان – وزارة المالية دور «السوق» في تحديد معدلات الفائدة بالليرة، كما بالدولار، على الودائع والتسليف. شكّلت جمعية المصارف، والتي لا مثيل لها في دول العالم الرأسمالي، بنيةً احتكاريةً كبيرة، ألغت دور المنافسة بين المصارف في تحديد معدلات الفائدة؛ وأصبحت هذه الجمعية تحدّد معدلات الفائدة، الدائنة والمدينة، بالليرة كما بالدولار، عبر تعاميم علنية للمصارف التجارية، مع إعطاء المصارف حق رفع معدلات الفائدة المدينة على الليرة والدولار ببضع نقاطٍ مئوية، ورفعها على الودائع الكبيرة ببضع نقاطٍ مئوية أيضاً، إضافةً إلى ما تحدّده تعاميم الجمعية. أما الفوائد على سندات الخزينة، فلا يتمّ تحديدها بعروض «مزايدات» من المصارف، مقابل معدّلات متصاعدة من الفوائد، بل يتمّ التوافق على معدلات الفوائد للإصدارات المتفاوتة الأجل لسندات الخزينة بين جمعية المصارف ووزارة المال وحاكم مصرف لبنان، وبسرّية تامة. لجمعية المصارف السطوة والسيطرة على هذا الثالوث، لأسبابٍ «اقتصادية» وسياسية، داخلية وخارجية. بالتالي، كان يتمّ تحديد معدّلات الفائدة لمصلحة المصارف ولزيادة ربحيّتها، على حساب مصالح سائر قطاعات الاقتصاد، كما على حساب المالية العامة ومستوى معيشة الجمهور.
يتذرّع مصرف لبنان بالحاجة إلى تدفّقاتٍ خارجيةٍ بالقطع الأجنبي لرفع معدّلات الفائدة على الدولار بشكلٍ خاص. لكن استقطاب هذه الأموال، في ظلّ معدلات الفوائد الحقيقية المرتفعة، يستقطب الأموال الساخنة القصيرة الأجل، الصالحة لتمويلٍ قصير الأجل أيضاً، في المضاربات وتمويل التجارة، حيث دورة رؤوس الأموال لا تتعدّى عادةً ثلاثة أشهر. لهذه الأموال قصيرة الأجل والمتدنّية الكلفة في الخارج القدرة على تمويل الإستهلاك العام والخاص. لذلك، نما الدَّين العام بمعدلات كبيرة جداً، وشهد لبنان تدفّقاتٍ ماليةٍ كبيرة بالدولار. وارتفعت القروض للأفراد من 2% من مجمل إقراض المصارف، عند بداية الألفية الثالثة، إلى 29% من إقراض المصارف سنة 2018؛ كما ارتفع عجز حساب المدفوعات الجاري إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي القائم، وانخفضت معدلات الإدّخار إلى ما دون الصفر، بل إلى حوالي -10% (ناقص عشرة بالمئة)، كما يقدّر البعض. تقرّر معدلات الإدّخار، على المديين المتوسّط والطويل، معدلات التوظيف، والتي تقرّر بدورها معدّلات نمو الناتج المحلي. باختصارٍ شديد، إنّ سياسة الفوائد التي اتّبعها مصرف لبنان منذ سنة 1993 كانت لمصلحة المصارف والأثرياء، وضدّ مصالح قطاعات الإنتاج الحقيقي، وأيضاً ضدّ مصالح الخزينة اللبنانية وجمهور المواطنين. ساعدت هذه السياسة في تقويض مقوّمات الاقتصاد الوطني، وساهمت في دفع لبنان إلى فخّ المديونية وأحضان صندوق النقد الدولي ومشروطيّاته؛ وتسبّبت هذه السياسة في انهيار بنية قطاع المال، في نهاية المطاف. يتحمّل حاكم مصرف لبنان المسؤولية الأولى عن كلّ ذلك.

ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لليرة
خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كقوة اقتصادية هائلة. قُدِّر ناتجها القومي بما يقارب 45% من الناتج العالمي. مكّن هذا الواقع الولايات المتحدة من تنصيب عملتها، الدولار، كعملةٍ عالمية، ومكّنها من إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي ومؤسساته المالية والاقتصادية والتجارية لتكون تحت سيطرتها، ولخدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية. استُبدِل نظام النقد العائم الذي ساد في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية بنظام سعر الصرف الثابت للعملات، عبر ربط الأخير بالدولار، وربط الدولار بسعرٍ ثابتٍ بالذهب، الثابتة قيمته عبر التاريخ. جمعت الولايات المتحدة بذلك معظم ذهب العالم لديها. أخذ ميزان المدفوعات الجاري الأميركي في تحقيق عجوزاتٍ كبيرة منذ أواسط ستّينات القرن الماضي. نتيجة امتيازاتها المالية، استطاعت الولايات المتحدة سدّ عجز ميزان مدفوعاتها بعملتها الخاصة. بذلك، تراكمت لدى دول العالم كمّيات هائلة من الدولارات، بلغت أكثر من أربعة أضعاف ما تجمّع لدى الولايات المتحدة من الذهب. اتّضح خطر هذا الواقع على قيمة مدّخرات العديد من دول العالم عندما بدأت فرنسا ديغول باستبدال الدولارات التي لديها بالذهب من الولايات المتحدة. في سنة 1972، نتيجة عجز الولايات المتحدة عن تلبية طلبات استبدال الدولارات بالذهب، نكثت واشنطن بتعهّداتها لدول العالم، ورفضت الاستمرار باستبدال الدولار بالذهب بسعرٍ ثابت. بذلك، نقلت الولايات المتحدة نظام النقد العالمي من السعر الثابت إلى السعر العائم للعملات، وأصبح عاملَي العرض والطلب يحدّدان سعر صرف العملات كافة.
إنّ ربط سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي، المتغيّر سعر صرفه نسبةً لعملات معظم دول العالم، لم يعنِ تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، كما يقول حاكم مصرف لبنان، بل يعني تبدّل سعر الصرف الحقيقي لليرة مع تبدّل سعر الصرف الحقيقي للدولار في أسواق العالم. إنّ تثبيث سعر صرف عملةٍ ما يعني تثبيت قدرتها الشرائية والتسويقية مع شركائها التجاريين. يعني ذلك ربط سعر صرف هذه العملة بسلّةٍ من عملات الشركاء التجاريين للدولة المعنية، وتثقيل عملات هؤلاء الشركاء بنسبة تجارتهم مع عملة البلد المعني. فالقول إنّ حاكم مصرف لبنان ثبّت سعر صرف الليرة عبر ربطه بالدولار منذ سنة 1993، هو قولٌ مخادع، فيه تضليلٌ كبير. يعني هذا الربط تبعيّة السياسة النقدية لمصرف لبنان، ولو جزئياً، للسلطة النقدية الأميركية، والتي تحدّدها المصالح الاقتصادية والمالية والسياسية للولايات المتحدة. إنّ مصالح الولايات المتحدة هذه لا تتطابق مع مصالح لبنان، بل ربما تتناقض معها.
تخفّض دول العالم سعر الصرف الحقيقي لعملاتها إذا كان ميزان مدفوعاتها يعاني من عجزٍ كبير. إنّ تخفيض سعر الصرف الحقيقي للعملة يرفع من قدرتها التنافسية، فينمّي الصادرات ويخفّض الواردات غير الضرورية، والتي تتوفّر بدائل محلية لها. لا تسمح الدول عادةً، حتى تلك التي لديها فائضٌ كبير في ميزان مدفوعاتها، برفع سعر الصرف الحقيقي لعملتها لأكثر من نقاطٍ معدودة، لا تتجاوز خمس نقاطٍ مئوية، إذا لم تكن مرغمة على ذلك، كما كان حال اليابان وألمانيا في سبعينات القرن الماضي وحتى الألفية الثالثة. لكن مصرف لبنان، بقيادة رياض سلامة، سمح برفع سعر صرف الليرة خلال تسعينات القرن الماضي بنسبةٍ تقارب 100%، أيّ أنه سمح بمضاعفة سعر الصرف الحقيقي لليرة، حسب دراسةٍ أجراها خبراء لبنانيون في صندوق النقد الدولي. وأظهرت دراسة لسعر الصرف الحقيقي لليرة منذ مطلع عام 1993 وحتى عام 1998 ارتفاعاً بنسبة 73%. أدّى هذا الارتفاع الهائل في سعر الصرف الحقيقي لليرة إلى تفاقم عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات. تمّ استبدال الإنتاج المحلي بالمستوردات الزراعية والصناعية، حيث دُمِّرت صناعات الجلود والنسيج والمفروشات بشكلٍ خاص، كما أُغرِقت السوق اللبنانية بالإنتاج الزراعي الأوروبي المدعوم بنسبة 35% كمعدّل وسطي، والذي يدخل السوق اللبنانية برسوم جمركية لا تتعدّى الـ 5%.
كان للسياسة الكارثية في إدارة سعر صرف الليرة أن دفعت بالعديد من الصناعات اللبنانية إلى الدمار، فأفلست المؤسسات ووُرش الإنتاج الصغيرة، بينما رحلت مصانع كبيرة نسبياً ومتوسطة الحجم إلى مصر وجبل علي بشكلٍ خاص. كما أدّت هذه السياسة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي وفقدان قدرة الصادرات الزراعية على المنافسة في سوق الصادرات الخليجية والعربية، كما في السوق المحلية. أدّى ذلك إلى تقلّص المساحات المزروعة في لبنان إلى أقلّ من ثلث الأراضي الصالحة للزراعة، وإلى هجراتٍ كثيفة من الريف إلى أحزمة الفقر حول المدن، وإلى ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع والبطالة، خاصةً في المناطق الريفية، مثل عكار والهرمل وبعلبك والنبطية، كما تدلّ بعض الإحصاءات. أدّت هذه السياسات إلى انخفاض حصّة القوى العاملة من الناتج المحلي، أو من القيمة المضافة، من حوالي 64% في سبعينات القرن الماضي، إلى أقلّ من 22% في سنة 2019، وإلى أقلّ من 10% اليوم، نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وثبات الأجور بالسعر الجاري لليرة. إنّ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، يتحمّل المسؤولية الأولى عن هذه السياسات الكارثية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويجب محاكمته على ذلك.

أزمة الاقتصاد اللبناني: الواقع والحلول - غالب أبو مصلح - Google Books

تخلّف السوق المالية اللبنانية
لم يعمل مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة، جدّياً، على تطوير السوق المالية اللبنانية، التي تقتصر في بنية مؤسّساتها الفاعلة على المصارف التجارية، دون غيرها من أنواع المصارف الأربعة. فبنوك التوظيف المالي التي تملكها بعض المصارف تعمل فقط على تهريب بعض ودائع البنوك التجارية من الاحتياطي الإلزامي. كما لم تعمل حاكمية مصرف لبنان على إعادة بناء السوق المالية (البورصة) على أسس حديثة. لم يعمل مصرف لبنان على إعادة إحياء المصارف المتخصّصة التي انبثقت في أواخر الستّينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، تلبيةً لحاجات الاقتصاد اللبناني من مؤسسات الاقتراض المتخصّص، المتوسّط والطويل الأجل، التي تحتاجه مؤسسات الإنتاج الحقيقي. بل مُنِعت هذه المصارف المتخصّصة، منذ ولادتها، من تلقّي الودائع التي تقلّ آجالها عن 4 سنوات. كان معدّل آجال الودائع في لبنان 40 يوماً فقط، أيّ أنّ هذه المصارف وُلِدت ميتة، وبرأسمال مشترك من المصارف والقطاع العام، أُجبرت المصارف على المساهمة به. أُفلِست هذه المصارف في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، نتيجة سياسات الإقراض المتّبعة فيها: الإقراض بالليرة اللبنانية، دون التحوّط لمخاطر تدهور سعر الصرف، وبفوائد ثابتة، دون التحوّط لإمكانية ارتفاع معدّلات التضخّم؛ بالتالي، لم يكن ثمة معدّل فائدة حقيقية ثابتة أو شبه ثابتة على الإقراض، يمكّن المصارف من الحفاظ على رأسمالها. إنّ اهيار سعر صرف الليرة في الثمانينات، والارتفاع الكبير في معدلات التضخّم، حوّلا إقراض هذه المصارف إلى شبه هبات للمقترضين، فخسرت هذه المصارف رؤوس أموالها، ومانعت المصارف التجارية إعادة تكوين رؤوس الأموال هذه. كان من المُفترض، ومن الحكمة، ربط قيمة القروض بسلّةٍ من العملات لتثبيت قيمتها الحقيقية، وإعطاء القروض بفائدة حقيقية ثابتة، أو بفائدةٍ عائمةٍ مرتبطةٍ بمعدلات التضخّم.
لم يعمل مصرف لبنان بجدّية على إعادة إحياء السوق المالية (البورصة) التي تزاحم المصارف في دور الوساطة المالية، والتي بإمكانها وضع المتموّل مباشرةً أمام المقترض، بكلفة وساطة متدنية جداً. تعارض المصارف التجارية قيام بورصة كهذه، لأنّ قيام بورصة حقيقية يدفع المصارف إلى تضييق الهوّة بين الفائدتين الدائنة والمدينة إلى حوالي 1%، بدل أكثر من 6%، كما هو الآن. إنّ البنية الإحتكارية للمصارف التجارية اللبنانية، والتي تشكّل قوةً سياسيةً ضاغطةً كبرى، نتيجة «تمويل» الأكثرية الساحقة من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعارض تطوير السوق المالية اللبنانية وتحريرها من هيمنتها.
يمكن القول إنّ حاكم مصرف لبنان لم يعمل على تنفيذ المهمّات التي حدّدها له قانون النقد والتسليف، وفقاً للمادة 70، بل عمد فعلياً على تخريب هذه المهمّات بوعي كامل، ولسنوات طوال جداً، تمتدّ إلى 27 عاماً، رغم تحذير الكثيرين من مخاطر هذه السياسات. وعمل الحاكم كذلك على خداع الرأي العام وإخفاء الوقائع عنه، واستعمال لغة موارِبة لتزوير الوقائع، واتخذ لنفسه وللمصرف المركزي أهدافاً أخرى بعيدةً عن ما نص عليه قانون النقد والتسليف، كما سنرى في الجزء الثاني من الدراسة.

في الوقت الذي تنكّر فيه حاكم مصرف لبنان لقانون النقد والتسليف واستهدافاته، وضع للمصرف المركزي استهدافاتٍ وأولويات أخرى، مثل زيادة ربحية المصارف التجارية، ثم “مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، وما تبِع ذلك من “مكافحة الفساد والتهرّب الضريبي”، وبطلبٍ وإلحاحٍ من السلطات الأميركية.
إنّ استهداف المصرف المركزي لزيادة ربحية المصارف التجارية، هو غريبٌ من نوعه، ولا سابقة له في دول العالم. وهو يتناقض مع سياسات المصارف المركزية، التي تستهدف عادةً خفض كلفة الوساطة المالية، خدمةً لقطاعات الإنتاج الحقيقي. لكن الاستهداف الأول ينسجم مع النظام اللبناني، ذي البُنى الاحتكارية الشاملة، حيث تمثّل المصارف التجارية بنيةً احتكاريةً مسيطرة، منذ عهد الاستعمار الفرنسي للبنان. كان سلوك رياض سلامة يمثّل فعلاً توجّهات النظام القائم، المنبثق عن مؤتمر الطائف، وينسجم مع نهج واستهدافات السلطتين التشريعية والتنفيذية.
عُقِد مؤتمر الطائف بعد هزيمة قوى العدوان الأطلسي الأميركي – الصهيوني، وقوى النظام اللبناني الرسمي وميليشياته الطائفية الملتحقة بقوى العدوان. هُزِم العدوان على يد المقاومات الشعبية في بيروت والجبل والجنوب، بدعمٍ سوري وسوفياتي، إذ تحوّل لبنان إثر العدوان إلى ساحة صراعٍ إقليميةٍ ودولية. سبق انعقاد مؤتمر الطائف انهيار الاتحاد السوفياتي، لأسبابٍ غير عسكرية؛ كان للحرب الاقتصادية والمالية والتجارية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضدّ الاتحاد السوفياتي دور في هذا الانهيار، وذلك بعد هزائم المغامرات العسكرية الأميركية في العديد من دول العالم.

هيئة التحقيق الخاصة وأخواتها
اتخذت الولايات المتحدة، منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، من قدراتها الاقتصادية والمالية، المدعومة بقدراتٍ عسكريةٍ طاغية (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، أدواتٍ أساسية في مشاريعها العدوانية التوسّعية، لبسط سيطرتها على العديد من دول العالم. جنّدت الولايات المتحدة مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الثلاث (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة الاتفاقية العامة حول الجمارك والتجارة GATT، التي أصبحت في ما بعد منظمة التجارة العالمية) وقطاع المال العالمي الذي تسيطر عليه وعلى مؤسساته (مثل بنك التسويات الدولية BIS ونظام التحويلات المالية SWIFT)، جنّدتها لشنّ حروبها الاقتصادية لإخضاع شعوب العالم ودوله.
منذ تسعينيات القرن الماضي، أنشأت الولايات المتحدة العديد من المنظّمات الإقليمية والدولية، بإشراف استخباراتها وخزينتها، خدمةً لمصالحها وسيطرتها. كان من أهمّ المنظّمات تلك مجموعة “اغمونت”، التي سارع النظام اللبناني للالتحاق بها. تمثّل مجموعة “اغمونت” المذكورة لـ “وحدات الإخبار المالي”، التي أُنشئت سنة 1995، والمرتبطة بالخزينة الأميركية، إحدى أدوات المراقبة وجمع المعلومات، للتدخّل في العديد من دول العالم. تحاول المجموعة هذه إخفاء هويّتها الحقيقية بالقول إنها:
“منتدى دولي غير سياسي لوحدات الإخبار المالي، لتفعيل التعاون في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (ولديها نظام إلكتروني للتواصل، يسمح بتبادل الرسائل الإلكترونية والمعلومات بشكلٍ آمن بين وحدات الإخبار المالي… وتوفّر سكرتارية مجموعة “اغمونت” الدعم الاستراتيجي والإداري لنشاطات المجموعة، ومركزها تورونتو، كندا”.
للمجموعة أربعة فروع عمل:
1 ـ فريق العمل المعني بتبادل المعلومات حول تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
2 ـ فريق العمل المعني بالعضوية والدعم و”الامتثال”.
3 ـ فريق العمل المعني بالسياسة والإجراءات.
4 ـ فريق العمل المعني بالمساعدة التقنية والتدريب.
ولدى «اغمونت» ثماني مجموعات إقليمية، منها مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي ساهم لبنان كثيراً في إنشائها(1).
أصدر مجلس النواب اللبناني القانون رقم 44 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بتاريخ 20/4/2001، بطلبٍ من حاكم مصرف لبنان، على الأرجح. عُدِّل هذا القانون وطُوِّر بتاريخ 24/5/2012.
ينصّ القانون 44/2001 على إنشاء «هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». ثم انضمّت الهيئة هذه إلى «مجموعة اغمونت» في سنة 2003، و»كانت بين الأوائل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا… وساعدت الهيئة عدداً من وحدات الإخبار المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الحصول على عضوية مجموعة اغمونت، وقدّمت مساعداتٍ تقنية إلى وحدات الإخبار المالي».(2)
أُنشئت بعدها «مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (الـ»مينافاتف»). تعني «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» الوطن العربي، الذي لا تعترف الولايات المتحدة به كوحدةٍ قومية أو حضارية أو حتى لغوية، وتحدّد هويته بموقعه الجغرافي. كان اسمه «الشرق الأدنى» في عهد الاستعمار الأوروبي، وأصبح اسمه «الشرق الأوسط» في عهد الإمبريالية الأميركية. أُنشئت الـ «مينافاتف» عام 2004، في اجتماعٍ عُقِد في «مملكة البحرين». يقول إعلام المجموعة إنها «مجموعة مستقلة عن أيّ هيئة أو منظمة دولية أخرى، وهي ذات طبيعة طوعيّة وتعاونيّة… (هدفها) العمل المشترك بالمواضيع المرتبطة بعمليّات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب». تعمل المجموعة هذه تحت إشراف مجموعة من الدول والمؤسسات الدولية، مثل: الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة وإسبانيا وأستراليا وألمانيا وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة اغمونت. مركز سكرتارية هذه المجموعة البحرين، ويُعتبر لبنان من الدول المؤسِّسة للمجموعة، وهو عمل على «إقناع بعض الدول العربية بالانضمام إليها».
«أكّد رئيس مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محمد بعاصيري (الذي أصبح في ما بعد نائباً لحاكم مصرف لبنان)، أنّ المجموعة تسعى إلى تغيير الفكرة المأخوذة عن العالم العربي كمصدرٍ للإرهاب وتمويله». أوضح بعاصيري، الذي يشغل منصب رئيس هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، «أنّ طبيعة عمل المجموعة تطوعية وتعاونية»، مشيراً إلى أنّ المجموعة لم تؤسَّس بالاتفاق بين أعضائها؛ هي لا تنبثق من معاهدة دولية، وهي مستقلة عن أيّ هيئة أو مؤسسة دولية أخرى تحدِّد عملها ونُظُمها وإجراءاتها».(3)
يعطي القانون رقم 44 هيئة التحقيق الخاصة سلطاتٍ استثنائيةٍ واسعةٍ جداً، منها رفع السرّية المصرفية عن أموال أيّ مشتبه به بـجرم «تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، ولها الحق بالتجميد النهائي لحساباته، وإبقاء الحسابات المشتبه بها قيد المراقبة. توضَع إشارة على القيد والسجلّات العائدة إلى أموال منقولة وغير منقولة، تفيد بأن هذه الأموال هي موضوع تحقيق من قبل «الهيئة». للأخيرة أن تطلب من الأشخاص والجهات المعنية، الرسمية والخاصة، إتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التصرّف بالأموال المنقولة وغير المنقولة؛ وعلى الجهات الرسمية وغير الرسمية أن تستجيب دون أي تأخير لهذا الطلب. لا يخضع العاملون في الهيئة، أو المكلّفون بالعمل فيها، لأحكام القانون الصادر بتاريخ 3/9/1965، وموضوعه سرّية المصارف.
لرئيس الهيئة، أو من ينتدبه الأخير، أن يخابر مباشرةً السلطات اللبنانية أو الأجنبية كافةً (القضائية والإدارية والمالية والأمنية)، بغية طلب معلومات، أو الاطلاع على تفاصيل التحقيقات. على السلطات اللبنانية أن تستجيب فوراً، دون الاعتداد تجاه الهيئة، بأي موجبٍ للسرية.
«يتمتّع العاملون بالهيئة، أو المنتدبين من قبلها، بالحصانة ضمن نطاق عملهم، بحيث لا يجوز الادعاء عليهم أو ملاحقتهم بأي مسؤولية مدنية أو جزائية»، أيّ حتى ولو ألحقوا أضراراً فائقة بمن يجري تجميد أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ولو تبيّن في ما بعد بطلان اتهاماتهم.
«يتحمّل مصرف لبنان نفقات الهيئة والأجهزة التابعة لها من ضمن الموازنة التي تضعها، على أن تحظى بموافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان». يرأس هذه الهيئة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة.
عند إنشاء هذه الهيئة، تمّ استئجار مركز سرّي لها في منطقة الأشرفية في بيروت، ووُضِع هذه المركز تحت حراسة مشدّدة، خوفاً من ردّ فعل «المقاومة الإسلامية» على عمل الهيئة في «مكافحة تمويل الإرهاب». تصنّف الإدارة الأميركية المقاومة كمنظمة إرهابية، وتعتبر نضالها عملاً إرهابياً. لمّا لم تظهر «المقاومة الإسلامية» أيّ ردّ فعل عدواني ضدّ الهيئة، لسنوات عدة، نُقِل مقرّ الهيئة إلى داخل حرم مصرف لبنان. يقول تقرير الهيئة المذكور أعلاه، في مقدمته: «انطلقت هذه المسيرة (مسيرة الهيئة) بإنشاء مؤسسة غير معروفة… تضمّ بضعة موظفين يعملون في مكتب متواضع. حالياً، تشغل (الهيئة) مقراً خاصاً بها، مزوّد بأحدث التجهيزات ومستلزمات الأثاث، داخل حرم مصرف لبنان، وقد تضاعف حجمها خلال السنوات الماضية إلى حد كبير».
يقول أمين عام الهيئة، عبد الحفيظ منصور، «تمكنّا (في سنة 2018) من الإيفاء بكامل واجباتنا، وأثبتنا أننا جميعاً ملتزمون بالتعاون الدولي، وملتزمون أيضاً بتأمين الموارد اللازمة لنبقى دوماً في مرتبة متقدمة ضمن الجهود الدولية المبذولة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (stress added)”. ارتفع عدد موظفي الهيئة إلى 49 موظفاً، إلى جانب أمينها العام، واستطاعت الحصول على “الموارد اللازمة”، وقدرها 700 مليار ليرة (سبعمئة مليار ليرة) من مصرف لبنان، وفقاً لمصادر موثوقة في المصرف المركزي. إن هذا المبلغ الذي يتحمّله مصرف لبنان لتمويل “هيئة التحقيق الخاصة” يتجاوز الموازنات السنويّة للعديد من الوزارات، وتبقى هذه الكلفة محاطةً بالسرية المطلقة، إذ إن رياض سلامة يمتنع عن نشر الموازنة السنوية لمصرف لبنان، ولا يسمح لأحد بالاضطلاع عليها.
يقول رئيس هيئة التحقيق الخاصة، حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، في كلمةٍ قدّم بها تقرير الهيئة السنوي لعام 2018: “سنة 2018 كانت حافلة بالتحديات والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة أساساً عن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، والجمود السياسي… بالرغم من ذلك، نجحنا في صون الاستقرار المالي والنقدي بفضل عزمنا وقدرتنا على الصمود. تبقى مكافحة الجرائم المالية… وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”.
سبق لرياض سلامة أن شدّد على أولوية مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتي لا علاقة لها بمهمّات مصرف لبنان، كما يحدّدها قانون النقد والتسليف، إذ قال: “إن تطبيق المعايير الدولية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا”، وذلك في سنة 2016.(4) 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البورصة العاملة حالياً في بيروت ليست رسمية، ولا مراقبة، ولا تقوم بأعمال البورصة المتعارف عليها في العالم؛ وهي ملك لبعض المصارف التجارية.
هوامش
1 ـ التقرير السنوي لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان لسنة 2018، ص 54.
2 ـ المصدر نفسه، ص 55.
3 ـ جريدة “السفير”، 22/4/2005.
4 ـ صحيفة “الحياة”، “مصرف لبنان شريك في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”، 24/5/2016.

 

غالب أبو مصلح، مفكر سياسي وخبير اقتصادي ومناضل عربي من لبنان
عين كسور، الأول من حزيران، 2020
 

نحو رؤية وطنية لحل الأزمة الإجتماعية ـ الإقتصادية في لبنان (بقلم : غالب أبومصلح)

تكاد الأزمة الإقتصادية البنيوية الشاملة في لبنان أن تنفجر. إنهارت مقومات الإقتصاد اللبناني. إرتفعت معدلات الدين العام إلى حوالي 200% من الناتج المحلي القائم. تنامى عجز ميزان المدفوعات الجاري، نتيجة إنهيار القدرة التنافسية لقطاعات الإنتاج. إتسع نطاق الفقر والبطالة والهجرة. تردّت نوعية الخدمات وكميتها، ونما الهدر في المال العام. دار النقاش، وما زال، حول قضايا جانبية مهمة، بحد ذاتها، لكنها تمثل نتائج الأزمة البنيوية، لا أسبابها. إحتدم النقاش في ظواهر الأزمة، لا في أسسها، وذلك لا يقودنا إلى إكتشاف الأزمة وإيجاد حلول لها. لا بد من تقديم رؤية شاملة، ولو بإختصار شديد، لطبيعة الأزمة البنيوية، ووضع عناوين لسياساتٍ بديلة عن تلك القائمة في لبنان.

المالية العامة : تنمية الواردات

  1. تنمية واردات الخزينة، عبر رفع معدلات الضريبة المباشرة، وفرض ضريبة تصاعدية على شطور المداخيل، بحيث لا تقل الضريبة على الشرائح العليا عن 50%.
  2. وضع ضريبة على الأرباح الرأسمالية (على المضاربات على  الأسهم والعقارات) المحقّقة، أعلى من الضريبة على الأجور والرواتب وأرباح الإنتاج.
  3. رفع الضريبة على الإرث، وجعلها تصاعدية، لتصل شطورها العليا إلى 30% على الأقل، مع إعفاء صغار الورثة من الضريبة، كما عند توريث منزل سكن عائلي، أو أرض زراعية محدودة المساحة، يملكها الفلاح.
  4. توحيد مصادر الدخل للعائلة (زوج وزوجة)، وفرض ضريبة الدخل على كامل مصادر الدخل.
  5. إلغاء السرّية المصرفية تجاه موظفي وزارة المالية، لتمكينهم من متابعة حسابات الشركات والمصارف والتجار ورجال الأعمال والمهنيين (أطباء، محامون، مهندسون، إلخ…)، لجباية الضرائب عن دخلهم الحقيقي.
  6. فرض ضريبة على الثروة، إسوة بالعديد من الدول التي عانت الكثير من الخراب والدمار.
  7. خفض مجمل الضخ الضريبي من الضرائب غير المباشرة (أي الرسوم والضرائب على الإستهلاك)، إلى ما لا يزيد عن 20% من مجمل الضخ الضريبي. ذلك من أجل التوزيع العادل للعبئ الضريبي على فئات الدخل.
  8. رفع الرسوم الجمركية لحماية الصناعات الوليدة والزراعة، بهدف منع إغراق السوق المحلية بسلع مُعانة من الخارج.

المالية العامة : تقليص النفقات

  1. منع أي إنفاق من خارج الموازنة، لأي وزارة، إلا في حالات الطوارئ، وبعد قرار من المجلس النيابي.
  2. إعادة توزيع النفقات على الوزارات والمرافق العامة، بحيث لا يتجاوز الإنفاق الجاري 50% من النفقات العامة، كما كانت الحال في خمسينات القرن الماضي.
  3. إخضاع الوزارات والمؤسسات العامة لمؤسسات الرقابة والمحاسبة. تشمل مؤسسات الرقابة والمحاسبة مجلس النواب وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي ومجلس شورى الدولة. من الضروري أن يقدّم ديوان المحاسبة تقاريره إلى مجلس النواب، وليس إلى رئاسة مجلس الوزراء، كما هو الحال الآن؛ على أن تُنشر هذه التقارير وتُتاح للجمهور.
  4. إخضاع مصرف لبنان لمراقبة دورية من قِبل مجلس النواب، حيث يقدّم حاكم المصرف المركزي تقريراً مفصلاً للمجلس. إعادة صلاحيات مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان، ليمارس واجبه في مراقبة نفقات المصرف المركزي، إذ يصل نصيب وزارة المالية من الأرباح السنوية لمصرف لبنان، قانوناً، إلى 80%.
  5. تخفيض نسبة الإنفاق على المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية. تضخّم هذا الإنفاق، بعد "الطائف"، على مؤسسات "القمع" الداخلي، حتى أصبح لبنان دولةً بوليسية بإمتياز. لا يُحمى الأمن بالقمع فقط، بل بالعدالة الإجتماعية أولاً. يجب أن لا يتعدّى الإنفاق على المؤسسات العسكرية 12% من الموازنة، كحد أقصى.
  6. زيادة الإنفاق على وزارة التربية والجامعة اللبنانية، وحصر الإنفاق التربوي على التعليم الرسمي، بجميع مستوياته، ومنع دفع مساعدات مالية لأقساط أبناء الموظفين في التعليم الخاص. جعل التعليم الرسمي مجانياً في كل مراحله، وإلزامياً حتى نهاية المرحلة المتوسطة، مع التأكيد على توسيع وتطوير التعليم المهني، وربطه بحاجات المجتمع والإقتصاد.
  7. زيادة الإنفاق على وزارة الصحة، ورفع مستوى المستشفيات الحكومية. بناء تنظيم هرمي من المؤسسات الصحية، من المستوصفات في القرى والبلدات، إلى المستشفيات الإقليمية، إلى المستشفيات الجامعية والمتخصصة، على أن يكون الطب مجانياً وحقاً لكل مواطن. منع تعاقد وزارة الصحة مع المسشفيات الخاصة.
  8. إعادة إحياء صندوق الدواء في وزارة الصحة، والذي لم تسمح له إحتكارات الدواء أن يعمل. إن ما تنفقه وزارة الصحة على المستشفيات الخاصة والدواء يكفي لتقديم الخدمات الطبية لجميع اللبنانيين، وبمستوىً جيّد.
  9. رفع نصيب وزارة الزراعة من الإنفاق العام، من أقل من 1% حالياً، إلى 10%، وذلك لتأمين الحد الأعلى من الأمن الغذائي، والحد من هجرة سكان الريف إلى أحزمة الفقر حول المدن، وخفض مستويات البطالة والفقر وسوء التغذية المتصاعدة في لبنان.
  10.  زيادة الإنفاق على وزارة الصناعة، لإنشاء مناطق صناعية مؤهلة بالبنى التحتية اللازمة، وربطها بالمنافذ البحرية والبرية، كما بالتجمعات السكنية القريبة. إنشاء مدارس مهنية تلبّي حاجات هذه المجتمعات لليد العاملة الماهرة والمتخصصة. ربط الصناعات بمراكز البحوث والكليات العلمية في الجامعات.
  11.  إستهداف إعادة توزيع الناتج المحلي، لمصلحة الطبقات الأقل دخلاً، عبر سياسات الضرائب والإنفاق الخدماتي والإجتماعي، بحيث يكون وقع السياسات المالية (Fiscal Impact) يستهدف تضييق فجوة اللامساواة في المجتمع.

السياسة النقدية

تستهدف السياسة النقدية في دول العالم عامةً إلى إستقرار سعر الصرف الحقيقي للعملة، بغية الحفاظ على القدرة الشرائية للمداخيل. وتشرف المصارف المركزية، المؤتمنة على السياسة النقدية، على المصارف التجارية والمتخصصة، كما على المؤسسات المالية، لتأمين سلامتها وأمن ودائع القطاع المنزلي وقطاع الأعمال الخاصة لديها، ولتمكين المصارف من جمع المدخرات وتوزيعها على قطاعات الإقتصاد، بحيث تعطي أفضل مردود للمجتمع، وبأقل كلفة ممكنة. فالمصرف هو الوسيط بين المدخر والمستثمر، ويجني أرباحه من الخدمات التي يؤديها لزبائنه، كما من الفروقات بين الفائدتين، الدائنة والمدينة.

تتحكم المصارف المركزية بكميات النقد المتداول، كما بالعملات الأجنبية، عن طريق تدخلها في سوق القطع. تتحكم المصارف المركزية، بالتالي، بكمية الأموال في الأسواق، وبكلفة هذه الأموال (أسعار الفائدة المعمول بها)، بحيث تؤدي إلى نمو إقتصادي مطلوب، دون إحداث معدلات مرتفعة من التضخم. يستطيع المصرف المركزي توجيه التوظيفات إلى قطاعات إقتصادية مستهدفة عبر خفض فائدة الحسم لهذه القروض، أو عبر دعم فائدة الإقراض لها.

أما في لبنان، وخاصة بعد سنة 1992، تغيّرت السياسة النقدية بشكل كبير. بدلاً من أن يكون المصرف المركزي هو المشرف والقائد للمصارف، خدمةً للإقتصاد اللبناني، أصبحت جمعية المصارف هي المقررة والقائدة والمسيطرة على المصرف المركزي. أصبح هدف السياسة النقدية زيادة ربحية المصارف، على حساب المالية العامة وقطاعات الإقتصاد اللبناني ونموها. رُفعت معدلات الفائدة الجارية والحقيقية على سندات الخزينة إلى مستويات غير مسبوقة. تشكل الفائدة على سندات الخزينة العمود الفقري لبنية هيكلية الفوائد في السوق المالية. تتطلّب  التنمية الإقتصادية، خاصة بعد الحروب والكوارث، خفض الفائدة الحقيقية إلى حوالي الصفر، لتشجيع التوظيف المنتج. لكن مصرف لبنان رفع الفائدة الحقيقية، بعد الدمار الشامل الذي أحثته الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلي-الأميركي للبنان، إلى أكثر من 18%، تعظيماً لربحية المصارف، ولإستقطاب الأموال من الخارج، لحساب الخزينة.

تعمل المصارف المركزية في بلدان العالم على تثبيت سعر الصرف الحقيقي للعملة الوطنية، للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين من ذوي الدخل المحدود، وللحفاظ على القدرات التنافسية لقطاعات الإنتاج، في السوق المحلية، كما في الأسواق الخارجية. ربط مصرف لبنان سعر صرف الليرة بالدولار. لكن سعر صرف الدولار يتغيّر بشكل حاد تجاه عملات أكبر شركائنا التجاريين في العالم. إتبعت الولايات المتحدة في تسعينات القرن الماضي سياسة "الدولار القوي"، لجذب أموالٍ من الخارج، نتيجة عجز ميزان المدفوعات الجاري لديها، كما لاسبابٍ سياسية خارجية عدوانية. إرتفع سعر الصرف الحقيقي لليرة اللبنانية نتيجة ربط الأخيرة بالدولار، وبحدود 100% خلال التسعينات. لهذا السبب، وبسبب الفوائد الحقيقية المرتفعة، هبط معدل النمو الإقتصادي إلى حوالي الصفر في نهاية التسعينات، بدلاً من 8% المستهدف في مشروع "آفاق 2000"، الذي وضعته شركة بيكتل الأميركية، مع دار الهندسة، وبموافقة مجلس الإنماء والإعمار. كما سببت هذه السياسة إفلاس العديد من مؤسسات الإنتاج، وتدهور قطاع الزراعة، نتيجة تراجع القدرات التنافسية لقطاعات الإنتاج السلعي اللبناني. إرتفع عجز ميزان المدفوعات اللبناني، وإرتفعت ربحية المصارف بشكلٍ كبيرٍ جداً، كما إرتفع الدين العام بنسبٍ عالية، نتيجة زيادة الإنفاق الجاري من خارج الموازنة، وتفشى الهدر والفساد، وغابت الرقابة والمحاسبة.

فُتِح الباب واسعاً لتملّك الأجانب حصصاً مسيطرة في المصارف اللبنانية الكبرى. يمكن السيطرة على الشركات والمؤسسات المساهمة بتملّك أقل من 15% من أسهمها. تملك بعض المصارف الأجنبية الكبرى أكثر من 30% من أسهم أكبر المصارف اللبنانية، بحيث أصبحت هذه المصارف تتحكم بمفاصل الإقتصاد اللبناني.

إبتدع مصرف لبنان "الهندسة المالية"، كما أصدر "شهادات الإيداع" للمصارف، وأخذ يدفع فوائد فاحشة على ودائع المصارف التجارية لديه. لذلك، حوّل مصرف لبنان، بهذه الآليات، أرباحه السنوية البالغة أكثر من 4 مليارات دولار إلى المصارف التجارية (حصة الخزينة اللبنانية تبلغ، قانوناً، 80% منها)، بجانب أموال للخزينة، عبر "الهندسة المالية"، بلغت 5.5 مليار دولار في سنة 2016 فقط.

إصلاح الإدارة العامة

شُلَّت الإدارة العامة وأُفسِدت بعد "الطائف" ومع وصول رفيق الحريري إلى السلطة، وذلك عبر السياسات التالية:

  1. تعطيل دور مجلس الخدمة المدنية، ليتم التوظيف عبر الإستزلام السياسي لقادة الطوائف والميليشيات الطائفية.
  2. تعطيل أجهزة المراقبة والمحاسبة وشلّ عمل الإحصاء المركزي، لإخفاء الواقع المتدهور، تحت شعار "ترشيق الدولة".
  3. بعد إلغاء وزارة التصميم، في سبعينات القرن الماضي، تم إنشاء مجلس الإنماء والإعمار. وُسِّعت صلاحيات مجلس الإنماء والإعمار في بدايات التسعينات من القرن الماضي، بحيث أُعطي مهام التخطيط والإستدانة وتنفيذ المشاريع الكبرى، دون مراقبة أو محاسبة من أي جهة.
  4. إتباع سياسات الخصخصة، بقانون ودون قانون، علناً وسراً، كلياً أو جزئياً، لبعض القطاعات، مثل البريد وإستيراد المشتقات النفطية وإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية ومياه الإستهلاك المنزلي والنقل العام والهاتف، إلخ…
  5. خُفِّض عدد الموظفين العامين، وإفراغ العديد من الوزارات من كوادرها، بنسبة 70% كمتوسط. شُلّ عمل هذه الوزارات، وتم توظيف متعاقدين بدلاً من الموظفين، وبرواتب مرتفعة جداً، ودون مباريات، وبإشراف ووصاية البنك الدولي.
  6. تم توظيف أعداد كبيرة من الذين لا عمل لهم ولا دوام خدمة، من التابعين لقادة الميليشيات الطائفية المتناحرة.
  7. تم تلزيم المشاريع دون مناقصات، بالتراضي، وبأسعار جد مرتفعة، ودون رقابة على التنفيذ.
  8. حمت الطوائف وميليشياتها كبار المرتكبين وصغارهم، من الموظفين في الإدارات العامة، من رتبة وزير إلى رتبة حاجب.

بجانب كل ذلك، جرى تمويل الإحتكارات الكبرى (كالمصارف ومستوردي الأدوية ووكلاء الشركات الأجنبية) للطبقة الحاكمة، مما جعل من الفساد بُنيةً شاملة متداخلة مع البنية السياسية والإقتصادية، تمسك بالمجتمع وبالنظام، وتعيد توزيع الناتج المحلي لمصلحة الأثرياء و"الزعران" في لبنان.

إن وجود إدارة مستقلة عن البنية السياسية الطائفية، ذات حصانة، يتم إختيارها بمقياس الكفاءة، بل خاضعة فقط للمراقبة والمحاسبة الدورية، وتخضع للتأهيل الدائم، هي شرط لنهوض الوطن وتنميته. هذه الإدارة غير موجودة في لبنان.

السلع والخدمات العامة

إرتفع الإنفاق على الخدمات العامة بنسبٍ مرتفعة من الموازنة، كما من الناتج المحلي القائم. واكب زيادة الإنفاق تردي كبير في قطاع السلع والخدمات العامة، وبرز العديد من الأزمات، كما في المواصلات والمياه والكهرباء ومعالجة النفايات وتلوث الأنهار والشواطئ وتردّي التعليم العام والخدمات الصحية العامة. لم تستطع آليات السوق الحرة، التي تبشّر بها الليبرالية الجديدة، ولا "اليد الخفية" التي تؤمن بها الطبقة الحاكمة في لبنان تقليدياً، أن تقدّم حلولاً لهذه المشاكل. عجزت الحكومات المتتالية، منذ ربع قرن، عن تقديم حلول لتردي هذه القطاعات الخدماتية. عجز الحكم، أو لم يرغب أساساً، بوضع خطط قصيرة أو متوسطة المدى لمعالجة هذه الأزمات التي تحتاج إلى الدراسة والتخطيط.

قطاعات الإنتاج السلعي

سياسات مقترحة لقطاع الصناعة :

  1. إنشاء مناطق صناعية متخصصة، مرتبطة بشبكة مواصلات وإتصالات حديثة، وذات بنية تحتية متكاملة (مياه وطاقة كهربائية وبنية تحتية معلوماتية وصرف صحي وتأمين مدخلات الإنتاج ومراكز صحية وتعليم مهني، إلخ…)
  2. تفعيل مؤسسة المواصفات والمعايير، لتحديد مواصفات المستوردات من السلع المصنعة ونصف المصنعة والخام، وتحديد مواصفات الإنتاج المحلي. ذلك لحماية المستهلك اللبناني، وحماية الصناعة المحلية من الإغراق بسلع أقل جودة وأدنى سعراً، كما يجري حالياً، وحماية سمعة الصناعة اللبنانية في الخارج، وحماية جودة وسمعة الصادرات الزراعية.
  3. تأمين التمويل المتوسط وطويل الأجل، عبر إحياء المصارف المتخصصة التي تساهم بها المالية العامة، وتعديل قوانينها لتمكينها من إستقطاب الودائع من الجمهور، بالشروط التي تتمتع بها البنوك التجارية، والتسليف لآجال طويلة، بفوائد ثابتة أو عائمة، وقروض مقيّمة بسلّة من عملات شركائنا التجاريين، مثقلة بنسب الإستيراد بهذه العملات، لتمكين المصارف المتخصصة من الحفاظ على رؤوس أموالها إبان إضطرابات الأسواق.
  4. حماية الصناعات الوليدة بالرسوم الجمركية، لسنوات قد تمتد لأكثر من 15 عاماً، حسب نوع الصناعة. كما يمكن دعم هذه الصناعات بالقروض المدعومة وسنوات سماح طويلة، إلى أن تصل هذه الصناعات إلى الربحية.
  5. إعفاء مدخلات الإنتاج من الرسوم الجمركية، وكذلك قطع الغيار للمعدات والآليات.
  6. السعي لإقامة سوق عربية واحدة، تؤمّن إتساع السوق الضروري لإقامة إقتصادات الحجم.
  7. تغيير قوانين الشركات المساهمة لحماية حقوق صغار المساهمين، والتي يبتلعها الآن كبار المساهمين.

سياسات مقترحة لقطاع الزراعة:

  1. الإصلاح الزراعي: أكثر من 35% من الأراضي الزراعية في لبنان هي عبارة عن ملكيات كبيرة، تؤجَّر للفلاحين، خاصة في سهل البقاع وسهل عكار والشريط الساحلي. من الضروري تحديد سقف لحجم الملكية الزراعية، وتوزيع الأراضي على الفلاحين. كما من الضروري تحديد إيجار الأرض ومدة عقد الإيجار، بدل الإيجار السنوي القائم حالياً.
  2. إقامة سدود لتخزين مياه الأمطار، وأقنية ري لتوزيع المياه على الأراضي وبيعها للفلاحين بأسعار معقولة. من الضروري أن يستهدف لبنان تخزين 85% من الهواطل، بدل 5% حالياً، ليصل إلى مستويات التخزين في الشرق الأوسط.
  3. تأمين الإرشاد الزراعية المجاني وفحص التربة من قبل الوزارة، وتقديم الوزارة الشتول والنصوب الحديثة المثمرة، ذات المردود الأعلى، والمقاومة للأمراض، والمطلوب ثمارها في الأسواق الخارجية؛ وذلك بأسعار رمزية للفلاحين.
  4. إحياء المشروع الأخضر لإستصلاح الأراضي، كما إحياء المشروع الأزرق، الذي وضعه خبراء وزارة الزراعة، وتم إسقاطه عبر حجب التمويل عنه. يرفع المشروع الأخير إنتاج السمك في لبنان (تربية وصيد) من 3.5 ألف طن في السنة إلى أكثر من 35 ألف طن. يمكّن المشروع من حصول الفلاحين على أسماك صغيرة تعيش في المياه العذبة الساكنة، ويمكّن صيادي الأسماك من بناء قوارب متوسطة الحجم للصيد في أعالي البحار، بالإضافة إلى تربية الأسماك في مزارع على الشاطئ. يولّد هذا المشروع عملاً لآلاف الصيادين والفلاحين، ويحسّن سلة الغذاء اللبنانية، ويخفّض من عجز الميزان التجاري. كلفة المشروع متواضعة نسبياً.
  5. حماية الإنتاج الزراعي من الإغراق عبر إستيراد سلع معانة بأعلى من الرسوم الجمركية في لبنان.
  6. إلغاء إتفاقية "الشراكة" مع السوق الأوروبية المشتركة، المجحفة جداً بحق لبنان. يتم دعم الزراعة في السوق الأوروبية بمعدل 35% من قيمة إنتاج القطاع، وتصل قيمة الدعم لإنتاج الحليب ومشتقاته في سويسرا مثلاً إلى 52%، في الوقت الذي تفرض فيه هذه الإتفاقية على لبنان أن لا تتعدى الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية 5%، ليتراوح معدل الإغراق في سوق الإنتاج الزراعي اللبناني ما بين 30% و40% من قيمة الإنتاج. دفعت هذه السياسة إلى زيادة إستيراد الإنتاج الزراعي، وإفلاس المزارع اللبناني، أو إفقاره على الأقل، ودفع معظم الفلاحين إلى ترك الأرض والهجرة إلى أحزمة الفقر في ضواحي المدن.
  7. لحل مشكلة الزراعة، من الضروري إقامة "تعاونية زراعية" على صعيد لبنان، لها فروع في كل محافظة. يموّل القطاع العام إنشاء هذه التعاونية، ويدعم عملها. تُراقَب هذه التعاونية من قبل وزارات الزراعة والصناعة والتجارة. تعمل هذه التعاونية على تأمين: أ. مدخلات الإنتاج الزراعي بأسعار الكلفة تقريباً، وخاصةً الأسمدة والأدوية والشتول والبذار. ب. تقديم القروض الموسمية للمزارعين، بفوائد بدل فوائد الربى والكونتوارات الزراعية، التي يصل معدل فوائدها إلى 150% سنوياً. ج. تقديم الإستشارات للفلاحين (الزراعات الأنسب للأراضي، من حيث المناخ والتربة) والإرشاد الزراعي الدائم، بالتعاون مع وزارة الزراعة. د. المساعدة على تسويق الإنتاج التعاوني محلياً وخارجياً (إستهلاك، تبريد، تخزين، تصدير، تصنيع). ه. على الدولة أن تضمن حداً لأسعار بعض الإنتاج، مثل القمح والزيت والبطاطا.

سياسات مقترحة لقطاع النفط

  1. إعادة بناء مصفاتي النفط في الزهراني وطرابلس، ورفع طاقاتهما الإنتاجية، لسد حاجات السوق المحلي وتصدير المشتقات النفطية.
  2. إستعادة القطاع العام مهمة إستيراد وتصدير النفط والمشتقات النفطية، والتي تخلّت عنها الحكومة إلى شركات وإحتكارات محلية وخارجية.

إصلاح قطاع الطاقة الكهربائية

تُعَد الطاقة الكهربائية من صناعات الحجم. كلما كبر حجم المصنع، تدنت كلفة الإنتاج فيه. يتجه العالم كله الآن نحو تشجيع إنتاج الطاقة المتجددة (رياح، شمس، إلخ…) والطاقة النووية، الأرخص والأقل تلويثاً للبيئة. يشكّل سعر الطاقة موضوعاً أساسياً بالنسبة للقدرات التنافسية للصناعات المحلية، كما لإنتاج العديد من الخدمات، ناهيك عن حاجات القطاع المنزلي المتصاعدة للطاقة. فالطاقة الكهربائية قطاع إستراتيجي، لا يجوز أن يكون قطاع متاجرة للقطاع الخاص، الذي لا يهتم سوى بتعظيم ربحه، ولو على حساب الآخرين.

يتسع نطاق الربط الكهربائي بين دول الشرق الأوسط وأوروبا والمغرب العربي. بإمكان هذا الربط توليد الطاقة من الغاز الطبيعي المصاحب للنفط، وتصدير الطاقة الكهربائية بأقل من كلفة إنتاجها في لبنان. من مصلحة لبنان أن يستورد معظم الطاقة الكهربائية، أو جزءً كبيراً منها، ويولّد الباقي من الطاقة المتجددة، لخفض إستيراد النفط والمشتقات النفطية من ناحية، وحماية البيئة من ناحية أخرى. يمكن أن يبقي لبنان مصانع الطاقة الموجودة حالياً، مع تأهيلها، كطاقة إحتياطية، بعد الربط الكهربائي مع الخارج.

من الضروري وضع خريطة للرياح في لبنان، وتشجيع صناعة التوربينات الهوائية محلياً، مع إستيراد بعض مكوناتها (كعلبة التروس)، ودعم إستيراد وتركيب الألواح الشمسية ذات الكفاءة العالية، للإستعمال في المؤسسات والمنازل والمصانع الصغيرة.

بين القطاع العام والقطاع الخاص

أظهرت تقارير البنك الدولي أن الدول الناشئة التي إعتمدت نظام "رأسمالية الدولة" حققت نمواً أعلى بكثير من الدول التي إعتمدت الليبرالية الإقتصادية. يدحض ذلك كل ما يقال عن عدم كفاءة القطاع العام، وبالتالي ضرورة إخراجه من النشاط الإقتصادي. بعض الحكومات تعطل القطاع العام لإظهار عجزه. ثم أن القطاعات الإستراتيجية، حتى في الدول الليبرالية المتقدمة، كفرنسا وألمانيا، أبقت للقطاع العام السيطرة على الموانئ والمرافئ والكهرباء والنقل العام والإتصالات والنفط والطرق العامة والبريد وما إلى ذلك. كما أن هناك سلعاً وقطاعات إستراتيجية يجب وضعها خارج آليات السوق، إذ يشكّل نتاجها حقاً لكل مواطن، تقدمه الدولة دون سعر كلفتها، أو حتى دون مقابل، مثل التعليم، بجميع مراحله، والقطاع الصحي والأدوية في العيادات والمراكز الطبية، والمياه المنزلية. أما الدعوة إلى التشاركية فهي أسوأ من سياسات الخصخصة، إذ يعطي القطاع الخاص ما هو مربح، ويترك للقطاع العام ما هو خاسر.

تغيير القوانين

  1. تغيير قانون الإثراء غير المشروع، وتحريره من المعوقات المقصودة أمام تطبيقه.
  2. تحرير قانون الإنتخابات النيابية من القيد الطائفي، وجعل لبنان دائرة إنتخابية واحدة.
  3. تحرير الترشح لعضوية المجلس النيابي من قيد "الضمانات" المالية، والإستعاضة عن هذه "الضمانات" بحد أدنى من تواقيع التأييد للترشيح، ليكون جدياً، وفتح وسائل الإعلام أمام المرشحين بالتساوي، مع وضع سقف للإنفاق الإنتخابي.
  4. إلغاء قانون السرية المصرفية، الذي وُضع في الأصل لتمكين الأثرياء من التهرب من الضرائب، وكذلك الشركات ومختلف المؤسسات.
  5. إلغاء قانون حماية الوكالات الحصرية (لم يُلغى فعلياً حتى الآن، بالرغم من إقرار إلغائه في المجلس النيابي)، ووضع قوانين تمنع الإحتكارات وتلاحق المحتكرين.
  6. ترفع البنى الإحتكارية في لبنان كلفة المعيشة بنسبة لا تقل عن 35%. تشمل الإحتكارات كل القطاعات، مثل المصارف، ومستوردي الأدوية للبشر وللزراعة، والإستشفاء، ومشتقات النفط والغاز، وبعض المواد الغذائية، ومواد البناء المستوردة والمنتجة محلياً (الإسمنت والرمل والبحص)، مدخلات الإنتاج الزراعي، السيارات، إلخ…

غالب أبو مصلح، 5 نيسان 2019
* غالب أبو مصلح، مناضل ومفكر قومي وخبير اقتصادي عربي من لبنان، له الكثير من المؤلفات والبحوث الإقتصادية والسياسية والتاريخية.